الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

مؤتمر القاهرة والقضية الكوردية آذار 1921 (الجزء الأول)

من محاضرات «مؤتمر القاهرة 1921 والقضية الكوردية» – 2013

مؤتمر القاهرة الأول في 12–24 آذار 1921م

كان تأمين الحدود الشمالية، كوردستان العراق (ولاية الموصل)، ضد التهديد التركي الأتاتوركي في الفترة (1921–1923م) من أهم أولويات السياسة البريطانية في العراق الجديد، فقامت بريطانيا بدعم الحركة القومية الكوردية وتطويرها من أجل الوقوف بوجه تيار (الجامعة الإسلامية بين الكورد) الذي كانت تشجعه تركيا الأتاتوركية وتستخدمه لتحريض الكورد في كوردستان على مقاومة الإدارة البريطانية في كوردستان العراق. وكان على الحكومة البريطانية أيضاً أن توفق بين آمال القوميين الكورد في كوردستان في الاستقلال ومصالحها السياسية في العراق الجديد، التي دعتها إلى توطيد حكومة الملك فيصل الأول في بغداد، ليصبح العراق العربي الجديد مستعمرة بريطانية تنعم بالاستقرار. فكان تأسيس حكومة كوردية في كوردستان العراق بقيادة الشيخ محمود الحفيد للمرة الثانية سياسة بريطانية وقتية لخدمة أهداف السياسة البريطانية في العراق العربي الجديد.

إن الخسائر التي سببتها الثورة المعادية للإنجليز في العراق (ثورة العشرين) عام 1920 أدت إلى حملة قوية في إنجلترا للتقليل من تكاليف الحملات العسكرية في الخارج، وقد وُضعت خطة للسياسة البريطانية في الشرق الأوسط في مؤتمر القاهرة (12–24 آذار 1921). وجاء مؤتمر القاهرة استجابة لنجاح القوات التركية الكمالية في أناضوليا (كوردستان تركيا)، الذي أدى إلى تمزيق سياسة لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني في تركيا (1). لقد كانت تركيا الكمالية المعادية لبريطانيا في تحدٍّ مستمر لمنع سيطرة الإنجليز على كوردستان العراق (ولاية الموصل)، وكانت المطالبة بتقليل الحملات العسكرية متوافقة مع المطالب الإستراتيجية البريطانية. وبإيعاز من السيد ونستون تشرشل (Churchill)، وزير الدولة البريطاني للمستعمرات، عُقد مؤتمر القاهرة في 12–24 آذار 1921 للتباحث في أوضاع الشرق الأوسط ووضع أسس جديدة للسياسة الإنجليزية في المنطقة. وقد جرى الاتفاق على تسليم الإدارة في العراق العربي إلى حكومة عربية، واستغلال نفوذ الإنجليز لضمان ترشيح الأمير فيصل الأول ملكاً للعراق الجديد، ثم الدخول في مفاوضات مع هذه الحكومة العربية لإبرام اتفاقية التحالف لتحل محل حكم الانتداب (Mandate).

وكان من المتوقع أن يؤدي ذلك إلى تقليل نفقات البعثات العسكرية (2)، ومساعدة الحكومة البريطانية على تقليل النفقات بالتدريج من 32 مليون جنيه إسترليني سنوياً عام 1921 إلى 4.5 مليون جنيه في نهاية العشرينيات. كما جرى الاتفاق على تخفيض عدد القوات البريطانية في العراق من سبع وثلاثين فرقة عسكرية إلى أربع فرق فقط، وقيام الموظفين البريطانيين بتشكيل جيش محلي في العراق الجديد لملء الفراغ قبل تكوين الجيش النظامي العراقي وانسحاب القوات البريطانية. كما تم الاتفاق على تعزيز الجيش المحلي العراقي عن طريق الاستفادة من ثمانية أسراب من الطائرات التابعة للقوة الجوية الملكية البريطانية (3).

ومن أجل تجنب الحساسيات القومية العربية تجاه سياسة الوصاية البريطانية على العراق الجديد، ولتمكين الملك فيصل الأول من التعامل مع لندن دون أي تحفظ، رأت الحكومة البريطانية عقد اتفاق للتعاون المشترك مع حكومة الملك فيصل (4). وكان من المتوقع كذلك عقد اتفاق للسلام بين تركيا وبريطانيا في وقت قريب، الأمر الذي سيجعل حكومة العراق العربي قادرة على تطوير مواردها النفطية في ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وهذا يتطلب إعطاء الدعم للعراق العربي الجديد، مما سيمكّن بريطانيا من جعل العراق العربي الجديد مستعمرة قادرة على الإنفاق الذاتي على نفسها (5).

يتبين مما سبق أن التصور البريطاني في مؤتمر القاهرة (آذار 1921) كان قائماً على وجود نوع من السلم في جنوب كوردستان (ولاية الموصل - كوردستان العراق)، ووجود علاقات ودية مع تركيا. ولذلك كانت المسألة الكوردية في كوردستان العراق (ولاية الموصل) من القضايا الرئيسة التي جرت مناقشتها في مؤتمر القاهرة (آذار 1921)، ومن أكثر المسائل إثارة لوجهات النظر المتباينة بين الموظفين البريطانيين حول السياسة التي يجب اتباعها في جنوب كوردستان (ولاية الموصل - كوردستان العراق).

لقد تمركز النقاش في مؤتمر القاهرة (آذار 1921) حول محورين أساسيين:

المحور الأول: هو الذي نادى بإقامة كيان كوردي مستقل في كوردستان العراق الجديد، ومن مؤيدي هذا الرأي ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطاني وغيره من رجال الدولة البريطانية. فقد رأى ونستون تشرشل أن على الحكومة البريطانية أن تقيم دولة كوردية مستقلة في جنوب كوردستان (كوردستان العراق) بدلاً من الدولة الكوردية في كوردستان تركيا التي جرى إقرارها في معاهدة سيفر (Sèvres) 1920، والتي كان من المقرر إقامتها في أناضوليا (كوردستان تركيا)، مع إعطاء الكورد في ولاية الموصل (كوردستان العراق) الخيار في الانضمام إلى تلك الدولة الكوردية في كوردستان تركيا، التي لم تقم بسبب مقاومة القوات التركية الكمالية الأتاتوركية لها. وقد تقرر في حينه أن كل المدن الكوردية في كوردستان التي لا تتوفر فيها الأغلبية العربية، أي المدن الكوردية، ستضم إلى الدولة الكوردية المستقلة في كوردستان (6). لقد ناقش ونستون تشرشل ورفاقه كراهية الكورد الشديدة للعرب، وأدركوا أن الكورد في كوردستان سيصابون بخيبة أمل كبيرة إذا أُخرجوا من يد الترك الأتاتوركيين وسُلّموا للعرب القوميين، وبالعكس، والعرب ليسوا بأكثر حضارة من الترك الكماليين في نظر الكورد.

كما ناقش ونستون تشرشل إمكانية جعل الدولة الكوردية في كوردستان أداة لعرقلة انتشار الخطط البلشفية الشيوعية، ومنع الإمبراطورية الروسية الجديدة من التوسع (7). وقال ونستون تشرشل: «إنه في حالة إذا ما قُرّر إثارة عداء الكورد في كوردستان، فإن عملية الدفاع عن ولاية الموصل (كوردستان العراق) ستكون غالية الثمن إذا ما قرر الترك الأتاتوركيون مهاجمتها، لأن الكورد في كوردستان العراق (ولاية الموصل) سيقفون بدون شك مع القوات التركية» (8).

المحور الثاني: هو الذي يمثله السير برسي كوكس، المندوب السامي البريطاني في العراق العربي الجديد، وأغلب الموظفين البريطانيين. ومن أهم الأسباب التي يراها هؤلاء لرفض قيام الدولة الكوردية في كوردستان أن المنطقة الكوردية مهمة للطبيعة الجغرافية للعراق العربي الجديد، إذ لا يمكن الدفاع عن العراق العربي الجديد دون أن تكون الجبال الكوردية في كوردستان العراق (ولاية الموصل) تحت السيطرة في الشمال والشمال الشرقي (9).

ولقد شاركت المس جيرترود بيل، السكرتيرة الشرقية في المندوبية السامية البريطانية في العراق الجديد، مشاركة فعالة في مؤتمر القاهرة هذا، ورأت أن من الأهمية المحافظة على حدود العراق الإستراتيجية على خط هدنة مودروس (30 تشرين الأول 1918)، وإلا فإن السهول العراقية العربية من بغداد حتى البصرة ستكون مفتوحة للقوات التركية. وأكدت كذلك أن انفصال جنوب كوردستان (ولاية الموصل) ذات الأغلبية الكوردية عن العراق الجديد سيجعل حقول النفط في المنطقة الكوردية من كوردستان العراق (ولاية الموصل) بيد الأتراك، وسيهدد حقول النفط التابعة لشركة النفط الإنجليزية - الفارسية في جنوب إيران (10).

