الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

مشاهد تشكيل الدولة الكوردية المستقلة في كوردستان (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

نحاول هنا التعرف على إمكانية بناء دولة كوردية مستقلة أو تشكيلها، ولهذا سنتناول أولاً كيف تأسست الدول الأربع، إيران وتركيا والعراق وسوريا، وكيف تشكلت واستمرت، ثم نثبت ثانياً أن الدولة الكوردية المستقلة ستتشكل وتُبنى على أنقاض الدول الأربع وانهيارها، أو على تبدّل الأنظمة السياسية فيها. وسوف نوضح كذلك الرغبة الدولية، المتمثلة في الولايات المتحدة وحلفائها، في تغيير منطقة الشرق الأوسط وتشكيل الدولة الكوردية المستقلة، ونطرح أخيراً رؤية مستقبلية حول الدولة الكوردية في حال استقلالها عن الدول الأربع المذكورة.

مراحل تشكيل الدولة في إيران وتركيا والعراق وسوريا

إذا كنا نريد أن نفكر جدياً في شأن الدولة الكوردية، فمن الضروري أن نعرف كيف تكونت دول الشرق الأوسط، وخاصة إيران وتركيا والعراق وسوريا. وبما أن هذه الدول الأربع تشكلت بفعل خارجي، هو سيطرة بريطانيا وفرنسا على منطقة الشرق الأوسط، فإن العامل الخارجي أدى دوراً رئيسياً في تشكيلها. ثم تغيّر النظام العالمي الجديد لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، فتدخلت لتغيير المنطقة حسب مصالحها السياسية والاقتصادية.

وعند دراستنا لتاريخ دول الشرق الأوسط استنتجنا أن هذه الدول الأربع تتغير مراحلها السياسية كل أربعين سنة تقريباً، وعند المقارنة البسيطة بنظرية ابن خلدون في مراحل بناء الدول وأطوارها استنتجنا المراحل الجديدة في عمر كل دولة من دول الشرق الأوسط. وإذا كانت المنطقة تسير بأحداث متسارعة، فإن الاجتهاد والتوقع بانهيار الأنظمة السياسية لدول الشرق الأوسط أو تغيّرها يكاد يتطابق بين ما يراه الباحث وما تحاول الولايات المتحدة تغييره وفق المشروع الأمريكي المقدم من برنارد لويس وجو بايدن.

1. مراحل تطور الدولة في إيران

أ. وصل حال إيران في عهد مظفر الدين شاه إلى التدهور والانحلال، وتنامت الحركة الدستورية، لا سيما بين عامة الناس، وتزعّم رجال الدين تلك الحركة الثورية، وفي مقدمتهم المجتهدان المعروفان عبد الله البهبهاني ومحمد الطباطبائي. وظهرت فئة من المصلحين المتمدنين الذين حاولوا إدخال القيم الحضارية والدستورية المتأصلة جذورها في أوروبا إلى إيران. وفي آب (أغسطس) 1905م قامت تظاهرات واسعة في إيران، ولاحت الحرب الأهلية، وهدد رجال الدين بترك إيران، فتدخلت المملكة المتحدة إلى جانب الحركة الوطنية ضد حكومة مظفر الدين شاه، وعُيّن رئيس وزراء جديد هيّأ الأجواء لإجراء انتخابات المجلس النيابي وقيام جمعية تأسيسية تمهيداً لوضع الدستور. ووافق مظفر الدين شاه على الدستور عام 1907، وتوفي بعد ذلك بخمسة أيام.

وتولى محمد علي شاه الحكم خلفاً لوالده مظفر الدين شاه، وكان مدعوماً من الروس، فحاول إلغاء الدستور وتعطيل الحياة النيابية. وبعد توقيع اتفاقية 1907 تقاسم الروس والمملكة المتحدة النفوذ في إيران، وأُقيل محمد علي شاه بالقوة عام 1909 واحتمى بالسفارتين الروسية والبريطانية، وتسلّم الحكم من بعده ابنه أحمد شاه (1909–1924). وقاد رضا خان في 21 شباط (فبراير) 1921م انقلاباً على أحمد شاه، آخر ملوك الأسرة القاجارية، ثم تولى منصب وزير الحربية، ثم رئاسة الوزراء بين عامي 1923 و1925.

وفي عام 1925 أُجبر البرلمان الإيراني (مجلس الشورى الوطني) على خلع أحمد شاه القاجاري من الحكم وتنصيب رضا خان ملكاً، فبدأ حكم الأسرة البهلوية في بلاد فارس (إيران).

وهكذا استُبدل الحكم في إيران بالمؤسسات الجديدة والأشكال الجديدة من التعبير والنظام الاجتماعي والسياسي الجديد، وأُنشئ النظام الملكي الشاهنشاهي الدستوري. وكانت الثورة الدستورية الفارسية الحدث الأول من نوعه في آسيا، إذ فتحت الطريق للتغيير المزلزل في إيران، مبشّرة بالعصر الحديث، وقد تغيرت كل فئات المجتمع في نهاية المطاف بسببها بطريقة أو بأخرى. ويمكن تحديد المدة الزمنية لهذه المرحلة بحوالي أربعين عاماً.

ب. تولى الشاه محمد رضا بهلوي السلطة، وحكم إيران بين عامي 1941 و1979، خلفاً لأبيه رضا شاه بهلوي، بعد أن أطاحت قوى الحلفاء برضا شاه خوفاً من جنوحه نحو أدولف هتلر في الحرب العالمية الثانية وتزويده بالنفط، فاحتلت قوات الحلفاء إيران وأطاحت برضا شاه ونصّبت ولده محمد رضا بهلوي بدلاً منه، ونُفي الأب إلى جنوب إفريقيا.

وعانت إيران من اضطرابات سياسية بعد الحرب العالمية الثانية، أدت إلى أن يرغم رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق الشاه محمد رضا بهلوي على مغادرة إيران؛ إذ احتدم الصراع بين الشاه ومحمد مصدق في بداية آب (أغسطس) 1953، فتدهور الوضع السياسي في إيران تدهوراً لم يُعرف من قبل، فالتجأ الشاه إلى بغداد يوم 16 آب (أغسطس) 1953 بصحبة زوجته الملكة ثريا، ثم غادر إلى إيطاليا. لكنه عاد إلى إيران عام 1953 بانقلاب مضاد لانقلاب رئيس الوزراء محمد مصدق، بمساعدة المخابرات الأمريكية والبريطانية، فأقال مصدق من رئاسة الوزراء واستعاد عرش إيران، واستمر حكمه إلى شباط 1979. ويمكن تحديد المدة الزمنية لهذه المرحلة بحوالي أربعين عاماً.

ج. اتسمت نهاية مرحلة حكم النظام الشاهنشاهي الملكي للأسرة البهلوية بتصاعد المدّ الثوري في العاصمة طهران وسائر المدن الرئيسية الأخرى بهدف إسقاط النظام الشاهنشاهي القائم آنذاك، نتيجة عدم تطبيق الديمقراطية ووجود نظام يقوم على الحزب الواحد (حزب رستاخيز) وسوء الأوضاع الاقتصادية. إلا أن السبب المباشر وراء تفجّر الأوضاع في إيران يعود إلى الرسائل التي كان يبعثها الإمام الخميني، في أثناء وجوده في منفاه بالعراق ثم فرنسا، إلى علماء الدين في مدينة قم، يدعوهم فيها إلى تحريض الجماهير على الثورة ضد الشاه محمد رضا بهلوي وما وصفه بـ«النظام الفاسد». وازدادت احتجاجات الجماهير في طهران في أيلول (سبتمبر) 1978، وطالبت برحيل الشاه وعودة الإمام الخميني إلى البلاد، فأُعلنت الأحكام العرفية واعتُقل زعماء الجبهة الوطنية، واستمرت الثورة والمظاهرات في إيران حتى شباط 1979م تحت شعار إسقاط الملكية وإقامة الجمهورية، وفي كانون الثاني (يناير) 1979م غادر الشاه محمد رضا بهلوي إيران.

