الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
قضية ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق) في عصبة الأمم (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2014
أثبت الطرفان (بريطانيا وتركيا الحديثة) خلال محادثات مؤتمر لوزان الأولى عام 1923 أنهما غير راغبين في المساومة في موضوع ولاية الموصل. ولذلك اتفقت تركيا وبريطانيا في 4 شباط (فبراير) 1923 على إخراج موضوع ولاية الموصل (كوردستان العراق) من جدول المفاوضات. وفي محادثات مؤتمر لوزان الثانية (12–24 تموز 1923) المشار إليها سابقاً ظلت قضية ولاية الموصل الكوردية العائق الرئيسي في سبيل توقيع معاهدة سلام بين تركيا ودول التحالف. ولهذا السبب اتفق الطرفان على الانتظار تسعة أشهر لبدء إجراءات التسوية المباشرة لقضية ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وأُدرج ذلك ضمن الفقرة الثالثة من معاهدة لوزان الموقعة في 24 تموز (يوليو) 1923 (1).
وبعد الفشل في إيجاد تسوية للنزاع في غضون الأشهر التسعة المذكورة، أبلغت الحكومة البريطانية عصبة الأمم في 30 آب (أغسطس) 1924 أن الطرفين فشلا في التوصل إلى تسوية، وقررت لجنة عصبة الأمم أن خط بروكسل (Brussels Line)، وهو الحالة الراهنة للحدود بين العراق وتركيا، سيظل الفاصل الحدودي المؤقت إلى حين الوصول إلى التسوية النهائية لنزاع ولاية الموصل الكوردية. ووافقت لجنة عصبة الأمم المعنية بالموضوع في دورتها الثلاثين عام 1924 على إنشاء لجنة أممية لتقصي الحقائق تابعة لعصبة الأمم، تزور المناطق المتنازع عليها وتجمع المعلومات الضرورية لاتخاذ القرار في وضع ولاية الموصل (كوردستان العراق) (2).
وقبيل وصول لجنة تقصي الحقائق الأممية التابعة لعصبة الأمم إلى ولاية الموصل (كوردستان العراق) في شباط (فبراير) 1925، اتخذت كل من تركيا والحكومة العراقية المدعومة من بريطانيا تدابير عديدة لتعزيز موقفيهما وتقويتهما في أوساط الكورد. ففي كانون الثاني (يناير) 1925 قام وزير الداخلية العراقي بجولة في جنوب كوردستان (ولاية الموصل الكوردية)، ووعد بأن الحقوق الوطنية الكوردية سيُعترف بها إذا قرر الكورد البقاء داخل العراق العربي الجديد (3). وتلا ذلك عقد مؤتمر في أربيل عام 1925 أعدّه المسؤولون السياسيون البريطانيون في المقاطعات الكوردية من كوردستان العراق، وقرر المؤتمر (مؤتمر أربيل 1925م) ما يأتي:
تقديم تعويضات سخيّة إلى القبائل الكوردية التي تعرضت قراها ومحاصيلها للتدمير والحرق في أثناء الحملات العسكرية التأديبية التي قامت بها القوات البريطانية والعراقية العربية المشتركة ضد الكورد الذين ساعدوا ثورة الشيخ محمود الحفيد في منطقة السليمانية.
قيام الملك فيصل الأول بجولة في المنطقة الكوردية من كوردستان العراق، لإعطاء الكورد ضمانات تتعلق بحقوقهم القومية داخل كوردستان العراق.
منح المشرفين (الحكام الإنكليز للمقاطعات الكوردية) في ولاية الموصل (كوردستان العراق) الكوردَ تفويضاً أكبر في تسيير الأمور المعاشية.
وضع خطط فورية لمواصلة مد خط السكك الحديدية الذي بناه البريطانيون إلى أعماق كوردستان العراق، من أجل إقناع الكورد بأن الحكومة البريطانية لا تنوي مغادرة المنطقة الكوردية.
وأخيراً، الاتفاق على اتخاذ تدابير عدة وعاجلة للتصدي لأي جهود تركية لإثارة عدم الاستقرار في كوردستان (ولاية الموصل) في أثناء إجراء لجنة عصبة الأمم تحقيقاتها في ولاية الموصل الكوردية (4).
