الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

مؤتمر القاهرة في آذار 1921 والإستراتيجية البريطانية في العراق (الجزء الثاني)

من محاضرات «مؤتمر القاهرة 1921 والقضية الكوردية» – 2014

قرارات أخرى لمؤتمر القاهرة في آذار 1921م

1. ترشيح الأمير فيصل بن الشريف حسين لعرش العراق (ملكاً)

لم يكتفِ مؤتمر القاهرة بالقرارات التي اتخذها لإنقاص النفقات البريطانية في الشرقين الأدنى والأوسط، أو لإيجاد الحل الملائم للقضية العراقية، بل وضع منهاجاً خاصاً لترويج فكرة ترشيح الأمير فيصل لعرش العراق الجديد، حتى لا يقال إنه فُرض على العراق فرضاً. وهذا هو نص المنهاج على ما أثبته آيرلند (Ireland) في الصفحتين 317–318 من كتابه:

  1. يصل المعتمد السامي البريطاني السير برسي كوكس إلى بغداد في 18 نيسان 1921 عائداً من القاهرة.

  2. يصرح وزير المستعمرات ونستون تشرشل بين 18 و21 نيسان 1921 بأن حكومة صاحب الجلالة البريطانية وافقت على ترشيح الأمير فيصل لعرش العراق الجديد، ويصحب هذا التصريحَ إعلانُ عفو عام من قبل المعتمد السامي البريطاني السير برسي كوكس عن المشاركين في ثورة العشرين (1920).

  3. يبرق الأمير فيصل بن الشريف حسين في الثالث والعشرين إلى نوري باشا السعيد، وإلى طالب باشا النقيب، وإلى نقيب بغداد عبد الرحمن النقيب، يعلمهم بترشيح نفسه لعرش العراق الجديد، ويأمل أن ينال مساعدتهم.

  4. يبرق نوري باشا السعيد وبعض العراقيين إلى الأمير فيصل بين 23 نيسان و8 مايس 1921 يدعونه إلى المجيء إلى العراق، على أمل أن يصبح ملكاً على العراق الجديد.

  5. يقدم الأمير فيصل إلى العراق بين 8 مايس و8 حزيران 1921 أو يرسل ممثليه، ويكون الوصول حوالي منتصف مايس 1921، ويستقبله العراقيون أو يستقبلون ممثليه استقبالاً حاراً لا يدعو إلى تدخل المجلس التأسيسي العراقي (البرلمان) إلا لتصديق انتخابه ملكاً أو تثبيته.

لقد طُبّق هذا المنهاج بحذافيره مع تحوير طفيف في التواريخ التي ورد ذكرها فيه، فعاد المعتمد السامي البريطاني برسي كوكس من القاهرة إلى بغداد جواً في اليوم المعين، 18 نيسان 1921، وعاد بعده الوفد العراقي من مؤتمر القاهرة. وبعد وصوله بثلاثة أيام أذاع المعتمد السامي بلاغاً بأهم ما جرى في مؤتمر القاهرة، دون أن يشير إلى قضية ترشيح الأمير فيصل ملكاً على العراق، قال فيه:

«كان السبب الأول الذي دعا إلى عقد المؤتمر الذي التأم في القاهرة بين 12 و24 آذار 1921م رغبة وزير المستعمرات الجديد للمملكة البريطانية ونستون تشرشل في الاجتماع بالممثلين البريطانيين في المناطق الواقعة ضمن دائرة مسؤوليته، كالمندوبين الساميين للعراق وفلسطين، وحاكمَي عدن وبلاد الصومال، وذلك لكي يطّلع وزير المستعمرات ونستون تشرشل رأساً (مباشرة) على مجرى الأمور في الأقطار المذكورة.

أما ما يختص بالعراق الجديد فكانت المسألة الموضوعة على بساط البحث ضرورة إنقاص المصروفات البريطانية العسكرية إنقاصاً كبيراً، لكي تتمكن الحكومة البريطانية من القيام بأعباء المحافظة على حالة ثابتة الأركان في البلاد العراقية ريثما تتمكن الحكومة الوطنية العراقية ذاتها من أن تأخذ على عاتقها مسؤولية الدولة العراقية التي ترمي الحكومة البريطانية إلى تأسيسها وتأييدها. وقد تمكن فخامة المندوب السامي البريطاني برسي كوكس وجناب القائد العام البريطاني (إيلمر هالدين) من أن يقدما إلى مؤتمر القاهرة في آذار 1921 اقتراحات ترمي إلى اقتصاد بعضه عاجل وبعضه تدريجي، مما جعل وزير المستعمرات ونستون تشرشل شديد الأمل بأنها ستأتي مرضية لآراء حكومة جلالة الملك والرأي العام البريطاني والعربي. وفي الوقت ذاته فإن الاتفاق الذي تُوصّل إليه قد أحلّ مسائل المحافظة على الأمن الداخلي، وحماية الحدود، والترتيبات المالية اللازمة لترقية الجيش العراقي، محلها من الاعتبار. وسيصدر في وقت قريب عفو عام يشمل جميع الذين اشتركوا في الاضطرابات الأخيرة (المقصود ثوار ثورة 1920)، عدا بعض الأفراد الذين ارتكبوا جرائم فظيعة كقتل الكولونيل (لجمن) وما أشبه ذلك من الجرائم.

وعند انتهاء مؤتمر القاهرة في 24 آذار 1921 سافر وزير الدولة لشؤون المستعمرات ونستون تشرشل إلى فلسطين ومنها إلى إنكلترا، كي يقدم بذاته النتائج التي توصل إليها المؤتمر إلى مجلس الوزراء البريطاني. والأمل وطيد أن ترد في الأيام القليلة الآتية برقية تنبئ بمصادقة مجلس الوزراء البريطاني على تلك النتائج، وعندئذ يصدر فخامة المندوب السامي البريطاني في العراق برسي كوكس بلاغاً آخر» (18).

2. مشكلة السيد طالب النقيب (وزير الداخلية العراقي في الحكومة المؤقتة)

استطاع مؤتمر القاهرة، خلال المدة التي بقي فيها منعقداً من 12 إلى 24 آذار 1921، أن يحل جميع القضايا التي تخص العراق الجديد، وأن يحبط المساعي التي بذلها طلاب العروش للفوز بالعرش العراقي. أما السيد طالب النقيب، «وزير الداخلية في الحكومة العراقية المؤقتة»، فكان يتحدى هذه الحلول ويرى نفسه أحق من الأمير فيصل بعرش العراق، حتى إن أعوانه كانوا يطوفون على الناس في بغداد والبصرة وفي أيديهم مضابط تدعو إلى المطالبة بالسيد طالب النقيب حاكماً عاماً على العراق (19). فاستمر في المنافسة والتجأ إلى السيد عبد الرحمن النقيب رئيس الحكومة العراقية المؤقتة، وتظاهر بأنه يسعى لنصرة الحكم الجمهوري في العراق، وهو في الباطن يبث الدعاية لنفسه، وأبدى الجفاء للبريطانيين وتحامل عليهم لتحزبهم للأمير فيصل، ظناً منه أنه يرضي بعمله هذا النافرين من الحكم الأجنبي البريطاني. ولكن جهله بالأساليب السياسية حمله على إبداء بعض التصريحات دون تيقظ أو تروٍّ، فعرّض نفسه للخطر، وجعل السلطة البريطانية تعدّه خطراً على الأمن العام في العراق (20). ولما عاد المعتمد السامي برسي كوكس إلى العراق سأله عما تقرر في مؤتمر القاهرة، فرد عليه المعتمد السامي بما جاء في بلاغه، وأكد له أن الحكومة البريطانية تترك للعراقيين حرية انتخاب الشخص الذي يودونه ملكاً على عرش العراق (21).

وكان السيد طالب النقيب يعتقد أن في دار الاعتماد البريطانية في العراق بعض الموظفين الذين لا يتقيدون بآراء حكومتهم، فانتهز فرصة غياب المعتمد السامي برسي كوكس ومعه سكرتيرته المس بيل في مؤتمر القاهرة، فسافر إلى البصرة نهراً بطريق دجلة في 8 آذار 1921 يصحبه بعض مريديه، أمثال عبود الملاك وعبد الرزاق الأمير وشاكر النعمة وأحمد السالم، وكذلك الشيخ سالم الخيون رئيس قبائل بني أسد، ثم عاد إلى بغداد براً بطريق الفرات فبلغها في 21 من الشهر نفسه ومعه مريدوه. وكان قد نزل في أهم المدن القائمة على النهرين المذكورين (دجلة والفرات)، مثل الكوت والعمارة والناصرية والديوانية والنجف والحلة، فأُجريت له استقبالات فخمة، وأقيمت على شرفه مآدب وولائم كثيرة، وصرف خلال هذه الجولة آلافاً من الباونات الذهبية للرؤساء أو الشيوخ الذين قابلوه أو اتصل بهم، «ونشر دعاية واسعة النطاق، في الظاهر عن ترشيح نقيب أشراف بغداد عبد الرحمن النقيب، وفي الحقيقة عن استئثاره لنفسه بعرش العراق» (22).

