الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

قضية الأقليات في العراق (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015

لم تكن المشكلة التي واجهت الحكومة العراقية العربية والطبقة الحاكمة العراقية من قِبَل العنصر العربي الشيعي في جنوب العراق ذات بال، ولم تنل سوى اهتمام ضئيل من عصبة الأمم، ومع ذلك فقد كانت هذه المشكلة تعادل مشكلة الكورد في تعقيدها وفي الحاجة الماسة إلى إيجاد حل لها، إذ إن أخطارها بدأت بالظهور خلال أشهر قلائل بعد أن ظفر العراق باستقلاله عام 1932م (1)، ذلك لأن استخدام تأثير المذهب الشيعي، وكذلك القوة العشائرية، سلاحاً في السياسة الداخلية العراقية كان يمثل خطراً مهلكاً.

أما الطوائف الأخرى الأقل عدداً، مثل المسيحيين واليهود واليزيدية والتركمان، فإنها لم تُثر سوى القليل من الحوادث. فقد عومل المسيحيون على أساس المساواة مع المسلمين في المجتمع العراقي وفي شؤون الإدارة أيضاً. وعندما أثار جلاء البريطانيين عن العراق في عام 1929 بعض الهواجس لدى بعض المسيحيين، لم يجد رؤساء طوائفهم أي مشقة في طمأنة أتباعهم وحثهم على مواصلة ولائهم لملكهم، ملك العراق. وقد أدت الجولة التي قام بها بعض الوزراء العراقيين في سنة 1931 في القرى التي يسكنها المسيحيون إلى توثيق عرى المودة، كما قُدّمت كلمات الشكر رسمياً إلى القاصد الرسولي في العراق في هذا الشأن.

ولهذا لم يكن من العسير في سنة 1930 إصدار تشريع ينظم الأوضاع الجديدة لهذه الأقليات المسيحية، ويحدد سلطات قساوستهم وممثليهم. وكان الإجراء الذي أريد به تطبيق الإدارة الذاتية، والذي تقبّله المسيحيون، مقيداً في إطار الدولة العصرية، ويراد به أن يؤدي في مدة قصيرة إلى انهيار السلطة الفردية التي يمارسها رؤساؤهم.

ووقعت الطائفة البهائية الصغيرة العدد في بغداد خلال هذه السنوات تحت طائلة حادث يخص البيوت البهائية المتنازع على ملكيتها في العراق. فقد بدأ البهائيون في أواسط العشرينيات من القرن الماضي يصلحون ممتلكاتهم العقارية في بغداد، ولكن المتطرفين من الشيعة المجاورين لهم رفضوا هذه المحاولة، ورفعوا إلى الملك التماساً يطلبون فيه أن يصدر أوامره بإخلاء تلك البيوت ومصادرة مفاتيحها من أيدي البهائيين، علماً بأن القضية كانت ما تزال آنذاك قيد النظر في المحكمة المدنية ببغداد، وأن الحكم قد صدر منها مؤخراً لصالح البهائيين. وقد حاولت عصبة الأمم إثارة هذا الموضوع ومناقشته، غير أن المندوب السامي البريطاني في العراق احتج مراراً على تدخل العصبة في هذا الأمر، ولكن دون طائل.

ولم يقم التركمان في كركوك وكفري والقرى التابعة لهما بأي محاولة للخروج من نطاق الغموض الذي كانت له فائدة لهم، فلم يثيروا أي مشكلة منذ أن تمت تسوية قضية ولاية الموصل الكوردية (كوردستان العراق)، ولهذا قُبلوا في الوظائف العراقية بنسبة تتجاوز كثيراً جداً نسبتهم العددية في العراق (2).

وظل اليهود على حالهم الذي ألفوه من قبل، من اندماج فيما بينهم، وعزلة عن بقية الطوائف، واكتفاء ذاتي، وتجنب للمطامع، وكان يرعاهم وزير المالية الشهير ساسون حسقيل (3). كما حافظوا على مكانتهم في الدوائر الحكومية، وعلى سيطرتهم على كثير من الأسواق، وامتلاكهم الأموال، ودعمهم مدارسهم ومستشفياتهم الخاصة.

