الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

كوردستان والإمبراطورية العثمانية: كوردستان قبل الدخول في المجال العثماني (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

3- الكورد في مواجهة الأطماع والهجمات الصفوية

أ- التوسع الصفوي في كوردستان

تأثرت كوردستان في بدايات القرن السادس عشر بالأحداث التي كانت تجري في شمال غرب إيران، والتي تمثلت في الحركات العسكرية التي كان يقودها إسماعيل الصفوي في تلك الأنحاء. ففي أعقاب انتصاره على فرخ يسار - حاكم منطقة شيروان الواقعة غربي بحر قزوين - في أيلول 1500، دخل إسماعيل الصفوي معركة فاصلة مع حاكم دولة الآق قوينلو التركمانية على إقليم أذربيجان، المسمّى ألوند ميرزا، فأسفرت المعركة عن فوز ساحق للقوات الصفوية، واستولى إسماعيل الصفوي على أذربيجان، ودخل تبريز في عام 1501م وتوّج نفسه شاهاً على الدولة الصفوية التي أعلن تأسيسها. وفي السنوات القليلة التالية حقق الشاه الجديد سلسلة من الانتصارات مكّنته من مدّ حكمه على معظم أرجاء إيران.

ودخلت الدولة الصفوية بعد تأسيسها في صراع مع دولة الآق قوينلو التركمانية نتيجة المحاولات التوسعية للشاه إسماعيل الصفوي (1501-1524م). وقد وصل ذلك الصراع إلى نهايته عندما غزا الشاه إسماعيل الصفوي بغداد واستولى عليها في عام 1508م، وبذلك قضى على دولة الآق قوينلو التركمانية إلى الأبد.

وكان إلحاق كوردستان بالدولة الصفوية يأتي ضمن تلك المحاولات التوسعية، فقد عدّ الشاه إسماعيل الصفوي المناطق الكوردية مجالاً حيوياً لدولته الفتية، إذ تمتعت كوردستان - إضافة إلى أهميتها الاقتصادية والعسكرية - بموقع استراتيجي مهم يتمثل في وقوعها على الطرق التجارية الرئيسة التي تصل إيران بالبحر المتوسط، حيث كان الحرير الإيراني - وهو المصدر الرئيسي لإيران في تلك الفترة - يُصدَّر عبر هذا الطريق إلى أوروبا.

كان التوسع في كوردستان يبدو مهمة سهلة بالنسبة للشاه إسماعيل الصفوي؛ فمع أن بعض أقسامها كانت تابعة اسمياً لدولة الآق قوينلو التركمانية، فإنها كانت على العموم تفتقر إلى قوة مركزية تقف في وجهه. فقد كانت كوردستان - كما أسلفنا - تتألف من العديد من الإمارات المتنافرة والمتناحرة، وكانت كل واحدة منها تعدّ نفسها مسؤولة عن حدودها فقط، لذلك كانت تحاول جاهدة الحفاظ على موقعها وامتيازاتها الإقطاعية بأية طريقة، كما سيتضح فيما بعد.

وبالرغم من ذلك بدأ الشاه إسماعيل الصفوي بداية غير موفقة في كوردستان، إذ أرسل في سنة 1506م حملات عدة لاحتلال إمارة موكري الكوردية، لكن أميرها صارم بن سيف الدين موكري تمكن من الدفاع عن إمارته، وهزم القوات الصفوية مرتين متتاليتين. إلا أن الشاه إسماعيل الصفوي تمكن فيما بعد من تحقيق عدد من الانتصارات في كوردستان، وذلك في عام 1507م عندما قاد الجيوش عبر المناطق الكوردية نحو أرزنجان ودياربكر، ثم عطف على الموصل، ومنها توجه إلى بغداد في عام 1508م، ورجع عن طريق لورستان إلى عاصمته تبريز.

