الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
موقف عصبة الأمم من الحقوق القومية الكوردية في كوردستان (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015
حينما رُشّح العراق الجديد، بعد توقيع المعاهدة العراقية الإنكليزية سنة 1930، لقبوله عضواً في عصبة الأمم سنة 1932، خالج مجلسَ العصبة بعضُ الشك في إمكان ضمان استمرار تمتع الأقليات في كوردستان العراق، وخاصة الكورد، بحقوقهم القومية. ولذلك دعا مجلس عصبة الأمم لجنة الانتدابات إلى وضع الشروط التي يمكن بها الاعتراف بالعراق الجديد بعد انتهاء الانتداب البريطاني (1). وفي سنة 1932 تقدم المركيز ثيودولي، رئيس اللجنة الدائمة للانتدابات في عصبة الأمم، إلى مجلس العصبة بتقرير بشأن الشروط العامة التي يقتضي استيفاؤها قبل إلغاء الانتداب البريطاني (2)، والضمانات التي ينبغي أن يتكفل بها العراق، وهذه الضمانات تتلخص في:
صيانة الأقليات العرقية واللغوية والدينية (الكوردية) بجملة نصوص تُدمج في تصريح يُفضي به العراق العربي الجديد أمام مجلس عصبة الأمم، ويتقبل فيه الأصول (النصوص) التي وضعها المجلس فيما يتعلق بالضمانات التي تخص الأقليات (الكورد) (3).
وما يتعلق بالعلاقات الخارجية، كحفظ المصالح الأجنبية والامتيازات والاتفاقيات والعهود الدولية العامة والخاصة (4). وقد كانت أهم الشروط المطلوبة من العراق الجديد طبقاً لقرار العصبة في 28/1/1932 كما يأتي:
المادة الرابعة: يتضمن نظام الانتخاب تمثيلاً عادلاً للأقليات العنصرية والدينية واللغوية في العراق العربي الجديد، وخاصة الكورد.
الاختلاف في العنصر أو اللغة أو الدين لا يُخل بحق أيٍّ من الرعايا العراقيين في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، كالقبول في الوظائف العامة والمناصب ورتب الشرف، أو ممارسة المهن والصناعات المختلفة (5). ولا يوضع قيد على حرية استعمال أيٍّ من الرعايا العراقيين لأية لغة في العلاقات الخصوصية، أو في التجارة، أو في الدين، أو في الصحافة والنشريات من جميع الأنواع، أو في الاجتماعات العامة (6).
وعلى الرغم من جعل الحكومة العراقية اللغة العربية لغة رسمية، وعلى الرغم من التدابير الخاصة التي ستتخذها الحكومة العراقية بشأن استعمال اللغة الكوردية، وهي التدابير المنصوص عليها في المادة التاسعة من هذا التصريح، يُعطى الرعايا العراقيون الذين لغتهم غير اللغة العربية الرسمية تسهيلات مناسبة لاستعمال لغتهم الكوردية شفهياً أو كتابةً أمام المحاكم (7).
المادة الخامسة: الرعايا العراقيون الذين ينتمون إلى أقليات عنصرية أو دينية أو لغوية يتمتعون قانوناً وفعلاً بالمعاملة والأمان نفسيهما اللذين يتمتع بهما سائر الرعايا العراقيين، ويكون لهم بوجه خاص الحق نفسه في أن يحفظوا ويديروا ويراقبوا على نفقتهم، أو أن يؤسسوا في المستقبل، معاهد خيرية أو دينية أو اجتماعية أو مدارس وغير ذلك من المؤسسات التهذيبية، مع حق استعمال لغتهم الخاصة وممارسة دينهم فيها بحرية (8).
المادة التاسعة: توافق الحكومة العراقية العربية الجديدة على أن تكون اللغة الرسمية في الأقضية الكوردية التي يسود فيها العنصر الكوردي من ألوية الموصل وأربيل وكركوك والسليمانية وأجزاء من ديالى (ودهوك لاحقاً) هي اللغة الكوردية بجانب اللغة العربية. أما قضاءا كفري وكركوك، حيث قسم من السكان من العنصر التركماني، فتكون اللغة الرسمية فيهما اللغة التركية بجانب اللغتين العربية والكوردية (9).
وتوافق الحكومة العراقية على أن الموظفين في الأقضية الكوردية المذكورة يجب أن يكونوا، ما لم تكن هناك أسباب وجيهة، ملمّين باللغة الكوردية أو التركية حسبما تقتضي الحال (10).