وعندما قارب العراق أن يحقق استقلاله في عام 1932، لم يكن اليهود من ضعف العقل بحيث يجرؤون على الاحتجاج المكشوف على الاستقلال العراقي، لأن أسلوب العيش الذي ألفوه في العراق، والمكوث فيه حتى في الأوقات العسيرة عليهم، لم يكن من الأمور الجديدة عليهم. صحيح أن العراقيين، مثل جميع العرب، كانوا يشعرون بالمقت الشديد تجاه الحركة الصهيونية في فلسطين، ولذلك قوبلت هذه الحركة بالتظاهرات العنيفة التي قام بها طلاب المدارس وبعض العناصر الأخرى، والتي جوبه بها اليهودي السير ألفريد موند عندما وصل بغداد في زيارة عمل خلال شهر شباط سنة 1928. وفي السنة التالية، 1929، قامت تظاهرات في المساجد وفي أنحاء بغداد، ووقف أعضاء البرلمان دقيقتين حداداً، وصدرت الصحف مجللة الحواشي بالسواد، وأُرسلت البرقيات إلى لندن تعلن معارضة السياسة البريطانية الموالية لليهود بسبب أحداث انتفاضة البراق في القدس عام 1929 (4). ولكن اليوم الذي طغت فيه هذه الأحاسيس المصحوبة بالعنف ضد اليهود القاطنين في بغداد، الطائعين للقانون العراقي والمتبرئين من الحركة الصهيونية، تأخر سنوات طويلة (5).

أما اليزيديون (الكورد)، الذين لم يشتهروا بأنهم من المقتنصين القدامى للرخاء الذي أصاب العشائر ولا من ضحايا ذلك الاقتناص، فقد تحولوا في نهاية تلك الفترة إلى إثارة شيء من الاضطراب، وذلك بسبب الطرق الخفية الملتوية التي كان يسلكها أميرهم سعيد بك (6). فقد اتُّهم هذا الأمير اليزيدي بسوء التصرف في الإيرادات اليزيدية، وبإهمال مرقد الشيخ عدي وزيارته، ولذلك عقد أشراف اليزيدية مؤتمراً في الموصل سنة 1931 حضره المندوب السامي البريطاني في العراق نفسه.

وعلى الرغم من بعض العوامل الضاغطة على آمال الكورد، فإنهم ظلوا مندمجين في الدولة العراقية العربية الجديدة. وكان الضغط الشديد الذي يعانيه إخوانهم الكورد في كوردستان تركيا وكوردستان إيران من العوامل التي أحدثت تفككاً عميقاً فيما بينهم. وفي الوقت ذاته بذلت الحكومة العراقية العربية كل ما في وسعها للالتزام بالتوصيات التي أصدرتها عصبة الأمم سنة 1925 بشأن الكورد، فقد منحت الكورد نصيباً في مختلف أشكال الوظائف الحكومية، وكان لهم وزير في الوزارة، كما زيد عدد نوابهم في المجلس النيابي تحقيقاً لهذه الغاية. ومع كل ما تقدم، فقد طلب الكورد في عام 1929 من الحكومة العراقية العربية زيادة الإنفاق على أنحاء كوردستان، وتشكيل ولاية كوردية خالصة من المحافظات الكوردية الأربع (السليمانية وأربيل وكركوك ودهوك)، ولم ينسَ الناطقون باسمهم أن يؤكدوا أن المعاهدة البريطانية العراقية التي عُقدت في عام 1922، والوضع الخاص بتسوية قضية ولاية الموصل (كوردستان العراق)، إنما كانا لمصلحة الكورد على نطاق واسع.

وأصبح متوقعاً في سنة 1927 التوصل إلى شروط غريبة محتملة مع الشيخ محمود الحفيد بغية استسلامه للحكومة العراقية، لكن الشيخ محمود الحفيد رفض قبل أي شيء آخر أن يلتزم بتلك الشروط. وقد جعل تصرفه ذاك من الضروري إخراجه من الموضع الذي كان يتحصن فيه في بنجوين، باستخدام القوات العراقية والقوة الجوية البريطانية وقوات المرتزقة معاً، وقصف مواقعه، وإرسال قوات الاستطلاع من الخيالة للتغلغل داخل المناطق الكوردية في كوردستان العراق التي يسكنها حلفاؤه من عشائر الهماوند الكوردية.

وقد أزال انسحاب الشيخ محمود الحفيد إلى داخل أراضي كوردستان الإيرانية، ولو بصفة مؤقتة، عقبة كأداء كانت تعترض طريق إقامة حكم منتظم في محافظة السليمانية، فأصبح مستطاعاً الآن إعادة إنشاء مثل ذلك الحكم عن طريق تحسين الطرق وبناء مراكز الشرطة. كما كان وصول بابا علي، ابن الشيخ محمود الحفيد، إلى بغداد للدخول في المدرسة، ثم إرساله للدراسة في كلية فكتوريا في الإسكندرية، نقطة مركزية في تأهيله علمياً وفكرياً وسياسياً. وبعد أن تخرج بابا علي بعد سنوات في جامعة كولومبيا الأمريكية، عُيّن وزيراً في الحكومة العراقية وفقاً لشروط التسوية مع أبيه الشيخ محمود الحفيد.

واحتل الشيخ أحمد البارزاني مكانة الشيخ محمود الحفيد، الذي كان يمثل الزعيم الكوردي الثائر والعابث بالأمن عام 1927م. وعندما قامت القوات العراقية فيما بعد بمناورات عسكرية في أراضي الشيخ أحمد البارزاني، حفّزت في هذا الشيخ الذكي الشعور بواجبه الشرعي في التمرد والانتفاضة لاحقاً، إذ عدّ ذلك واجباً عليه وهو يستمع إلى نصائح أحد الملالي (رجال الدين) المتدينين. وأدى ذلك إلى وقوع مذبحة ضاعت فيها أرواح كثيرة، من بينها أخو الشيخ أحمد البارزاني، الشيخ صديق البارزاني (7). وأعقب ذلك تدخل الشرطة وتعزيز الحامية العسكرية في «بله» على مقربة من ناحية بارزان، غير أن الشيخ أحمد البارزاني، الذي ظل يتحدث عن الحرب والعصيان ويبعث بالرسائل عنهما إلى كل من ينصت إليه، وينشر الإشاعات عن تدفق الآثوريين إلى أراضيه، كان ما يزال يُعدّ شخصاً مثيراً للجدل. وأعتقد أن تشويه سمعة الشيخ أحمد البارزاني بهذه الطريقة هو سياسة بريطانيا الدائمة تجاه الرموز الوطنية والقومية.

أما ردود فعل الكورد خلال عامي 1929 – 1930، فقد أدت الانتخابات النيابية التي أجريت في عام 1929 إلى حدوث أعمال شغب في مدينة السليمانية. كما سبق للنواب الكورد في البرلمان العراقي أن طرحوا أسئلة عن «الفوائد» التي تقدمها المعاهدة الجديدة 1922 بين العراق وبريطانيا للقضية الكوردية.

ولما كان الشيخ محمود الحفيد يتوقع أن يحظى بالدعم على أساس الادعاءات السابقة نفسها، فقد عمد في شهر أيلول عام 1930 مرة أخرى إلى غزو الأراضي العراقية (كوردستان)، على الرغم من الإنذارات المحددة التي وُجّهت إليه بألا يقدم على هذا العمل. ولم يلبث الشيخ محمود الحفيد أن منح نفسه السلطة بنفسه، وتقدم بطلب إلى المندوب السامي البريطاني في بغداد بأن تتوحد كوردستان كلها في ظل الانتداب البريطاني، وتمتد حدودها من زاخو حتى خانقين. ولم يكتفِ بذلك، بل أقدم على احتلال بنجوين مجدداً، غير أن قوات الجيش العراقي، بمساعدة قاصفات القوة الجوية البريطانية، نجحت في إخراجه من بنجوين وسردشت بعد بضعة أشهر.