لقد حقق الشاه إسماعيل الصفوي في تلك الحملة مكتسبات عدة، فقد أظهر عدد من الإمارات الكوردية الطاعة له بالترهيب أو الترغيب، منها إمارة هكاري وإمارة چمشگزك وإمارة أگيل التي سيطر عليها الشاه بالقوة وسلّم إدارتها إلى أحد الأمراء القزلباش، وكذلك إمارة پالنگان وإمارة بازوكي. كما سيطر على مدينتي وان ودياربكر، وقد سلّم الأخيرةَ إليه حاكمها أمير بك موصللو. غير أنه جوبه بمقاومة باسلة من قبل إمارات كوردية أخرى رفضت الخضوع له، منها على سبيل المثال إمارة بوتان التي انتصرت في كافة المواجهات التي خاضتها ضد القوات الصفوية، وخسر الجانب الصفوي من جرّائها حوالي 700 من رجاله. أما عندما وصل الشاه إسماعيل الصفوي إلى لورستان في عام 1508م، فقد حاز على ولاء الشاه رستم اللوري الكوردي، بعد أن اضطُرّ الأخير إلى ذلك عقب محاصرة الصفويين له، كما أخذ ولاء إمارة بدليس. ولم يكتفِ الشاه إسماعيل الصفوي بهذا القدر من النفوذ والمكاسب في كوردستان، بل أرسل ثلاث حملات إلى أراضي إمارة بوتان وممتلكاتها بغية الانتقام منها، لكن تلك الحملات فشلت في إنجاز مهماتها.

ومن جانب آخر فإن تلك الولاءات الشكلية التي قدمها بعض الأمراء الكورد لم ترُق للشاه إسماعيل الصفوي، الذي أراد أن يحكم الإمارات والمناطق الكوردية حكماً مباشراً عن طريق رجاله المعتمدين من القبائل التركمانية. ولذلك فلا عجب أن يأمر بزجّ الأمراء الكورد الأحد عشر في السجن حين وفدوا إليه في مدينة خوي ليعرضوا الولاء والطاعة. وكان بين أولئك الأمراء من لم تدخل إمارته في دائرة نفوذ إسماعيل الصفوي حتى تلك الفترة، كأمير بوتان شاه علي بك، ومنهم من سبق له أن عرض طاعته، كأمير بدليس الأمير شرف بك. وهذا يدل على إصرار الشاه إسماعيل على قراره السالف الذكر، إلى درجة أنه لم يميّز بين عدوه وصديقه، وعدّ جميع الأمراء الكورد في الخندق المعادي. ولذلك بادر إلى إرسال القوات الصفوية إلى كوردستان مرة أخرى، فأرسل چايان سلطان أستاجلو على رأس قوة عسكرية إلى بدليس، وديو سلطان روملو إلى هكاري، ويكان بك تكه لو إلى إمارة بوتان، وعبدي خان سارو علي شاملو إلى عشائر موكري ومحمودي.

وبذلك سيطر الصفويون في عهد الشاه إسماعيل الصفوي على جميع بلاد إيران وأرمينيا والعراق وكوردستان، حتى كان بإمكانهم أن يدّعوا ولاء جميع الولايات الكوردية لهم ولاءً اسمياً، حسب تعبير لونگريك.

ب- سياسة الصفويين تجاه كوردستان

فيما يتعلق بسياسة الصفويين تجاه كوردستان يذكر أحد الباحثين: “وقد سارت سياسة الحكومة الإيرانية الصفوية في البدء على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للقبائل الكوردية”. وقد يكون في هذا الرأي قدر كبير من الحقيقة، إذ لو تتبعنا الخطوات الأولى للشاه إسماعيل الصفوي في كوردستان لوجدناه يُقرّ الأمير الكوردي الذي يعلن الولاء للدولة الصفوية على إمارته، كما فعل مع أمير هكاري زاهد بك بن عز الدين شير الذي أعلن الطاعة له، فاعترف الشاه بحكمه ومنحه عهداً بالإمارة الوراثية. كما اعترف بحكم الأمير شرف على بدليس عندما عرض الأخير فروض الولاء والطاعة له.

