الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

مشاهد تشكيل الدولة الكوردية المستقلة في كوردستان (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

انهيار الأنظمة الحاكمة في إيران وسوريا والعراق وتركيا

إن قيام الدولة الكوردية المستقلة لا يتحقق إلا بعد انهيار الأنظمة الحاكمة في العراق وسوريا وإيران وتركيا، أو تبدّل هذه الأنظمة، أو حصول تدخل خارجي يحاول تغيير الوضع في المنطقة لصالح الدول المتدخلة. لقد حاولت الولايات المتحدة الأمريكية استدراج دول الشرق الأوسط إلى صراعات داخلية وإقليمية، وهذه الصراعات أدت إلى استنزاف هذه الدول، وسهّلت الطريق للولايات المتحدة للتدخل في شؤونها الداخلية ومحاولة تغيير أنظمتها، مرة بالتدخل العسكري المباشر كما حصل في العراق، ومرة عن طريق تحريض المعارضة كما حصل في سوريا.

إن التدخلات الحالية للنظامين الإيراني والتركي، وتصدّرهما المشهد في الصراع حول مسألة الإقليم الكوردي دولتين فاعلتين، سوف تجرّهما إلى الاستنزاف ومن بعده الانهيار، وهذا الانهيار سيُحدث تغيرات داخل الأنظمة السياسية، وسيجرّها هذا التغيير إلى حالة مشابهة للثورات العربية. وبما أن هاتين الدولتين (إيران وتركيا) متعددتا القوميات، فإن مشهدهما سيصبح بالتأكيد مطابقاً للمشهد العراقي والسوري.

1. تغيير النظام السياسي في إيران

لم يؤدِّ انهيار الهيمنة الاستعمارية على المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية إلى تعزيز فرص إيران، خاصة أن الدولتين العظميين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، اقتسمتا النفوذ في المنطقة بما يتناسب ومصالحهما خلال الحرب الباردة، فضلاً عن أن الدول العربية المستقلة حديثاً كانت قد شكّلت الجامعة العربية إطاراً سياسياً وأمنياً عربياً، تحوّل في المرحلة الناصرية (جمال عبد الناصر)، مع قيادة مصر للعالم العربي، إلى مركز ثقل إقليمي كان من الصعب تجاوزه. هذه العوائق دفعت إيران إلى اتباع طرق صبورة ومعقدة وغير مباشرة لبناء النفوذ، توسّلت فيها بوسائل القوة الناعمة، كاختراق المجتمعات المجاورة والتبشير المذهبي؛ فخلال القرن التاسع عشر نجحت طهران في اختراق شيعة جنوب العراق، وفي القرن التالي تمكنت من اختراق شيعة لبنان وزيدية اليمن وعلويي سوريا.

وفي مرحلتها الثانية عملت طهران على تحييد العراق واحتوائه من خلال اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975، وعلى تعزيز العلاقات بإسرائيل وبنظامي حافظ الأسد في سوريا وأنور السادات في مصر. وباستثناء تغيّر العلاقة بمصر وإسرائيل، سارت الثورة الإيرانية على النهج ذاته. أما في لبنان فقد استثمرت طهران في بناء «حزب الله» ذراعاً عسكرية انحصر نشاطها في تحقيق مصالحها، وتحويلها إلى جزء فاعل في ميزان القوى العربي–الإسرائيلي.

إلا أن إيران لم تنجح مع ذلك في تشكيل النظام الإقليمي ورسم مستقبل المنطقة بعد انتهاء الحرب الباردة، بسبب سياسة الاحتواء المزدوج التي فرضتها واشنطن عليها وعلى العراق، فوجدت نفسها مستبعدة من اتفاق الطائف اللبناني ومن عملية السلام التي أطلقها مؤتمر مدريد. فلجأت إلى وسائل العنف لتأكيد وجودها والحيلولة دون تهميش دورها، فسعت جاهدة إلى تخريب مفاوضات السلام مع إسرائيل عبر استخدام «حزب الله» والفصائل الفلسطينية المعترضة على النهج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية. لكن ذلك كله لم يُجدِ في فك العزلة عنها وإشراكها في تشكيل نظام ما بعد الحرب الباردة إقليمياً، إلى أن لاحت الفرصة مجدداً بعد أيلول (سبتمبر) 2001م.

