الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
قضية الأقليات في العراق (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015
ويصدق الشيء ذاته أيضاً على الأقلية الصغيرة جداً، والغريبة كثيراً، والأقل تجانساً فيما بينها، ونقصد بها الأقلية الآثورية. فقد استقرت أعداد كبيرة من هؤلاء الآثوريين في سنة 1926 في الأراضي المتناثرة المحيطة بالقرى الكوردية القائمة في محافظة الموصل. وكان إكمال عملية الاستقرار هذه، إضافة إلى إعادة توطين من كانوا أقل رضا، وإدخال تحسينات على المستوطنات، من بين المهمات التي خُطط لها خلال السنوات من 1927 إلى 1930. وقد ظهر مدى اهتمام المندوب السامي البريطاني في بغداد بهذا الأمر في الزيارات التي قام بها لتلك المناطق، وفي المؤتمرات الكثيرة التي عُقدت، وفي دعوته الحكومة العراقية إلى إظهار ودّها الملموس تجاه الآثوريين، حتى وإن كان هؤلاء بموقفهم المراوغ وغير المتعاون قد عملوا نوعاً ما على وقف النشاط الذي كان يبذله الراغبون في تحقيق الخير لهم.
واستُخدم ضابط متخصص تخصصاً جيداً في قضايا الإسكان، وأُعدّ المزيد من القرى في منطقة حرير من قضاء راوندوز لإعادة توطين الآثوريين فيها، كما قُدّمت الحبوب والنقود إلى المترددين من المستوطنين. وفي الوقت ذاته أظهرت الحكومة العراقية حسن نواياها تجاه الآثوريين بتشريع أصدرته في شهر آذار 1927 يقضي بإعفاء المستوطنين من الضرائب لمدة مؤقتة.
وحتى نهاية سنة 1925م لم يكن قد تم توطين أكثر من بضع مئات من العوائل، ولكن في نهاية سنة 1929 لم يبقَ من هذه العوائل سوى حوالي ثلاثمائة عائلة. أما مشروع الاستيطان في منطقة برادوست فلم يتحقق نتيجة النزاع على الأراضي بين الآثوريين أنفسهم، وما كانوا يتمسكون به من ادعاءات. ومع كل ذلك فإن المستوطنات التي أنشئت حول مدينة العمادية، وفي زاخو ودهوك، وفي السهول القائمة على مقربة من عقرة، وفي أراضي حرير في قضاء راوندوز، وفي منطقة الشيخان من الموصل، قد بلغت درجة طيبة من الاستقرار. وبفضل الإعانات المالية، وحسن تنظيم الزراعة من قبل القرويين، وتحسن مواقفهم بصفة عامة إزاء الإقطاعيين الكورد، إذ كان نصف الأراضي المملوكة ملكاً للكورد والنصف الآخر ملكاً للدولة العراقية، فإن رخاءهم يُعدّ جيداً إذا ما قورن بمستويات الحياة الجارية في المنطقة.
كانت علاقات زعماء الآثوريين بالحكومة العراقية في هذه الفترة مُرضية، وكان المدراء المحليون نافعين، والعدل قائماً، وكان التفاؤل يبعث على الأمل في حدوث المزيد من التمازج لدى هذه الأقلية الآثورية، بحيث يمكن الاحتفاظ بها بصفة سليمة جزءاً من هيكل السياسة العراقية، لا أن تظل عنصراً غريباً محروماً أو مضطهداً. وكان إعداد المساكن للآثوريين الذين كانوا من قبل في كوردستان إيران (بلاد فارس) ثم عادوا إلى كوردستان العراق، وكذلك للذين استوطنوا منهم المدن واشتغلوا في الحوانيت والمعامل ومؤسسة السكك الحديد وشركات النفط ومصالح الشرطة والمصالح الأهلية، من الإجراءات النافعة المنطوية على المساندة الذاتية.
وفي الوقت ذاته استمر الآثوريون الذين انضموا إلى قوات المرتزقة (الليفي)، التي لم يبقَ فيها بعد سنة 1928 سوى الآثوريين، يعملون بنشاط في الخدمة الفعلية في كوردستان حتى إنهاء الانتداب البريطاني على العراق عام 1932م، ويحصلون على الثناء الرفيع. وقد بدأ تخفيض قوات الليفي لصالح الجيش العراقي، واستُخدم عدد من الآثوريين في الجيش العراقي أيضاً، ولكن من دون ضباطهم. وحينئذٍ بدأت عملية تفكيك قوات الليفي الآثورية، ونُقلت مقراتها ومستودعاتها عام 1928 من الشمال إلى الهنيدي (معسكر الرشيد) في بغداد، في الوقت الذي تسلم فيه الجيش العراقي معظم مواقع تلك القوات في المرتفعات الشمالية. وظلت قوات الليفي الآثورية موجودة طوال الفترة ما بين سنتي 1928 و1932، وقد استُخدمت مرة أخرى في العمليات التي وُجّهت ضد الشيخ محمود الحفيد.
على أن هذه القوة الآثورية (الليفي) كانت قد شهدت أحسن أيامها، إذ تقرر أن تصبح بعد سنة 1932 مجرد قوة يُعهد إليها بحراسة معسكرات القوة الجوية البريطانية. أما الرجال الذين سُرّحوا من قوات الليفي الآثورية فقد مُنح كل واحد منهم بندقية وذخيرة لغرض الحماية الشخصية في المساكن الجديدة (1) التي أنشئت لهم.
ومن خلال ذلك كان في مستطاع قوات الليفي الآثورية أن تساهم في تكوين اقتصاديات الأقلية الآثورية. وقد أبدت هذه القوات ذكاءً ورغبة عجيبين في استخدام الأساليب البريطانية، وأظهرت قدرة فائقة على التحمل وشجاعة نادرة في حروب الجبال التي كانت ملائمة لها كل الملاءمة. ولكن أخطاء الآثوريين تمثلت في انضباط يطغى عليه الانقياد الأعمى، كان يظهر في الأوقات السيئة في صورة انفجار لأعمال النهب والتمرد الجماعي، وفي الاستعداد للخلط بين آلام طائفتهم والأمور السياسية من جهة وواجباتهم العسكرية من جهة أخرى، وفي النقص الظاهر في ولائهم للعراق الجديد.
لقد كان الاحتفاظ بهم قواتٍ إمبراطورية يديرها البريطانيون، والتناقضات الكثيرة وسوء الفهم بينهم وبين الجيش العراقي، واستخدامهم المتكرر ضد الكورد، من الأمور التي يؤسف لها حقاً.
وكان سوء العلاقة بين الكورد والآثوريين من الأمور التي أغرت بعض الساسة في بغداد باستغلاله بطريقة يسيرة لإثارة الاضطراب، وقد أثمرت هذه الطريقة سلسلة من أعمال القتال، وأثارت الأصوات المعادية للآثوريين بين الكورد. ومع كل ذلك فلو تمسكت الأقلية الآثورية بالصبر، وتجنبت إثارة الشغب، وقبلت بوضعها الجديد في العراق العربي الجديد، وهو وضع كان في الوقت ذاته أفضل من وضع الكلدان والأرمن، لغدا مستقبلها محفوفاً بالسلام وإن لم يخلُ من العيوب، ولحافظت على طقوسها الكنسية وفرديتها الاجتماعية، ولضمن أبناؤها بيوتهم وسعادتهم.
ولكن زعماء الآثوريين اختاروا طرقاً أخرى أدت إلى المأساة، إذ تمسكوا بكل نقطة من قضيتهم المثيرة المعقدة، المتمثلة في ادعائهم بأنهم كانوا حلفاء بصفة رسمية في الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) ولكنهم لم يُكافَؤوا على ذلك أبداً، وأن قواتهم من الليفي الآثوريين قد أدت خدمات واسعة وعميقة، وأنها في الواقع هي التي أنقذت الجزء الجنوبي من كوردستان وأبقت عليه، وأن عصبة الأمم سبق لها في سنة 1925 أن أوصت بإعادة منحهم «امتيازاتهم القديمة» التي ما زالت معترفاً بها حتى الآن، وأن البريطانيين هم الذين قضوا على آمالهم في أن يهتم الأتراك بهم ويعيدوا توطينهم في منطقة حكاري، يضاف إلى ذلك أن البريطانيين قد خانوهم في جنيف.
