الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
مشاكل حدودية في جنوب العراق (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
في الوقت الذي كانت للكورد مطالب في كوردستان الجنوبية (العراق)، كانت الطائفية، التي وجدت لها ملاذاً في جنوب العراق منذ أحداث ثورة العشرين عام 1920م، تضحك لمن يحرّكها من جديد. وذلك حين تعرّض مخفر عراقي في منطقة البصيّة، على مقربة من نجد (السعودية حالياً)، لغزو مجموعة مسلحة في السادس من تشرين الثاني 1927م، فقتلوا ستة من رجال الشرطة وأحد عشر من العمال المدنيين، بينهم امرأة، وصُوِّر الحادث على أنه هجوم للمذهب الوهابي على المذهب الشيعي.
ومع أن الحكومة أرسلت القوات اللازمة لمطاردة الغزاة، فقد بقي الموقف مضطرباً، لأن الإنكليز كانوا يلعبون من خلف الستار للضغط على المفاوض العراقي والملك فيصل الأول بغية التسليم بوجهة نظرهم في المفاوضات الدائرة في لندن. وبعودة جعفر العسكري من لندن إلى بغداد في الثلاثين من كانون الأول 1927م، وجد وزيري المالية ياسين الهاشمي والداخلية رشيد عالي الكيلاني مستقيلَين من منصبيهما، فاضطر جعفر العسكري، الذي أتعبته المفاوضات بشأن تعديل الاتفاقيتين المالية والعسكرية، إلى رفع كتاب استقالته في الثامن من كانون الثاني 1928م.
توجهت أنظار الساسة البريطانيين مرة أخرى إلى أحد رموزهم المحليين، عبد المحسن السعدون، لتشكيل وزارة جديدة، فهم يرون فيه الشخصية التي يُعتمد عليها والتي تستطيع أن تنقذ الموقف، أي تمرير مصالحهم. فصارح عبد المحسن السعدون الملك فيصل الأول بأنه يخالف معاهدة عام 1926م التي عقدتها وزارته السابقة، «بأنها لم تأتِ بشيء مفيد مؤثر في تحسين الحالة السياسية، وكان نادماً على عرضها على المجلس». ولتدارك الخطأ الذي وقع فيه، كانت نيته تعديل الاتفاقيتين المالية والعسكرية مع الجانب البريطاني قبل تشكيل وزارته الثالثة بتاريخ الرابع عشر من كانون الثاني 1928م، وقد تضمنت النقاط المختلف عليها:
- تولّي العراق المسؤولية الكاملة للدفاع.
- قيادة القوات المشتركة.
- سلطة قائد القوات الجوية.
- إدارة الأحكام العرفية.
- مسؤولية العراق المالية عن قواته الخاصة البرية والجوية.
- مصروفات المندوب السامي البريطاني وحاشيته.
- الإعفاء من الرسوم الجمركية.
- إدارة السكك الحديدية في مختلف مناطق العراق.
وفي حديث رئيس وزراء العراق عبد المحسن السعدون مع جلالة الملك فيصل الأول، نوّه الأول إلى أن كل تصريحات البريطانيين إنما هي لتهدئة الأمور وسياسة مراوغة، وأنهم يلعبون برؤوس الساسة الموالين لهم. فقدّم عبد المحسن السعدون استقالته في العشرين من كانون الثاني عام 1929م، مبدياً أن شرفه مرتبط بما فعله، واتفق أعضاء حزب التقدم على تأييد رئيسهم، وعدم تأييد أي رئيس وزراء يتعهد بقبول المعاهدة.
كانت معارضة الرأي العام لمعاهدة عام 1927م بين بريطانيا والعراق قد جعلتها على درجة كبيرة من المهانة السياسية، بحيث لم يكن من الممكن إقناع أي شخص بتولي رئاسة الوزراء إلا بعد مرور ما يزيد على ثلاثة أشهر، حين تعهد توفيق بك السويدي بتأليف الوزارة في الثامن والعشرين من نيسان عام 1929م، على أساس أن يكون منهج وزارته خالياً من شؤون المعاهدات والاتفاقيات. ثم اقترح وكيل المندوب السامي روبرت بروك بوبهام على الملك فيصل الأول، في الرابع عشر من أيلول عام 1929، أن حكومة صاحبة الجلالة البريطانية سوف تعمل بإيجابية من أجل دخول العراق عصبة الأمم في عام 1932م، وأنها تأمل أن تعقد قبل عام 1932م اتفاقية مع الحكومة العراقية من شأنها تنظيم العلاقات بين البلدين.
لكوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) حدود جغرافية طبيعية تفصلها عن العراق العربي
لكوردستان الجنوبية، التي تقدر مساحتها بحوالي 80.000 كم²، حدود طبيعية طويلة تفصلها بصورة عامة عن العراق، طولها حوالي 458 كم. وهذه الحدود هي أولاً نهر دجلة، وهو من الأنهار الكبيرة في العالم، وينبع، كنهر الفرات، من كوردستان الشمالية (تركيا)، إذ ينبع من بحيرة «كَولجك» الواقعة في قضاء أرغني من ولاية ديار بكر شمالاً. ويبلغ طول نهر دجلة من منبعه إلى التقائه بنهر الفرات في محافظة البصرة 1718 كم، أما طوله في كوردستان الجنوبية (العراق) من فيشخابور إلى منطقة الفتحة في منطقة كركوك فيبلغ 380 كم. وتقع الفتحة جنوب مصب نهر الزاب الصغير في دجلة بـ30 كم، كما تبعد عن كركوك مسافة 95 كم غرباً، وهناك يفصل نهر دجلة بين سلسلة جبل حمرين وجبل مكحول (السن – جبل ساتيدما) الواقع غرب نهر دجلة، الذي يمتد في الأصل من جبل سنجار عند بعض الجغرافيين.
إن نهر دجلة يفصل الأراضي الكوردية الواقعة شرقه عن الأراضي التي تسكنها أكثرية غير كوردية الواقعة غربه، ابتداءً من مسافة حوالي 54 كم شمال غربي مدينة الموصل، أي من البداية الجنوبية لحدود ناحية زمار التابعة لقضاء تلعفر، حتى منطقة الفتحة، ويبلغ طول هذا الجزء من نهر دجلة حوالي 208 كم.
وعند انتهاء هذا الحاجز الطبيعي (نهر دجلة) يبدأ مباشرة الحاجز الطبيعي الثاني، وهو سلسلة جبل حمرين (جبل بارما)، وقد عدّها الجغرافيون أطول سلسلة جبال في العراق. وتشكل هذه السلسلة خطاً متواصلاً في الارتفاع وسط الأراضي السهلية، متجهة نحو الجنوب الشرقي إلى أن تتصل بجبل بشتكوه من كوردستان التابعة لإيران، شرقي مدينة مندلي بالقرب من موقع «كَومه سنك» وعلى يسار نهر كنكَير، حيث تتصل هناك بجبل بشتكوه. ثم تتجه سلسلة جبال حمرين نحو الجنوب، ويقطع فرعها الجنوبي «آب شونكَولا» شرقي بدرة، ويستمر إلى أن ينتهي بنهر كرخة، أحد توابع نهر كارون، شرق العمارة، حسب خارطة كوردن هستد رقم (17)، وكما هو مؤشَّر على خارطة إيران حالياً، وينتهي جنوب دهلران. فطوله حوالي 550 كم، أما طول سلسلة حمرين من نهر دجلة إلى مندلي، أي إلى الحدود العراقية الإيرانية، فأكثر من 250 كم.
أما ارتفاعه فوق سطح البحر جنوب الفتحة فيبلغ 525 م، ثم يقل ارتفاعه في منتصف المسافة بين الفتحة وإينجانة (عند الطريق العام بين كركوك وبغداد) إلى 334 م، ويزداد ارتفاعه شرقي بدرة إلى 1200 قدم. ويوازي الفرعَ الجنوبي من سلسلة حمرين سلسلةُ جبال بشتكوه التي تعلو عليه، لأن ارتفاعها 6000 قدم. ويرتفع جبل حمرين عن مستوى السهل الرسوبي العراقي (العربي) بـ500–800 قدم، بينما يرتفع عن السهول الكوردية الواقعة شماله بـ400–500 قدم. والسبب في قلة ارتفاع سلسلة حمرين تعرّضها لعوامل التعرية التي أزاحت طبقات الصخور العليا منها، لا سيما في الجهة الشرقية، وكوّنت ودياناً وسلاسل ضيقة كثيرة، كما أن خلوّها من الغابات والنباتات جعلها أكثر تعرضاً للتعرية، لأنها لا تتلقى كميات كافية من الأمطار. ويعود تكوينها إلى عصر المايوسين (الفارس الأعلى)، وتتمثل طبقاتها في حجر الجبس والكلس والصلصال والغرين، إذ كانت تحت البحر، ثم ظهرت من تحت الماء في النصف الأخير من هذا العصر، وترك البحر ترسباته فيها، وإن عمر بعض صخورها أكثر من ستين مليون سنة.
قال كوردن هستد في «الأسس الطبيعية لجغرافية العراق» (ص24): «إن جبل حمرين أفضل حدود إقليمية في العراق» (بين العراق العربي وعراق العجم)، أي المنطقة الجغرافية الكوردية. وله أهمية اقتصادية لأنه يصلح لإقامة السدود، وقد أنشأ الأقدمون فيه سداً على نهر العظيم عند موقع إينجانة، كما أقامت الحكومة العراقية فيه سداً منذ أواخر السبعينيات، ويخرج الكبريت والنفط والقار على سطح الجبل عند الفتحة وجنوبها.
وعدّ كوردن هستد سهول مندلي المروحية ضمن المنطقة شبه الجبلية (الكوردية الواقعة شرق حمرين)، نظراً لاختلافها عن السهل الرسوبي العراقي وارتفاعها عنه.
لقد كان جبل حمرين خط الحدود بين كوردستان والعراق في عهود تاريخية عدة، منها العهد البابلي الأول والعهد الكشي والحوري، كما كان قسم منه يشكل الحدود في العهد الآشوري، على ما ذكرنا مفصلاً بخصوص الحدود في عهد هذه الدول القديمة. وكان كذلك خط الحدود في العهد الفرثي، والخط الفاصل بين ولاية شهرزور الكوردية وولاية بغداد مدة غير قليلة من العهد العثماني، وطوال العهد العثماني بالنسبة إلى القسم الواقع في منطقة كركوك، كما يتضح من خارطة ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، وكذلك إبان الاحتلال البريطاني بقسمه الممتد من الفتحة إلى نهر ديالى.
أما في عهد الدولة العراقية الحديثة، أي بعد إلحاق كوردستان الجنوبية بالعراق العربي الجديد بعد الحرب العالمية الأولى، فقد عدّ كثير من الجغرافيين والمؤرخين العرب وغيرهم جبل حمرين جزءاً من خط الحدود الفاصل بين العرب والأكراد، أي بين كوردستان والمناطق العربية في العراق العربي الجديد، وأكدوا أن حدود كوردستان الجنوبية في الدولة العراقية تمتد من سنجار إلى مندلي. فمن الناحية الطبيعية الجغرافية أدخل الجغرافيون ضمن المنطقة شبه الجبلية (الكوردية) في العراق خط جبل سنجار، وجبل كولات الواقع شرق جبل سنجار وهو امتداد له، إلى التواءات تلعفر المسماة جبل سمبار، وجبل إبراهيم وجبل عدي في منطقة تلعفر، إلى جبل جاوا، وإلى جبل مكحول حتى منطقة الفتحة، ثم إلى جبل حمرين حتى مدينة مندلي، وعدّوا هذا الخط الحدود الجنوبية للمنطقة شبه الجبلية في العراق.
وقد أطلقت الحكومة العراقية والعرب في العراق، من كتّاب ومؤرخين ومؤلفين وغيرهم، على كوردستان الجنوبية اصطلاح «المنطقة الجبلية» و«المنطقة الشمالية» و«شمال العراق» تهرباً من ذكر اسم «كوردستان»، حتى أصبحت هذه التعبيرات مرادفة لاسم كوردستان في الشيوع، كما كانت الدولة العثمانية في المرحلة الأخيرة من عمرها تطلق عليها اسم «ولاية الموصل»، وكما تطلق تركيا الحديثة على كوردستان الشمالية التي تحت سيطرتها اسم «الشرق» أو «شرق الأناضول».
والآن نريد أن نعرف ما حدود المنطقة الجبلية، أي كوردستان، وبماذا حددها الجغرافيون العراقيون، وهل كوردستان الجنوبية كلها داخلة في حدود المنطقة الجبلية حسب تحديدهم، أم أنها هي نفسها. لا شك أن المنطقة الجبلية أو المنطقة الشمالية أو شمال العراق، حتى إذا تركنا اسم «كوردستان» ونسيناه كلياً، تعني كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)؛ لأن الجغرافيين العراقيين كلهم، عند تقسيمهم سطح العراق إلى المناطق الثلاث التي تتكون منها الآن الدولة العراقية الحديثة، وهي المنطقة الشمالية الكوردية، والمنطقة الرسوبية العربية (المشتملة على وسط العراق وجنوبه)، والهضبة الصحراوية (القسم الغربي من العراق)، يحددون المنطقة الجبلية بالتحديد الجغرافي نفسه لكوردستان، مع حزام طويل ضيق من الأراضي الواقعة غرب نهر دجلة، يمتد من تلعفر إلى نهاية جبل مكحول عند منطقة الفتحة، علماً أن معظم سكان تلعفر وما إلى الجنوب من جبل عدي من التركمان، ثم يأتي العرب حتى نهاية جبل مكحول. فقد قال الدكتور جاسم محمد الخلف في أوائل كتابه «محاضرات في جغرافية العراق الطبيعية والاقتصادية والبشرية» في تحديد المنطقة الجبلية ما يلي:
«تقع المنطقة الجبلية في القسم الشمالي الشرقي من العراق، وتمتد إلى حدوده المشتركة مع سوريا وتركيا وإيران في الغرب والشمال والشرق، وإلى حدود (السهل الرسوبي) و(الهضبة الصحراوية) في الجنوب، وتكون الحدود الجنوبية هذه واضحة تتألف من تلال وسلاسل جبلية واطئة، منها جبل حمرين ومكحول والعطشان وعدية وإبراهيمية وتلعفر وسنجار، وتحتل هذه المنطقة خُمس مساحة العراق تقريباً، أي 90.370 كيلومتراً مربعاً».
وجاء التحديد والتعريف نفسه في «الدليل الجغرافي العراقي» (ص27) للدكتور أحمد سوسة، وفي كتاب «العراق الشمالي» لمحمد هادي الدفتري، وقد نص الأخير على أن هذا القطر «يسمى بكوردستان».
وسار الجغرافيون على التحديد والتعريف نفسه عند تصنيفهم أراضي العراق من الناحية الزراعية إلى القسم الشمالي والقسم الجنوبي، وسمّوا الأول «المنطقة المطرية» والثاني «المنطقة الإروائية». فالمنطقة المطرية، أي التي تعتمد في زراعتها على الأمطار، لها حدود المنطقة الجبلية نفسها، مضافاً إليها الحزام الطويل الواقع غرب جبال بشتكوه من جبال زاكَروس، والمشتمل أيضاً على بدرة وجصان، كما هو واضح من «خريطة أراضي العراق» الموجودة في المصادر الثلاثة الأولى وغيرها.
وسبق أن سار كوردن هستد على التحديد نفسه في «الأسس الطبيعية لجغرافية العراق» (ص24)، فقال: إن هذا الخط الجنوبي، أي خط سنجار – تلعفر – جبل مكحول – حمرين، يفصل المنطقة شبه الجبلية عن الهضبة الصحراوية وعن منطقة السهول (أي السهول الرسوبية العراقية).
ونص الدكتور والمهندس الزراعي أحمد سوسة في «فيضانات بغداد في التاريخ» (القسم الأول، ص133) على التحديد نفسه، إذ قال: «إن المنطقة شبه الجبلية لا يمكن إدماجها مع سهول العراق الرسوبية»، وسار أيضاً على التحديد نفسه في كتابه «الدليل الجغرافي العراقي» (ص27)، ووضع خارطة باسم «جبال العراق» حدد عليها ذلك الخط الجنوبي الفاصل عن السهول العراقية (العربية).
وكذلك أكد التحديد الجغرافي نفسه الدكتور أحمد سوسة، المهتم جداً بالجغرافيا وعلم الخرائط، مع العلامة الدكتور مصطفى جواد ومحمود فهمي درويش، في كتابهم «دليل الجمهورية العراقية» (ص69) الذي صدر بقرار رسمي من مجلس الوزراء في عهد الرئيس عبد الكريم قاسم.
وسلك التحديد الجغرافي نفسه محمد هادي الدفتري، صاحب جريدتي «النهار» و«الدفتر» العراقيتين، في كتابه «العراق الشمالي» (ص3 و4)، وقد أردف التحديد الجغرافي المذكور، أي المنطقة الجبلية وشبه الجبلية التي يحددها خط سنجار – تلعفر – جبل مكحول فجبل حمرين، بكونه الخط القومي بين الكورد والعرب، إذ قال:
«ويسمى هذا القطر بكوردستان لأن معظم سكانه من الأكراد إلا قليلاً منهم».
وحدد محمد هادي الدفتري أيضاً ألوية العراق الشمالي بألوية الموصل وأربيل وكركوك والسليمانية وديالى. كذلك تبنى التحديد نفسه الدكتور شاكر خصباك في كتابه «العراق الشمالي» (ص233)، وقال في كتابه «الكورد والمسألة الكوردية» (ص41) المطبوع سنة 1958:
«… فكوردستان، كما ذكرنا في فصل مضى، تتألف من أربعة ألوية هي لواء الموصل وأربيل وكركوك والسليمانية، كما تمتد في لواء ديالى فتشمل منطقة خانقين ومندلي وبدرة وجصان».
وبناءً على ما تقدم فإن مساحة المنطقة الجبلية، أي كوردستان الجنوبية، تبلغ 55.839 كم²، أي ثُمن مساحة العراق تقريباً البالغة 446.713 كم²، كما في «الدليل الجغرافي العراقي» (ص27) لأحمد سوسة.
أجزاء «مشاكل حدودية في جنوب العراق» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني