الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
مؤتمر القاهرة آذار 1921 وتشكيل الدولة العراقية العربية الجديدة (الجزء الثاني)
من محاضرات «مؤتمر القاهرة 1921 والقضية الكوردية» – 2014
مؤتمر القاهرة 12–24 آذار 1921
هو المؤتمر الذي انعقد في الأسبوع الثاني من آذار سنة 1921 (12–24 آذار)، وكانت الغاية من عقده تأسيس سياسة بريطانية موحدة في الشرق الأوسط، وخاصة لحل التضارب بين السياسات المحددة في مراسلات حسين – مكماهون (1915)، واتفاقية سايكس – بيكو (1916)، ووعد بلفور (1917). وقد دعا ونستون تشرشل، الذي عُيِّن حديثاً وزيراً للمستعمرات البريطانية، جميع القادة العسكريين البريطانيين والمديرين المدنيين في الشرق الأوسط لحضور المؤتمر في آذار 1921 في فندق سميراميس بالقاهرة لمناقشة هذه القضايا.
وفي مؤتمر القاهرة تم الاتفاق على أن يظل لبنان وسوريا تحت الإدارة الفرنسية، وأن تحافظ بريطانيا على الانتداب على فلسطين وتستمر في دعم تأسيس وطن قومي يهودي هناك. أما القرار الخاص ببقية الأراضي الواقعة شرق نهر الأردن فقد تم تأجيله حتى يذهب ونستون تشرشل إلى القدس لعقد مزيد من المناقشات هناك. وتقرر إنهاء الحماية غير المرحب بها (النفقات البريطانية) على بلاد الرافدين (العراق الجديد)، وأن يصبح الأمير فيصل الأول ملكاً على مملكة العراق الجديدة، وهو ابن الشريف الحسين (شريف مكة) الذي كان ملكاً على الحجاز، بينما تولى الأمير عبد العزيز بن سعود حكم نجد في قلب شبه الجزيرة العربية. واستمر كلاهما في تلقي الدعم المالي من بريطانيا العظمى.
واستمر مؤتمر القاهرة أسبوعين برئاسة وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل، وبحضور زهاء أربعين موظفاً إدارياً وسياسياً وضابطاً عسكرياً من البريطانيين الذين كانوا يشغلون مناصب مهمة في مختلف أرجاء الوطن العربي آنذاك.
وقد عُقد المؤتمر لبحث شؤون الشرق الأوسط، وحضره وفد عراقي يضم: برسي كوكس المندوب السامي البريطاني، والجنرال إيلمر هالدين قائد القوات البريطانية في العراق، وجعفر العسكري وزير الدفاع، وساسون حسقيل وزير المالية، وسليتر مستشار وزارة المالية العراقية، كما حضره هربرت صموئيل المندوب السامي البريطاني الأول في فلسطين، والعقيد لورنس، وكلايتون. وقد ناقش المؤتمر العديد من الأمور التي تخص العراق الجديد، ومنها شخصية من يتولى حكمه. ووفقاً لما قاله برسي كوكس فقد رأى أن ترشيح أحد أبناء الشريف حسين بن علي (شريف مكة) من شأنه أن يحوز رضا أغلبية الشعب العراقي إن لم يكن رضاه كله، ومن هنا وقع الاختيار على الأمير فيصل ليكون ملكاً على عرش العراق العربي الجديد.
وكانت إدارة السياسة البريطانية في الوطن العربي قد نُقلت في مطلع سنة 1921 من وزارة الخارجية البريطانية إلى وزارة المستعمرات البريطانية التي تولاها ونستون تشرشل. وقام ونستون تشرشل بإنشاء دائرة لشؤون الشرق الأوسط في 14/2/1921، واستدعى العقيد لورنس ليكون مستشاراً رئيساً في وزارة المستعمرات. وأشار ونستون تشرشل في مجلس العموم (21/2/1921) إلى أن الحكومة البريطانية قررت عقد مؤتمرين في القاهرة والقدس أوائل آذار 1921 لغرضين: أولهما خفض النفقات البريطانية التي يتطلبها وجود الإدارات والحاميات البريطانية في الشرق، وثانيهما مراجعة الوضع البريطاني في مناطق المشرق العربي، ووضع خطط استعمارية موحدة لمستقبل السياسة البريطانية في تلك المناطق، وإعداد طرق جديدة لإدارتها بمردود أكبر ونفقات أقل. وذلك بعد التبدلات الكبرى التي أعقبت مقررات مؤتمر سان ريمو 1920 وتوزيع الانتدابات، وما تلاها من انهيار الحكم العربي في دمشق، ووصول الأمير عبد الله بن الشريف الحسين بن علي إلى شرقي الأردن وتهديداته بإثارة حرب ضد فرنسا في سوريا، ثم قيام الثورة العراقية الكبرى في 30 حزيران 1920 ضد الانتداب البريطاني على العراق الجديد وسقوط مئات الضحايا في صفوف الجيش البريطاني، حتى نادت قطاعات من الصحافة البريطانية بإنهاء الانتداب على العراق الجديد، وكذلك ردود الفعل العنيفة في فلسطين ضد سياسة إقامة الوطن القومي اليهودي.
وأصدر مؤتمر القاهرة القرارين الآتيين:
تُعطى ملكية العراق الجديد للأمير فيصل ملك سوريا المخلوع.
تُعطى إمارة شرقي الأردن للأمير عبد الله، شقيق الأمير فيصل الأكبر.
المشاركون في مؤتمر القاهرة (آذار 1921):
ونستون تشرشل: وزير الدولة للمستعمرات البريطانية.
لورنس: المستشار الخاص لمكتب المستعمرات البريطانية.
الميجر هيوبرت يونغ: ضابط المستعمرات.
هربرت صموئيل: المندوب السامي البريطاني في فلسطين.
السير برسي كوكس: المندوب السامي البريطاني في العراق.
غيرترود بيل (مس بيل): السكرتيرة الشرقية للمندوب السامي البريطاني في العراق.
جعفر العسكري: وزير الدفاع في أول حكومة عراقية (الكوردي الأصل).
حسقيل ساسون: وزير المالية في أول حكومة عراقية (اليهودي الأصل).
المارشال الجوي السير هيو ترنتشارد: رئيس الأركان الجوية للقوات البريطانية.
المارشال الجوي السير جفري سالموند: قيادة الطيران في الشرق الأوسط.
جفري فرانسيس آرتشر: حاكم الصومال البريطاني.
المارشال إدموند اللنبي: المندوب السامي البريطاني في مصر وقائد الجيش البريطاني فيها.
ولم يجد ونستون تشرشل ومستشاروه أي معارضة جدية من أعضاء المؤتمر لقراراتهم حول القضايا الرئيسة. وقد عملت في المؤتمر ثلاث لجان هي: اللجنة المالية، واللجنة العسكرية، واللجنة السياسية، وكانت الأخيرة أهمها، وقد ترأس ونستون تشرشل جلساتها، ولعب لورنس الدور الرئيس فيها.
وتضمن جدول الأعمال ثلاثة مواضيع هي: الالتزامات البريطانية في «ساحل الإمارات المتصالحة» على شاطئ الخليج وعدن، والعراق الجديد، وفلسطين ومعها شرقي الأردن، إلى جانب مسائل عسكرية ومالية أخرى. وقد بعث الأمير عبد الله رسالة إلى ونستون تشرشل الذي كان في القاهرة في آذار 1921، شرح له فيها الأسباب التي دفعته إلى المجيء إلى عمّان، وأكد أنه لا يحمل أية نية عدوانية ضد فلسطين، وطلب منه مقابلته في فلسطين أو في أي مكان آخر «ليعبر له عن إيمانه بالصداقة المتبادلة، وليشرح له أماني الشعوب المتعلقة بمستقبل وطنهم». وقد وعده ونستون تشرشل بلقائه في القدس في آذار 1921 بعد مؤتمر القاهرة.
وأدى مؤتمر القاهرة إلى إصدار القرارات الآتية: تأسيس دولة عراقية جديدة ومبايعة الأمير فيصل ملكاً عليها، إلى جانب قرار آخر يعترف بالأمير عبد الله بن الحسين أميراً على المنطقة الواقعة شرقي نهر الأردن حيث كان قد فرض نفسه. وقد سيطرت قضية شرقي الأردن على البند المتعلق بفلسطين، ودار محور النقاش حول نقطة واحدة هي وجوب الفصل بين إدارة فلسطين وإدارة شرقي الأردن، فلا تكون منطقة شرقي الأردن مشمولة بالنظام الإداري لفلسطين، حتى لا تنطبق عليها شروط الانتداب ومنها الوطن القومي اليهودي، مع الاعتراف بالأمير عبد الله بن الشريف الحسين أميراً شرعياً على شرقي الأردن يكون مسؤولاً أمام المندوب السامي البريطاني في القدس.
وتشكل المجلس التأسيسي (البرلمان) من بعض زعماء العراق وسياسييه وشخصياته المعروفة، ومنهم نوري السعيد باشا ورشيد عالي الكيلاني باشا وجعفر باشا العسكري وياسين الهاشمي وعبد الوهاب بك النعيمي الذي عُرف بتدوين المراسلات الخاصة بتأسيس المملكة العراقية الجديدة، حيث انتُخب نقيب أشراف بغداد السيد عبد الرحمن النقيب الكيلاني رئيساً لوزراء العراق الجديد، وهو الذي نادى بالأمير فيصل الأول ملكاً على عرش العراق، وتم تتويجه في 23 آب/أغسطس 1921.
وتوجه الأمير (الملك) فيصل إثر ذلك إلى العراق الجديد، وانصرف إلى الإصلاح الداخلي، فوضع برلماناً للبلاد عام 1924، وأنشأ مجلساً للأمة، وأقام العلاقات بين العراق الجديد وبريطانيا على أسس معاهدات 1922 و1926–1927 و1930 بين البلدين، وطبق التجنيد الإجباري عام 1926، وأقام العديد من المشروعات في الري والصناعة والمواصلات والصحة والتعليم والكهرباء وغيرها، وعمل جاهداً على إصلاح ذات البين بين العراق الجديد وجيرانه.
وعلى الرغم من عدم ظهور كلمة «الصهيونية» في جدول أعمال مؤتمر القاهرة فقد بُحث موضوعها فيه. وعدّ مؤتمر القاهرة (آذار 1921) «حكومة صاحبة الجلالة» مسؤولة عن إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بموجب شروط الانتداب. وجاء في مذكرة وضعتها دائرة الشرق الأوسط في وزارة المستعمرات البريطانية وقدمتها إلى المؤتمر: «إن الإدارة الفلسطينية العامة تلتزم بدقة بشروط الانتداب».
وبحث مؤتمر القاهرة قضايا أخرى تتعلق بفلسطين، منها: مستقبل العلاقات بينها وبين الدول الأجنبية، والجهاز الإداري والسلطات القضائية والمالية في البلاد، وعدد أفراد القوة العسكرية البريطانية التي يجب أن ترابط فيها وسحب العدد الزائد منها، والعلاقات بين «المجلس الاستشاري» الذي يختار أعضاءه المندوب السامي البريطاني على أسس تمثيلية، و«المجلس التشريعي» الذي يعتزم المندوب السامي إنشاءه في المستقبل القريب. وكانت اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني الثالث (حيفا، كانون الأول 1920) قد اختارت وفداً يتوجه إلى القاهرة ليعرض على ونستون تشرشل ظلامات العرب الفلسطينيين. وقد ترأس الوفد الفلسطيني موسى كاظم الحسيني، فاستقبله تشرشل على كره منه، لكنه رفض أن يبحث معه المشكلات السياسية، ووعد أعضاء الوفد باستقبالهم في القدس في 28/3/1921. وهكذا حددت مقررات مؤتمر القاهرة الخط العام للسياسة الاستعمارية البريطانية في الوطن العربي لسنوات طويلة قادمة، ووضعت أساس بناء التجزئة في المنطقة الذي قام على حطام فكرة الوحدة العربية. وقد ادعت بريطانيا أنها وفت بتعهداتها لزعماء الحركة العربية أثناء الحرب العالمية الأولى. وعلق لورنس فيما بعد قائلاً: «إن ونستون تشرشل قد حقق بتلك الإجراءات وعودنا بنصها وروحها، ونفذ تعهدات هنري مكماهون حول قضية فلسطين وشرقي الأردن والجزيرة العربية كلها. وأما فيما بين النهرين (العراق الجديد) فقد مضى إلى أبعد من تلك الوعود، ومنح العرب أكثر، وترك لنا أقل مما رآه السير هنري مكماهون مناسباً»، ثم قال: «يجب أن أعترف بأن إنكلترا خرجت من القضية بأيدٍ نظيفة».
وكان العقيد لورنس، الذي بدأت أنشطته الحربية بالاستحواذ على الرأي العام، والذي كان على صلة وعلاقة وثيقة بأسرة الشريف الحسين بن علي ومقرها الحجاز، قد ضغط على الحكومة البريطانية من أجل الأمير فيصل الأول. فقد حاول الأمير فيصل تأسيس مملكة مقرها دمشق، فحال الجيش الفرنسي دون ذلك. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 1920 ظهر الشقيق الأكبر للأمير فيصل، الأمير عبد الله الأول، وبرفقته المئات من المناصرين في بلدة معان (الأردن)، وأعلن نيته الهجوم على القوات الفرنسية في سوريا واستعادة سلطان شقيقه الأمير فيصل هناك.
وكانت مهمة ونستون تشرشل، بوصفه وزيراً جديداً للمستعمرات البريطانية، هي المسؤولية الخاصة عن الشرق الأوسط، وإيجاد حل للاضطرابات في العراق الجديد، وتلبية تطلعات الشريف الحسين بن علي وأولاده. وقد عيّن لورنس مستشاراً خاصاً له، وعقد سلسلة من اللقاءات مع الأمير فيصل في لندن قبل انعقاد مؤتمر القاهرة في آذار 1921، لغرض تنصيبه ملكاً على عرش العراق الجديد.
أجزاء «مؤتمر القاهرة آذار 1921 وتشكيل الدولة العراقية العربية الجديدة» (2 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)