ولدى عودته إلى بغداد وجد فيها مراسل جريدة ديلي ميل اللندنية (مستر برسيفل لاندن)، فأقام له وليمة في 14 نيسان 1921 دعا إليها ثلاثة عشر شخصاً (23) من البريطانيين والعراقيين وغيرهم، بينهم القنصل الفرنسي، والقنصل الإيراني، ومحمد الصهيود أمير ربيعة، وسالم الخيون رئيس بني أسد، والسيد حسين أفنان سكرتير مجلس الوزراء وغيرهم. وقد سأل صاحب الدعوة ضيفه عما يعلمه من نيات الحكومة البريطانية نحو العراق ومستقبله، فأجابه بما قد سمعه من المعتمد السامي برسي كوكس وما جاء في البلاغ الرسمي.

فقال السيد طالب النقيب، وهو يصوب نظره نحو أمير ربيعة ورئيس بني أسد: إذا ظهرت أية إرادة عكس هذه التصريحات فيجب أن يُحسب حساب لأمير ربيعة وللعشرين ألف بندقية التي يملكها رجاله المسلحون، وللشيخ سالم الخيون والقبائل التابعة له، «وأضاف إلى ذلك رأيه أن النقيب - السيد عبد الرحمن النقيب - لن يتردد في رفع شكواه إلى الهند ومصر، بل إلى باريس نفسها، إذا حدث خلاف ذلك» (24).

وأدرك المندوب السامي البريطاني برسي كوكس أن السيد طالب باشا النقيب، بمقتضى منصبه الاستراتيجي وزيراً للداخلية في الحكومة العراقية المؤقتة، وبصفته أقوى الرجال وأشدهم تأثيراً في العراق الجديد، قد يقضي على فرص نجاح الأمير فيصل في العراق، فيقوض بذلك جميع خطط الحكومة البريطانية التي وُضعت بدقة. لهذا ما كاد (المستر تود)، الذي كان ممن حضر الوليمة، ينقل هذه الكلمات إلى مسامعه حتى أوعز إلى القائد العام البريطاني (الجنرال إيلمر هالدين) باتخاذ التدابير السريعة لإخراج السيد طالب النقيب من العراق (25). فتولت ثلة من الجيش البريطاني تنفيذ هذا الأمر، إذ أقامت الليدي (السيدة) كوكس حفلة شاي للسيد طالب النقيب في دارها، ولما انتهت الحفلة وهمّ بالخروج وجد الطريق مسدوداً والجند البريطاني يحيط به، فأُبعد إلى البصرة في مساء 16 نيسان 1921، ونُفي منها إلى جزيرة سيلان. وفي 28 تموز 1921 طلب المعتمد السامي إلى الحكومة العراقية المؤقتة صرف 2500 روبية في الشهر لسد نفقات السيد طالب باشا النقيب في المنفى، فقرر مجلس الوزراء الموافقة على ذلك باتفاق الآراء في جلسته المنعقدة في أول آب 1921، وكانت هذه المخصصات ترسل إليه في نهاية كل شهر، ثم سُمح له بعد مدة بالذهاب إلى أوروبا، ولم يعد إلى العراق إلا في عام 1925. ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل (السيد عبد الرحمن النقيب رئيس الحكومة العراقية المؤقتة).

ومن الغريب أن أحداً من الوزراء العراقيين لم يجرؤ على انتقاد السلطة العسكرية البريطانية على عملها هذا، وأن مستشار الداخلية (فلبي) عاتب المعتمد السامي على عمله هذا لأن السيد طالب باشا النقيب كان يشغل منصب وزير الداخلية، ثم تسببت له جرأته هذه في إبعاده عن العراق بعد حين، وأن بعض الوزراء حين فاتحوا رئيسهم عبد الرحمن النقيب في موضوع إبعاد زميلهم وزير الداخلية طالب النقيب أجابهم قائلاً: «لقد أوصيت أن يعاملوه باحترام وأدب».

لقد أجمع المراقبون الأجانب على أن السيد طالب النقيب كان منافساً قوياً للأمير فيصل على عرش العراق الجديد، وأن وجوده في منصب وزير الداخلية كان خطراً على المساعي البريطانية التي كانت تُبذل في سبيل تأييد الأمير الهاشمي، فكان إخراج السيد طالب النقيب من العراق هو الوسيلة الوحيدة التي تساعد على تحقيق المساعي البريطانية المذكورة، وعلى إحباط مساعي بقية المنافسين على عرش العراق، حتى إن السيد عبد الرحمن النقيب، الذي كان يعارض تنصيب الشريف حسين بن علي أو أحد أنجاله ملكاً على العراق الجديد معارضة شديدة، سحب اعتراضه هذا واقترح وجوب اتباع السياسة البريطانية. ومن البداهة بمكان أن المعتمد السامي كان يلتمس وسيلة ما لتنفيذ نواياه، فكانت الوليمة التي أقامها طالب النقيب للضيف البريطاني، وما دار فيها من حديث، أحسن فرصة تُهتبل لذلك، وهكذا كان (26).

لقد حسب الشيخ خزعل أمير المحمرة أن الجو قد صفا له بعد إبعاد السيد طالب النقيب عن العراق، فعهد إلى السيد مزاحم أمين الباچه چي، وكان يتعاطى المحاماة في البصرة، أن يقنع بعض رجالات العراق البارزين بمساعدته بغية تحقيق حلمه، وبعث معه إليهم بعض الرسائل، كما صرف في ذلك مقادير كبيرة من الأصفر الرنان (الذهب)، ولكن سعيه خاب على ما خطط له.

المصادر

  1. د. مها طارق الجبوري، المفصل في تاريخ العراق المعاصر، ص233.

  2. فيليب ويلارد آيرلاند، العراق دراسة في تطوره السياسي، ص44.

  3. ل. ن. كوتلوف، ثورة العشرين الوطنية التحررية في العراق، ص114.

  4. فؤاد قزانجي، العراق في الوثائق البريطانية 1905–1920، ص25.

  5. فيليب ويلارد آيرلاند، المصدر السابق، ص50.

  6. عبد الرزاق الحسني، الثورة العراقية الكبرى، ص26.

  7. فؤاد قزانجي، المصدر السابق، ص28–29.

  8. محمد أنيس ود. السيد رجب حراز، الشرق العربي في التاريخ الحديث والمعاصر، ص463–464.

  9. صلاح العقاد، المشرق العربي المعاصر، ص190–191.

  10. عبد الرزاق عبد الدراجي، جعفر أبو التمن ودوره في الحركة الوطنية في العراق 1908–1945، ص102–104.

  11. عبد الرزاق الحسني، المصدر السابق، ص331–334.

  12. فريق مزهر آل فرعون، الحقائق الناصعة في الثورة العراقية 1920 ونتائجها، ج1، ص521. وأيضاً: عبد الرزاق الحسني، المصدر السابق، ص348–349.

  13. بيير رونوفن، تاريخ القرن العشرين، ص166–167.

  14. Hubert Young, The Independent Arab, London, 1933, pp. 323–324.

  15. Report on Middle East Conference held in Cairo and Jerusalem, March 12th to 30th, 1921, Air 8137, Public Record Office, London, p. 3, hereafter cited as Report on Middle East.

  16. Report on Middle East, Appendix (1), Report of the Interdepartmental Committee appointed by the Prime Minister to make recommendations for the formation of a new Department under the Colonial Office to deal with Mandated and other Territories in the Middle East, 1921, pp. 16–26.

  17. Report on Middle East, Events leading up to the Conference and Procedure Adopted, p. 3.

  18. جريدة العراق، العدد 266.

  19. قال عبد الرزاق الحسني: كنت ذات يوم في دار المرحوم عبد العزيز الزيبق، فدخل علينا السيد إبراهيم الشواف وأخوه قاضي البصرة المرحوم علي الشواف «وبيدهما مضبطة يجمعان عليها تواقيع وجوه الكرخ، فتناولت الورقة منهما وقرأتها فإذا هي من قبل السيد عبد الملك الشواف وإخوانه المذكورين، وتتضمن الطلب من الحاكم الملكي العام (المندوب السامي البريطاني) تعيين السيد طالب النقيب حاكماً عاماً للعراق الجديد». عبد العزيز القصاب، من ذكرياتي، ص207.

  20. لودر في كتابه «القول الحق في تاريخ سورية وفلسطين والعراق»، ص108.

  21. اجتمع عبد الرزاق الحسني بالسيد طالب النقيب في قصره في «السبيليات» (السيبة) بجوار مدينة البصرة في شهر كانون الثاني من سنة 1927م، وسأله عن حوادث الأيام الماضية وعن حقيقة مزاحمته للأمير فيصل على عرش العراق، ومع أنه صرح لعبد الرزاق الحسني ولغيره أكثر من مرة بأنه لن يستطيع أن يدلي بأي حديث سياسي، لم يشأ أن يحرمه من كلمة ولو مطلقة، فهمس في أذنه قائلاً: «ومن ذا أحق مني ببلادي؟ ألا يجوز أن يحكم العراق شخص عراقي؟». ولزيادة الإيضاح انظر كتاب عبد الرزاق الحسني الآخر «العراق في دوري الاحتلال والانتداب»، 1/206.

  22. هنري فوستر في كتابه «تكوين العراق الحديث»، ص180.

  23. العدد المشؤوم في نظر الأوروبيين.

  24. آيرلند (Ireland)، ص322.

  25. هذا هو نص البلاغ الذي أذاعه المعتمد في 19 نيسان 1921م:

«يرى فخامة المندوب السامي البريطاني برسي كوكس من المناسب أن يوقف الرأي العام على الأسباب التي اقتضت إقالة السيد طالب باشا النقيب من الحكومة العراقية المؤقتة وإخراجه من بغداد.

إن فخامة المندوب السامي قبل مغادرته بغداد صرح مراراً علانية وفي أثناء محادثاته مع المأمورين والأشراف بأن رغبة جلالة الملك ترمي إلى ضمان الحرية التامة للعراقيين ليعربوا عن رغباتهم بشأن نوع الحكومة التي يطلبونها والشخص الذي يريدون أن يتولى عليهم. وعند رجوع فخامته من القاهرة أكد تصريحاته هذه لعظمة رئيس مجلس الوزراء السيد عبد الرحمن النقيب وللسيد طالب باشا النقيب وزير الداخلية لما فاتحاه بشأن المسألة نفسها. ولكن في صباح اليوم السادس عشر من الشهر الحالي بلغ مسامع فخامة المندوب السامي أمر خطاب وجهه السيد طالب باشا النقيب إلى فريق من الوجهاء في أثناء مأدبة أقامها في اليوم الرابع عشر من الشهر الحالي إكراماً لوجيه بريطاني في أثناء زيارته بغداد زيارة قصيرة، وبعد أن ألح السيد طالب على ضيفه مستفسراً منه عما إذا كان بإمكانه تأكيد تصريحات فخامة المندوب السامي عن موقف الحكومة البريطانية في هذا الشأن، وبعد أن استفهم عن خير الطرق التي يضمن بها إقالة بعض الموظفين البريطانيين من حاشية المندوب السامي ممن لم يستحسن خطتهم، استطرد في الكلام بقوله إنه هو وأبناء بلاده قد عزموا على حمل ذوي الشأن على تنفيذ خطة حكومة الملك بأمانة حسب التصريحات المذكورة آنفاً. ثم التفت إلى أمير ربيعة والشيخ آل خيون اللذين كانا في عداد ضيوفه وقال كمن يقترح اقتراحاً إنه إذا بدرت أي بادرة عكس ذلك فيجب أن يُحسب حساب لأمير ربيعة والعشرين ألفاً من رجاله المسلحين، وللشيخ سالم آل خيون والقبائل التابعة له. وقد تمادى في تهوره حتى قرن اسم عظمة عبد الرحمن النقيب بهذا التهديد.

إن فخامة المندوب السامي لا يخامره أبداً أقل شك في موقف الزعيمين المشار إليهما الجدير بالاحترام، أو في استقامة مقاصد عظمة عبد الرحمن النقيب استقامة تامة. ولكن فخامته يرى، والحالة هذه، أنه إذا أبدى أقل تسامح في أمر التفوه بكلام ينم عن تهديد شائن بإشهار السلاح في وجه حكومة جلالة الملك، يصدر عن رجل كالسيد طالب باشا النقيب الذي يشغل منصباً خطيراً وزيراً للداخلية، يكون مقصراً في القيام بواجبه نحو سكان هذه البلاد والحكومة البريطانية. فبناءً على ما تقدم، وحباً بمصلحة القانون العام والنظام والحكومة الصالحة، رأى فخامته من واجبه أن يطلب من القائد العام البريطاني الجنرال إيلمر هالدين أن يتخذ التدابير اللازمة لإبعاد السيد طالب النقيب حالاً. وقد غادر بغداد مساء اليوم السادس عشر من الشهر الحالي». (انتهى عن جريدة العراق، العدد 271).

  1. اختلفت الروايات في كيفية إقالة السيد طالب النقيب وإبعاده من بغداد، وكتب المراسلون الصحفيون الأجانب أنباء متضاربة حولها، أما الواقع فهو أنه أُوعز إلى مس بيل أن تدعوه إلى وليمة شاي في منزلها الخاص، فلما انتهت الدعوة وهمّ بالخروج وجد سيارة تنتظره على الباب، فنقلته إلى القطار فوراً تحرسه ثلة من الجيش البريطاني.

أجزاء «مؤتمر القاهرة في آذار 1921 والإستراتيجية البريطانية في العراق» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)

→ الجزء الأول