وأعلن الإمام الخميني في كانون الثاني (يناير) 1979م تشكيل مجلس قيادة مؤقت باسم «مجلس الثورة الإسلامية» تولى رئاسته، وفي الأول من شباط (فبراير) وصل إلى العاصمة طهران قادماً من فرنسا. وعُيّن مهدي بازركان رئيساً للحكومة المؤقتة التي أشرفت على انتخابات المجلس التأسيسي (البرلمان) وتنظيم استفتاء على قيام الجمهورية الإسلامية، لقطع الطريق أمام مشاركة القوى اليسارية والعلمانية في حكم إيران، ثم وُضع دستور جديد لإيران، أما المؤسسة العسكرية فقد وقفت موقف الحياد.

2. مراحل تطور الدولة في تركيا

أ. بعد انهيار الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى استولت قوات الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) على إسطنبول، فلمع اسم مصطفى كمال أتاتورك بعد معارك التحرير لطرد اليونانيين من ميناء إزمير، وقد أوقع بهم الهزيمة عام 1922م. وكان مصطفى كمال أتاتورك من الأعضاء العسكريين البارزين في حزب الاتحاد والترقي التركي، وهو من يهود الدونمة، وقد عيّنه الحلفاء المنتصرون مفتشاً عاماً للقوات العسكرية التركية المرابطة في أرضروم وسيواس لحفظ النظام، وذلك بعد عودته من سوريا.

وأُلغيت السلطنة العثمانية في تشرين الثاني (نوفمبر) 1922م، وأُعلنت الجمهورية التركية الحديثة في 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1923، ونُصّب مصطفى كمال أتاتورك رئيساً لها (1923–1938)، ثم أُلغيت الخلافة العثمانية الإسلامية في 3 آذار (مارس) 1924م. وتشكلت تركيا الحديثة إثر معاهدة (مؤتمر) لوزان في تموز 1923 ومعاهدة سيفر في آب 1920، وطبقاً لنصوص معاهدة لوزان أُسست الجمهورية التركية الحديثة. وبعد وفاة مصطفى كمال أتاتورك تسلّم السلطة عصمت باشا إينونو، الكوردي الأصل، بين عامي 1938 و1950، وكانت خلفيته السياسية حزب الشعب الجمهوري، وأعقبه محمود جلال بايار الذي امتدت مدة حكمه بين عامي 1950 و1960، وكانت خلفيته السياسية الحزب الديمقراطي. ويمكن تحديد المدة الزمنية لهذه المرحلة بحوالي أربعين سنة.

ب. مرحلة الانقلابات العسكرية في تركيا ابتداءً من عام 1960: كان الانقلاب العسكري الأول في تركيا في 27 أيار (مايو) 1960، إذ تأثرت المؤسسة العسكرية التركية بثلاثة متغيرات، هي التحول إلى نظام تعدد الأحزاب والانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فوقع الانقلاب على الحزب الديمقراطي، واعتُقل رئيس الجمهورية محمود جلال بايار ورئيس الوزراء عدنان مندريس. وكانت حجة الجيش التركي وضع حد للتطاحن الحزبي الذي مزّق وحدة الشعب التركي، وأن هدف الانقلاب تصحيح مجرى الحياة الديمقراطية في تركيا.

أما الانقلاب العسكري الثاني في 12 آذار (مارس) 1971م فقد وقع على حزب العدالة برئاسة سليمان ديميريل، وكان سبب تدخل الجيش قمع الحركة العمالية المتنامية، وتسلّم الجيش مقاليد الحكم دون تحريك القوات العسكرية. وعاد الحكم المدني إلى تركيا عام 1973 بحكومة أجاويد (حزب اليسار الديمقراطي) وأربكان (حزب السلامة الوطني الإسلامي).

وكان الانقلاب العسكري الثالث في تركيا في 12 أيلول (سبتمبر) 1980م، وكانت ذريعة الجيش حماية النظام الجمهوري الأتاتوركي العلماني، وانتشال البلاد من الأزمتين الاقتصادية والسياسية، وتصاعد التطرف في الشارع التركي. وجاء الانقلاب بعد انعقاد «مهرجان القدس» الذي أقامه حزب السلامة الوطني (الإسلامي) بزعامة أربكان، وكان المهرجان قد رُفعت فيه هتافات معادية للنظام العلماني تدعو إلى هدمه وإقامة دولة إسلامية بدلاً منه. وجاء الانقلاب لإحداث تغيير جذري في النظام السياسي التركي، فأُغلقت الأحزاب وحُلّ البرلمان التركي. ويمكن تحديد المدة الزمنية لهذه المرحلة بحوالي أربعين سنة.

ج. شهدت تركيا تغيراً جذرياً بوصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة بعد نجاحه في الانتخابات البرلمانية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2002، وصاحب ذلك تفعيل ملحوظ للدور التركي في المناطق العربية ودوائر متعددة من العالم. وقد تحقق ذلك لأول مرة منذ عقدين من الزمن شهدت فيهما البلاد حكومات ائتلافية متعاقبة كانت رغبتها تقاسم منافع الحكم بين الأحزاب المشاركة.

لقد تجاوز حزب العدالة والتنمية «أزمة الهوية» التي ظلت ترافق العصر الجمهوري التركي بحيرته بين علمانية متعسفة تفرضها الدولة وتستهدف بها الإسلام وحده، وشعب تركي مسلم لم تفلح عقود متعاقبة في اقتلاعه من جذوره الإسلامية، فصار رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان يتحدث في تلقائية وثقة عن اعتزازه بإسلامه على المستوى الشخصي، وتمسكه في الوقت ذاته بعلمانية الدولة التركية. ففي عام 2001 أسس رجب طيب أردوغان، عمدة إسطنبول الأسبق، ومعه عبد الله غول، النائب عن حزب الفضيلة ووزير الدولة الأسبق في حكومة حزب أربكان، حزب العدالة والتنمية، وحصل الحزب على 34.27% من أصوات الناخبين في الانتخابات التركية المبكرة التي اضطر رئيس الوزراء بولند أجاويد إلى الدعوة إليها في تشرين الثاني (نوفمبر) 2002، وهكذا حصل حزب العدالة والتنمية على أغلبية مقاعد البرلمان بما يمكّنه من تشكيل الحكومة بمفرده.

3. مراحل تطور الدولة في العراق

أ. كان العراق من الدول التي نشأت استجابة لرغبة الدولتين المنتصرتين في الحرب العالمية الأولى، بريطانيا وفرنسا، بعد أن تقاسمتا السلطة في الهلال الخصيب، وأنشأتا الدول الجديدة من أسلاب (أملاك) الإمبراطورية العثمانية، ولم تكن لأي منها دولة في عهد سياسي سابق، بل كانت ولايات في إدارة عثمانية لا تتطابق مع الدول التي صنعتها بريطانيا وفرنسا. وقامت بريطانيا بتأسيس الحكم الوطني في العراق الجديد يوم 25 تشرين الأول (أكتوبر) 1920، وأقرّت حكومة عبد الرحمن الكيلاني النقيب، وفي 11 تموز (يوليو) 1921 أُعلن الأمير فيصل ابن الشريف حسين ملكاً على العراق الجديد. واشترطت بريطانيا على الحكومة العراقية أن تكون دستورية نيابية ديمقراطية مقيدة بالقانون. وتعاقب على الحكم الملكي كل من فيصل الأول (1921–1933)، والملك غازي بن فيصل الأول (1933–1939)، وفيصل الثاني بن غازي (1939–1958). ويمكن تحديد المدة الزمنية لهذه المرحلة الملكية بحوالي أربعين سنة.