وعلى الرغم من أن إيران كانت في وضع جيوستراتيجي ضعيف عموماً، فإنها شهدت حالة صعود في قوتها مستفيدة من الغزو الأمريكي للعراق في نيسان 2003م، فقد أدى الاحتلال إلى تفكيك الدولة وحل الجيش العراقي وخلق فراغ في السلطة، فيما كان الإيرانيون مهيئين أكثر من غيرهم للاستفادة من هذا الوضع بفضل استعداداتهم في أثناء التحضير للغزو، فقاموا بدعم قوى وتيارات عراقية معارضة. وهكذا تمكنت إيران ليس من تحييد العراق فقط، بل من السيطرة عليه عبر أدواتها، معتبرة ما جرى نصراً على المستوى الاستراتيجي.

وفي خضم هذه التغييرات الجيوبوليتيكية المهمة في المنطقة، الناتجة عن تدخل عسكري خارجي أطاح بمعادلات القوة فيها، أي الغزو الأمريكي، جاء الرئيس أحمدي نجاد إلى السلطة في إيران في آب (أغسطس) 2005م، وبدأت تتبلور لديه فكرة مشروع إقليمي إيراني مهيمن يمتد إلى الشمال من جزيرة العرب؛ فإسقاط صدام حسين يفتح الباب واسعاً أمام إيران ليس للسيطرة على العراق فحسب، بل لفسح المجال أمام رؤية طموحة في طهران للهيمنة الإقليمية عبر شبكة تحالفات نُسجت على امتداد عقود.

وقد أدى التحالف السوري–الإيراني دوراً بالغ الأهمية في سياسة منطقة الشرق الأوسط والخليج منذ الثورة الإسلامية في إيران، إلا أن نظام الرئيس السوري بشار الأسد لم يُبدِ في بداية عهده اهتماماً بتطوير العلاقات مع طهران، وحتى عندما دفعته الضغوط الخارجية إلى تغيير موقفه، خاصة بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري مطلع عام 2005م، ظل حريصاً على إبقاء مسافة تفصله عن إيران.

وكانت لسوريا رؤية مختلفة عن رؤية طهران في شأن غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق؛ ففيما سهّلت إيران هذا الغزو، راحت سوريا تنظم عمليات المقاومة ضده انطلاقاً من فكرة أنها ستكون التالية على لائحة الأهداف الأمريكية بعد العراق. وبدا الرئيس بشار الأسد قلقاً من مقدار القوة التي راكمتها إيران، خاصة في المدة التي تلت العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006م، الأمر الذي دعاه إلى الانفتاح أكثر على تركيا في محاولة لموازنة تأثير إيران ونفوذها، بما في ذلك القبول بوساطة تركية فتحت قنوات للتفاوض مع الإسرائيليين. لكن مع وجود حزب الله ذراعاً ضاربة لإيران في لبنان وفي مواجهة إسرائيل، وبالاستفادة من تراجع موقع سوريا الإقليمي بعد الحصار الغربي لها ودفعها إلى الانسحاب من لبنان، بدأت تظهر معالم قوس النفوذ الإيراني الممتد من مناطق غرب أفغانستان ذات الأغلبية الشيعية إلى شواطئ المتوسط في لبنان وغزة، حيث جاءت حماس إلى الحكم بعد انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني مطلع عام 2006م. لكن قوس النفوذ هذا لم يتبلور إلا بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من العراق أواخر عام 2011م.

ولأسباب جيوسياسية بحتة رأت الرياض أن تفرّد إيران بالنفوذ في العراق، خصوصاً بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية، مع وجود قوى لها في سوريا، سوف يطوّقها بهلال نفوذ إيراني يمتد شمال شبه الجزيرة العربية في كل من العراق والشام، فضلاً عن تزايد المخاوف من تصاعد التأثير الإيراني في اليمن حيث التمرد الحوثي، ومن محاولات طهران التدخل في الشؤون الداخلية لدول خليجية عدة توجد فيها أقليات شيعية مهمة. لذلك، عندما اندلعت أعمال العنف في سوريا، لاحت للرياض فرصة لتصحيح موازين القوى لمصلحتها عبر تحويل سوريا من حليف لإيران إلى خصم لها، بما يشكّل حائط صدّ لنفوذها الإقليمي المتعاظم، بعد أن فقد العراق إمكانية القيام بهذا الدور. وتحولت سياسة إسقاط النظام المؤيد لإيران في دمشق وإنشاء نظام بديل قريب من الرياض يكون حليفاً استراتيجياً لها إلى أولوية أمنية كبرى بالنسبة إلى السعودية.

واستفادت إيران من ظروف العزلة الإقليمية والدولية التي فُرضت على الحكومة السورية عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وتوجيه أصابع الاتهام إلى النظام السوري. كما استغلت إيران العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006 والعدوان على غزة مطلع عام 2009 لتجعل من نفسها قائداً لمحور «المقاومة» في المنطقة، وطرفاً لا يمكن تجاوزه في ميزان الصراع العربي–الإسرائيلي، متجاوزة حدود دورها الإقليمي الذي كان مقتصراً، قبل سقوط العراق، على منطقة الخليج. ومن جهة أخرى بدت إيران مهتمة بالحصول على التكنولوجيا النووية القادرة على إنتاج سلاح نووي، من دون أن تسعى إلى امتلاك السلاح نفسه، فمثل هذا البرنامج يعطيها قدرات تفاوضية كبيرة مع واشنطن من جهة، ويحوّل الانتباه عن تنامي نفوذها الإقليمي من جهة أخرى.

وبهذا الاستدراج لإيران من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وجعلها طرفاً في معظم الصراعات الإقليمية، فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية وسياسية على إيران. وفي اللحظة التي بلغت فيها الضغوط الاقتصادية والسياسية مداها، حصل تحول في تفكير مرشد الثورة والنخبة الحاكمة المحيطة به، فكان قرار استبعاد رموز التيار القومي المتشدد الذي مثّله أحمدي نجاد وتياره، الذي هندس فكرة قوس النفوذ الإيراني ونفّذها، والمجيء برئيس «واقعي» هو حسن روحاني، لإنقاذ النظام الإيراني نفسه لا المشروع. أما الثمن فهو التخلي عن الأداة التي كادت تتحول من مصدر قوة إلى نقطة ضعف قاتلة، أي البرنامج النووي. وإذ ساد شعور قوي بأن سياسات أحمدي نجاد الصدامية أدت إلى خسائر استراتيجية واقتصادية عظيمة لإيران، أصبح انتزاع اعتراف أمريكي ودولي بحقها في امتلاك برنامج نووي يسمح لها بتخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية الهاجسَ الأكبر للقيادة الإيرانية، بعد أن تلاشى حلم التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة. وهكذا تحولت إيران من الهجوم إلى الدفاع، وأصبح همها الأساس مواجهة مشكلاتها الاقتصادية والاحتفاظ بما تستطيع الحفاظ عليه من مكاسب تحققت لها، خاصة في العراق، في مواجهة هجوم مضاد يسعى فيه خصومها إلى تقويض نفوذها على امتداد المنطقة.

لكن أعمال العنف في سوريا، وعلى الرغم من تريّث الولايات المتحدة الأمريكية، هددت مع ذلك مجمل الترتيبات الإيرانية في المنطقة؛ فاستمرار دعم طهران للحكومة السورية في مواجهة المعارضة المسلحة، في وقت كانت تشتبك فيه مع الغرب الذي يفرض عليها عقوبات قاسية بسبب برنامجها النووي، أخذ يستنزف القوة الإيرانية في حرب متعددة الجبهات ويهدد إنجازاتها. وفوق ذلك لا تبدو إيران مهيأة للعب دور قوة إقليمية مهيمنة كما كانت تبدو قبل الثورات العربية، حتى في ظل تقارب مع الولايات المتحدة، وذلك لأسباب بنيوية، منها أن الناتج القومي الإجمالي لإيران ذات الثمانين مليوناً، بحسب إحصاء 2013، لا يتجاوز 350 مليار دولار، الأمر الذي يجعلها في المرتبة الثانية والثلاثين على مستوى العالم، إذ تسبقها دول صغيرة مثل فنزويلا وكولومبيا وتايلاند والإمارات العربية المتحدة على التوالي، فيما يبلغ ناتج السعودية ضعف الناتج الإيراني، وذلك بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2013.

فضلاً عن ذلك تقع إيران من الناحية الجيوسياسية على أطراف المنطقة، بخلاف تركيا مثلاً الأقرب إلى المركز، وتبدو محاطة ببيئة غير صديقة؛ فإن حاولت التوجه سعياً وراء النفوذ إلى آسيا الوسطى مثلاً، فسوف تكون روسيا لها بالمرصاد، أما شرقاً فهناك أفغانستان التي لا يوجد فيها ما يغري، فيما لا تشكل باكستان صديقاً يمكن الركون إليه. لذلك تجد إيران نفسها منجذبة دائماً إلى العرب، لكنها هنا أيضاً تصطدم بالعرب المختلفين عنها قومية ولغة ومذهباً، والمستعدين دائماً لمقارعتها وصدّ نفوذها، خاصة بعد موقفها من الأزمة السورية، وقد أبدوا كل الاستعداد لذلك في السنوات الأخيرة. صحيح أن إيران تبدو إقليمياً الأكثر نشاطاً وحيوية، إلا أن هذا النشاط يشكّل في العمق نقطة ضعفها الأبرز، فهذا الدور لا يشتت قوتها ويستنزف مواردها فحسب، بل يضعها في صدام مع معظم قوى الإقليم، العرب والأتراك والباكستانيين، فضلاً عن الغرب الذي لا ينظر بارتياح إلى الدور الإيراني. كل هذا يجعل إيران دائماً في وضع دفاعي.

من هنا تبدو إيران مدركة حدود قوتها، ويمكن ملاحظة ذلك في التناقض الظاهر بين خطابها وسلوكها؛ ففيما كانت تصريحات المسؤولين الإيرانيين، خصوصاً في عهد أحمدي نجاد، تعدّ العالم لسيناريو قيام الساعة، كانت تصرفاتهم في السياسة الخارجية محسوبة بدقة فائقة، فقد قاموا بدعم أطراف ثالثة مثل «حزب الله» و«الحوثيين»، وبإرسال مستشارين ومعونات ودعم عسكري إلى مختلف أنحاء المنطقة لبناء نفوذ هنا وهناك، لكنهم كانوا حذرين جداً من استخدام قواتهم بشكل مباشر. فإيران تفضّل دائماً القتال عبر أدوات، أي حروب الوكالة، بدلاً من الانخراط في مواجهات مباشرة مفتوحة حتى مع أطراف أضعف منها.

ووفق التكوين الحديث للدولة في إيران في بداية القرن العشرين، وتغيّر نظامها السياسي كل أربعين سنة تقريباً، ووفق التغيرات الإقليمية والدولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فقد توقعنا أن يكون التغيير في الدولة الإيرانية قريباً، وقد تبدأ علامات التغيير ابتداءً من سنة 2020م تقريباً. ومن المتوقع أن يحدث التغيير إما بالوسائل العنيفة (العسكرية)، وهو أسلوب ضعيف، أو بالوسائل الناعمة (التغيير بالطرق السلمية)، والتغيير بالطرق السلمية يكاد يكون المرشح في نظر المتتبع للتاريخ الإيراني.

2. تغيير النظام السياسي في سوريا

إن حركات التظاهر في العالم العربي أسقطت أنظمة قوية في المنطقة كتونس ومصر واليمن، وهذه الأنظمة كانت تهمّش الأيديولوجية الجهادية، لكن تصاعد العنف في أكثر من مكان في العالم العربي، خاصة في سوريا، أعاد الزخم لتلك الحركات، وتحولت سوريا إلى منطقة جاذبة للجهاديين من كل أنحاء العالم، وأصبحت اليوم ملاذاً رحباً للحركات الجهادية العالمية. وتعددت الحركات الجهادية المسلحة فيها، وبرزت خلافات بين تلك الحركات، خاصة بين جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم داعش الذي بات يسيطر على مساحات واسعة بين العراق وسوريا.

وفي تفسيره للخطأ الذي ارتكبه الغرب قال بيشون: «لقد فكرنا في المدى القريب معتبرين أن كل الوسائل صالحة لإسقاط نظام الأسد، وفوّضنا مساندة المعارضين السوريين لأطراف أخرى، وأهملنا الحل السياسي وأسقطناه من حساباتنا، وهو أمر لا نستطيع التغافل عن كونه سبّب لنا تعقيدات مهمة وصعّب الحل، ثم وصل بالصراع إلى مأزق ولم يسقط نظام الأسد. لقد وصلنا إلى هذا الوضع بعد أن تميزت سياستنا بالارتباك وارتكبنا الكثير من الأخطاء».

سوريا اليوم من بين البلدان الأخطر في العالم، وتمثل بالتأكيد أهم تجمّع للإرهابيين القادمين من كل أنحاء العالم، وهو خطر يتهدد استقرار المنطقة. وبهذا أصبحت سوريا جاذبة لكل متطرف، وصارت الدول تتخلص من متطرفيها على حساب تغيير النظام في سوريا وأمن سوريا وحضارتها وثقافتها. فقد أرادت تركيا أن تكون المستفيد الأكبر من عملية التغيير في سوريا لأسباب سياسية واقتصادية وجيوسياسية، ولهذا سعت في ظروف الربيع العربي إلى القيام بدور الأب الروحي للحركات الإسلامية في المنطقة، وهي باحتضانها التيارات الإسلامية المعارضة في سوريا أرادت أن تكون صاحبة الكلمة الفصل في المستقبل في حال تمكّن المعارضة من السيطرة على السلطة، كما فعل رفاقهم في دول عربية أخرى.

وهذا الأمر سيعظّم نفوذ تركيا المتنامي أصلاً، ليس في سوريا فحسب، وإنما في عموم المنطقة. ورأت تركيا أن تفرّد إيران بسوريا سوف يطوّقها بهلال نفوذ إيراني يمتد من حدود أرمينيا إلى ساحل المتوسط. إن سيطرة الحركات الجهادية الإسلامية على السلطة في سوريا ستؤدي إلى انهيار نظام بشار الأسد، وستدخل سوريا في مرحلة الجيل الثالث من عمر الدولة: النظام الجمهوري بالصيغة الإسلامية.

3. تغيير الأنظمة السياسية في تركيا والعراق

إن تقسيم تركيا مشهد وارد، فقد كانت اتفاقية سايكس–بيكو 1916م ومؤتمر القاهرة 1921م كلها تصب في تقسيم الدولة العثمانية وإسقاطها، وكان هذا التقسيم في عهد إمبراطورية المملكة المتحدة التي كانت تتبنى النظام الدولي المبني على الفكرة القومية في بناء الدولة. ومع تغيّر النظام العالمي والركون إلى مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات والحق في تقرير المصير، تتجه الولايات المتحدة إلى مزيد من تقسيم المنطقة وتفتيتها رغبةً في تحقيق مصالحها والسيطرة على المنطقة واستغلال الموارد النفطية وتحقيق السيطرة العسكرية والسياسية.

وقد سبقت تركيا العراق من ناحية تغيّر النظام السياسي، إذ دخلت تركيا الجيل الثالث من بناء الدولة عام 2002، وهذا الجيل يطبعه طابع إسلامي لنظام الحكم. إن المدّ الإسلامي لحزب العدالة والتنمية التركي ساند عاصفة الثورات العربية في العالم العربي وأمدّها، وهذه الثورات كانت تقودها الحركات الإسلامية في تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا، وكانت تتلقى الدعم من حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا، وكانت تركيا الراعية لهذه الحركات والتوجهات الإسلامية.

أما العراق فقد دخل الجيل الثالث من بناء الدولة عن طريق احتلال الولايات المتحدة له سنة 2003م، لأنها أدركت أن تغيير المنطقة يبدأ من العراق، فكان التدخل المباشر الوحيد لقواتها في العراق، وتلاحقت التغييرات الأخرى في المنطقة العربية بالطرق الناعمة (التغيير الداخلي عن طريق الجماعات داخل الدول). لقد شكّل الاحتلال الأمريكي حكومة عراقية (مجلس الحكم)، وأُجريت الانتخابات في أعوام 2005 و2010 و2014، واستظلت الحكومة العراقية بالإطار الإسلامي، وكانت أكثر الأحزاب والتيارات والكتل أحزاباً إسلامية أو ذات خلفيات إسلامية.

ويشترك العراق وتركيا في توقيت دخولهما الجيلين الأول والثاني، ويتقاربان كثيراً في المدة الزمنية للجيل الثالث. إن الوضع في العراق سيستمر على مشهد العنف إلى نهاية الجيل الثالث، وستستمر هذه المرحلة إلى نهاية سنة 2040 تقريباً، وستكون المدة الزمنية نفسها للجيل الثالث التركي، الذي سيستمر إلى سنة 2040 تقريباً. ووفق التوقعات سيكون هذا التاريخ تاريخ ظهور الدولة الكوردية الكبرى (كوردستان الكبرى) المتشكلة من أراضي الدول الأربع (العراق وسوريا وإيران وتركيا)، وسيتحقق هذا التشكيل الكامل بعد انتهاء الجيل الثالث في تركيا والعراق.


أجزاء «مشاهد تشكيل الدولة الكوردية المستقلة في كوردستان» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)

→ الجزء الأول