غير أن ذلك لا يعني أن تلك السياسة الصفوية كانت شاملة، إذ لم يحدث ذلك مع أمراء كورد آخرين؛ فعندما أعلن أمير چمشگزك حاجي رستم بك خضوعه للشاه إسماعيل الصفوي وسلّم جميع قلاعه له طواعية، عزله عن حكم إمارته الكوردية الوراثية (چمشگزك)، وعيّنه عوضاً عنها في بعض المناطق التابعة لولاية العراق خارج كوردستان. ثم إن تلك السياسة لم تستمر، ويمكن تلمّس بداية التغيير فيها في حادثة زجّ الأمراء الكورد في السجن كما مرّ بيانه، إذ أناط الشاه إسماعيل الصفوي مهمة إدارة مناطقهم بالقادة القزلباش التركمان.

ويمكننا تحديد السياسة الصفوية إزاء كوردستان على العموم بالنقاط الآتية:

  1. الاعتماد على القبائل التركمانية القزلباشية في الإدارة عوضاً عن الكورد، وكان ذلك يعني عزل الزعامات الكوردية وإحلال الزعامات التركمانية محلها.

  2. إجبار الكورد في المناطق المحتلة من كوردستان على ترك المذهب السني واعتناق المذهب الشيعي، وذلك في إطار سياسة مذهبية شاملة اتُّبعت في كافة أنحاء الدولة الصفوية.

  3. استعمال أقصى درجات القسوة لإرهاب السكان، والقمع الوحشي لكافة حركات التمرد والعصيان الكوردية.

  4. تسخير الإمكانات المادية والعسكرية الكوردية لصالح الدولة الصفوية ومطامعها التوسعية.

ويجدر بالذكر أن جميع الباحثين يعزون هذه السياسة إلى التعصب المذهبي للشاه إسماعيل الصفوي، خاصة وأن أغلب الكورد كانوا على المذهب السني. وفي الوقت الذي لا ننفي فيه دور هذا العامل، نعتقد بوجود عوامل أخرى دفعت الشاه إسماعيل الصفوي إلى انتهاج السياسة المذكورة، منها:

  1. أن نزوع الكورد الدائم إلى الحرية وعدم خضوعهم خضوعاً تاماً للسلطة الأجنبية - كما بيّنا سابقاً - قد ولّد لدى الشاه إسماعيل الصفوي شعوراً بعدم الارتياح ما دام الكورد يتمسكون بسلطاتهم في مناطقهم، ولا سيما أنه قد لقي مقاومة عنيدة من الكورد في بعض المناطق الكوردية، وخاصة في إمارة بوتان.

  2. أن كوردستان كانت منطقة حيادية بالنسبة للدولة الصفوية الفتية، يضاف إلى ذلك أنها كانت تواجه الدولة العثمانية القوية التي كان الشاه إسماعيل الصفوي يعتقد، بلا جدال، أنه سيصطدم بها عاجلاً أو آجلاً، وحينها تشكّل كوردستان الحلقة الأضعف في جبهته، إذ لم يكن يأمن ولاءات الكورد الجديدة، خاصة وأن غالبيتهم العظمى كانوا سُنّة كالعثمانيين، ولا تربطهم بالدولة الصفوية أية رابطة. ولذلك حاول الشاه إسماعيل الصفوي تأمين جبهته الغربية درءاً للتهديد العثماني.

الأطماع العثمانية والصفوية والصراع على كوردستان

حينما كانت الدولة الصفوية تمارس نشاطاتها التوسعية في كوردستان وآسيا الصغرى، كانت الدولة العثمانية منشغلة بحروبها في أوروبا، لكنها بالرغم من ذلك كانت تراقب التطورات السياسية والعسكرية الجارية في المنطقة عن كثب. ولم يستمر الصمت العثماني وقتاً طويلاً، فسرعان ما قرر العثمانيون الدخول في حلبة الصراع عندما شعروا بخطر التوسعات الصفوية على حدودهم الشرقية. ويُعدّ ذلك أحد العوامل التي تفسر ذلك الانقلاب المفاجئ في وجهة التوسع العثماني من الغرب نحو الشرق.

تعود بدايات الصراع العثماني الصفوي إلى عهد السلطان بايزيد الثاني (1481-1512م)، وبالتحديد إلى التحركات العسكرية الصفوية للسيطرة على المناطق الاستراتيجية المهمة في خط جغرافي يمتد من أرمينيا إلى كوردستان والأناضول الشرقية عموماً حتى العراق، وكذلك إلى المحاولات الصفوية الرامية إلى كسب مناطق النفوذ والمؤيدين بين العناصر السكانية القاطنة في شرقي الأناضول ووسطه. فقد استطاع الشاه إسماعيل الصفوي استمالة بعض تلك العناصر، فناصروا الحركة الصفوية قبل تأسيس أركان دولته في أذربيجان، وذلك عن طريق إرسال الدعاة والمريدين إلى تلك الجهات، وكانت تلك العملية تجري على قدم وساق بعد تأسيس الدولة الصفوية أيضاً، الأمر الذي شكّل خطراً واضحاً على الحدود العثمانية الشرقية. ويبدو أن السلطان العثماني بايزيد الثاني شعر بذلك الخطر، ولذلك وجّه رسالة إلى أحد الأمراء الكورد في عام 1502م يستفسر فيها عن نتائج الحرب الصفوية - الآق قوينلية التي كانت قائمة آنذاك، كما أقدم على إجلاء كثير من السكان الشيعة الساكنين في الأناضول إلى بلاد المورة في عام 1502 أيضاً.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ بدأ الصفويون تحرّشاتهم المتعمدة على حدود الدولة العثمانية الشرقية في نقاط متعددة من الأناضول، ومنها على سبيل المثال الغارة التي شنتها قوة عسكرية مؤلفة من مريدي الطريقة الصفوية على شرقي الأناضول في عام 1512م. ودعا ذلك سليماً، الابن الأصغر للسلطان العثماني بايزيد، وكان حاكماً على طرابزون آنذاك، إلى الإغارة على المقاطعات الصفوية في أرزنجان وبايبورد. وبقي الحال بين مدّ وجزر خلال عهد السلطان بايزيد الثاني، ولكن عندما اعتلى السلطان سليم الأول (1512-1520م) عرش الإمبراطورية العثمانية تغيرت استراتيجية الدولة العثمانية، ودخل الصراع مرحلة حاسمة، ولذلك يُعدّ عهد السلطان سليم الأول البداية الحقيقية للصراع العثماني - الإيراني.

1- أسباب الصراع العثماني الصفوي على كوردستان

تتباين آراء المؤرخين حول أسباب الصراع العثماني الإيراني الذي استمر قروناً عدة؛ فيشير معظمهم إلى الاختلاف المذهبي بين الدولتين، إذ إن تعصب الصفويين للمذهب الشيعي، ومحاولاتهم نشره في المنطقة (كوردستان)، والمذبحة التي ارتكبها الشاه إسماعيل الصفوي بحق السنة في بغداد، دعت الدولة العثمانية إلى عدّ نفسها حامية للسنة.

وهناك من يذكر الحقد الشخصي بين الشاه إسماعيل الصفوي والسلطان سليم الأول، على اعتبار أن الشاه لم يقدّم التهنئة المعتادة للسلطان عندما اعتلى العرش، الأمر الذي أثار ضغينته. ويذكر آخرون أن إيواء الشاه إسماعيل الصفوي للأمراء العثمانيين المعارضين الطامعين في السلطة يُعدّ أيضاً من عوامل ذلك الصراع.

ولكن يمكن القول إن العاملين الأخيرين ضعيفان، ولا يكفيان لحمل الدولتين على الدخول في تلك الحرب الطويلة المدمرة. أما العامل المذهبي فلا شك أنه لم يكن سبباً كافياً للصراع، وإنما يمكن ردّ ذلك إلى موافقة سياسة التعصب المذهبي للنوايا التوسعية لكل من الشاه إسماعيل الصفوي والسلطان سليم الأول؛ فالأخير يقول في رسالة كتبها إلى سلطان المماليك في مصر والشام طومان باي ما يفيد بأنه “يرغب أن يصبح حاكم الشرق والغرب على غرار الإسكندر الكبير”. ثم إن الشاه إسماعيل الصفوي قد تعاون مع الدولة المملوكية وإمارة ذي القدر، وهما دولتان سنّيتان. ولكن يجب ألّا ننسى أن السياسة المذهبية التي اتبعها الشاه إسماعيل الصفوي قد آلمت علماء الدين الكورد والعرب الكبار، الذين أرسلوا الوفود والرسائل إلى الدولة العثمانية يحثّونها على محاربة الدولة الصفوية، الأمر الذي زوّد السلطان سليم الأول بالحجة التي يتذرع بها لإصباغ الحرب بصبغة دينية. ففي مستهل الرسالة التي كُتبت باسم السلطان سليم الأول إلى الشاه إسماعيل الصفوي ينعت السلطان نفسه بـ”قاتل الكفرة والمشركين، قامع أعداء الدين، مرغم أنوف الفراعين، … سلطان الغزاة والمجاهدين”. وفيما يتعلق بأسباب الحرب من وجهة النظر العثمانية فقد جاء في الرسالة نفسها أن الشاه إسماعيل الصفوي قام بـ”فتح أبواب الظلم والاستبداد أمام المسلمين، مزج الزندقة بالإلحاد، إشاعة الفتنة والفساد، … إراقة الدماء الكريمة وتخريب المساجد والمنابر وإحراق المراقد والمقابر وإهانة العلماء والسادات وإلقاء المصاحف الكريمة في الأوساخ وسبّ الشيخين الكريمين (الخليفة أبي بكر والخليفة عمر بن الخطاب)…“. وبذلك يمكننا القول إن العامل الديني - المذهبي قد أدّى دوراً مساعداً في إذكاء نار الحرب.

أما السبب الرئيس فيتمثل في وجود تلك المنطقة الاستراتيجية الواقعة بين الدولتين، وبالأخص كوردستان التي دارت حولها وفيها معظم مراحل ذلك الصراع، إذ أراد كلٌّ منهما ضمّها إلى دولته لأهميتها الاقتصادية وغناها بالموارد الزراعية، ولأهميتها التجارية لوقوعها على الطرق التجارية التي تصل إيران بالبحرين المتوسط والأسود، بالإضافة إلى أهميتها العسكرية المتمثلة في الاستفادة من مواقعها الحصينة وقواها البشرية.

2- معركة جالديران عام 1514م بين العثمانيين والصفويين

بدأ عهد من العلاقات السلمية والدبلوماسية بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية مع بداية حكم السلطان سليم الأول، وبذلك وجد السلطان العثماني نفسه آمناً من جهة أوروبا، فحوّل آلته الحربية إلى الشرق ليحسم الموقف مع الدولة الصفوية.

لقد أعلن السلطان الحرب على الصفويين بعدما استصدر فتوى من شيخ الإسلام وضع بموجبها محاربة الشاه إسماعيل الصفوي في دائرة الجهاد، بوصفه كافراً وزنديقاً، وبذلك أعطى الحرب صبغة دينية. ولكي يؤمّن خلفية الجيش العثماني الذي أعدّه لقتال الصفويين قرر أن يمحو وجود الشيعة في الأناضول الشرقية، فأمر بحصر عددهم بطريقة سرية، ثم أمر بقتلهم جميعاً، ويقال إن عددهم كان يبلغ أربعين ألفاً. ومن الواضح أن هذا الرقم مبالغ فيه، لكنه يدل بلا شك على ضخامة المذبحة. ويشير أحد المستشرقين إلى أن إدريس البدليسي - الشخصية الكوردية المعروفة آنذاك - قد شارك في هذه العملية أيضاً، وخاصة في منطقة ماردين.

بدأ السلطان سليم الأول زحفه الطويل نحو الشرق في 24 نيسان 1514م، وسار في طريقه حتى وصل إلى أرزنجان، حيث ابتدأت صعاب الرحلة، لأن الجيش العثماني أصبح يعاني نقصاً كبيراً في المؤن والعلف نتيجة خطة الأرض المحروقة التي اتبعها الصفويون لمجابهة الحملة العثمانية. فعندما انسحب محمد خان أستاجلو من دياربكر، ونور علي خليفة روملو من أرزنجان، للانضمام إلى الشاه إسماعيل الصفوي في حربه ضد العثمانيين، خرّبا وأحرقا كل ما قد يستفيد منه العدو من ذخائر، وذلك لاستنزاف قواه وإحباط معنوياته. لكن السلطان سليم الأول واصل تقدمه داخل الأراضي الصفوية رغم تذمّر الإنكشارية، في حين حاول الشاه إسماعيل الصفوي استدراجه إلى المناطق الجبلية الجرداء بالانسحاب أمامه، آملاً في هزيمته هناك، أما السلطان فقد أرسل إليه رسائل استفزازية محاولاً إجباره على ملاقاته.

ولا بد من الوقوف هنا للإشارة إلى محاولات كل من الطرفين استمالة الكورد إلى معسكره. ويبدو أن الصفويين لم يوفَّقوا في ذلك كثيراً بسبب سياستهم الجائرة إزاء الكورد، إذ لم يحارب إلى جانبهم إلا عدد قليل من الأمراء الكورد، وكان بينهم حاجي رستم بك أمير چمشگزك. أما العثمانيون فقد قطعوا شوطاً كبيراً في هذا المجال، إذ استفادوا من العلاقات الإقطاعية السائدة آنذاك في كوردستان، واستمالوا الأمراء الكورد إلى جانبهم بوعودهم المعسولة. ومن المرجح أن الأمراء الكورد قرروا من جانبهم الميل إلى أحد المعسكرين أيضاً، ولكن بفضل الطرق الدبلوماسية التي اتبعها إدريس البدليسي، مستغلاً مكانته الدينية بين الكورد من جهة، واستياء الكورد من السياسة الصفوية الغادرة من جهة أخرى، مال معظم الأمراء والزعماء الكورد إلى المعسكر العثماني، ومنهم على سبيل المثال جمشيد بك أمير پالو الذي شارك في معركة جالديران 1514م، وكذلك أمير بدليس شرف بك الذي انضم إلى السلطان سليم الأول محاولاً استعادة إمارته من الصفويين. غير أن بعض الأمراء الآخرين ترددوا في مدّ يد العون للعثمانيين لعدم تأكدهم من انتصارهم.

بعد تلك الاستعدادات وقع اللقاء أخيراً في سهل جالديران، الواقع إلى الشمال الشرقي من بحيرة وان، وذلك في الثالث والعشرين من آب 1514م. وكان العثمانيون، الذين أُنهكت قواهم خلال مسيرتهم الشاقة، أمام حشد عظيم من قوات الصفويين. ورغم أن عدد فرسان الشاه إسماعيل الصفوي لم يكن أقل من نظرائهم العثمانيين، فإنهم كانوا يفتقرون إلى سلاح المدفعية، ولم يكن المشاة الصفويون بمستوى الإنكشارية العثمانية من حيث القوة.

عند بداية المعركة هاجم الشاه إسماعيل الصفوي بفرسانه أقصى يمين الجيش العثماني ويساره، آملاً اكتساح حملة البنادق العثمانيين وتطويق الإنكشارية، لكنهم لم ينجحوا في مسعاهم، وأصبحوا على وشك الإبادة على أيدي حملة البنادق العثمانيين الذين واجهوهم بكتلة من النار في الجناح الأيمن، وذلك بالرغم من أنهم كانوا قد أحرزوا انتصاراً مبكراً على الجناح الأيسر العثماني في هجومهم. وحاول الشاه إسماعيل الصفوي جمع قواته والإغارة بها على المواقع العثمانية، ولكن دون جدوى، فالمدافع العثمانية كانت تقذف الحمم نحو الفرسان الصفويين من المواقع الخلفية، في الوقت الذي لم يكن لدى الجانب الصفوي ما يقابل به تلك المدافع. وأدى الأمر إلى كارثة للجانب الصفوي، وانهزم الشاه إسماعيل الصفوي مجروحاً من ساحة المعركة بعد أن نجا بأعجوبة، وانتصرت الجيوش العثمانية، وخسر الشاه عدداً كبيراً من قادته ورجاله في المعركة، كان بينهم قائد الجناح الأيسر محمد خان أستاجلو.

ورغم تأكيد معظم المصادر على أن المدفعية العثمانية قد أدّت دوراً رئيساً في نتيجة المعركة، يمكن القول إن الكورد أيضاً كان لهم دورهم في ترجيح كفة العثمانيين، لأن ستة عشر أميراً كوردياً كانوا قد التحقوا بالجيش العثماني في المعركة. ونستدل على ذلك أيضاً من رسائل الاستمالة (استمالت نامه) التي أرسلها السلطان العثماني بعد المعركة مباشرة إلى أهالي تبريز، والتي يُطلق فيها على زاهد بك أمير هكاري لقب “فخر الأمراء الكورد”، ومن كتابته رسالة الفتح (فتح نامه) الموجهة خاصة إلى “ديار شرق بكلري… وسائر أمراء أكراد وعشائر وقبائل سردارلري”، أي: “بكوات بلدان الشرق… وسائر أمراء الكورد وزعماء العشائر والقبائل”، والتي يبشّر فيها بنصره على الشاه إسماعيل الصفوي. بل إن السلطان العثماني أرسل رسالة خاصة إلى أمير لورستان شاه رستم بك عقب معركة جالديران 1514م، شاكراً له الخدمات التي قدّمها للعثمانيين في مجابهة الدولة الصفوية.

بعد الانتصار في جالديران 1514م انفتح طريق تبريز أمام السلطان سليم الأول، الذي أرسل إدريس البدليسي ليتسلمها ويعدّ الترتيبات الرسمية لاستقبال السلطان. فدخل السلطان سليم الأول تبريز في أعقاب ذلك وأعلن الأمان لأهاليها، وأراد إعادة تنظيم قواته لملاحقة الشاه إسماعيل الصفوي الفارّ نحو درگزين، لكن تمرّد الإنكشارية ونقص المؤن، إلى جانب برودة الشتاء، منعته من ذلك وأجبرته على ترك تبريز والانسحاب منها. ورغم أن الشاه إسماعيل الصفوي عاد إليها فيما بعد، فإن نتائج الهزيمة كانت بادية على الدولة الصفوية التي فقدت سيطرتها على غرب جبال زاگروس.

أما الدولة العثمانية فقد أدت المعركة إلى انضمام الجزء الأكبر من كوردستان إليها، وذلك عقب التطورات التي تلتها - كما سنأتي إلى ذلك فيما بعد - وبذلك سيطرت على الممرات الاستراتيجية المفضية من الأناضول إلى القفقاس وسوريا وإيران، كما اكتسبت سوراً طبيعياً ضد الأخطار الآتية من الشرق أيضاً.

3- نتائج معركة جالديران 1514م على كوردستان

كانت معركة جالديران 1514م والانتصار العثماني فيها على الدولة الصفوية نقطة تحول مهمة للشرق الأوسط عامة ولكوردستان بشكل خاص، فقد أدى ذلك الانتصار قبل كل شيء إلى تقسيم بلاد الكورد عملياً بين الدولتين العثمانية والصفوية، إذ دخل القسم الأكبر من كوردستان في مجال النفوذ العثماني، وبقيت المناطق الأخرى خاضعة للنفوذ الصفوي. وهذا ما جعل أحد الباحثين يصف سنة 1514م بـ”السنة المشؤومة للكورد وكوردستان”، في حين يذهب باحث آخر إلى أن الكورد قد تنفّسوا الصعداء بالانتصار العثماني في جالديران 1514م، لأنهم تخلصوا من سياسة الإبادة الصفوية على حد قوله.

وهذان الرأيان نابعان من نظرتين مختلفتين: فالرأي الأول ينظر إلى الموضوع من زاوية المستقبل والنتائج، أما الرأي الثاني فيقيّم الحدث في إطار الأوضاع السائدة في كوردستان حينذاك. ولا شك في أن الباحث لو أخذ السياسة الصفوية الجائرة إزاء الكورد بنظر الاعتبار، ووقف على الظروف التي قبل الكورد بتأثيرها الدخول في المجال العثماني - والتي سنأتي على تفاصيلها لاحقاً - وتتبّع حوادث كوردستان فيما بعد معركة جالديران 1514م، لأخذ بوجهة النظر الثانية.

ففي أعقاب معركة جالديران عام 1514م قام في كوردستان ما يشبه انتفاضة شعبية عارمة، إذ ثار الكورد على القوات الصفوية الباقية في كوردستان في معظم المناطق الكوردية، محاولين إجبار الفرس الصفويين على الجلاء عن كوردستان بالقوة.

وكان ذلك في الوقت الذي لم تمتد فيه السيطرة العثمانية إلى مناطقهم بعد، لأن جيوش السلطان سليم الأول كانت تعود راجعة على خط في شمالي الأناضول. لكن السلطان سليم الأول أرسل إدريس البدليسي مرات عدة إلى كوردستان من معسكره في أماسية، ليعمل على إثارة الكورد عن طريق أمرائهم وزعمائهم، حسب قول فون هامر. وفي الواقع إن الكورد لم يكونوا بحاجة إلى المزيد من الإثارة، نتيجةً للمعاملة الصفوية القاسية التي تلقّوها، وكان من الطبيعي أن يستغلوا الهزيمة الصفوية فرصةً سانحة للانتقام من الصفويين واستعادة حقوقهم المغتصبة.

ومهما كان الأمر فقد حدث ما كان متوقعاً بالفعل؛ إذ ثار أهالي دياربكر وطردوا نائب مدينتهم الصفوي، وفي بدليس خلع شرف بك أحد الأمراء القزلباش التركمان المنصوبين على إمارته، وثار الملك خليل - الأمير المخلوع لإمارة حصن كيفا - على الصفويين في مدينتي حصن كيفا وسعرد، لكنه لم يفلح في استرجاعهما من قره خان، الذي كلّفه الشاه إسماعيل الصفوي بالدفاع عن الوجود الصفوي في كوردستان عقب مقتل أخيه محمد خان أستاجلو في معركة جالديران 1514م.

وفي بلاد هرزن (أو گارزن) استطاع أمير ساسون محمد بك أن يستردّ ممتلكاته من الصفويين بالقوة، واستولى جمشيد بك المرداسي على پالو، كما استطاع قاسم بك أن يسترجع قلعة أگيل. وقد ساعد الدياربكريون السيد أحمد الزراكي على استرداد بلدتي هتاخ وميافارقين، كما شاركت إمارة بوتان في تلك الحركات العسكرية المناوئة للصفويين ولقواتهم الباقية في كوردستان. وامتدت آثار تلك الحركات التطهيرية إلى كركوك وأربيل الكورديتين، إذ استطاع أمير سوران سيدي بك بن شاه علي أن يسترجعهما. غير أن بعض المدن والقلاع الكوردية قد استعصت نظراً لفاعلية الحاميات الإيرانية الصفوية فيها.

وتُعدّ تلك الحركات التطهيرية بداية لتحرير جزء كبير من كوردستان من السيطرة الصفوية، لكنها كانت في الوقت نفسه بمثابة تمهيد لدخول تلك المناطق الكوردية، مع مناطق أخرى من كوردستان، في دائرة النفوذ العثماني.


أجزاء «كوردستان والإمبراطورية العثمانية: كوردستان قبل الدخول في المجال العثماني» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)

→ الجزء الأول