ب. جاءت الثورة بالزعيم الركن (العميد) عبد الكريم قاسم إلى السلطة في 14 تموز (يوليو) 1958، وأُعلنت الجمهورية في العراق، وانسحب العراق من حلف بغداد عام 1959م، وأقام علاقات ودية مع الاتحاد السوفيتي. ولكن حكومة عبد الكريم قاسم لم تستمر إلا حتى انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963م، عندما أطاح به العقيد الركن عبد السلام عارف متحالفاً مع عدد من القوى السياسية من تيارات مختلفة، كحزب البعث وبعض التنظيمات والشخصيات القومية العربية والمستقلة، وبعض الشخصيات العسكرية من الأعضاء السابقين في تنظيم الضباط الأحرار الذي خطط لحركة 14 تموز (يوليو) 1958، والذين أعادوا تفعيل التنظيم مجدداً، وقيادات عسكرية أخرى من المعارضين لسياسة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم. فقامت هذه القوى بحركة لقلب نظام الحكم في 8 شباط (فبراير) 1963م، وأصبح العقيد الركن عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية، واللواء أحمد حسن البكر، أحد زعماء حزب البعث البارزين، رئيساً للوزراء.

وفي أثناء زيارة قام بها عبد السلام عارف إلى محافظة البصرة سقطت الطائرة التي كانت تقلّه، فقُتل على الفور في نيسان عام 1966، وتولى الرئاسة شقيقه عبد الرحمن عارف. وفي 17 تموز (يوليو) 1968 خُلع عبد الرحمن عارف بانقلاب 17–30 تموز 1968م، ونُفي إلى إسطنبول، وتولى حزب البعث العربي الاشتراكي السلطة بقيادة أحمد حسن البكر الذي أصبح رئيساً للجمهورية والقائد العام للجيش العراقي. وفي تموز عام 1979 تولى صدام حسين رئاسة الجمهورية، واستمر حكمه إلى بداية حملة الولايات المتحدة الأمريكية على العراق في 20 آذار (مارس) 2003م. ويمكن تحديد المدة الزمنية لهذه المرحلة الجمهورية بحوالي أربعين سنة.

بدأت الولايات المتحدة غزوها للعراق بدعم من قوات التحالف، وكان السبب المعلن للحرب أن العراق قد فشل في التخلي عن برنامجه لتطوير الأسلحة النووية والكيميائية، وأن هذا البرنامج يمثل انتهاكاً لقرار الأمم المتحدة رقم (687). وأكدت الولايات المتحدة أن العراق كان في حالة خرق مادي للقرار (687)، فأُعيدت الحياة إلى تفويض استخدام القوات المسلحة الوارد في القرار (678). وبررت الولايات المتحدة المضي في غزو العراق بالزعم أن العراق كان يمتلك أسلحة الدمار الشامل أو يطورها، وقد ثبت كذب هذا الادعاء إذ لم يجدوا ما يشير إلى ذلك، وكذلك بالرغبة في التخلص من الدكتاتورية وجلب الديمقراطية إلى العراق. وأُنشئت سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق برئاسة بول بريمر، الحاكم المدني في العراق، ثم نُقلت السلطة إلى الحكومة العراقية المؤقتة في حزيران (يونيو) 2004م، فكان غازي عجيل الياور أول رئيس للعراق بعد الاحتلال، ونُصّب إياد علاوي رئيساً للوزراء، ثم انتُخبت حكومة دائمة في كانون الأول (ديسمبر) 2005.

4. مراحل تطور الدولة في سوريا

أ. انسحبت القوات التركية وحلفاؤها الألمان من سوريا بعد الحرب العالمية الأولى عام 1918، فدخلت الجيوش البريطانية الأراضي السورية من الجنوب ووصلت حتى حلب شمالاً، وبقيت ممسكة بالأراضي السورية مدة تزيد على العام. ودخل الجنرال البريطاني اللنبي سوريا قادماً من القدس، والتقى الجيشان في دمشق، واستمرت القوات البريطانية في التقدم شمالاً حتى التقت بآخر قوة من القوات التركية الخارجة من سوريا بقيادة القائد التركي مصطفى كمال أتاتورك، فقامت معركة عنيفة قرب حلب في منطقة سُميت فيما بعد «قبر الإنكليزي». وعُيّن شكري باشا الأيوبي حاكماً عسكرياً، ثم دخل الأمير فيصل الأول دمشق مع القوات العربية. وكانت القوات الفرنسية قد بدأت تفد إلى سواحل سوريا وتتسلّم المواقع من الجنود الإنكليز. وبعد ذلك بدأ الانتداب الفرنسي على سوريا عام 1920 إثر معركة ميسلون بين الجيش السوري بقيادة يوسف العظمة والجيش الفرنسي بقيادة غورو، وانتهى الانتداب الفرنسي في 17 نيسان (أبريل) 1946.

ويمكن تقسيم عهد الجمهورية السورية بين عامي 1932 و1963 إلى فترتين: الأولى بين 1932 و1946، وهي فترة الانتداب الفرنسي على سوريا التي تخللها إعلان استقلال سوريا عام 1941، والثانية بين 1946 و1963، وتخللتها فترة الجمهورية العربية المتحدة بين 1958 و1961م. ومن الناحية الدستورية تميّز عهد الجمهورية الأولى بالحياة الديمقراطية وتداول السلطة والحركة السياسية التي شكّل حزب الشعب والكتلة الوطنية عمادها الرئيسي، وكان النظام السياسي نظاماً جمهورياً. وقد شهدت البلاد في ظل الجمهورية الأولى أحداثاً مهمة، منها النجاح في توحيد البلاد السورية بالشكل المتعارف عليه اليوم بعد انضمام دولة جبل العلويين ودولة جبل الدروز إليها في كانون الأول (ديسمبر) 1936، وسلخ لواء الإسكندرونة عنها وإلحاقه نهائياً بتركيا عام 1939، وإعلان الاستقلال عام 1941، فالجلاء الفرنسي عام 1946. غير أن ما عكّر صفو تلك المرحلة تعاقب ثلاثة انقلابات عسكرية عام 1949، ثم تمكنت البلاد من استعادة حياتها الديمقراطية فعلياً عام 1954 إثر تنحي أديب الشيشكلي. كما شهد عهد الجمهورية الأولى نمواً اقتصادياً بارزاً، وانتهى بانقلاب عسكري قاده ضباط حزب البعث العربي الاشتراكي في 8 آذار (مارس) 1963 على الرئيس ناظم القدسي ورئيس الوزراء خالد العظم، ونُفيت الطبقة السياسية خارج البلاد، وتفرّد الحزب بحكمها.

واستولى حزب البعث على السلطة في انقلاب 8 آذار (مارس) 1963، فيما عُرف باسم «ثورة الثامن من آذار»، وأُعيد حافظ الأسد إلى الخدمة وعُيّن قائداً للقوة الجوية والدفاع الجوي. وبدأت اللجنة العسكرية تعزيز نفوذها، وكانت مهمتها توسيع شبكة مؤيدي الحزب وأنصاره في القوات المسلحة، ثم قامت اللجنة العسكرية في 23 شباط (فبراير) 1966، بقيادة صلاح جديد ومشاركته، بالانقلاب على القيادة القومية لحزب البعث التي ضمت آنذاك مؤسس الحزب ميشيل عفلق ورئيس الجمهورية أمين الحافظ، ليتخلى بعدها صلاح جديد عن رتبته العسكرية لإكمال السيطرة على الحزب وحكم سوريا. ويمكن تحديد المدة الزمنية لهذه المرحلة بحوالي أربعين سنة.

ب. تولى حافظ الأسد رئاسة مجلس الوزراء ووزارة الدفاع في 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970، ثم ما لبث أن حصل على صلاحيات رئيس الجمهورية في 22 شباط (فبراير) 1971، ليُثبَّت في 12 آذار (مارس) 1971، بعد إجراء استفتاء شعبي، رئيساً للجمهورية العربية السورية لمدة سبع سنوات، فكان بذلك أول رئيس علوي في التاريخ السوري، ثم أُعيد انتخابه في استفتاءات متتابعة أعوام 1978 و1985 و1992 و1999. وكان الجيش هو من يدعم حكم حافظ الأسد بالسيطرة المطلقة داخلياً، كما عُرف على الصعيد الدولي رجلاً قوياً وحازماً.

ثم سُلّمت السلطة إلى ابنه بشار الأسد، الذي رُفّع بشكل سريع إلى رتبة فريق، وعمره 34 عاماً و10 أشهر، متجاوزاً رتبتين عسكريتين، ليُمكَّن من قيادة الجيش، وعُدّلت فقرة الدستور الخاصة بالعمر ليتسنى انتخابه، ثم عيّن عبد الحليم خدام، الرئيس المؤقت، بشار الأسد قائداً للجيش والقوات المسلحة، وانتُخب رئيساً للجمهورية في 10 تموز (يوليو) 2000م عبر استفتاء شعبي.

وواجهت سوريا في عهد بشار الأسد ضغوطاً خارجية تميزت بالضغط على الشخصيات القيادية صاحبة القرار في النظام السوري، تطالب ظاهرياً بمزيد من الحرية والإصلاحات والامتثال للقرارات الدولية، وقد ربطت سوريا ذلك بمحاولة إخضاع القرار السوري لإمرة الولايات المتحدة، وإرغام سوريا على توقيع معاهدات سلام مع إسرائيل، وتصفية المقاومة الفلسطينية، حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما من الفصائل، والمقاومة اللبنانية (حزب الله). وأُعيد انتخاب بشار الأسد لولاية رئاسية أخرى بتاريخ 27 أيار (مايو) 2007م، تستمر سبع سنوات. ويمكن تحديد المدة الزمنية لهذه المرحلة بحوالي أربعين سنة.

نستنتج من هذا العرض للأحداث التاريخية للدول الأربع (إيران، تركيا، العراق، سوريا) أن أحداثها تكاد تكون متشابهة من حيث المدة الزمنية للجيل الواحد (أربعون عاماً)، ومتشابهة كذلك من حيث مدة حكم النظام الواحد، سواء أكان ملكياً أم جمهورياً أم حكماً في ظل النظام الإسلامي.

لقد أصبح سكان هذه الدول أدوات للصراع والسيطرة بين الدول الاستعمارية، وهذه السيطرة تحقق للدول الاستعمارية منفعتين: السيطرة على قلب العالم، وهي المنطقة التاريخية التي تشغلها هذه الدول، والسيطرة على الثروات الطبيعية لهذه المستعمرات. ولم تكن للشعوب السلطة والأمر الحقيقي في اختيار الحكام والسلاطين، فآخر ما كان يمثل الحكم الإسلامي قد انهار بإلغاء الخلافة العثمانية، وأصبحت مقدّرات السلطة والحكم بيد دول الاحتلال التي نقلت التجربة القومية من بلدانها وحاولت تطبيقها على بلدان الشرق الأوسط، فجزّأت المنطقة حسب القوميات التركية والفارسية والعربية والكوردية وغيرها.


أجزاء «مشاهد تشكيل الدولة الكوردية المستقلة في كوردستان» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني

الجزء الثاني ←