وفضلاً عن ذلك، وفي محاولة لانتهاج سياسة تقدمية في شؤون ولاية الموصل الكوردية، تمكنت المخابرات البريطانية من الاتصال بجمعية «آزادي» (النادي القومي الكوردي) في جنوب شرق تركيا (كوردستان تركيا)، لتنظيم عصيان وتمرد داخل الوحدة (18) من قوات المشاة المتمركزة على الحدود (حركة بيت الشباب). وكان هذا العصيان ضربة قاسية لخطة تركيا الهادفة إلى اتباع سياسة هجومية في ولاية الموصل الكوردية في الوقت الذي تكون فيه استطلاعات لجنة عصبة الأمم لتقصي الحقائق جارية في ولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية (5).
وزعمت الحكومة البريطانية أن قضية ولاية الموصل الكوردية المتنازع عليها هي مجرد رسم حدود لا يستوجب إجراء استفتاء، في حين ادعت تركيا الحديثة أن مسألة ولاية الموصل الكوردية هي مسألة تقرير مصير بالنسبة إلى هذه الولاية الكوردية من كوردستان العراق (6). ومع أن لجنة التحقيق (لجنة تقصي الحقائق الأممية التابعة لعصبة الأمم) اتفقت مع تركيا على أن النزاع ليس محصوراً في رسم الحدود، وأن المسألة هي تقرير الوضع النهائي لولاية الموصل الكوردية، فإنها قررت إجراء استطلاعات منتخبة بدلاً من الاستفتاء العام، لأن إجراء الاستفتاء كان من المتوقع أن يواجه صعوبات فنية لا يمكن حلها (7). وكانت تركيا قد أصرت في المرحلة المبكرة من التحقيق على إجراء استفتاء في ولاية الموصل الكوردية وسيلةً لتسوية النزاع (8).
وعارض البريطانيون هذا الرأي بحجة أن أغلبية السكان في ولاية الموصل من الكورد الأميين من رجال القبائل، وأنه لا توجد أجهزة مناسبة لإجراء مثل هذا الاستفتاء، وأن إجراءه قد يؤدي إلى تهييج القبائل الكوردية وخلق اضطرابات في الأراضي المتنازع عليها (ولاية الموصل - كوردستان العراق). وأخيراً أجرت عصبة الأمم استطلاعاً عاماً لرأي السكان في ولاية الموصل الكوردية من أجل اتخاذ القرار في شأن وضعها (9).
إن معارضة إجراء الاستفتاء نابعة من قناعة المسؤولين البريطانيين وشعورهم بأن الاستفتاء سيكشف أن الأغلبية في ولاية الموصل من الكورد يرغبون في العودة إلى تركيا. وجادل المسؤولون البريطانيون حينئذ قائلين إن الكورد لا يحترمون إلا القوة والجاه. ويقول (إدموندز)، المستشار البريطاني في وزارة الداخلية العراقية، مؤكداً هذا الزعم: «إن الكوردي العادي يعرف أنه لو صوت ضد بريطانيا فإن احتمال معاقبته على فعله هذا بعيد أو مستبعد، وأما إذا صوت ضد تركيا فإن الأخيرة سوف تقوم بمعاقبته» (10). وعبّر اللورد (تسمون)، السكرتير في وزارة المستعمرات البريطانية، عن مخاوف مماثلة، وأضاف: «ولذا فهو (أي الكوردي) سيصوت لصالح تركيا ويثق بطيب خلقنا» (11). ويذكر السيد (آر. كلارك جونسون) سبباً مختلفاً لتردد البريطانيين في إجراء الاستفتاء، قائلاً: «إن وجهة نظر بريطانيا متناقضة. ومع أن وزير الخارجية البريطاني (كيرزون) أحجم بكل حرص عن ذكرها، فلا بد أنه أدرك أن الاستفتاء سيكون كارثة للسياسة البريطانية. إن الغالبية العظمى من الكورد في ولاية الموصل (كوردستان العراق) يريدون الاستقلال، أو على الأقل ضمان الحكم الذاتي الكوردي، ولن يقبلوا تحت أي ظرف من الظروف بأن يحكمهم العرب» (12).
إن وجهة نظر كلارك جونسون هذه تعبر عن موقف البريطانيين من الاستفتاء، وتؤيدها رسالة كتبها السيد (آر. جاردين)، مساعد المستشار البريطاني المرافق لوفد لجنة التحقيق (لجنة تقصي الحقائق الأممية)، قال فيها إنه إذا كان لرغبات الكورد أن تؤخذ في الحسبان، «فإن عدداً ضخماً» قد عبروا عن رغبتهم في دولة كوردية ذات حكم ذاتي تحت ظل البريطانيين أو عصبة الأمم (13). وفضلاً عن هذا، فإن تقرير لجنة التحقيق (تقصي الحقائق) التابعة لعصبة الأمم التي زارت ولاية الموصل الكوردية، الصادر في تموز 1925 عن نتائج تحقيقاتها في الأراضي المتنازع عليها، يؤكد وجهة النظر هذه، إذ يقول التقرير إنه إذا كانت الاعتبارات الإثنية (العرقية) ستؤخذ عاملاً وحيداً في تقرير مستقبل ولاية الموصل (كوردستان العراق)، فإن إنشاء دولة كوردية مستقلة في كوردستان سيكون شرعياً (14).
ومن الأمور اللافتة للاهتمام أن الأتراك لم تكن لديهم أية مخاوف جدية من احتمال أن يختار الكورد إنشاء دولة كوردية منفصلة. ويعود سبب هذا جزئياً إلى إدراكهم أن القوميين الكورد غير موحدين فيما بينهم، وأنهم نخبة صغيرة محصورة في السليمانية، وأن الزعماء القبليين الكورد مع رجالهم وقبائلهم منقسمون في ولائهم كذلك (15). ويبدو أن الأتراك كانوا على يقين من حصول تصويت لصالح الرأي الموالي لتركيا إذا جرى الاستفتاء، فقد كانت لديهم حسابات مبالغ فيها عن عدد الأتراك التركمان الساكنين في ولاية الموصل الكوردية. والدليل على ذلك أن تركيا ادعت باستمرار، مثلاً، أن عددهم في لواء (محافظة) السليمانية هو 32900، غير أن تقرير لجنة تقصي الحقائق الأممية التابعة لعصبة الأمم ذكر أن عدد التركمان فيه شخصان فقط (16).
والتعليلات المختلفة المذكورة عن سبب معارضة البريطانيين لإجراء الاستفتاء فيها شيء من الصحة. فالغالبية من السكان في ولاية الموصل الكوردية، كما يزعم البريطانيون، أميون من رجال القبائل الكوردية، فقد لا يتمكنون من المشاركة في الاستفتاء، أو لا توجد الأجهزة الضرورية لإجراء استفتاء معتمد غير مزور يكون انعكاساً حقيقياً لرغبة سكان الأراضي المتنازع عليها. ولذا فإن الموقف البريطاني لا يمكن إغفاله. ومع ذلك تنبغي الملاحظة هنا أن الحكومة البريطانية أجرت في عام 1921 استفتاءً في كل العراق لانتخاب الأمير فيصل بن الشريف حسين بن علي ملكاً على العراق.
وعلى هذه الصورة فإن رأي تركيا أيضاً صحيح وسليم، فتقرير مصير منطقة يزيد عدد نفوسها على المليون يستدعي استفتاء أهلها أيضاً. وصحيح أيضاً أنه كانت لدى الحكومة البريطانية بعض المخاوف من أن تدعو نتيجة الاستفتاء إلى إقامة حكم ذاتي كوردي، وأن طلباً شعبياً كهذا من جانب الكورد سوف يضع السلطات البريطانية في العراق العربي في حيرة وفي وضع مربك، وهي التي قررت في أثناء فترة ما بعد مؤتمر لوزان عام 1923 الدمج الكامل للمقاطعات الكوردية بالعراق العربي الجديد.
ومع وصول لجنة عصبة الأمم لتقصي الحقائق إلى كوردستان في شباط (فبراير) 1925، ازدادت عبر الحدود نشاطات الجماعات الموالية لتركيا في ولاية الموصل الكوردية. وشرعت اللجنة السرية الموالية لتركيا في العمل بنشاط داخل ولاية الموصل الكوردية، ولا سيما الجماعات التي يتزعمها زعماء تركمان مشهورون في كركوك وأربيل. فمثلاً، استخدم فتاح بك وناظم نفطجي زاده، وهما عضوان من المنطقة كانا يمثلان ولاية الموصل الكوردية عام 1924 في المجلس الوطني الأعلى في أنقرة، نفوذهما في ولاية الموصل الكوردية لتشجيع العناصر الموالية لتركيا على إعلان تعاطفها معها (17).
ولذلك بدأ كثير من الزعماء الكورد على الحدود يتحدون السلطات البريطانية علناً. ويرجع هذا التحدي من جانب الكورد جزئياً إلى خوفهم من أن تعود تركيا إلى المنطقة الكوردية وتنتقم منهم. ومن ذلك مثلاً بيان نُشر في أربيل يقول:
«أيها المسلمون الكورد، اعتقد الإنكليز أنكم لا تعرفون قداسة دين محمد صلى الله عليه وسلم وحرمته، ومن أجل خلق العداوة والحرب بين الجماعتين المسلمتين (الكورد والأتراك) قاموا بإنشاء حكم ذاتي لمصالحهم فقط، متجاهلين أن الكورد والأتراك إخوان في الدين وأنهم أمة واحدة. وعندما أدرك البريطانيون هذه الحقيقة ألغوا الحكم الذاتي وقذفوا بالقنابل قلب مدينة السليمانية، وقتلوا أولادكم ودمروا ممتلكاتكم. إن الأتراك يعودون لإنقاذكم من الكفار. قولوا للجنة (لجنة التحقيق التابعة لعصبة الأمم): نحن مسلمون ونعيش معاً مع المسلمين الأتراك الذين يخدمون الإسلام، ولا نريد أن نعيش مع العرب والكفار. فإن ساندتم الحكومة العراقية العربية الجديدة فإنكم ستكونون حلفاء للعرب والكفار، ولن ينفعكم الندم بعد ذلك» (18).
لقد جمع هذا البيان بين إثارة العواطف الدينية والتحذير من العواقب الرهيبة والوخيمة إذا ساند الكورد السلطات البريطانية، ورافقه نشر الشائعات. فقد قيل للكورد مثلاً إن الشيخ محمود الحفيد قد احتل السليمانية مرة أخرى، وإن عدداً كبيراً من القوات التركية قد عبر الحدود عند بلدة زاخو (19). ويبدو أن مثل هذه الشائعات كان لها صدى كبير بين السكان الكورد في كوردستان العراق. ففي آذار (مارس) 1925 كتبت المس بيل أن التهديدات التركية ودعايتها كانت لها آثار معينة في الكورد، وقد استحوذت عليهم كثيراً بمساعدة «أشخاص سيئين» (20).
واستمرت الاتصالات التركية في أوساط قبائل الكورد على الحدود مع تركيا، في بهدينان بصفة خاصة، واجتمع الزعماء الدينيون والوجهاء على الحدود الشمالية ووافقوا على سياسة عصيان مدني عام، وذلك برفض دفع الضرائب إلى حكومة العراق العربي الجديد. فضلاً عن ذلك، اتصل عدد من الزعماء في المنطقة الكوردية بالقائد التركي العقيد (شفيق المصري) على الحدود، معبرين عن استعدادهم للقتال إلى جانب تركيا إذا قررت عبور الحدود (21). وفي غضون ذلك استغل مصطفى كمال الثورة المعادية للكمالية التي قادها الشيخ الكوردي سعيد بيران عام 1925 في جنوب شرق تركيا (كوردستان تركيا) شرق الأناضول ذريعةً لحشد نحو خمسين ألفاً من قواته، مع قوات أخرى غير نظامية، على الحدود (22).