كان إيشاي مار شمعون، البالغ من العمر خمساً وعشرين سنة (2)، والذي درس في إنكلترا خلال الفترة 1925 – 1929، يجهل الحقائق العراقية جهلاً تاماً، ولم يكن ملائماً لأن يتزعم الآثوريين وأن يشغل أفكارهم بمفاهيم غير واقعية، ذلك لأن الرئيس الذي يحكم بين هؤلاء هو الذي يمتلك السلطة الدينية، التي كان يشعر بأنها يجب أن تُنسب إلى زعامة «الملة» التي كانت في الغالب تحكم نفسها ذاتياً في الأيام الخالية، مهما كانت هذه الزعامة غير مقبولة وغير دستورية في العراق الحديث. وكان والد إيشاي مار شمعون من أشد المحافظين، وكانت عمته سرمة خانم، ومعها الحماسة التي اصطبغت بها مشاعر الطائفة الآثورية الآن، هي الحكم الطاغي لدى الأقلية الآثورية. وإلى جانب ذلك كان هناك القساوسة والزعماء الذين خانتهم حكمتهم فأسرعوا ينشدون الأغراض الانفصالية، فضلاً عن الحالات المريبة، وكل هذه العوامل دفعت الآثوريين إلى التمرد حتى على بطريركهم. وقد دفعت الحماسة التي نالها من الخارج أحد المنكرين من أحفاد هرمز رسام، مساعد لايارد (3)، وكذلك أحد الإنكليز المدعو مايتوثوب أو ماثيو كوب، اللذين أساءا استعمال نفوذهما، إلى تنظيم الاسترحامات من لدن الآثوريين، مما أدى إلى ظهور آمال كاذبة خادعة فيما بينهم، وتعريض العلاقات الآثورية العراقية إلى مزيد من المخاطر.
وفي شهر تشرين الثاني عام 1930 قدم مبعوث المندوب السامي البريطاني في عصبة الأمم تأكيدات كان يعتقد أنها محقة بشأن مستقبل هذه الأقلية الآثورية والأقليات الأخرى ومطامحها. وفي السنة ذاتها، 1930م، عكف السير فرنسيس همفريز، المندوب السامي البريطاني في العراق، على دراسة الاسترحامات التي قدمها هرمز رسام، وتعهد «بمسؤولية بريطانيا الأخلاقية بشأن الموقف الذي ستقفه الحكومة العراقية العربية الجديدة في المستقبل». وما إن عاد السير فرنسيس همفريز إلى العراق، وجوبه بالحالة التي تردت كثيراً بسبب الأعمال التي قام بها الآثوريون، حتى أوصى الحكومة العراقية بأن تظهر كل ما لديها من حسن النوايا للآثوريين، فتستأنف سياستها في إعفائهم من الضرائب، وقد نُفذ هذا الأمر وكانت له نتائجه الطيبة.
وكان من المقرر أن يعقب ذلك الإجراءَ تجديدُ محاولة المضي في مشروع توطين الآثوريين في برادوست، بشروط أكثر جاذبية هذه المرة، وهو المشروع الذي تأجل تنفيذه منذ وقت طويل، لولا أن انفجرت المعارك في منطقة بارزان – برادوست. وفي شهر تشرين الأول سنة 1931 عقد الآثوريون مؤتمراً لهم في الموصل، قدم فيه مار شمعون مطالب إلى عصبة الأمم (4)، كان من بينها ادعاء الآثوريين بأنه لما كانت «ملتهم» لا تستطيع أن تواجه الأوضاع التي ستقوم في العراق بعد انتهاء الانتداب البريطاني عليه عام 1932، فإنه يجب نقل الآثوريين بصفة جماعية إلى أي مكان من الأراضي الخاضعة لسيطرة الغرب، أو إلى سوريا. ولم تأخذ لجنة الانتداب هذه المطالب بنظر الاعتبار طيلة ثلاثة عشر شهراً، الأمر الذي أثار فزع الآثوريين، فقرروا أن يقوموا من جانبهم بعمل مباشر. فقد عرض مار شمعون في شهر أيار سنة 1932 خطة غير معدّة لتجميع كل أفراد الطائفة الآثورية في منطقة دهوك – العمادية في شهر تموز من تلك السنة، كما هدد الآثوريون المنضمون إلى قوات الليفي بتخليهم جميعاً عن تلك القوات في اليوم الأول من شهر حزيران عام 1932م، وذلك في مذكرة تهديدية سلّموها إلى قائدهم البريطاني اللواء ج. غ. براون، الذي كان يدافع دون كلل أو ملل عن حقوق الآثوريين، وتحول في النهاية إلى مؤرخ لقوات الليفي الآثورية (5).
وأدى تدخل المندوب السامي السير فرنسيس همفريز في الأمر إلى تأجيل الأزمة، ومع كل ذلك قدم الآثوريون طلباً آخر إلى عصبة الأمم، وتكرر التهديد باستقالة الآثوريين بصفة جماعية من قوات الليفي في حالة عدم الحصول على نتيجة مرضية. وكان هذا الطلب الجديد يلحّ على الاعتراف بوجود «ملة» آثورية، وبالسلطة الدينية والروحية للبطريرك، وعلى تعيين ممثل آثوري في البرلمان العراقي، وإنشاء مدارس خاصة بالآثوريين، وتقديم الأموال إلى الكنيسة البطريركية التي يتزعمها، وإلحاق أراضي منطقة حكاري في كوردستان تركيا بالعراق، أو تشكيل محافظة تضم كل الآثوريين القاطنين شمال الموصل، مع عدم الإقدام على تنفيذ مشروع جديد معتبر، ومنح حقوق واضحة في تلك الأراضي.
وتخلى الآثوريون في قوات الليفي عن إضرابهم في الواقع بعد أن وصل فوج من القوات البريطانية محمولاً جواً، وهي عملية قوبلت بالترحاب، وعُدّت من العمليات الحربية الشهيرة (6). واستقرت السرايا الأربع لذلك الفوج في المحطات الأربع الرئيسة التي كانت تحتشد فيها قوات الليفي. ولم يلبث مار شمعون، الذي تأثر بهذه الخطوة وبالمبعوث الذي أرسله إليه السير فرنسيس همفريز المندوب السامي البريطاني في العراق عام 1932م، أن وافق على أن يصدر أوامره بأن تظل قوات الليفي الآثورية قائمة بواجباتها إلى أن يُدرس الطلب الذي تقدم به إلى عصبة الأمم في السابع عشر من شهر حزيران 1932. أما قوات الليفي الآثورية التي كانت موجودة في معسكر الهنيدي (معسكر الرشيد لاحقاً)، والتي واصلت تمردها، فقد قُلّص عددها، إذ سُرّح حوالي مائتين وخمسين نفراً من أفرادها، وبطلب من مار شمعون نفسه أُجّل خفض القوات الآثورية المحرَّضة في كل مكان، وحينذاك عاد الفوج البريطاني (نورثمبتونشاير) إلى مصر.
واستجابةً جزئية للطلبات التي أدرجها مار شمعون في الطلب الذي قدمه إلى عصبة الأمم، أقدمت الحكومة العراقية على تأليف لجنة مهمتها البحث عن أراضٍ أخرى لتوطين الآثوريين فيها، فوجدت هذه اللجنة أراضي قليلة صالحة للزراعة ومتوفرة، لكنها أوصت بالإنفاق على مشروع للري في تلك الأراضي لكي يهيئ المزيد من الأراضي الصالحة. وقد قبلت الوزارة القائمة تقرير اللجنة هذا، الذي أُرسل إلى عصبة الأمم في جنيف. وزار الملك فيصل الأول العمادية، وتحدث طويلاً مع مار شمعون، واستعمل كل الوسائل الممكنة لكسب ثقته، لكن ذلك البطريرك الشاب العنيد لم يُلزم نفسه بأي شيء قبل أن يصل جواب عصبة الأمم، ولم يلبث أن غادر العراق إلى سويسرا. وبعد سفره بعث الآثوريون القاطنون في منطقة «برواري بالا» داخل الأراضي العراقية إلى عصبة الأمم بطلب معاكس لطلب مار شمعون، يعربون فيه عن كامل رضاهم بالترتيبات القائمة.
أما المناقشات النهائية التي أجرتها لجنة الانتداب الدائمة ومجلس عصبة الأمم، والاستماع إلى الشكاوى التي تقدمت بها الطائفة الآثورية، واستحالة توفير الاستيطان الجماعي الذي طالب به الآثوريون، فلم ينجم عن ذلك كله أي أمل في تحسن الوضع، لأن الهوة كانت واسعة جداً بين الحكم الذاتي التام الذي طالب به مار شمعون وبين المعاملة الحسنة التي كانت الأقلية الآثورية تعامَل بها على أحسن وجه من لدن الحكومة العراقية. وعلى هذا الأساس رفض مجلس عصبة الأمم رفضاً رسمياً مشروع الحكم الذاتي للآثوريين، ونظر بعين الرضا إلى الاقتراح القاضي بتعيين خبير أجنبي في الاستيطان، وتخلى عن الموضوع بكل ما كان ينطوي عليه من شكوك أعطت التبرير للأعمال التي وقعت بعد ذلك على الفور.
المصادر
كانت هذه الحركة من جانب الإنكليز هي التي شجعت بعض الآثوريين على القيام بالتمرد الواسع في منطقة الموصل في سنتي 1930 و1933، لأن الرجال المسلحين منهم، الذين سبق لهم أن تدربوا على القتال ضمن قوات المرتزقة (الليفي)، كانوا على رأس المتمردين من الآثوريين الذين انخدعوا بأقوال عملاء الاستعمار ووعودهم.
إيشاي أو «إيشو» تعني لدى الآثوريين اسم «عيسى».
عمل هرمز رسام، من عائلة رسام المسيحية المعروفة في الموصل، مع الإنكليز في أعمال التنقيب عن الآثار في نينوى فترة طويلة، ولا سيما مع المنقب الإنكليزي لايارد الذي اكتشف أهم آثار نينوى. أما حفيده، الذي يحمل الاسم نفسه، هرمز رسام، فقد كان ضابطاً في الجيش الإنكليزي في بريطانيا، وقد جاء إلى العراق في سنة 1930 بدعوى أنه نسطوري من الموصل، ولحق به ماثيو كوب، وهو واحد من ضباط البحرية الإنكليزية، فشرع الاثنان يتصلان برؤساء الطوائف المسيحية والآثورية والكوردية ويحثانهم على الانفصال عن العراق. وحين عاد هرمز رسام إلى إنكلترا في نهاية حزيران 1930 بقي ماثيو كوب في العراق فترة أخرى، وشارك في تأليف جمعية في لندن باسم «لجنة إنقاذ الأقليات غير المسلمة في العراق»، التي أخذت تمطر عصبة الأمم ولجنة الانتداب بالاسترحامات والطلبات بتوقيع بعض الزعماء الآثوريين. وقد أُخرج مايتوثوب من العراق في نيسان 1931، على حين ادعى هرمز رسام أنه أصبح الناطق باسم الكورد في لندن. ويقال إنه كان لتوفيق وهبي، الشخصية الكوردية السياسية والقومية والمؤرخ، الذي كان محافظاً للسليمانية في ذلك الوقت، يدٌ في هذه الادعاءات التي أخذ هرمز رسام يدعيها باسم الكورد.
كان الاستعماريون قُبيل الحرب العالمية الأولى وخلالها وما بعدها يجوبون القرى الشمالية من العراق (كوردستان)، والمناطق التي توطن فيها الآثوريون بعد دخولهم إليها من منطقة حكاري، بصفة مبشرين بالدين المسيحي، أو منقبين عن الآثار، أو دارسين لمواطن البشرية، وكان الهدف الحقيقي من وراء ذلك كله تهيئة أذهان الأقليات المختلفة في تلك المناطق للتمرد وتسميمها بالأوهام والخرافات. وقد كان هذا المؤتمر الذي عقده الآثوريون في الموصل سنة 1931، بحجة دراسة مشروع توطين الآثوريين، من إيحاء أولئك المبشرين، وعلى الأخص المبشر الأمريكي «ويغرام» الذي تستّر على أهدافه الحقيقية تحت ستار التبشير والتنقيب، ووضع كتاباً خطيراً عن العراق سماه «مهد البشرية»، ترجمه جرجيس فتح الله ونشرته دار التآخي في أوائل السبعينيات.
وضع «براون» كتاباً بعنوان «قوات المرتزقة في العراق» صدر سنة 1932، وهو مشحون بالأكاذيب والدس والتحيز الفاضح.
فوج نورثمبتونشاير الذي جيء به جواً من مصر.
أجزاء «قضية الأقليات في العراق» (2 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)