وفضلاً عن ذلك، كانت هناك معارضة كبيرة لدى القوميين العرب في بغداد لإقامة دولة كوردية في كوردستان العراق (ولاية الموصل)، وكان هؤلاء القوميون العرب يشككون في السياسة البريطانية في كوردستان العراق، ويرون أن بريطانيا تحاول أن تجعل كوردستان السلاح الذي تعاقب به العراقيين العرب المعارضين لها (11). كما كان الملك فيصل الأول متردداً في قبول فكرة تشكيل دولة كوردية في كوردستان العراق، لأن ذلك يضعف موقفه عند القوميين العرب العراقيين، إذ سيعدونه عميلاً لبريطانيا ومساعداً في عملية تمزيق العراق الجديد. يقول برسي كوكس، المندوب السامي البريطاني في العراق الجديد، في هذا الصدد: «في الحقيقة إن السلاح الأنجح لمقاومة أي هجوم تركي أتاتوركي أو بلشفي شيوعي على الكورد في كوردستان العراق (ولاية الموصل) هو تماسك التكتل القومي العربي، وينبغي لنا أن نتجه في سياستنا هذا الاتجاه» (12).

كما رأى برسي كوكس، وهو الخبير في هذه المسألة، عدم قدرة الكورد على القيام بالحكم المستقل في كوردستان، وادعى أنهم منقسمون جداً فيما بينهم ويفتقرون إلى الشعور القومي الكوردي المتماسك (13). وقد أيد هذا الرأي «ستيفن لنغريغ»، المشرف الإداري البريطاني في كركوك الكوردية، ورأى أيضاً أن الكورد مقسمون إلى قبائل كوردية متعددة، زعماؤها متناحرون فيما بينهم، ولا يملكون أي شيء من الشعور القومي الكوردي (14).

وكانت المس بيل مقتنعة تماماً بأن أية مغامرة في كوردستان العراق الجديد ستكون فاشلة، وقالت: «إن مشروعكم سيُكتب له الفشل، فأغلب الكورد في كوردستان يظنون أنهم مقدسون، وهم شبه عقلاء، وشبه جياع، وبربريون تماماً، والكل في كوردستان يعادي الكل، فكيف تخلقون دولة كوردية مستقلة في كوردستان؟» (15).

لقد تعامل مؤتمر القاهرة مع القضية الكوردية في كوردستان العراق بحذر بسبب حساسيتها، وذلك بتشجيع من السير برسي كوكس المندوب السامي البريطاني في العراق الجديد، الذي أراد أن يجمد المسألة الكوردية في كوردستان إلى حين، لكي يستطيع أن ينفذ سياسة تهدف إلى الدمج التدريجي للمناطق الكوردية في كوردستان مع العراق العربي الجديد. وكان هناك إجماع بريطاني أيضاً على أن أية محاولة لإجبار الكورد في كوردستان العراق (ولاية الموصل) على الدخول مباشرة تحت حكومة عراقية عربية جديدة في العراق الجديد ستُقاوَم بلا شك. ولذلك أوصى مؤتمر القاهرة (آذار 1921) ببقاء كوردستان العراق (ولاية الموصل) تحت الإشراف المباشر للمندوب السامي البريطاني، وبقاء كوردستان مستقلة عن العراق العربي الجديد (16)، إلى أن يأتي الوقت الملائم الذي يستطيع فيه الكورد في كوردستان تقرير مصيرهم.

ويبدو أن صاحبَي المحورين المذكورين في النقاش (ونستون تشرشل وبرسي كوكس) قد تركا القاهرة في 24 آذار 1921 وكل منهما مقتنع بأن الجانب الآخر قد قبل وجهة نظره في السياسة التي ستتبع في كوردستان. فقد كتب برسي كوكس إلى وزير المستعمرات ونستون تشرشل أنه، تماشياً مع السياسة البريطانية التي أُقرت في مؤتمر القاهرة في آذار 1921، عقد اجتماعاً مع الخبراء المحليين البريطانيين بعد عودته إلى العراق مباشرة، للاستماع إلى آرائهم في السياسة التي ستتبع في جنوب كوردستان (كوردستان العراق). وأكد المندوب السامي البريطاني برسي كوكس كذلك لوزير المستعمرات ونستون تشرشل أنه يفكر في إقامة منطقة كوردية في كوردستان العراق يكون للكورد فيها حكم ذاتي تام ضمن العراق العربي الجديد (17). ومن أجل تخفيف المخاوف التي طرحها ونستون تشرشل من إمكانية تقارب الكورد في كوردستان العراق مع الأتراك الكماليين، قال برسي كوكس: «أشعر بأن برنامجنا يجب أن يكون أكثر جاذبية من أي بديل يمكن أن تطرحه تركيا الحديثة الكمالية، ولا بد أن يكون هذا المشروع البريطاني (الحكم الذاتي) واسع النطاق حتى يضم تحت جناحيه أغلب الكورد القوميين الطموحين (ويشمل كورد كوردستان تركيا)» (18).

وقد رد ونستون تشرشل على كلام برسي كوكس قائلاً إنه مقتنع تماماً بأن ترك الكورد (كوردستان تركيا) تحت أي حكومة عربية لن يكون في صالح الحكومة البريطانية، وأضاف: «لقد رجعتُ من القاهرة بانطباع مختلف عن برسي كوكس، وكان رأيي متوازناً تجاه السياسة في كوردستان، وقد كان في ذهني أن تقام دولة كوردية مستقلة في جنوب كوردستان (كوردستان العراق) لتكون حاجزاً بين تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد» (19).

لقد كانت فكرة ونستون تشرشل هي جعل المنطقة الكوردية (كوردستان) دولة كوردية مستقلة تكون درعاً لحماية العراق العربي الجديد من تركيا الحديثة وإيران، فهذه الدولة الكوردية ستوفر تلك الحماية، وتحرر العراق العربي الجديد من الدفاع عن نفسه بجيش نظامي (20). وهذه الخطة هي إحياء للخطة التي وضعها السير هنري رولنسون لهذا الغرض عام 1853. ولكن برسي كوكس كان له رأي مخالف.

لقد كان للأوضاع المحلية في العراق العربي الجديد تأثير كبير، فقد ضغط الملك فيصل الأول، بمعاونة بعض رجال الإدارة البريطانيين، على المندوب السامي البريطاني برسي كوكس لتنفيذ سياسة ضم ولاية الموصل (كوردستان العراق) إلى العراق العربي الجديد. فقد أقنع الملك فيصل المندوب السامي البريطاني بأن وجود دولة كوردية مستقلة في كوردستان العراق سيحرم العراق العربي الجديد من نسبة كبيرة من السكان السنة، الأمر الذي سيجعل حكمه في دولة العراق العربي الجديد المتكونة من ولايتي بغداد والبصرة فقط، وأغلبيتها شيعية، صعباً للغاية (21). وكان الملك فيصل يرى أنه لن يقبل بفصل كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) عن العراق العربي الجديد. لكن الميجر يونغ رفض طلب الملك فيصل بضم كوردستان (ولاية الموصل) إلى العراق العربي، وبيّن أن الملك فيصل لم يطالب بكوردستان العراق (ولاية الموصل) عندما قُدّم له عرش العراق في لندن، وقال: «نحن وعدنا بتشجيع القومية العربية وليس الإمبريالية العربية» (22). ومع ذلك قرر المندوب السامي برسي كوكس تقوية موقف الملك فيصل بادعاء أن مصالح الإنكليز ستكون مع تقوية دولة العراق العربي الجديد، فكتب إلى تشرشل قائلاً: «لا ينبغي لنا بأي حال من الأحوال أن نغفل عن الحقيقة التي تؤكد أن قضية الكورد وكوردستان تأتي في المرتبة الثانية بعد القضية العربية، وإذا أردنا أن نكسب ود العرب في العراق العربي الجديد فلا يمكن لنا أن نعمل أي شيء يؤثر فيهم على نحو سلبي، ويبقى العراق العربي الجديد منفذنا (بريطانيا) إلى منطقة كوردستان» (23).

واستطاع برسي كوكس في آب 1921 أن يقنع ونستون تشرشل بتأييد سياسته في كوردستان، فقد كتب إليه تشرشل في 25 آب 1921 مؤكداً أن القضية الأساسية هي تأمين مكانة الملك فيصل الأول، وأن القضايا الأخرى ثانوية، ولكنه في الوقت نفسه أمره بألا يفضل العرب على الكورد في جنوب كوردستان (كوردستان العراق). وقد أمر وزير المستعمرات ونستون تشرشل المندوب السامي البريطاني برسي كوكس بتنفيذ خطته وإعطاء الكورد حكماً ذاتياً واسع النطاق لمدة سنتين، حتى يتم توطيد حكم الملك فيصل الأول في العراق العربي الجديد (24).


أجزاء «مؤتمر القاهرة والقضية الكوردية آذار 1921» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني

الجزء الثاني ←