ويبدو من هذا أن تركيا كانت تحاول اتباع سياستها الهجومية المعتادة، وذلك بحشد أكبر عدد من قواتها النظامية لممارسة الضغط على العدو (البريطاني)، وإرسال زمر من القوات غير النظامية عبر الحدود لحرب الإنهاك والاستنزاف. وهذه هي الوسيلة التي استخدمتها تركيا لإجبار فرنسا على الانسحاب من منطقة غازي عنتاب (Gaziantep) في شرق تركيا (كوردستان)، وكذلك لإجبار اليونان على الخروج من إزمير. وظنت تركيا أن إرسال «الچتا» (القوات غير النظامية) عبر الحدود الشمالية لشن هجمات متزامنة مع هجمات (الكر والفر) التي كان يشنها الشيخ محمود الحفيد في الجانب الشمالي الشرقي من الحدود، قد يجبر البريطانيين على الخروج من ولاية الموصل الكوردية (23). وكان القصد من حشد القوات أيضاً إظهار التصميم التركي على الادعاء بولاية الموصل الكوردية، وأراد مصطفى كمال أتاتورك أن يكون لهذه الدعايات «تأثير معنوي» في مناقشات لجنة التحقيق الأممية المرسلة من قبل عصبة الأمم (24).
ولجأت الحكومة البريطانية هي الأخرى إلى التلاعب بالكورد واستغلالهم. فقبل وصول لجنة التحقيق الأممية التابعة لعصبة الأمم اتفق المسؤولون البريطانيون مع الكورد على ترتيبات معينة، وجرى تشجيع الكورد الموالين لبريطانيا في السليمانية على تكوين «جمعية مدافعي وطني سليمانية» (الجمعية القومية للدفاع في السليمانية)، ونشرت صحيفة (زيانه وه Zhianawa) آراءهم. كما نشرت الصحيفة المذكورة افتتاحيات ومقالات تذكّر فيها الكورد بالعذاب والشقاء خلال فترة سيطرة الترك السابقة، وأكدت الحاجة إلى وجود صداقة بين بريطانيا والكورد (25). فضلاً عن ذلك، عندما كانت لجنة التحقيق في السليمانية وعبرت عن استعدادها للالتقاء بالشيخ محمود الحفيد، عارض المسؤولون البريطانيون ذلك محتجين بأن لقاءً كهذا سوف يعطي الشرعية لثورة الشيخ محمود الحفيد في أعين الكورد، وسيؤدي إلى تعقيد مهام اللجنة التحقيقية الأممية في المنطقة.
وفي كركوك جرى اعتقال سيد أحمد خانقا الموالي لتركيا. وجاء المسؤولون البريطانيون بزعماء من عشيرة الطالباني الكوردية وعدد من الوجهاء ورجال الدين والشخصيات البارزة ليعبروا للجنة عن استيائهم من إلغاء الأتراك الخلافة الإسلامية. واتُّخذت إجراءات مماثلة في أربيل. وأُعطيت صلاحيات واسعة للكابتن (ليون)، الضابط السياسي في الموصل، لاعتقال كل العناصر الموالية لتركيا ونفيها (26). وفي لواء (محافظة) الموصل كان العرب المسلمون والمسيحيون والكورد الإيزيديون، في أغلب الحالات، هم الحريصين بقوة على الوحدة مع العراق العربي الجديد، وابتعد جزء كبير من الكورد عن مصطفى كمال أتاتورك بسبب إلغائه الخلافة الإسلامية (27).
وجرى سجن الزعماء الذين أظهروا ولاءهم لتركيا ورفضوا دفع الضرائب، أو نفيهم، وخُرّبت قراهم بالقنابل وأُحرقت على أيدي المجندين الآثوريين/الآشوريين المرتزقة (قوة الليفي). وكانت حملات القمع واسعة النطاق، حتى إن الشيخ أحمد البارزاني من بارزان كتب إلى الحكومة العراقية في 10 آذار (مارس) 1925 قائلاً: «إذا لم تتوقف حملة الغارات فسيكون هو وعدد من القبائل الكوردية مجبرين على الهجرة الجماعية إلى كوردستان تركيا» (28). فضلاً عن ذلك، كانت عمليات اعتقال الشخصيات الكوردية ونفيها تجري على نطاق واسع في ولاية الموصل الكوردية، حتى إن لجنة التحقيق الأممية التابعة لعصبة الأمم وجهت شكاوى إلى المسؤولين البريطانيين والحكومة العراقية كليهما حول الموضوع (29).
وبالمقارنة مع تركيا، كانت للحكومة البريطانية الأفضلية في العلاقة مع الكورد في أثناء الصراع على ولاية الموصل الكوردية عام 1925. فقد أوجد بعض الكورد لأنفسهم مصالح في الحكومة العراقية العربية الجديدة، وذلك عن طريق انتخاب ممثلين من الكورد في المناطق الكوردية إلى مجلس النواب العراقي، وفضلاً عن ذلك وعد الملك فيصل الأول بضمان الحقوق الثقافية الكوردية في كوردستان العراق إذا قرر الكورد البقاء داخل العراق العربي الجديد. وحذرت وسائل الإعلام البريطانية والعراقية الكورد من أنهم إذا انضموا إلى الأتراك فسوف يفقدون حقوقهم الوطنية التي كُفلت لهم في كوردستان العراق الجديد (30). وأخيراً، وفي محاولة لطمأنة وجهاء المدن والزعماء الكورد الذين امتلكوا الأراضي بصورة غير رسمية، ومن أجل كسبهم إلى جانب بريطانيا في النزاع، طلبت الحكومة البريطانية من الحكومة العراقية العربية الجديدة ألا تفتح سجلات الأراضي الخاصة بالطابو في أثناء وجود لجنة التحقيق الدولية هناك، لكسب رؤساء العشائر الكوردية المستولين على الأراضي (31).
لكن الحادثة التي كانت لها آثار بالغة في موقف الكورد خلال النزاع على ولاية الموصل الكوردية هي ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925 في أوساط الكورد في كوردستان تركيا. فمنذ مؤتمر لوزان (24 تموز 1923) كان الأتراك يصرون بكل قوة على أنهم والكورد متحدون في الجنس والدين، وزعموا أن العلاقات التركية - الكوردية كانت ممتازة دائماً. أما ثورة آذار/نيسان (مارس/أبريل) 1925 التي قادها الشيخ سعيد بيران، والوحشية التركية التي قُمعت بها، فقد قضت على كل ادعاء بوحدة الكورد والترك، وهدمت كل الأسس التي بنت عليها تركيا ادعاءاتها بتركية ولاية الموصل الكوردية. وجاءت الثورة الكوردية بصفة خاصة في زمن غير مناسب للأتراك، فأيدت بذلك الادعاءات البريطانية القائلة إن الكورد لا يريدون أن يحكمهم الأتراك (32).
وبينما كانت لجنة التحقيق الأممية التابعة لعصبة الأمم تقوم بجولة في المناطق الكوردية الحدودية، كان المئات من اللاجئين الكورد يعبرون الحدود من كوردستان تركيا إلى داخل كوردستان العراق العربي الجديد، حاملين معهم روايات عن فظاعة الأتراك ووحشيتهم في التعامل مع الكورد. وكانت هذه ضربة لسمعة تركيا في أوساط قبائل الكورد على الحدود، التي كانت غالبيتها من الموالين لتركيا (33). ونقلت صحيفة (زيانه وه) أيضاً أنباء عن حدوث مذبحة واسعة النطاق ضد الكورد في كوردستان تركيا، كما نقلت نبأ محاكمة الشيخ سعيد بيران وإعدامه مع عدد آخر من قادة الكورد في شمال كوردستان (كوردستان تركيا). وقد أبعدت هذه الحادثة عن موقف الحكومة التركية الشيوخ الدينيين الكورد الذين كانوا يدافعون سابقاً عن ادعاء تركيا في ولاية الموصل (كوردستان العراق) (34). وفي الواقع فإن إلغاء مصطفى كمال أتاتورك الخلافة الإسلامية وقمعه ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925 قد قطعا جذور ادعاءاته في ولاية الموصل الكوردستانية. ولاحظ وديع جويدة أن قيام الشيخ سعيد بيران بالثورة، والوحشية التركية التي قُمعت بها الثورة الكوردية، كان لهما بالتأكيد الفضل في حل المسألة لصالح بريطانيا (35).
أجزاء «قضية ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق) في عصبة الأمم» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني