الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
معاهدة لوزان 24 تموز 1923 (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
مؤتمر لوزان وشؤون ولاية الموصل (كوردستان العراق)
كانت محادثات لوزان 1923 إحدى الفرص التي شعر فيها الأتراك بضرورة التركيز على الوحدة التركية الكوردية، في مناقشة حول شؤون ولاية الموصل (كوردستان العراق) في أثناء انعقاد المجلس الوطني التركي الأعلى. وينقل ديفيد مكدول عن مصطفى كمال أتاتورك تعابير لا لبس فيها عن أهداف حكومته التركية، في الخطاب التالي:
«فليكن معلوماً لدى الجميع أن حدودنا الشرقية تمتد حتى السليمانية وأربيل وكركوك في ولاية الموصل. فغالبية سكان هذه الولاية من الكورد والترك، لكننا لا نفرّق بينهما، فالكورد والترك تربطهما روابط مشتركة، وشعبنا الذي قدّم التضحيات الكبيرة في سبيل الحفاظ على حدود أراضينا المنصوص عليها في الميثاق الوطني التركي (Misak-i Milli) لن يتردد في عمل الشيء نفسه في قضية ولاية الموصل».
فضلاً عن ذلك، فقد أخذ عصمت باشا إينونو، الكوردي الأصل، رئيس وزراء تركيا الحديثة ورئيس الوفد التركي إلى مؤتمر لوزان، اثنين من النواب الكورد في المجلس الوطني التركي ليرافقاه إلى مؤتمر لوزان. وأبلغ النائبان الكورديان المؤتمر أن الكورد والترك يشكّلان عنصرين مهمين في شعب واحد غير قابل للانقسام، وأن المزاعم الغربية بأن الكورد يرغبون في الاستقلال عن تركيا الحديثة مزاعم لا أساس لها.
وخلال العامين 1922 و1923 عقد المجلس الوطني التركي الأعلى مناقشات عديدة وحيوية حول شؤون ولاية الموصل، ومارس عدد من النواب الضغط على الحكومة التركية لاستعادة ولاية الموصل بالقوة إذا دعت الضرورة. فقد كان هناك اعتقاد راسخ مشترك بين المسؤولين والنواب الأتراك في المجلس الوطني التركي الأعلى بأن تركيا الحديثة غير قادرة على البقاء دولةً مستقلة حية ونامية بدون امتلاك ولاية الموصل، وأن ضم ولاية الموصل إلى تركيا الحديثة ضروري جداً في بناء علاقة شراكة بين الكورد والترك. وهذا هو الشعور الحقيقي لدى كثير من النواب الكورد والترك.
وفي شباط (فبراير) عام 1922م، وفي محاولة لكسب تأييد الشعب الكوردي في ولاية الموصل، أصدر المجلس الوطني التركي مرسوماً يدعو إلى قيام مجلس قومي كوردي محلي في جنوب شرق تركيا (كوردستان تركيا). وعلى الرغم من أن هذا القرار يمثل صيغة محدودة للحكم الذاتي، فإنه دعا إلى تشجيع استعمال اللغة الكوردية. وفي كانون الأول عام 1923، عندما كان هناك توتر خطير بين البريطانيين والأتراك على الحدود مع ولاية الموصل، كرّر مصطفى كمال أتاتورك وعد منح الحكم الذاتي للكورد في خطاب له في إزميت (Izmit) قائلاً:
«وهكذا فأي إقليم ذي أغلبية كردية سوف يقوم الكرد بإدارة شؤونهم فيه ذاتياً، ولكن فيما يتعلق بغير ذلك يجب علينا أن نعتبر الجميع أتراكاً…».
وفي كل هذه الوعود للشعب الكوردي بالحكم الذاتي كانت هناك شروط معلقة، وجرت صياغتها على نحو مبهم، وأخيراً لم تُتخذ أية خطوة إيجابية أو عملية في شأن تنفيذها، إذ كان مصطفى كمال أتاتورك لا يزال في حاجة إلى مساعدة الكورد له لمواجهة التحديات الخارجية، ولذلك ربما كان عدم الوضوح والإبهام في السياسة الكوردية مسألة مقصودة.
وبعد هزيمة اليونان على يد الأتراك والكورد مجتمعين، وعقده معاهدة لوزان مع دول الحلفاء، انتهج مصطفى كمال أتاتورك سياسة جادة في تغريب المجتمع التركي وبناء الدولة التركية الجديدة. وهذه الصفقة الإصلاحية عُرفت باسم «التركيزم» (Turkizm)، ويجب النظر إلى سياسة تركيا المتعلقة بالكورد من خلال هذا السياق. وقد أعطى الكاتب الكوردي المتترك ضياء كوك ألب، المشهور بكونه منظّر الفكر القومي التركي، تعريفاً جديداً للقومية التركية ولدور الكورد فيها، في عمله المسمى «المبادئ التركية» (The Principles of Turkism)، ونقتبس هنا جزءاً من أقواله في هذا المجال:
«… بما أنه لا توجد علاقة بين الجنس والأثر الاجتماعي، فكذلك لا يمكن أن توجد علاقة بين الجنس والقومية أيضاً، وهي عبارة عن مجموعة الخصائص الاجتماعية… والتضامن الاجتماعي يرتكز على الوحدة الثقافية التي يجري نقلها ونشرها بواسطة وسائل التعليم… فأنا لن أتردد في الإيمان بأنني تركي، حتى إذا اكتشفت يوماً أن أجدادي جاؤوا من المناطق الكوردية…».
كان مصطفى كمال أتاتورك يرى أن البنية الاجتماعية والاقتصادية الخاصة لكوردستان، وكذلك كون اللغة الكوردية متميزة عن اللغة التركية، يعرقلان بناء تركيا الحديثة (الغربية) المتماسكة شعباً. ولذلك تخلّت الجمهورية التركية في صيف عام 1923 عن كل وعودها التظاهرية السابقة بقبول الشعب الكوردي شريكاً للأتراك في الجمهورية التركية الحديثة، وبدأت سياسة الدمج الكلي الجديدة بدرجة كبيرة وبالقوة. وهذه السياسة الجديدة حرّمت استخدام اللغة الكوردية في المحاكم وفي المدارس التركية، وحذفت كلمة «كوردستان» من كل كتب التعليم والخرائط التركية، وطالبت بإعطاء المناصب الحكومية العليا، مثل والي الولاية ومسؤولي الأقاليم وأغلب المناصب الحكومية، إلى الأتراك، أو إلى الكورد الذين تخلّصوا من أي أثر للقومية الكوردية فيهم (تتركوا). فضلاً عن ذلك كان يجري «انتخاب» النواب في الولايات الكوردية في كوردستان تركيا حسب أوامر أنقرة، وهؤلاء يعملون على تسيير برنامج التتريك وتسهيله.
وكان لعصمت باشا إينونو، رئيس الوزراء التركي آنذاك، وهو من أصل كوردي، هذا التعليق على سياسة التتريك، في خطاب له أمام «التركي أوجاق» (النادي التركي من أجل نشر الثقافة التركية وإشاعتها في أنقرة)، قائلاً: «نحن وطنيون بكل صراحة، والوطنية هي الرابطة الوحيدة بيننا، وفي وجه الأغلبية التركية لا يوجد لباقي العناصر الأخرى أي نوع من التأثير على تركيا الحديثة، ويجب أن نجعل كل السكان في أرضنا التركية أتراكاً وبأي ثمن كان، وسوف نبيد كل الذين يعارضون سياسة التتريك في تركيا الحديثة».
إن هذه التصريحات من أحد كبار المسؤولين الأتراك، وأحد المقربين من مصطفى كمال أتاتورك، دلالة واضحة على مدى قوة سياسة الصهر التي كانت تتبعها تركيا تجاه الشعب الكوردي وسرعة اندفاعها. وعصمت باشا إينونو نفسه، الذي هو من أصل كردي، هو الذي سيكون مهندس السياسة التركية المتعلقة بشؤون ولاية الموصل (كوردستان العراق).
وبينما كانت المناقشة مستمرة حول ولاية الموصل في مؤتمر لوزان 1923، كانت الإدارة البريطانية في ولاية الموصل تتابع سياسة رعاية القومية الكوردية وتشجيعها، وكانت هذه سياسة بريطانية مضادة وجّهتها بريطانيا ضد فكرة الدعوة الإسلامية (الجامعة الإسلامية) التي كانت تروّجها الحكومة التركية في أوساط الشعب الكوردي في ولاية الموصل في بداية العشرينيات من القرن الماضي. وعلى الرغم من أن السياسة البريطانية الكوردية في فترة ما بعد مؤتمر لوزان 1923 كانت تتصف باللين والتسامح فيما يتعلق بالحقوق الثقافية للشعب الكوردي، فقد استخدم الإنكليز القوة المتناهية ضد دعاة استقلال كوردستان العراق. إلا أن تركيا الحديثة كانت تنظر إلى أي إحياء للقومية الكوردية عبر الحدود (داخل ولاية الموصل) على أنه عرقلة لسياسة الصهر القسري للكورد المتبعة في كوردستان تركيا. وهذا القلق من جانب تركيا الحديثة عبّر عنه مراسل صحيفة الغارديان البريطانية الذي قال أثناء الأزمة: «إن لدى الأتراك دافعاً واحداً قوياً للمطالبة القوية بولاية الموصل، إنهم يخشون أن تصبح في ظل إدارتنا وإشرافنا المتسامح ملجأً للحركة القومية الكوردية، والكورد هم ثاني أكبر الأقليات داخل حدودهم».
ومن الجدير بالملاحظة أن السيد أرنولد جي. توينبي، المؤرخ البريطاني المشهور، الذي زار تركيا الحديثة عام 1925 وقابل كبار المسؤولين الأتراك، عبّر عن وجود قلق مماثل لدى الأتراك قائلاً: «إن تركيا مستعدة للتخلي عن كل امتيازاتها البترولية لصالح الحكومة البريطانية إذا سلّم البريطانيون الشعب الكوردي (ولاية الموصل) إليهم». وقد أكد السيد آر. لندسي وبعض المسؤولين البريطانيين بإلحاح أيضاً الرأي القائل إن قضية ولاية الموصل بالنسبة لتركيا الحديثة هي قضية الشعب الكوردي، وإن الأتراك يرون أن القومية الكوردية في ولاية الموصل تشكل خطراً على أمن القومية التركية في تركيا الحديثة ومصالحها الوطنية الاستراتيجية.
إن المسؤولين الأتراك في ذلك الوقت لم يكونوا يخفون هذا الشعور، بل كانوا يصرّحون بكل وضوح أن قضية ولاية الموصل بالنسبة لهم مشكلة أمنية، وأن أية مسائل أخرى، مثل البترول، إما غير متعلقة بالأمر أو ذات أهمية ثانوية. وفي برقية من مؤتمر لوزان 1923 قال عصمت باشا إينونو لحسين رؤوف بك، نائب رئيس الوزراء التركي، إن اللورد كرزون، وزير خارجية بريطانيا، مستعد لإعطاء تركيا الحديثة حصة سخية من الامتيازات البترولية في ولاية الموصل، وأضاف عصمت باشا قائلاً: «بالنسبة لنا فإن قضية ولاية الموصل قضية قومية، وأما بالنسبة لهم فهي قضية البترول». وفي خطاب له أمام المجلس الوطني الأعلى التركي عام 1923 ألقى عصمت باشا إينونو أضواء جديدة على مسألة ولاية الموصل، فقال: «… إذا كان لديهم (البريطانيين) أي مشاريع مهمة فيما يتعلق بمصلحتهم الاقتصادية فسوف أقوم بتلبية تلك المسائل على وجه مُرضٍ، وأقدّم لهم الضمانات اللازمة… فليحتفظوا بمدينة الموصل فقط وليس بولاية الموصل، فليكن لهم البترول، فإننا سنرضى إن هم قدّموا لنا الحصة المماثلة لتلك التي سيقدّمونها للآخرين، لكن ولاية الموصل جزء لا يتجزأ من أراضينا الوطنية التركية».
وفي 23 آذار (مارس) عام 1923 أكد نائب رئيس الوزراء التركي حسين رؤوف بك أمام المجلس الوطني التركي الأعلى أن العامل الكوردي ووجود الكورد في ولاية الموصل يشكّلان نقطة مهمة في مسألة ولاية الموصل، وأضاف أن البريطانيين يحاولون فصل الشعب الكوردي عن الترك، وهما الشعبان اللذان لهما مصير واحد. وفي المناقشة نفسها حول الموضوع نفسه قال (أم. ذراف)، النائب البرلماني عن ولاية أرضروم: «في معاهدة سيفر 1920 وعدوا (البريطانيون) الشعب الكوردي بأشياء كثيرة فيما يتعلق بالدولة الكوردية المستقلة، غير أنهم فشلوا… إنهم يحاولون مرة أخرى خلق كيان كوردي في ولاية الموصل لتدمير وحدتنا الوطنية التركية… أستطيع أن أترك لهم بترول ولاية الموصل، لكن ليس الشعب الكوردي…». وقد أدلى السيد سري (Sirri)، النائب عن ولاية أزمير، بتصريحات أكثر وضوحاً حول موضوع ولاية الموصل وعلاقتها بالقضية الكوردية:
«إن البريطانيين ليسوا مهتمين بالأرض (ولاية الموصل) للأسباب الاقتصادية وحدها، إنهم يريدون زرع بذور الشقاق والخلاف في قلب أرضنا الإسلامية، وبعد خلق حكومة كوردية في ولاية الموصل سيعملون على تشجيع الكورد الإيرانيين على الانضمام إليهم، لكنهم قبل ذلك سيقومون بدعوة الكورد في تركيا (سكان إقليم جنوب شرق تركيا) إلى الانضمام إلى ذلك الكيان الكوردي، وحينئذ فإن تضحياتنا الكبيرة التي بذلناها منذ أيام معاهدة سيفر 1920 إلى هذا اليوم سوف تضيع».
ومهما يكن من أمر، فإن المسؤولين الأتراك في مفاوضات مؤتمر لوزان لم يغب عن بالهم عامل البترول ولم يتجاهلوه، فقد حاولوا استخدامه ورقةَ مساومة، إما مع البريطانيين في مفاوضاتهم المباشرة، أو مع طرف ثالث في محاولة منهم لزرع الخلاف بين الحلفاء الغربيين وممارسة الضغط على بريطانيا. ففي بداية مفاوضات مؤتمر لوزان قال عصمت باشا إينونو، رئيس وزراء تركيا، للورد كرزون، وزير خارجية بريطانيا، إن دولته تركيا قد خرجت من حرب مدمرة، وإنهم ينظرون إلى الموارد البترولية لولاية الموصل على أنها من المقتنيات الفائقة الثمن لتمويل إعادة بناء تركيا الحديثة. وقد عُبّر عن هذه الحجة، وكذلك عن حقيقة كون تركيا فقيرة ومحتاجة إلى البترول، في مناسبات عديدة في مؤتمر لوزان 1923.
ومع ذلك فقد كان حرص تركيا على استخدام البترول ورقةً لمساندة مخاوفها الأمنية ودعمها أكثر من حرصها على البترول ذاته. وفي رسالة رسمية من مؤتمر لوزان اشتكى اللورد كرزون، وزير خارجية بريطانيا، بمرارة قائلاً: «كان عصمت باشا إينونو يبذل مجهودات كبيرة، بدون نجاح، لإقناعي أو لتهديدي أو إجباري على تسليم ولاية الموصل، المنطقة الكوردية، إلى تركيا الحديثة، بما في ذلك بكل تأكيد المنطقة المحتوية على البترول… وبعدما أدرك فشله بعث بوكلاء له من ورائي، وبعض هؤلاء عديمو الضمير تماماً وغير أمناء لنا… حيث دخلوا في اتصالات مع اثنين من نواب البرلمان البريطانيين، السيد واطسن رذرفورد والسيد ميزوبانيت، وناقشوا معهما التنازلات في البترول، وكذلك مصير المنطقة الكوردية (ولاية الموصل) التي تحت الانتداب البريطاني…». وفي تعليق على الحادثة نفسها قال عصمت باشا إينونو لرئيس إدارة مجلس النواب التركي إنه حصل على اتفاق مؤقت مع بعض أصحاب المصالح من مستثمري البترول ذوي الصلة بحزب العمال البريطاني، وإن رجال الأعمال البريطانيين هؤلاء وعدوه بأنهم سوف يمارسون ضغطاً على حكومتهم (بريطانيا) لقبول اهتمامات تركيا الأمنية في ولاية الموصل، والاعتراف بكل حدود تركيا الحديثة كما نص عليها الميثاق القومي التركي.
ويظهر أن استراتيجية تركيا الحديثة التساومية حول ولاية الموصل قد بُنيت إلى درجة كبيرة على افتراض أنه يمكن شراء الحكومة البريطانية بالبترول. ففي مناسبات عديدة في مؤتمر لوزان حاول عصمت باشا إينونو إقناع اللورد كرزون، وزير خارجية بريطانيا، بتسليم ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية إلى تركيا الحديثة، على أن تتصرف تركيا في المقابل حسب إرشادات خبراء النفط البريطانيين فيما يتعلق بآبار البترول في الإقليم (ولاية الموصل).
وعندما فشلت هذه الاستراتيجية التركية حاولت تركيا إشراك أطراف أخرى في النزاع على ولاية الموصل، ولذلك حاولت توريط حكومة الولايات المتحدة الأمريكية عبر امتيازات شستر (Chester) التي منحت الشركة العثمانية الأمريكية للتنمية حق التنقيب عن البترول في تركيا. غير أن هذه المناورة فشلت، لأن بريطانيا كانت تملك شركة البترول التركية التي كان لها امتياز في حقول بترول ولاية الموصل (منطقة كوردستان) منذ عام 1914، وقد عقدت فعلاً صفقات مع أغلب شركات البترول الأمريكية والأوروبية، فثبت فشل امتيازات شستر (Chester Concessions).
أجزاء «معاهدة لوزان 24 تموز 1923» (2 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)