الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

معاهدة لوزان 24 تموز 1923 (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

جاءت فكرة عقد معاهدة لوزان (24 تموز 1923) بعد تنفيذ المسرحية التي خططت لها المخابرات الإنجليزية من أجل هدم الإسلام والقضاء على الخلافة الإسلامية، بإبراز اليهودي الحقود مصطفى كمال أتاتورك بطلاً مغواراً استطاع إنقاذ شرف الدولة العثمانية من الحلفاء واليونانيين الذين احتلوا أزمير بتمكين من بريطانيا عام 1919م، وتوغلوا في الأناضول؛ فقام مصطفى كمال أتاتورك باستثارة روح الجهاد في الأتراك والأكراد، وخدعهم برفع القرآن، وردّ اليونانيين على أعقابهم، وتراجعت أمامه قوات الحلفاء دون أن يستعمل أسلحته، وأخلت له المواقع؛ وعندها بزغ نجم مصطفى كمال أتاتورك في العالم الإسلامي كله، ولُقّب بالغازي، ومدحه الشعراء، وأشاد به الخطباء.

ونصّت معاهدة لوزان الموقعة في 24 تموز/يوليو 1923م على أن تتعهد أنقرة بمنح سكان تركيا الحماية التامة والكاملة، ومنح الحريات دون تمييز، من غير أن ترد فيها أية إشارة إلى الأكراد، كما لم تجرِ الإشارة إلى معاهدة سيفر 1920، وعدّ الأكراد معاهدة لوزان (تموز 1923) ضربة قاسية لمستقبلهم ومحطِّمة لآمالهم في دولتهم المستقبلية (كوردستان).

عملت بريطانيا بعد معاهدة لوزان 1923 على إلحاق جنوب إقليم كوردستان، المعروف بولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، بالعراق العربي الجديد، بينما رأى الأتراك أن بقاء أكراد ولاية الموصل خارج نطاق سيطرتهم يمهد السبيل أمامهم لإثارة أكراد تركيا؛ لذا طالبوا بضم ولاية الموصل إلى أراضي تركيا الحديثة.

وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، فأحالت بريطانيا قضية ولاية الموصل إلى عصبة الأمم التي أمرت بتشكيل لجنة لبحث القضية، وذلك من أجل استنفاد الوقت، وخلق أوضاع جديدة على أرض الواقع، حتى لا تعود ولاية الموصل إلى تركيا، وهذه هي طريقة الاحتلال دائماً.

قامت هذه اللجنة (لجنة تقصي الحقائق) المشكّلة من قبل عصبة الأمم باستطلاع آراء أهل ولاية الموصل (كوردستان العراق) في القضية؛ فمنهم من كان يريد الرجوع إلى الحكم العثماني التركي بدافع الدين الإسلامي، ورفض حكم الإنجليز غير المسلمين، بينما كانت الأقليات المسيحية واليهودية تصرّ على عدم العودة إلى الحكم العثماني التركي. أما الأكراد الذين يؤلّفون ثلاثة أخماس سكان ولاية الموصل فكانوا ضد الحكم العربي والحكم العثماني التركي، وكان كبار الملاك الكورد منهم هم الطبقة الوحيدة المؤيدة للحكومة العربية في العراق الجديد، والتي ترى تبعية ولاية الموصل لحكومة بغداد العربية.

في ذلك الوقت قامت ثورة كوردية بزعامة الشيخ سعيد بيران في آذار/مارس 1925م ضد السلطات التركية، واتهمت تركيا الحكومة البريطانية بتحريض الأكراد على الثورة، ورغم عدم وجود أدلة على ذلك، فإن الثابت أن بريطانيا قابلت الثورة الكوردية ضد الأتراك بارتياح.

وابتداءً من عام 1931م بدأ الأكراد بالثورة ضد الدولة الإيرانية والعراقية والتركية، بقيادة عائلة البارزانيين الذين ظهروا على مسرح الأحداث منذ 1908م، والذين عُرفوا بالسيادة والقيادة الدينية والعسكرية. وكان من أبرزهم الشيخ عبد السلام البارزاني الذي قاد الأكراد لمقاومة القوانين العثمانية الجديدة التي فرضها نظام تركيا الفتاة العلماني، وأعلن الثورة المسلحة ضدهم حتى تمّ الصلح عام 1909م، ولكن السلطات العثمانية التركية أعدمته بعد ذلك عام 1914م، لتقدّمه بمطالب كوردية خاصة بجمع الضرائب بما يوافق الشريعة الإسلامية وإنفاقها في إصلاح المرافق في كوردستان، وطلبه تعيين مفتين على المذهب الشافعي، واعتماد التعليم في كوردستان باللغة الكردية، وكذلك لرفضه إرسال متطوعين للقتال مع الجيش العثماني التركي في الحرب العالمية الأولى. وكان منهم الشيخ أحمد البارزاني الذي اتصف بالقسوة حتى مع الأكراد.

ثم ظهر الملا مصطفى البارزاني على مسرح الأحداث منذ ذلك الوقت، ولفترة طويلة خاض فيها معارك كثيرة، وأعلن الانتفاضة والمطالبة بالحقوق القومية للشعب الكوردي على الحكومة العراقية الجديدة، وتنقّل بين العراق وتركيا وروسيا، وحُدّدت إقامته مدة عشر سنوات في الناصرية ثم السليمانية، ثم فرّ من منفاه في السليمانية ليتزعم الحركة الثورية الكوردية، ويؤسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني.

دعّم مصطفى البارزاني قواته بعد ذلك، ودخل في معارك كثيرة مع الجيش العراقي، مستعيناً بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة التي كانت ضد العراق، ومستعيناً كذلك بإمدادات عسكرية كبيرة من إيران التي كانت تعادي العراق، ولكن من يعتمد على الولايات المتحدة لا بد أن يخسر في النهاية؛ إذ رعت أمريكا اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران في 6 آذار/مارس 1975م عن طريق وزير خارجيتها اليهودي الشهير هنري كيسنجر، ومن ثَمّ سحبت إيران الشاه أسلحتها، وتركت الأكراد فريسة لهجوم عراقي كاسح أسفر عن هزيمة تامة لقوات الملا مصطفى البارزاني، وانتهاء الثورة الكوردية بقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في هذا الوقت تماماً، ولجوء الملا مصطفى البارزاني إلى إيران. وقد نشأت بعد هذه الهزيمة تيارات سياسية مختلفة انبثقت عنها أحزاب كوردية جديدة.

معاهدة لوزان (24 تموز 1923م)

دخلت الإمبراطورية العثمانية، التي كانت تسمى «الرجل المريض»، الحرب العالمية الأولى (1914–1918) إلى جانب ألمانيا، وخسرت الحرب. ووقّعت كل من بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية اتفاقية سرية باسم اتفاقية سايكس بيكو في 16 أيار عام 1916، تضمنت تقسيم الممتلكات العثمانية، بما فيها كوردستان العثمانية، بينها. وانسحبت روسيا بعد ثورة أكتوبر البلشفية الاشتراكية بزعامة لينين عام 1917، وبذلك انفردت بريطانيا وفرنسا الاستعماريتان بحكم المنطقة (الإمبراطورية العثمانية). وهنا أصبحت القضية الكوردية أكثر تعقيداً، بل أصبحت من المعضلات الدولية، إذ أصبحت كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) بموجب اتفاقية سايكس بيكو 1916 ضمن خارطة العراق العربي، وكوردستان الغربية ضمن خارطة سوريا العربية، وكوردستان الشمالية ضمن خارطة تركيا الحديثة، بينما بقيت كوردستان الشرقية على حالها ضمن خارطة إيران الفارسية، لأن اتفاقية سايكس بيكو 1916 لم تشمل إيران. وقد كرّست الدول الاستعمارية هذا التقسيم لكوردستان ودول الشرق الأوسط في مؤتمر سان ريمو في نيسان عام 1920.

معاهدة لوزان والأكراد (24 تموز/يوليو 1923)

افتُتح مؤتمر لوزان للسلام في العشرين من تشرين الثاني/نوفمبر سنة 1922، وقد انقسم إلى فترتين متميزتين: الفترة الأولى من 20 تشرين الثاني/نوفمبر سنة 1922 إلى 4 شباط/فبراير سنة 1923، والفترة الثانية من 24 نيسان/أبريل إلى 24 تموز/يوليو سنة 1923. وكان اللورد كرزون، وزير خارجية بريطانيا، وعصمت باشا إينونو، رئيس وزراء تركيا، الممثلين الرئيسيين لبريطانيا وتركيا. وكانت بريطانيا تطالب في مؤتمر لوزان بحدود تزيد على تخوم ولاية الموصل الشمالية، في حين كانت تركيا تطالب بإعادة ولاية الموصل كلها، أو كوردستان العراق، إليها. وفي الرابع من شباط/فبراير سنة 1923 تم الاتفاق على استبعاد قضية ولاية الموصل من منهاج المؤتمر، وإعطاء الحكومتين البريطانية والتركية مهلة قدرها تسعة أشهر لعلهما تتوصلان إلى تفاهم مباشر، فإن فشلتا في الاتفاق يُحال موضوع ولاية الموصل المتنازع عليها إلى عصبة الأمم. وفي غضون هذه المدة يبقى الوضع «الراهن» على حاله ويحترمه الجانبان، ويتعهد الطرفان بعدم إحداث أي تغيير في هذا الوضع بحركات عسكرية أو غيرها. وفي نهاية الفترة الثانية تم التوصل إلى معاهدة لوزان التي وقّعتها الدول المشتركة في هذا المؤتمر في 24 تموز/يوليو سنة 1923.

وكان من نتيجة التوقيع عليها أن احتفظت تركيا بكافة أراضيها الأصلية.

ولم يرد ذكر للمسألة الكوردية في متن معاهدة لوزان 1923، بعكس اتفاقية سيفر سنة 1920، إذ لم تنص إلا على وجوب احترام الحقوق الثقافية والدينية للأقليات والقوميات، ومنها الكورد. فقد تعهدت تركيا في المادة الثامنة والثلاثين بإعطاء الحرية الكاملة لكل سكان تركيا دون تمييز بسبب المولد أو القومية أو اللغة أو العنصر أو الدين أو العقيدة، وبتمتع الأقليات غير الإسلامية بحرية الحركة والهجرة.

وبالطبع كان الأكراد والأرمن هم المقصودين بالعناصر القومية، والآثوريون بحرية الحركة والهجرة. كما نصت المادة التاسعة والثلاثون على حرية المواطنين الأتراك في استعمال أي لغة في حياتهم الخاصة وفي التجارة أو في ممارسة شعائرهم الدينية أو في الاجتماعات العامة، وعلى إعطاء الحكومة التركية الحرية للمواطنين الذين لا يتكلمون التركية، كالأكراد والأرمن، في استعمال لغاتهم الخاصة أمام المحاكم التركية. ونصت المادة الرابعة والأربعون على أن هذه الضمانات التي أُعطيت للأقليات غير الإسلامية بوجه خاص توضع تحت حماية عصبة الأمم. والمهم أن موضوع الأكراد في معاهدة لوزان 1923 قد أصبح أقل اتساعاً مما كان عليه في معاهدة سيفر 1920، فلم يعد الحديث عنه في المعاهدات الجديدة حديث استقلال، وإنما مجرد الرغبة الخيّرة للدول المتحالفة نحو الأقليات.

«أرادت إنكلترا أن تتخذ من الأكراد العراقيين، الذين يبلغ عددهم أكثر من نصف مليون شخص في ذلك الوقت، قوة لها في سبيل سيطرتها على العراق الجديد؛ فتظاهرت بالدفاع عن قوميتهم الكوردية، وبالمحافظة على مصالحهم، حتى أغرتهم بطلب الرجوع إليها رأساً ومباشرة في أمورهم، ولذلك اشترطت قبائل الشرق الكوردية، لاعترافها بالملك فيصل، أن يعيّن المفوض السامي البريطاني في بغداد نفسه موظفيها المحليين، على أن يكون هو مرجع هؤلاء الموظفين دون سواه».

ولكن ظهر من المفاوضات التي جرت لعقد معاهدة لوزان (24 تموز 1923) أن الأمل في خلق دولة كوردية (كوردستان) تضم المناطق الكوردية (كوردستان العراق) في العراق العربي الجديد ضعيف جداً، وأنه لا بد من إدخال المناطق الكوردية ضمن حدود المملكة العراقية. وعلى هذا أصدرت الحكومتان العراقية والبريطانية بياناً مشتركاً يوم 24 كانون الأول سنة 1922م لتُضعف نفوذ الشيخ محمود الحفيد من جهة، ولطمأنة العناصر الكوردية «بأن مصالحهم المشروعة سوف لا تُهمل» من جهة أخرى، وهذا نص البيان:

«إن حكومة صاحب الجلالة البريطانية وحكومة العراق تعترفان بحقوق الأكراد القاطنين ضمن حدود العراق في تأسيس حكومة كوردية في المناطق الكوردية التي يؤلف الأكراد فيها الأكثرية المطلقة، وترجوان من العناصر الكوردية المختلفة أن تتوصل فيما بينها بأسرع ما يمكن إلى اتفاق من شأنه تعيين شكل الحكومة الكوردية التي يرغبون فيها وحدودها، وأن يبعثوا بممثلين رسميين إلى بغداد للمداولة بشأن علاقاتهم السياسية والاقتصادية مع حكومتي بريطانيا والعراق».

ويقول التقرير البريطاني الخاص: «لم تأتِ هذه المعروضات بنتيجة ما، وبقدر ما يتعلق الأمر بالشيخ محمود الحفيد فإن دسائسه مع القبائل المضطربة ازدادت، وشرع في وضع الخطط التي اتفق معهم عليها لمهاجمة كركوك وضمها إلى منطقة نفوذه، فكانت هذه الحركة الكوردية خطراً يهدد سلامة الدولة العراقية الجديدة، فاتخذت السلطات البريطانية التدابير الشديدة التي أسفرت عن إعادة احتلال السليمانية، فلاذ الشيخ محمود الحفيد بالفرار واللجوء إلى الجبال المجاورة».

فلما عُقد بروتوكول 30 نيسان 1923 بين العراق وبريطانيا، عُدل فيه عن إبقاء منطقة السليمانية تحت هيمنة المندوب السامي البريطاني، فجُعل لواء (محافظة) السليمانية كبقية الألوية (المحافظات) العراقية تديره وزارة الداخلية، وتراعى حساسيات الكورد في تعيين الموظفين من الشبان الأكراد المهذبين. ولكن الأهلين الكورد صاروا يتركون المدينة تباعاً، وعاد الشيخ محمود الحفيد إليها في 11 تموز سنة 1923، فعقد مجلس الوزراء في بغداد جلسة خاصة للمذاكرة في أمر المنطقة، واتخذ القرار الآتي:

  1. إن الحكومة العراقية الجديدة لا تنوي تعيين موظف عربي في الأقضية الكوردية في كوردستان ما عدا الموظفين الفنيين.

  2. ولا تنوي الحكومة العراقية إجبار سكان الأقضية الكوردية على استعمال اللغة العربية في مراجعاتهم الرسمية للدوائر الحكومية.

  3. أن تُحفظ، كما يجب، حقوق السكان الأكراد والوظائف الدينية والمدنية في الأقضية الكوردية المذكورة.

وعلى إثر ذلك تعاون الجيش العراقي مع قوة الطيران البريطانية على مقاومة نفوذ الشيخ محمود الحفيد، وتمكن الجيش من احتلال مدينة السليمانية في تموز 1924م، فعاد الأهلون الأكراد إلى منازلهم، وبعد زوال مخاوفهم زاد عدد السكان الأكراد من 7% إلى 12% خلال بضعة أشهر. وبقي الشيخ محمود الحفيد في الجبال المجاورة يهاجم القوافل بين الفينة والأخرى، فاقترح المندوب السامي البريطاني أن يُقبض عليه حياً أو ميتاً، فاتخذ مجلس الوزراء العراقي في بغداد في جلسته المنعقدة يوم 13 حزيران 1925 قراراً هذا نصه:

«تُلي كتاب مستشار فخامة المعتمد السامي البريطاني بالعراق المرقم بي أو/122 والمؤرخ في 8 حزيران سنة 1925، المتعلق بالجوائز التي تعطى على قتل بعض الأشخاص في السليمانية أو إلقاء القبض عليهم، والمقترح فيه أن يكون مقدار الجوائز مئة ألف روبية، وأن يقسم هذا المبلغ إلى ستين ألف روبية من أجل القبض على الشيخ محمود الحفيد، وعشرين ألف روبية من أجل إلقاء القبض على كل واحد من الشخصين: كريم فتاح بك وصابر، وأن يكون المبلغ الذي يعطى على قتل أحد هؤلاء الثلاثة ربع الجائزة المعروضة من أجل إلقاء القبض عليه، فقرر مجلس الوزراء العراقي قبول هذا الاقتراح».

وفُوِّض مستشار لواء (محافظة) السليمانية البريطاني القيام بهذا العمل حسب تجربته وخبرته، على ألا يكون المكلف بهذا العمل من أفراد «قوة الليفي الآثورية». وقد ذكر السيد بابا علي، نجل الشيخ محمود الحفيد، أن والده شاهد ذات يوم أحد الآثوريين من قوة الليفي يحاول السوء به وبأصحابه فاعتقله، ولدى الاستجواب تبيّن أنه «رسول الشر»، فأمر بقتله فوراً.


أجزاء «معاهدة لوزان 24 تموز 1923» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني

الجزء الثاني ←