واستمر نشاط القوات الكوردية في الانتفاضات خلال شتاء سنة 1930 – 1931، غير أن الحركة الكوردية التي قام بها الشيخ محمود الحفيد في شهر آذار سنة 1931 لإثارة عشائر كفري وخانقين قد أُوقفت بعملية مركّزة من قوات الجيش العراقي وقوات الشرطة العراقية والقوة الجوية البريطانية، فقد استطاعت هذه القوات مجتمعة أن تلتحم مع قوات الشيخ محمود الحفيد التحاماً كبيراً في منطقة «أو – ئي – باويكا»، على بعد عشرين ميلاً (نحو اثنين وثلاثين كيلومتراً) إلى الشمال الشرقي من طوز خورماتو، وأن تجبره على الانسحاب مخلّفاً وراءه عشرين قتيلاً. ثم لجأ إلى داخل أراضي كوردستان الإيرانية، لكنه لم يجد ملجأه المعتاد هناك بسبب العمل التأديبي الذي قامت به الحكومة الفارسية (الإيرانية). وفي لقاء جرى في بنجوين اتُّفق مرة أخرى على شروط الصلح، فأُعطي الشيخ محمود الحفيد تعهدات بالإبقاء على حياته، وخُصصت له منحة مالية، وتقرر أن يكون محل إقامته الثابت المحدد في مدينة الناصرية (8). وكان على الشيخ محمود الحفيد أن يستمع إلى بنود المعاهدة العراقية البريطانية الجديدة عام 1930م، وفيها أن السياستين الخارجية والدفاعية للعراق ليستا من حصة الملك فيصل الأول ولا من اختصاص حكومته، وأن الثورة أو الانتفاضة الكوردية المعادية لبريطانيا ستكون على كف عفريت بعد أن تصافحت أيدٍ عربية وأخرى كوردية مع أيدي المحتل البريطاني.

وكان سلام قلق يسود منطقة بارزان خلال الفترة ما بين 1928 و1931، وقد زار أحد المفتشين الإداريين شيخ بارزان الشيخ أحمد البارزاني (9)، الذي وجهت إليه الحكومة العراقية التحذيرات. غير أن شيخ بارزان الشيخ أحمد البارزاني قام في شهر تموز سنة 1931 بقتال جاره الشيخ رشيد لولان زعيم عشيرة البرواري (10)، وشن غارات ضده أدت إلى إشعال نيران الحرب العشائرية. وكان تشويه سمعة الشيخ أحمد البارزاني وشخصيته من قبل الإعلام البريطاني جزءاً من سياستهم «فرّق تسُد» بين أبناء الشعب العراقي.

وحاول الملا مصطفى البارزاني، شقيق الشيخ أحمد البارزاني، عبثاً تهدئة الأمور بين العشيرتين بالطرق الدبلوماسية، لكن الشيخ أحمد البارزاني سرعان ما أقدم على شن غارات غير معتادة على أراضي إقليم برادوست، أي على عشائر البرواري عام 1931م.

وفي شهر أيلول من تلك السنة، 1931، صدرت الأوامر إلى القوات النظامية بالتدخل في هذا الأمر على الرغم من حلول فصل الشتاء. واستطاعت قوة من الجيش العراقي أن تنفذ عبر الجبال فتصل إلى القرية التي كان الشيخ أحمد البارزاني يقيم فيها، لكنها وقعت في كمين لم تتخلص منه إلا بتدخل القوة الجوية البريطانية، فهوجم الشيخ أحمد البارزاني وأتباعه بالقنابل من الطائرات البريطانية، وحوصر في قريته، وأُجبر على إطلاق سراح الأسرى الذين احتجزهم لأنهم رفضوا الخضوع له، ثم انسحب من إقليم برادوست (منطقة البرواري).

وفي أوائل ربيع 1932، وبعد أن تجاهل الشيخ أحمد البارزاني تماماً التحذيرات التي وجهها إليه المندوب السامي البريطاني في بغداد، تقدمت القوات العراقية داخل أراضيه في منطقة بارزان، فاحتلت منطقة ميركه سور، وراحت تهدد قرية بارزان ذاتها، واستطاعت بمساندة القوة الجوية البريطانية أن تحتل بارزان وكثيراً من الأراضي التابعة لها.

وبعد توقف حصل نتيجة التفاوض على إطلاق أحد الطيارين الإنكليز، وتجربة محاولات أخرى لعقد السلام بشروط سخية، استؤنفت العمليات العسكرية البرية والجوية معاً، وطورد الشيخ أحمد البارزاني في أواسط صيف تلك السنة، 1932، إلى أحد الأودية التي حاول منها اجتياز الحدود التركية، وحينئذٍ أُلقي القبض عليه ونُقل إلى خارج الحدود. وأصبح مستطاعاً آنذاك إقامة إدارة اعتيادية أو شبه اعتيادية في منطقة بارزان، وإنشاء مراكز للشرطة وقوات الاستطلاع، ومنح العفو لبقايا أتباع الشيخ أحمد البارزاني الذين عادوا إلى مواطنهم في منطقة بارزان.

وإذا كانت أمثال هذه الانتفاضات الشبيهة بالحروب ذات النمط المعتاد تحدث في كوردستان منذ آلاف السنين، فإن ذلك لا يصدق إلا قليلاً على العمل السياسي الذي أقدم زعماء الكورد على اتخاذه. ففي شهر تموز سنة 1930 تقدم عشرة من أشراف السليمانية بطلب إلى مجلس عصبة الأمم في جنيف، يطالبون فيه العصبة بأن تشرف على إنشاء دولة كوردية مستقلة في كوردستان. وقد علقت لجنة الانتداب الدائمة على ذلك الطلب بأن عصبة الأمم لم تشر إطلاقاً إلى قيام حكومة كوردية، وإنما كانت قد اقترحت «إجراء معاملة خاصة» ليس إلا، ولذلك ألحّت اللجنة الدائمة للانتداب على الدولة المنتدبة، بريطانيا، أن تضمن تطبيق هذه «المعاملة الخاصة» تطبيقاً تاماً قبل أن يصبح الوقت متأخراً جداً. وأُرسلت إلى عصبة الأمم في سنة 1931 سلسلة من الطلبات الكوردية الأخرى المماثلة كُتبت خلال سنتي 1930 – 1931، ونجم عن تلك الطلبات تقديم توصية مؤداها أن على بريطانيا أن تضغط على حكومة العراق لتضمن ولاء رعاياها من الكورد، وأنهم في مقابل ذلك سوف يحظون باحترام عصبة الأمم واهتمامها بالموقف الصائب الذي تقفه المملكة العراقية.

والواقع أن الحكومة العراقية لم تتأخر لحظة واحدة عن الالتزام بمبدأ استخدام الموظفين من الكورد، ومنهم الفنيون، في المناطق الكوردية، وتأكيداً لهذا الالتزام أقدمت الحكومة على سنّ تشريع اللغة الكوردية الذي جاء لصالح الناطقين بها، وتأسيس مكتب للترجمة، وتعيين مفتش كوردي لوزارة التربية في المناطق الشمالية الشرقية في كوردستان العراق، وتعيين معاون كوردي لمدير الداخلية العام. ثم ألّفت الحكومة العراقية بعد ذلك لجاناً محلية لتقرير لغة التعليم الكوردية التي ينبغي العمل بها في كل مدرسة في المناطق الكوردية، وتحديد نوع الحروف الأبجدية الكوردية المطلوبة، واستبدال الموظفين الذين لا يتكلمون الكوردية.

وقد قام الملك والأمير غازي والمندوب السامي البريطاني في بغداد والوزراء العراقيون بزيارات متكررة إلى المناطق الشمالية والشمالية الشرقية من العراق (كوردستان)، بقصد إزالة الشكوك، وتوثيق الاتصالات الشخصية، وجمع المعلومات المطلوبة التي من شأنها أن ترضي لجنة الانتداب الدائمة التي ما تزال تشعر بالقلق. وكان مستطاعاً في هذه المرحلة أن يتعاظم الأمل في هدوء المناطق الكوردية من كوردستان العراق، ولم تكن تلك الآمال مستحيلة، لكنها انطوت على تفاؤل ليس في محله، لأن حرفة إدارة الدولة وقيادتها، والحنكة السياسية الرفيعة التي تستطيع أن تحقق كل هذه الغايات، لم تكن موجودة. ومع كل ذلك لم تكن الحكومة العراقية حكيمة دوماً في اختيارها موقفاً متردداً إزاء هذه المطالب، فقد كانت هذه المطالب في كثير من الأوقات مطالب انفصالية صريحة لا تتلاءم مع الدولة العراقية العربية الجديدة بالشكل الذي أنشئت به، وكانت تزداد إثارة وهيجاناً بالتنافر الروحي الثابت الذي يشعر به العنصران العربي والكوردي (11)، ولم يتناقص ذلك التنافر بظهور دلائل على أن المستشارين البريطانيين وقفوا تجاه الكورد موقفاً أكثر عطفاً وسخاءً من مواقف رجال الدولة العراقية (12).

وبالإضافة إلى ذلك كان هناك خوف قائم من أن تؤدي الامتيازات التي مُنحت للكورد إلى بروز مطالب مماثلة تتقدم بها مباشرة العناصر الشيعية في الفرات الأوسط، تلك العناصر التي ظلت غيرتها وحسدها عاملاً كبيراً في القضية العربية الكوردية.

المصادر

  1. يحاول أقطاب الاستعمار دوماً في أي بلد من البلاد، كما كان شأن العراق الجديد في مفتتح حياته الاستقلالية، أن يتشبثوا بكل وسائل التفرقة والتمزيق عن طريق الادعاء بأن الطائفة الفلانية أكثر عدداً من الطائفة الأخرى. وقد سار الإنكليز بعد الاحتلال مباشرة على سياسة التفريق الطائفي، فأخذوا يشددون على الناس في ذكر مذاهبهم إلى جانب عقائدهم الدينية، وبقيت هذه التفرقة الطائفية قائمة حتى في المدارس على اختلاف مراحل الدراسة، إلى عهد وزارة ياسين الهاشمي التي تألفت في سنة 1934، والتي ألغت تلك التفرقة وكبحت جماح القائمين بها.

  2. شغل مؤلف الكتاب «لونكريك» منصب الحاكم السياسي البريطاني في كركوك مدة ليست قصيرة، وألمّ بالكثير من أحوال التركمان وتصرفاتهم وسلوكهم في كركوك والقرى التابعة لها، ولذلك فإن ما يصدره من أحكام في هذا الشأن تعززه المشاهدة والتجربة العملية.

  3. المقصود ساسون حسقيل، وزير المالية في وزارات عبد الرحمن النقيب الأولى والثانية والثالثة، وفي الوزارة السعدونية الأولى (عبد المحسن السعدون)، والوزارة الهاشمية الأولى (ياسين الهاشمي).

  4. انتفاضة البراق: حدثت هذه التظاهرات والاحتجاجات في العراق على أثر الانتفاضة التي وقعت في القدس سنة 1929م وعرفت باسم انتفاضة البراق. وقد بدأت ردود الفعل على هذه الانتفاضة في 30 آب 1929، عندما عُقد اجتماع كبير في جامع الحيدرخانة قُدّر عدد المشاركين فيه بأربعة آلاف إلى خمسة آلاف شخص، وخطب فيه عدد من الشخصيات السياسية البارزة، أمثال ياسين الهاشمي ومحمد جعفر أبو التمن ومزاحم الباجه جي ومحمود رامز وغيرهم. وانتقد ياسين الهاشمي اللجوء إلى أساليب القول لا العمل في معالجة القضية الفلسطينية، وبعد انتهاء الخطب أُعلن عن تشكيل «لجنة الاحتجاج بسبب حوادث فلسطين». (د. عباس عطية جبار: العراق والقضية الفلسطينية، ص 88 – 89، 1983).

  5. يشير المؤلف همسلي لونكريك بذلك إلى الحوادث التي وقعت ضد اليهود في بغداد في أوائل شهر حزيران سنة 1941، بعد فشل ثورة أيار/مايس 1941 (حركة رشيد عالي الكيلاني) وعودة الوصي عبد الإله وزمرته من الوزراء إلى العاصمة بغداد من معسكر الحبانية تحت حراب الإنكليز. وكانت تلك الحوادث قد خُطّط لها بدقة قبل وقوعها، وأريد من ورائها إخافة اليهود العراقيين ودفعهم إلى الانخراط في الجمعيات الصهيونية التي كثر عددها في العراق آنذاك، وتشجيعهم على الهجرة سراً إلى فلسطين، إلى أن تم لهم ذلك بصفة رسمية على يد صالح جبر وزير الداخلية في حكومة توفيق السويدي، التي أصدرت في سنة 1950 قانون إسقاط الجنسية العراقية عن اليهود الراغبين في السفر إلى فلسطين.

  6. تولى سعيد بك إمارة اليزيديين بعد مقتل والده علي بك في سنة 1913، ونشأ نشأة أرستقراطية فانغمس في الملذات والملاهي بشكل مفرط، الأمر الذي أدى إلى اشمئزاز رؤساء طائفته اليزيديين منه وقطعهم الهبات عنه. وكان القصد من ذلك المؤتمر إتمام المصالحة بين سعيد بك والخارجين عليه الذين أرادوا عزله عن الإمارة، لكنه ما لبث بعد تلك المصالحة واستعادة مكانته أن عاد إلى مسلكه القديم، إلى أن مات ميتة رجل اعتيادي في أحد الفنادق. (صديق الدملوجي: اليزيدية، ص 30، طبعة 1949).

  7. المقصود بذلك الشيخ صديق البارزاني.

  8. سلّم الشيخ محمود الحفيد نفسه إلى السلطات العراقية في الثالث عشر من أيار 1931، وسُمح له أولاً بالإقامة في بغداد، ثم نُقل منها إلى السماوة فالناصرية وأخيراً إلى عنة. وعندما هرب الشيخ محمود الحفيد في سنة 1927 عبر الحدود العراقية الإيرانية (الفارسية) كان يعيش في قرية «بيران» قرب الحدود، لكنه ما لبث أن عاد إلى داخل الأراضي العراقية في العاشر من أيلول 1930 مع جماعة مسلحة من أتباعه، فاستقر في منطقة «شهربازار» وراح يحرض الكورد على العصيان. وآنذاك أنذره وزير الداخلية والمندوب السامي البريطاني، غير أنه لم يرعوِ عن غيّه، وعندئذٍ أرسلت الحكومة رتلين من الجيش العراقي لقتاله، تحرك الأول إلى بنجوين والثاني إلى «جوارتا»، يعاونهما عدد من الكورد الموالين للحكومة. (عبد الرزاق الحسني: تاريخ الوزارات العراقية، ج 3، ص 135 – 137، ط 1974).

  9. المقصود الشيخ أحمد البارزاني، الزعيم الكوردي الذي كان يتزعم حركات قومية وثورية ويعبث بالأمن في تلك المنطقة في أواخر سني العشرينيات وأوائل سني الثلاثينيات، لغرض الحصول على بعض الحقوق القومية للكورد هناك. ويجدر بنا في هذه المناسبة أن نذكر أن جد الأسرة المعروفة بالبارزانية، نسبة إلى ناحية بارزان، كان على «الطريقة النقشبندية» التي انتمى إليها عدد كبير من الكورد، وكان يدعى «محمد»، في حين حاول أحفاده الشيخ عبد السلام والشيخ أحمد والملا مصطفى والشيخ صديق السيطرة ليس على الكورد في المنطقة فحسب، بل حتى على المسيحيين والآثوريين، لغرض توحيدهم وإنجاح انتظامهم القومي الكوردي.

  10. الشيخ رشيد البرواري هو الشيخ رشيد لولان زعيم عشيرة البرواري، الذي كان يسيطر على إقليم برادوست، وهو من الزعماء الذين قادوا الثورة في وجه السلطات الإنكليزية في سنة 1919.

  11. لم يكن يوجد أصلاً أي تنافر روحي بين العرب والكورد، فقد عاش العنصران آلاف السنين متآخين متصافين، ولكن بروز القومية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في تركيا، والتي كانت في نظرنا من الأدوات السياسية الناجحة التي استخدمتها الدول الاستعمارية لتحطيم التماسك الأخوي بين المسلمين وتمزيق وحدة الإسلام، كانت تلك النعرات القومية هي التي شجعت العناصر المتطرفة ذات المصالح الخاصة من الكورد على الإحساس بالنفرة، بل وحتى بالانفصال عن الشعب العربي، مما شجع أعمال التمرد والانتفاضات خلال العهد الملكي وما بعده.

  12. لا نوافق المؤلف رأيه في موقف المستشارين البريطانيين من الكورد، فقد كانت مواقف أولئك المستشارين الإنكليز وغيرهم، كما أيدت الوقائع دوماً، من العوامل التي شجعت الكورد وغيرهم من الأقليات الأخرى على العصيان وخلق الإرباك للحكومة. وسجل بريطانيا حافل ومشهود بالمآسي نتيجة السياسة التي سلكتها إزاء الأقليات في البلدان التي حكمتها، سواء في ذلك العراق أم فلسطين أم مصر أم السودان وغيرها.


أجزاء «قضية الأقليات في العراق» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني

الجزء الثاني ←