وإن مقياس انتقاء الموظفين للأقضية الكوردية المذكورة، وإن كان الكفاءة ومعرفة اللغة الكوردية قبل العنصر، كما هو الحال في سائر أنحاء العراق العربي الجديد، فإن الحكومة توافق على أن يُنتقى الموظفون، كما هي الحال إلى الآن وعلى قدر الإمكان، من بين الرعايا العراقيين الذين أصلهم من تلك الأقضية الكوردية (11).
كما نصت المادتان الأولى والعاشرة من التصريح المذكور على أن الحقوق المثبتة للأكراد تعتبر تعهدات ذات شأن دولي (12)، وقد اعترفت بها الحكومة العراقية الجديدة في تصريحها المؤرخ في 25 مايو سنة 1925.
1. التهديد التركي لولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق) ذات الأغلبية الكوردية
لم ترد في أوائل ربيع سنة 1922، في الواقع، أية أنباء مريحة عن المناطق الكوردية والحدود التركية. ففي السليمانية طالبت بعض الفئات الكوردية بعودة الشيخ محمود الحفيد، وفي بشدر كان العنصر الكوردي المستقل، تحت زعامة شخصية شهيرة هي بابكر آغا البشدري (13)، يلاقي مقاومة من القسم المؤيد للأتراك. وفي منتصف شهر آذار من تلك السنة 1922م وصل قائمقام تركي جديد إلى راوندوز، وأتت معه قوات تركية يقودها القائد الشهير العقيد علي شفيق المصري الملقب «أوزدمير» أي «الكتف الحديدية» أو الصارم، ليعلن افتتاح الأتراك لولاية الموصل (كوردستان العراق) مجدداً.
وفي شهر أيار 1922 امتدت القلاقل التي وقعت في مناطق عشائر زنكنه الكوردية إلى مناطق عشائر الهماوند الكوردية التي ما تزال متمردة، ولم يلبث رئيسها كريم فتاح الهماوندي أن رتّب عملية اغتيال اثنين من الضباط السياسيين البريطانيين، هما النقيب ماكانت والنقيب بوند (14). وبذلك وطّد العثمانيون الأتراك مركزهم في راوندوز، غير أن محاولة هؤلاء توسيع الحركة الكوردية ضد البريطانيين (الليفي) أو ضد حكومة بغداد العربية الجديدة قد أوقفت في اللحظة ذاتها، على إثر إرسال رتل من قوات المرتزقة الآثوريين (الليفي) وطائرات من القوة الجوية البريطانية، في الوقت الذي كان فيه سمكو آغا الشكاك، رئيس عشيرة شكاك، وطه النهري قد تخلّيا، لأغراض خاصة، عن إشعال نيران الثورة الكوردية على الحدود مع كوردستان إيران.
ولكن ما إن انسحبت القوات البريطانية من السليمانية وراوندوز حتى تقدم الأتراك مرة أخرى فاحتلوا مدينة رانية، وأصبحوا على اتصال بمنطقة بشدر المتحررة، حيث أجبرت الأحوال الأمنية البريطانيين على أن يُخلوا رعاياهم من السليمانية بالطائرات، وأن يتركوا الأمر فيها إلى مجلس إداري يرأسه الشيخ عبد القادر شقيق الشيخ محمود الحفيد. وكان في قدرة الأتراك أن يحتلوا كويسنجق وأن يهددوا مدينة عقرة، في الوقت الذي لم تكن فيه القوات البريطانية والعراقية تمسك بشيء سوى الطريق الداخلي بين مدن أربيل وكركوك وكفري.
ثم وقع اندفاع تركي مماثل خلال شهر أيلول 1922 باتجاه العمادية في أقصى الشمال، حيث كان يجري هناك إسكان الآثوريين بموافقة العشائر الكوردية في العمادية، فلقي مقاومة من العشائر الكوردية في المنطقة، وانضم الآثوريون إلى صفوف الأكراد بسرعة. وتحت وطأة هذه الظروف وجد المندوب السامي البريطاني في بغداد نفسه - ولربما وقع في الخطأ نتيجة القرار الذي اتخذه - أن من الواجب عليه أن يرتب مسألة عودة الشيخ محمود الحفيد إلى السليمانية، وذلك لملء الفراغ الذي كانت الحكومتان العراقية والبريطانية تشعران به في المناطق الكوردية وخاصة السليمانية. وقد أيد الملك فيصل الأول هذا الإجراء، واستعار من جيشه بعض الضباط الأكراد لمعاونة الشيخ محمود الحفيد، في الوقت الذي صاحب فيه الميجر نوئيل الشيخ محمود الحفيد في عودته إلى السليمانية.
ولكن الشيخ محمود الحفيد، على النقيض من كل الوعود التي ألزم نفسه بها، ما لبث أن أخذ يراسل القائد التركي علي شفيق المصري (أوزدمير)، الذي كان يصفه بالرجل المتوحش، ويتآمر مع لجنة تركية نشطة في كركوك ألّفتها عائلة النفطجي ذات الأصول الكوردية وبعض التركمان المتمردين، ويطالب بأن يحمل لقب الحاكم الأول، وأن يُعيَّن فيما بعد ملكاً على كوردستان. وفي هذه اللحظة، أي خلال شهر تشرين الثاني 1922، تدنى اعتبار الحكومة العراقية وضعفت سيطرتها على الأجزاء الجنوبية من كوردستان حتى بلغت الحضيض، إلى درجة أن السيد طه النهري، بعد عودته من اللجوء إلى وطنه كوردستان، لم يستطع مساعدة الحكومة في جمع بضع قوات كوردية عشائرية، في الوقت الذي أخفقت فيه الطائرات البريطانية في تشتيت شمل الأتراك الذين احتلوا مدينة رانية (15). وفي السليمانية كان الشيخ محمود الحفيد هو الحاكم الأول، يرأس ما عُرف باسم «الحكومة الكوردية»، وقد أرسلت هذه الحكومة الكوردية بعثة منها إلى بغداد تحمل مطالب واقعية للشعب الكوردي على أعلى المستويات.
وقد جوبهت الحركة الأولى للعدوان التركي على الحدود الشمالية بتعزيز القوات البريطانية والعراقية في منطقة الموصل، وبإقامة الأمير زيد بن علي في مدينة الموصل بصفة مؤقتة في أيار 1923 مع القوات البريطانية (16)، ذلك أن الشعبية التي كان يتمتع بها، وزيارة الملك فيصل شخصياً للمدينة، أدتا إلى توحيد الأحاسيس العراقية المناهضة للأتراك العثمانيين. وبقيت الأعصاب مستفَزّة بعد أن كشف الأتراك عن مطالبهم الحقيقية الواسعة.
وفي أوروبا أعقبت هدنةَ مودانيا، التي أنهت الحرب التركية اليونانية في شهر تشرين الأول 1922م، وأعقبت المرحلةَ الدقيقة الحرجة في العلاقات البريطانية التركية، انعقادُ مؤتمر لوزان الأول. ففي المؤتمر جوبه اللورد كيرزون، وزير خارجية بريطانيا، بشخصية عصمت باشا إينونو (وهو من أصل كوردي)، المتحدث باسم تركيا الثائرة الواثقة من نفسها والمنتصرة على الاضطراب وعلى جميع أعدائها في الداخل (17).
طالب الأتراك بولاية الموصل (كوردستان العراق) اعتماداً على أساس العنصر، والادعاء بأن العرب في ولاية الموصل الكوردية قليلون وأن الأكراد هم الأكثرية، وأن من النادر تمييز الأكراد عن الأتراك، وأنه لا توجد أسس اقتصادية للفصل لأن معظم تجارة ولاية الموصل الكوردية تتم مع الأناضول وكوردستان تركيا، ولأن البريطانيين احتلوا ولاية الموصل بعد أن أُعلنت هدنة مودروس في 30 تشرين الأول 1918، وأن لولاية الموصل الكوردية حق تقرير المصير، لأن سكانها أنفسهم قد طالبوا بعودة الأتراك إليهم.
كان من الضروري لتركيا الحديثة أن تمنع انفصال أكبر قسم من الشعب الكوردي وخضوعه لهيمنة حكومة عربية أخرى ربما تكون أكثر تحرراً، ولا سيما أن الأتراك كانوا قد خططوا سياسة إذابة العنصر والشعب الكوردي، ثم نفّذوا هذه السياسة بشدة وفرضوا الاضطهاد على الأكراد. واستطاع اللورد كيرزون، وزير خارجية بريطانيا، أن يفنّد مسألة عدد السكان الأتراك التي طُرحت في مؤتمر لوزان 1923، والتي كانت في الواقع تبعث على السخرية والضحك، لأن أكثرية سكان ولاية الموصل (كوردستان العراق) من الأكراد ونسبة الأتراك فيها قليلة جداً. فقد أوضح اللورد كيرزون بصفة إيجابية وضع الجماعات العرقية وعلاقاتها، وصحّح الصلات الاقتصادية المزعومة، لأن تجارة ولاية الموصل الكوردية كانت تقوم في الواقع مع سوريا وبغداد بصفة غالبة دائمة. كما دحض الادعاء القائم على أساس حق تقرير المصير للشعوب المضطهدة، وراح يؤكد مطالبة مملكة العراق بكل حقها في ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وأخذ يذكّر عصمت باشا إينونو بالانتداب البريطاني على العراق العربي الجديد الذي سبق أن شمل ولاية الموصل ذاتها أيضاً. ونظراً إلى التضاريس الأرضية الحادة والحياة البدائية التي يعيشها سكان ولاية الموصل الكوردية، فإن اللورد كيرزون لم يستطع أن يوافق على إجراء استفتاء عام في الولاية بسهولة.
انفضّ مؤتمر لوزان الأول في اليوم الثاني من شهر شباط سنة 1923 من دون أن تُحل مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق)، ورفض الأتراك بصفة مطلقة العرض الذي تقدم به اللورد كيرزون، أو التهديد بالإشارة إلى تحكيم عصبة الأمم في الموضوع. ومضت الجمعية الوطنية التركية في أوائل شهر نيسان 1923 قدماً في منح المغامر الأمريكي الأميرال جستر (18)، الباحث عن الامتيازات الأمريكية، امتيازاً بمد خط حديدي والتنقيب عن المعادن حتى داخل حدود العراق. غير أنه في مؤتمر لوزان الثاني، الذي انعقد في اليوم الثالث والعشرين من شهر نيسان 1923، ظهرت آراء أكثر حكمة. فالضغط البريطاني لإحالة قضية ولاية الموصل (كوردستان العراق) إلى عصبة الأمم لإصدار قرار فيها كان يمثل خطوة متجاوبة تماماً مع الرأي العام العالمي برمّته آنذاك، بحيث لم يعد مستطاعاً مقاومة مثل هذه الخطوة.
تمسك عصمت باشا إينونو بكل ادعاءاته، لكنه وافق على أنه إذا أخفق الاتفاق الإنكليزي التركي خلال اثني عشر شهراً (وقد قُلّصت هذه المدة إلى تسعة أشهر فيما بعد) فإنه يطلب حينذاك تحكيم مجلس عصبة الأمم في النزاع على ولاية الموصل الكوردية.
وظل البحث عن اتفاق من هذا القبيل بشأن ولاية الموصل (كوردستان العراق)، والذي جرى في مؤتمرات حضرها السير برسي كوكس، المندوب السامي البريطاني في العراق، في إسطنبول خلال شهري أيار وحزيران سنة 1924، أمراً عديم الجدوى، لأن أياً من الجانبين لم يُظهر أي تساهل. وإزاء التردد الواسع الذي أظهرته تركيا، أقدمت بريطانيا على إحالة مشكلة ولاية الموصل الكوردية إلى مجلس عصبة الأمم مرة أخرى، وكان المقرر أن ينعقد مجلس العصبة في اليوم العشرين من شهر أيلول سنة 1924.
لم تُنتج كل هذه التحركات الدبلوماسية في أوروبا شيئاً، لكنها أدت في الوقت نفسه إلى توحيد الحركة والعنف في كوردستان. فقد أخذ الشيخ محمود الحفيد يساند رفاقه، وأخذ يعلن ترحيبه بالضباط الأتراك في السليمانية، وبعث بمندوبيه إلى كركوك الكوردية للتشاور مع التركمان المحليين، بل أرسل مندوبين من لدنه حتى إلى الشيعة في كربلاء والنجف لينال مساعدتهم.
وإذ رفض الشيخ محمود الحفيد أوامر المندوب السامي البريطاني بالحضور إلى بغداد، فقد هرب من السليمانية بفعل قنابل القوة الجوية البريطانية، والتجأ إلى منطقة سردشت بكل ما استطاع أن يجمعه من الأموال والأنصار، ولكن القصف الشديد الذي قامت به طائرات القوة الجوية البريطانية حال دون دخوله السليمانية لإعادة احتلالها. كذلك أُجريت الاتصالات مرة أخرى مع أخيه الشيخ عبد القادر البرزنجي.
وهنا وجدت عشائر الجاف وغيرها من العشائر الكوردية منتهى المسرة والفرح في الانفصال عن نفوذ «حكومة السليمانية» بقيادة الشيخ محمود الحفيد (وهذه من الأخطاء الاستراتيجية للكورد). وعلى الحدود الشمالية كانت معاملة الأتراك للأكراد الساكنين هناك في أراضيهم تعزز داخل الحدود العراقية المقاومة التي أبداها الأكراد في وجه عودة الأتراك. لقد كانت معسكرات الأتراك في نصيبين وجزيرة ابن عمر تثير الفزع، وظل استمرار احتلال القوات التركية لراوندوز مصدراً لمؤامرات عدوانية داخل العراق العربي الجديد.
أما في الأراضي المتنازع عليها (كوردستان العراق - ولاية الموصل) خارج الحدود التركية، فقد أخذ توطين الآثوريين يسير قدماً، إذ بُنيت لهم مئات المنازل في مناطق دهوك والعمادية وزاخو، بينما استقر آخرون منهم في موطنهم الأصلي منطقة تياري (19) والبلاد المجاورة لها. بل إن الآثوريين ما إن أخذوا يحاولون التوطن في أوائل سنة 1923 حتى جوبهوا بهجمات من أغوات الأكراد «الأورمار» في العمادية، مع أن الآثوريين ساعدوا في صد الهجمات التركية وهجمات الزيباريين على العمادية ذاتها.
واستُعيدت مدينة راوندوز من أيدي الأتراك بعملية عسكرية أُحسن أداؤها، شارك فيها الجيش العراقي مع القوات البريطانية وقوات المرتزقة وقوات الشرطة، وذلك في شهر نيسان سنة 1923، فشهدت المنطقة هبوطاً في النفوذ التركي. وعُيّن السيد طه النهري قائمقاماً لراوندوز، وعُزّز بحامية من قوات المرتزقة تمركزت فيها. أما الرتل الذي استعاد راوندوز فقد تقدم مرة أخرى نحو السليمانية. وبعد أن قُلّصت مدة المعاهدة البريطانية - العراقية لسنة 1922 بأربع سنوات طبقاً للبروتوكول الذي أُلحق بها، أصبح من اللازم وضع الترتيبات المسبقة لمستقبل هذه المنطقة الكوردية من كوردستان العراق في الدولة العراقية العربية الجديدة.
دخلت قوات الجيش العراقي، تؤازرها قوات المرتزقة وبإسناد الطائرات البريطانية، مدينة السليمانية في منتصف شهر أيار 1923م، وبُحث المستقبل فيها مع الأغوات الأكراد وأبناء المدينة المتشوقين إلى توطيد السلام وضمان عمل الحكومة. ونظراً إلى أنه لم يكن ممكناً الاحتفاظ بقوات هناك، فإن سلطة المجلس المحلي في السليمانية، التي أُودعت إلى الرتل العراقي الذي دخلها، كانت قصيرة وانتهت بانسحاب ذلك الرتل من المدينة.
وكان مستطاعاً نقل المناطق البعيدة عن عهدة محافظة السليمانية، أمثال جمجمال وحلبجة وسنكاو، ووضعها تحت الإشراف المباشر لمحافظة كركوك الكوردية، وكانت الغاية إضعاف الشيخ محمود الحفيد واستخدام سياسة «فرّق تسد» بين العشائر الكوردية، على أن تُترك له المنطقة الضيقة المعرّضة للأعمال التي كان يمارسها هناك. غير أن الشيخ محمود الحفيد، ما إن أُنذر بأنه قد يتعرض لهجوم تقوم به قبائل الهماوند الكوردية ضده خلال أيام قلائل، حتى عاد إلى السليمانية في شهر تموز 1923م. وحين تجاهل للمرة الثانية أمر المندوب السامي البريطاني في بغداد بالقدوم إليها، استُنفرت القوات البريطانية للعمل ضده. وفي فصل الخريف، حين كان الشيخ محمود الحفيد ما يزال يأبى الخضوع أو الولاء للحكومة البريطانية، دخل مجدداً في مراسلات مشجعة مع الأتراك، ووضع الخطط لمهاجمة كركوك، وأقدم على جباية الضرائب من قرى حلبجة وجمجمال، وعلى هذا النحو انقضى شتاء سنة 1923 - 1924 (20).
أجزاء «موقف عصبة الأمم من الحقوق القومية الكوردية في كوردستان» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني