الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

مؤتمر القاهرة آذار 1921 وتشكيل الدولة العراقية العربية الجديدة (الجزء الأول)

من محاضرات «مؤتمر القاهرة 1921 والقضية الكوردية» – 2014

السير برسي كوكس ودوره في تشكيل الدولة العراقية الجديدة

صدر عن معهد الدراسات الإستراتيجية في بيروت للمؤلف سعد إسكندر كتاب بعنوان «كوردستان العراق: الجذور التاريخية لمشروع الفيدرالية» (راجع كتابنا «الأمة الكوردية بدون دولة») حول موضوع الفيدرالية، يكشف فيه المؤلف أن الفيدرالية، بوصفها مشروعاً سياسياً لتنظيم العلاقة بين كوردستان العراق والحكومة المركزية في بغداد (العراق العربي الجديد)، مشروع قديم يعود إلى بداية تشكيل الدولة العراقية الجديدة.

فقد جاءت فكرة الفيدرالية اقتباساً أو امتداداً لما طرحه السير برسي كوكس (المندوب السامي البريطاني الأول في بغداد) المكلف بتشكيل الدولة العراقية الجديدة عام 1921.

وكان أول طرح لمشروع الفيدرالية في مؤتمر القاهرة الذي انعقد في 12–24 آذار عام 1921. وكان الهدف من مؤتمر القاهرة تحديد مستقبل الولايات العثمانية الثلاث (البصرة، والموصل – كوردستان العراق –، وبغداد)، حيث احتدم النقاش بين الداعين إلى فكرة دولة كوردستان الجنوبية في ولاية الموصل – كوردستان العراق – ذات الأغلبية الكوردية، منفصلةً وغير خاضعة للحكم العربي في بغداد، وبين الداعين إلى دمج دولة كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) بالعراق العربي الجديد.

وكان من نتائج مؤتمر القاهرة ظهور رأيين بصدد العلاقة المستقبلية بين الدولة العربية في بغداد وإقليم أو دولة كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق): فقد نادى برسي كوكس وغيرترود بيل (مس بيل، السكرتيرة الشرقية في دار الانتداب) بإلحاق إقليم كوردستان الجنوبية، أي ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، بالدولة العراقية العربية الجديدة، في حين طالبت الأكثرية، ومنهم هيوبرت يونغ (مساعد سكرتير شعبة الشرق الأوسط في وزارة المستعمرات) والميجر إدوارد نويل (خبير الشؤون الكوردية) وونستون تشرشل (وزير المستعمرات في الحكومة البريطانية)، بإقامة دولة كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل).

غير أن برسي كوكس تجاهل قرارات مؤتمر القاهرة (آذار 1921)، وطرح مشروعاً إدارياً وسياسياً معقداً ثلاثي الأبعاد لإدارة إقليم كوردستان الجنوبية، كان على أقضية مقاطعة (محافظة) الموصل الكوردية بموجبه أن تشكل وحدة إدارية خاصة، أي لواءً (محافظة) ثانياً. ويمكن اعتبار مشروع برسي كوكس هذا أول مشروع فيدرالي استهدف تنظيم العلاقات السياسية والإدارية والمالية بين إقليم كوردستان والدولة العراقية الجديدة عبر دور بريطاني مباشر.

في حين كان ونستون تشرشل يحبذ بقاء إقليم كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) منفصلاً عن الدولة العراقية العربية الجديدة، دولةً كورديةً مستقلة.

أما الملك فيصل الأول ملك العراق فقد دعا البريطانيين إلى تبني سياسة التصدي للتهديدات التركية عن طريق إقناع سكان كوردستان الشمالية، أي كوردستان تركيا، بالانضمام إلى كوردستان الجنوبية، أي كوردستان العراق، كي تتمتع بحكومة ذاتية ضمن المملكة العراقية الجديدة.

وبعد مجيء حكومة المحافظين البريطانيين إلى السلطة في لندن تغيرت السياسة البريطانية تجاه كوردستان الجنوبية، حيث تم التراجع عن مشروع إنشاء كيان سياسي مستقل (دولة كوردية) فيها لصالح إلحاقها بالدولة العربية الجديدة (العراق). وأصدر الملك فيصل وبرسي كوكس بياناً عراقياً بريطانياً مشتركاً في كانون الأول/ديسمبر 1922 يطلب من الكورد في ولاية الموصل الكوردية – كوردستان العراق – القبول بفكرة الفيدرالية مع العراق العربي الجديد.

لكن الملك فيصل لم يتراجع عن فكرة الفيدرالية بين إقليم كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) والعراق العربي الجديد فحسب، بل قاوم أيضاً الرغبات الكوردية المتواضعة، كحق التعليم باللغة الكوردية وتعيين موظفين كورد في المناطق الكوردية وفقاً لرغبات سكانها.

كانت نتائج مؤتمر القاهرة (آذار 1921) واضحة في اعتماد مبدأ يقضي بعدم إكراه الكورد في كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل – كوردستان العراق) على الذوبان في الدولة العراقية الجديدة (العربية). وكان موقف بريطانيا من كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) يتمثل في أن فرض حكم عربي على الكورد في جنوب كوردستان (ولاية الموصل) سوف يزيد من عدم الاستقرار السياسي من جانب، وقد يؤدي من جانب آخر إلى قيام تحالف كوردستاني (كوردي) مع مصطفى كمال أتاتورك (تركيا الحديثة) ضد بريطانيا في العراق الجديد (العربي).

وواصل برسي كوكس في العراق معارضته لتوصيات مؤتمر القاهرة (آذار 1921)، وصرف وقته على تنظيم الدولة العربية في العراق الجديد وترشيح الأمير فيصل للجلوس على عرش العراق.

وتجاهل برسي كوكس، حسب المراسلات بينه وبين وزارة المستعمرات البريطانية ووزيرها ونستون تشرشل، مبادرة مؤتمر القاهرة، وأوصى بدلاً منها بدمج كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) بالدولة العراقية العربية الجديدة لاعتبارات اقتصادية ومالية وسياسية عدة. ورفضت الأكثرية الساحقة من الكورد الجنوبيين في كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل – كوردستان العراق) الحكم العربي؛ إذ يورد الكتاب، اعتماداً على تلك المراسلات، أن 32 شخصاً فقط في منطقة السليمانية أيدوا مشروع دمج كوردستان الجنوبية مع العراق الجديد، في مقابل رفض 6000 شخص لهذه الفكرة. أما في شاربازير (منطقة في حدود السليمانية) فكانت المعارضة لدمج كوردستان في العراق العربي بالإجماع. ومع ذلك واصل برسي كوكس خطواته لضم كوردستان العراق (الجنوبية) إلى الدولة العراقية العربية الجديدة رغم المعارضة الكوردية، حين أقدم على تطهير الأجهزة البريطانية في كوردستان الجنوبية من الموظفين المؤيدين لفكرة كوردستان جنوبية منفصلة عن العراق الجديد، ومنهم الميجر سون.

وأطاح برسي كوكس بالحكومة الكوردية الأولى التي كان يترأسها الشيخ محمود الحفيد في السليمانية، والتي تم تشكيلها تحت إشراف بريطاني في تشرين الأول/أكتوبر 1918 (أي قبل أن تُشكَّل حكومة العراق العربي الجديد عام 1921)، حيث تمت الإطاحة بالشيخ محمود الحفيد وإرساله إلى المنفى من قبل السلطات البريطانية في بغداد، بحجة أن بقاء حكومته يدفع سكان البصرة وجماعات أخرى كالتركمان واليهود والمسيحيين إلى رفع مطالب قومية خاصة بهم. ولطمأنة ونستون تشرشل زعم برسي كوكس أن اعتماد إدارة بريطانية – كوردية مشتركة لمدة ثلاث سنوات في المناطق الكوردية من كوردستان (ولاية الموصل) من شأنه أن يحفز الكورد على تغيير موقفهم القائم على رفض الحكم في العراق الجديد. وحينما أُبلغ برسي كوكس بأن سياسته تجاه مستقبل كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل – كوردستان العراق) لا تتوافق مع الخط العام الذي قام عليه مؤتمر القاهرة في آذار 1921، ادعى أنه عاد من مؤتمر القاهرة بانطباع مفاده أن وزارة المستعمرات البريطانية ووزيرها ونستون تشرشل يؤيدان خياره القائم على دمج كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) ذات الأغلبية الكوردية، أي كوردستان العراق، رغم أن محاضر المؤتمر تبين، كما سبق ذكره، أن الكفة كانت راجحة بوضوح لصالح انفصال دولة كوردستان. لقد تعمد برسي كوكس نسف توصيات مؤتمر القاهرة الداعية إلى إقامة دولة كوردية مستقلة عازلة بين تركيا الحديثة والعراق الجديد، كما أن تحركاته اللاحقة تشير بوضوح إلى أنه كان عازماً على التمهيد لإقحام كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) في العراق العربي الجديد، بصرف النظر عن تمنيات الكورد وآمالهم ومطالبهم المشروعة.

وطرح مشروعاً لمستقبل كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) دعا فيه إلى تمزيقها على الصعيدين السياسي والإداري تمهيداً لوضعها تحت السيطرة العربية في العراق الجديد. غير أن سياسة بريطانيا، وبالتحديد سياسة ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطاني، كانت واضحة، بعكس برسي كوكس المندوب السياسي البريطاني في بلاد ما بين النهرين (العراق الجديد).

فقد كان ونستون تشرشل يريد من كورد الجنوب في كوردستان العراق (ولاية الموصل) أن يقوموا بإدارة شؤونهم السياسية والإدارية الخاصة، وأن يتولوا مهمات الشرطة المحلية والدفاع عن أنفسهم. وفي حديث يورده الكتاب قال ونستون تشرشل لبرسي كوكس: «إن الهدف لا يعدو كونه إبقاء كوردستان الجنوبية – كوردستان العراق (ولاية الموصل) – متميزة عن البلدان العربية، تماماً مثلما أن نيبال متميزة عن الهند»، في حين كان برسي كوكس يدعو إلى نوع من الدمج الجزئي أو المؤقت لكوردستان الجنوبية (ولاية الموصل – كوردستان العراق) بالعراق العربي الجديد. وفي هذا الصدد قام ونستون تشرشل، بمساعدة الضباط البريطانيين الميجر نويل والميجر سوان والميجر بولغ، بإثبات عدم وجود أي صعوبة جدية أمام رسم الحدود الفاصلة بين كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) وبلاد ما بين النهرين (العراق العربي الجديد). كما أدخل ونستون تشرشل في خارطته للكيان الكوردي جميع المناطق الكوردية من كوردستان العراق التي زعم برسي كوكس أنها ليست كوردية خالصة بوجود أقليات كوردية وتركمانية فيها، مثل كركوك وكفري وأربيل.

وقد أثرت قضية تنصيب الأمير فيصل ملكاً على العراق الجديد في مستقبل كوردستان الجنوبية، حيث جرى تبادل وجهات النظر حول مستقبل كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل). ولمنع القضية الكوردية من أن تتحول إلى دولة كوردية مستقلة، فتكون عقبة أمام ذلك التنصيب، بادرت وزارة المستعمرات البريطانية إلى تأجيل رسم الحدود العراقية بين كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) وبلاد ما بين النهرين، أي العراق العربي الجديد (ولايتي بغداد والبصرة فقط).

وكان برسي كوكس والأمير فيصل يريان أن الاستفتاء على تنصيب الملك على عرش العراق الجديد ومشاركة الكورد فيه سيوفران فرصة مثالية لإظهار أن سكان كوردستان الجنوبية سوف يصوتون لصالح مشروعهما الاندماجي، وهو ما كان سيفضي إلى حسم مستقبل هذا الإقليم الكوردي ومطالبه القومية مرة واحدة وإلى الأبد. وكان برسي كوكس وفيصل متفائلين وواثقين من قدرتهما على إقناع الكورد بالتصويت لصالح الانضمام إلى العراق الجديد وذوبان الشعب الكوردي فيه.

ويرى السيد رفيق حلمي، الباحث والمؤرخ الكوردي، أن عملية انتخاب الأمير فيصل كانت محاولة بريطانية لتسوية المسألة الكوردية عن طريق إقناع كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) بالحكم العربي في العراق الجديد.

لكن أكثرية الكورد أصرت على رفض التصويت لصالح تنصيب الأمير فيصل ملكاً على الشعب الكوردي، ورفضت اعتبار العراق دولة لهم وللعرب. وأخفق برسي كوكس في إقناع كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) بالانضمام إلى العراق العربي الجديد. وصاحب ذلك عدم استقرار سياسي في العراق، مما دفع خيار الفصل بين الكورد والعرب إلى الواجهة من جديد، فسارعت وزارة المستعمرات إلى التدخل المباشر عقب انتهاء الاستفتاء، وقررت تمكين القوميين الوطنيين الكورد من إعادة تأسيس حكومة كوردية ثانية في السليمانية يرأسها الشيخ محمود الحفيد، وكل ذلك على الرغم من معارضة برسي كوكس.

وعاد الشيخ محمود الحفيد من منفاه في الهند بصحبة الميجر نويل، أحد المؤيدين لمشروع انفصال كوردستان العراق (ولاية الموصل) وتشكيل دولة كوردية مستقلة فيها، وقد كلفه ونستون تشرشل بمهمة تسهيل ذلك.

ومجدداً عمّ الاضطراب السياسي كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)، حيث كان الكورد متوجسين من فرض الحكم العربي في العراق الجديد على كوردستان الجنوبية، وطالبوا البريطانيين بضمانات ملموسة.

وكان الكورد يريدون إبقاء البريطانيين والعرب خارج منطقتهم كوردستان (ولاية الموصل)، فاتجهت أنظارهم نحو الأتراك (تركيا الحديثة)، وتصوروا أن تعاونهم مع الأتراك سوف يقربهم من بلوغ هدفهم في إبقاء العرب والبريطانيين بعيدين عن كوردستان.

وزود الكماليون الأتراك الكورد بالأسلحة، وحاولوا كسب ودهم على حساب البريطانيين. فحسب التقارير البريطانية وتقارير وزارة المستعمرات كان البريطانيون يعرفون أن الأتراك يحاولون دق إسفين بينهم (بريطانيا) وبين الكورد، ويعلمون أن تركيا الحديثة تسعى إلى منح قدر من الحكم الذاتي لكوردستان الشمالية (كوردستان التركية).

لذلك اتجهت وزارة المستعمرات البريطانية إلى ضرورة طمأنة كورد الجنوب (كوردستان الجنوبية – كوردستان العراق) بأن لندن لن تخضعهم لحكم العرب في العراق العربي الجديد رغماً عنهم.

وبرز الشيخ محمود الحفيد من جديد بوصفه الشخص الكوردي الوحيد القادر على جمع كورد الجنوب (كوردستان الجنوبية – العراق) تحت رايته لمحاربة الكماليين الأتراك في تركيا الحديثة واستعادة الاستقرار في كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل – كوردستان العراق). لكن برسي كوكس كان يرى فيه عكس ما تراه الإدارة البريطانية، إذ كان يرى في الشيخ محمود الحفيد «شخصية تنطلق من منطلقات شخصية متجاهلةً الأهداف الوطنية والقومية والدستورية»، ويضيف في تقريره عنه: «في الواقع إن أنصاره لم يكونوا سوى بعض المأجورين الذين اجتذبهم بالرشوة». وكان برسي كوكس يرى أن إطلاق سراح الشيخ محمود الحفيد من الهند ينطوي على تأثير ناسف للاستقرار في كوردستان. واستمر برسي كوكس في معارضته لفصل كوردستان الجنوبية عن العراق الجديد، وطرح مشروع الشيخ سعيد طه (حفيد الشيخ عبيد الله النهري الذي قاد انتفاضة كوردية كبرى عام 1880)، وكان برسي كوكس يطمح من وراء دعم الشيخ سعيد طه إلى ضرب عصفورين بحجر واحد:

أولاً: إحباط تجربة الحكم الذاتي الكوردي.

ثانياً: تقويض نفوذ الشيخ محمود الحفيد، باعتبار الشيخ سعيد طه شخصية قومية منافسة له، وصولاً إلى تمزيق صفوف القوميين الكورد.

وأصيب الشيخ محمود الحفيد بشيء من الحيرة من السياسة البريطانية التي رحبت من جهة بعودته إلى كوردستان وتأسيس حكومة كوردية ثانية بموافقة بريطانيا بهدف احتواء التهديد التركي الكمالي، ودعمت من جهة أخرى الشيخ سعيد طه لتقويض حكمه، ولا سيما بعد تجربته المريرة الأولى مع العقيد ولسن، نائب الحاكم البريطاني في العراق، إبان فترة حكمه الأولى.

وشُكِّلت الحكومة الكوردية الثانية في السليمانية برئاسة الشيخ محمود الحفيد، وعبّر القوميون الوطنيون الكورد عن استعدادهم لاحتواء النفوذ التركي الكمالي، وتم اعتقال ثلاثة من أعيان الكورد الموالين لتركيا حفاظاً على العلاقة الوثيقة مع المفوضية السامية البريطانية في بغداد.

وهناك أسباب رئيسة كامنة وراء رجحان كفة خيار برسي كوكس الداعي إلى دمج كوردستان العراق مع العراق الجديد على كفة القرار بقيام كوردستان جنوبية (ولاية الموصل) منفصلة أواخر عام 1922 وبداية عام 1923:

أولاً: تحكُّم برسي كوكس بمسار الأحداث في كوردستان الجنوبية بوصفه المندوب السامي البريطاني، فقد كان هو القناة التي تنفذ الحكومة البريطانية من خلالها سياساتها تجاه الكورد في كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل)، فضلاً عن إصراره على السير على نهج سلفه العقيد ولسن، نائب الحاكم البريطاني في العراق، في جملة من الترتيبات السياسية والإدارية في جنوب كوردستان القائمة على إذابة كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) في بوتقة العراق العربي الجديد.

ثانياً: انهيار الحكومة البريطانية الائتلافية برئاسة لويد جورج، فلم يعد ونستون تشرشل وزيراً للمستعمرات، وكان الوزير الجديد ليو آمري غير مطلع على الشؤون الكوردية في كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل).

ثالثاً: عقد مؤتمر لوزان في تشرين الثاني/نوفمبر 1922، وتصميم الحكومة البريطانية المحافظة على التوصل إلى اتفاقية سلام مع تركيا الكمالية (تركيا الحديثة).

ويرى رفيق حلمي (وهو كوردي قومي معتدل عمل بعض الوقت مترجماً لدى الموظفين البريطانيين في كوردستان الجنوبية) أن سلسلة من التطورات كانت مسؤولة عن تدهور علاقات الشيخ محمود الحفيد مع البريطانيين: أولاً إحجام البريطانيين عن تزويده بالأسلحة وبالمساعدات المالية الضرورية لطرد العناصر الكمالية، وثانياً امتناع البريطانيين عن مقاتلة الكماليين الأتراك، وهو ما فهمه الشيخ محمود الحفيد على أنه إشارة إلى التخلي عن كوردستان الجنوبية.

لهذه الأسباب مجتمعة اتصل الشيخ محمود الحفيد بالكماليين الأتراك، وسبب ذلك برأي رفيق حلمي أن الشيخ محمود الحفيد أراد إبقاء خياراته مفتوحة ما لم يسارع البريطانيون إلى إبداء استعداد قوي للقبول بقيام كوردستان جنوبية (كوردستان العراق) دولةً كورديةً منفصلة عن العراق العربي الجديد تكون تحت حكمه. لكن برسي كوكس ظل مصمماً على خنق الحكومة الكوردية اقتصادياً عبر إجبارها على دفع الضرائب للحكومة العراقية العربية الجديدة. وما إن سمع الشيخ محمود الحفيد بخبر شمول انتخابات الجمعية العراقية العربية لكوردستان الجنوبية حتى بادر إلى إعلان نفسه ملكاً على كوردستان العراق، فكان الصدام بين التطلعات الكوردية والسلطات البريطانية حتمياً.

فرداً على رفض برسي كوكس طلب الشيخ محمود الحفيد مدَّ الحكم الكوردي إلى رانية وكويسنجق، اللتين كانتا إدارياً جزءاً من السليمانية، عمد الشيخ محمود الحفيد إلى إبعاد جميع الموظفين الكورد المتهمين بالولاء للبريطانيين.

ولم يكن برسي كوكس مستعداً للتفاوض مع الشيخ محمود الحفيد إلا على إضفاء ثوب الحكم الذاتي المحلي على السليمانية، وهو ما رفضه الشيخ محمود الحفيد الذي أعلن التمرد للمرة الثانية على السلطات البريطانية، آملاً تحقيق هدفه السياسي وتحرير الشعب الكوردي بالقوة.

وفي النهاية يقول الكاتب سعد إسكندر إن تأثير برسي كوكس الحاسم في مستقبل كوردستان الجنوبية السياسي ظاهرة غير عادية، كما أن تاريخ الإمبراطورية البريطانية زاخر بالعديد من الأمثلة التي تؤكد أن موظفين بريطانيين ميدانيين نجحوا في إملاء تصوراتهم الشخصية وتجاهل خط لندن الرسمي. وقد أصر هؤلاء المندوبون البريطانيون، الذين كانوا يعرفون واقع الدولة الكوردية وخاصة كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل)، على اعتماد أجندتهم الخاصة.


أجزاء «مؤتمر القاهرة آذار 1921 وتشكيل الدولة العراقية العربية الجديدة» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني

الجزء الثاني ←