الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

موقف عصبة الأمم من الحقوق القومية الكوردية في كوردستان (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015

2. تسوية قضية ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق)

في محافظة السليمانية، البعيدة عن ضغوط حكومة بغداد وبريطانيا، أخذ حلم الشعب الكوردي بإنشاء دولة كوردية مستقلة، أي نظام حكومة كوردية تحت زعامة الشيخ محمود الحفيد، يتلاشى سنة 1924. ذلك أن قضاءي جمجمال وحلبجة، اللذين لم يعد مستطاعاً إدارتهما من كركوك لأن عائديتهما أساساً إلى السليمانية، قد انتخبا من أبنائهما نواباً للمجلس التأسيسي (البرلمان)، كان من بينهم شقيق الشيخ محمود الحفيد. وكان الشيخ محمود الحفيد قد تجاهل مرة أخرى الإنذار الذي وجهته إليه القوات البريطانية وحذّرته فيه من إنزال العقاب به، وهو إنذار وُجّه بشكل مغاير وعلى أسس إنسانية إلى سكان القرى أيضاً، ويقضي بأنها ستُقصف في آخر مرحلة. وطبقاً لذلك توجهت إحدى طائرات القوة الجوية البريطانية في أواخر شهر أيار 1924 إلى مدينة السليمانية وأسقطت المناشير، فأُرغم الشيخ محمود الحفيد في النهاية على مغادرتها. وعلى هذا الأساس دخلت قوات المشاة والخيالة من القوات البريطانية والجيش العراقي، إلى جانب قوات المرتزقة، مدينة السليمانية في شهر تموز 1924، وأخيراً استأنفت الحكومة العراقية الإدارة فيها، واستطاعت أن توفر الأموال اللازمة لمعالجة الأوضاع السيئة القائمة هناك.

وأصبح في مستطاع سكان معظم الأجزاء المهجورة من مدينة السليمانية أن يعودوا إلى بيوتهم بمعونة جديدة، وفي نهاية تلك السنة 1924 زاد عدد سكان المدينة إلى عشرين ألف نسمة. أما الشيخ محمود الحفيد، الذي أخذ يختبئ في القرى الجبلية، ويجتاز الحدود إلى أراضي كوردستان إيران الفارسية ويعود منها، فقد ظل يحتفظ بقوة من الأكراد معه.

وعلى الحدود الشمالية لكوردستان العراق أدت إعادة توطين بضعة آلاف من الآثوريين العائدين إلى مواطنهم الجبلية القديمة عام 1924 إلى حدوث الاضطراب، بعد مرور سنتين على إعادة توطينهم بصفة سليمة، لأن المنطقة الكوردية المعيّنة لهم كانت تقع تماماً شمالي الحدود القديمة لولاية الموصل الكوردية، ولكنها داخل منطقة طالبت الحكومة البريطانية بضمها إلى العراق العربي الجديد كي تكون ضماناً لإعادة توطين الآثوريين فيها.

وأدى إقدام الآثوريين على اعتقال الوالي التركي في جولميرك، حين كان يقوم بزيارة قرية «جل» في شهر تموز 1924م، ثم إخلاء سبيله، إلى توتر المشاعر بشكل حاد عبر الحدود، إذ أعقب ذلك تقدم القوات التركية بأعداد كبيرة ودخولها الأراضي العراقية عبر نهر «الهيزل». وما إن أُخرجت هذه القوات التركية بفعل القوة الجوية البريطانية ومساعدة الآثوريين، حتى هاجمت في طريق انسحابها القرى التي يسكنها الآثوريون وأحرقتها، إضافة إلى عدد من مراكز الشرطة العراقية. ولم تُجدِ الاحتجاجات الاعتيادية المتبادلة، ولا المناقشات التي جرت في جنيف، نفعاً في الحيلولة دون وقوع أعمال الانتقام الفظيعة وتدمير القرى الكوردية والآثورية عند الحدود، وعلى إثر ذلك بدأت أعمال الإغاثة وإسكان المشردين بمساعدة من الحكومة العراقية.

وعُقدت الجلسة الثلاثون لمجلس عصبة الأمم في جنيف، وبعد اليوم العشرين من شهر أيلول 1924م استمع المجلس إلى المجادلات الاعتيادية التي تحدث بها الناطقان باسم الحكومتين التركية والبريطانية، فتحي بك واللورد بارمور، وقُدمت الادعاءات التاريخية والعرقية والاقتصادية والاستراتيجية ذاتها، فجوبهت بالتفنيدات والادعاءات المضادة ذاتها.

ولما لم يظهر أي أثر للاتفاق أو التفاهم في مجلس عصبة الأمم بين تركيا وبريطانيا، كان القرار الذي قبل به الطرفان في النهاية يشترط إرسال بعثة إلى ولاية الموصل (كوردستان العراق) تقوم بها لجنة تقصي الحقائق التابعة لعصبة الأمم، على أن يكون حكم هذه اللجنة، إذا صادق عليه مجلس العصبة، مقبولاً من الفريقين كليهما. وفي الوقت ذاته كانت البرقيات التي وصلت إلى جنيف، وتضمنت اتهامات متبادلة حول اختراق منطقة الحدود، قد أجبرت مجلس عصبة الأمم على إنشاء خط حدود مؤقت، وتم تثبيت هذا الأمر في اجتماع عُقد في بروكسل في اليوم التاسع والعشرين من شهر تشرين الأول 1924، وعُرف هذا الخط فيما بعد باسم «خط بروكسل». ويمتد هذا الخط نوعاً ما إلى الجنوب من الخط الذي كانت تطالب به الحكومة البريطانية، ومن ثم فإنه يستثني بعض المناطق التي يقطنها الآثوريون والأكراد، ومع كل ذلك فقد تقرر أن يكون هو خط الحدود الدائم، ولم يطرأ عليه من التعديل إلا القليل النادر.

وتألفت لجنة تقصي الحقائق الأممية التابعة لعصبة الأمم، للتحقيق في عائدية ولاية الموصل الكوردية أو ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق)، من السيد دي فيرسن، وهو دبلوماسي سويدي اختير رئيساً لها، وعضوية الكونت تيلكي، وهو رئيس وزراء سابق لهنغاريا ومن القانونيين والجغرافيين الممتازين، والعقيد باولس، وهو ضابط متقاعد من الجيش البلجيكي.

زارت اللجنة إسطنبول ولندن، ووصلت إلى بغداد في منتصف شهر كانون الثاني سنة 1925، ثم انضمت إليها سكرتاريتها ومساعدوها من الجانبين. وكان فزع البريطانيين والعراقيين بارزاً حين وجدوا في الوفد التركي اثنين من المرتدين العراقيين تنكّرا في صفة خبراء أتراك، كان أحدهما من أسرة النفطجي، وهي من أصول كوردية في كركوك، بينما كان الآخر صهراً للشيخ محمود الحفيد (21).

أمضت اللجنة مع مساعديها وموظفيها بضعة أيام في بغداد، أجرت خلالها عدداً من اللقاءات مع بعض البارزين من المواطنين، وقد أذهلت اللجنةَ التظاهراتُ المثيرة المخبولة. أما في الموصل (كوردستان العراق)، وهي نقطة التوقف التالية، فقد كانت الأحاسيس الشعبية مرتفعة، وقدمت الشرطة الحماية إلى أعضاء اللجنة، إذ كانت صيانة الأمن العام عسيرة نظراً إلى عواطف السكان الهائجين والمتظاهرين، ووجود الكثير من العناصر المختلفة في أصولها ومحاباتها وميولها، ولذلك جرت معظم تحريات اللجنة بصفة سرية. أما الشهود، وغالباً ما كانوا متناقضين في إجاباتهم عن الأسئلة التي تُطرح عليهم، فقد كانوا يترددون في بعض الحالات في التحدث، أو أنهم - بدافع الخوف من الانتقام منهم - لم يكونوا ليتحدثوا إلى اللجنة إلا في عزلة شديدة. وفي حالات أخرى كان هؤلاء الشهود شديدي التأثر بمطامعهم الشخصية وعداواتهم الشخصية أيضاً، في حين لم تُبرز هذه الإجابات في حالات أخرى سوى القليل من الاتجاهات التي لها قيمتها.

لقد تأثر بعض الأشخاص بالقضايا العنصرية، بينما تأثر آخرون بالأمور العشائرية، وغيرهم بالاعتبارات الاقتصادية، في حين تأثر الكثيرون منهم، وبكل جلاء، بالمخاوف أو الأماني الشخصية التي لم تكن تتطلع إلى قيام حكومة أفضل، بل على العكس من ذلك كانت تريد قيام حكومة ضعيفة غير فعالة، لغاياتهم الشخصية وللاستفادة والمنفعة.

أمضت لجنة تقصي الحقائق الأممية شهرين كاملين في ولاية الموصل (كوردستان العراق) المتنازع عليها بين العراق العربي الجديد وتركيا الحديثة، وتصرفت بكل حرية في الاستفسارات المجدية الحصيفة من كل مصدر ومن كل طبقة. وسُلّم التقرير الذي وضعته اللجنة، وهو من الوثائق المعتمدة والموضحة، إلى مجلس عصبة الأمم في شهر تموز 1925، وجرت مناقشته في الأيام الأولى من شهر أيلول 1925. وقد استبعد أعضاء لجنة تقصي الحقائق كل فكرة عن احتمال تقسيم ولاية الموصل (كوردستان العراق)، لأنهم استعرضوا التكوين العنصري الكوردي للمنطقة الكوردية المتنازع عليها، وتقبلوا بصفة عامة، وإن لم يحصل ذلك من دون تحفظ، كل الحقائق والأرقام التي أدلت بها الجهة البريطانية. ووجد أعضاء اللجنة أن الاعتبارات الاقتصادية بصفة عامة تربط ولاية الموصل الكوردية (كوردستان الجنوبية) بالعراق العربي الجديد. كما صادقوا على خط بروكسل للحدود بين العراق العربي الجديد وتركيا الحديثة، واعتبروه خطاً منيعاً من الناحية الاستراتيجية، وفي الوقت ذاته لم يقبلوا الطلب الذي قُدم إليهم لإلحاق قسم من منطقة حكاري الكوردية بولاية الموصل (22)، وكان هذا الرفض من الأمور التي أثارت الخوف لدى الآثوريين الساكنين فيها والمتحمسين لهذا الطلب.

ووصف أعضاء اللجنة الأحوال السائدة آنذاك في العراق العربي الجديد بأنها ما تزال غير مستقرة، على الرغم من التقدم الذي أُنجز في ظل الانتداب البريطاني، كما رفضوا فكرة الادعاء بالتملك القائم على أساس الفتح أو القانون الدولي، لكنهم اعترفوا في الأخير بأن أغلبية السكان في ولاية الموصل، وهم من الأكراد، قد أظهروا في النهاية أنهم يريدون ضم ولاية الموصل إلى العراق العربي الجديد، الذي يُحكم الآن حكماً دستورياً، بدلاً من إعادتها إلى تركيا الحديثة.

وعلى هذا الأساس كانت توصية اللجنة تقضي بأن توحَّد ولاية الموصل (كوردستان العراق) مع العراق العربي الجديد، وكذلك كل الأراضي التي تقع جنوبي خط بروكسل (خط الحدود بين العراق وتركيا)، لقاء شرطين: أولهما أن يظل العراق تحت الانتداب مدة خمس وعشرين سنة، وثانيهما ضرورة الاعتراف بالمميزات العرقية والحكم الذاتي للأكراد في ولاية الموصل (كوردستان العراق)، واستعمال لغتهم القومية الكوردية بصفة رسمية، وتعيين الموظفين الأكراد في الأقضية الكوردية إداريين وقضاة ومعلمين.

ولم يلبث الممثل التركي في جنيف، وهو رجل شديد التعصب القومي والثقة بالنفس، لا يتأثر بالحقائق أو البراهين التي عرضتها اللجنة، أن رفض تقرير اللجنة بصفة مطلقة، وسحب وعده بالالتزام بقبوله إذا ما صادق مجلس عصبة الأمم عليه، وأخذ يتساءل عن وضع اللجنة ذاتها. وإذ ذاك قُدم طلب عاجل إلى محكمة العدل الدولية الدائمة في لاهاي، في اليوم التاسع عشر من شهر أيلول 1925م، بأن تعلن رأيها فيما إذا كان تقرير اللجنة بعد المصادقة عليه يجب أن يُعتبر مجرد عمل للوساطة، أو توصية، أو قراراً قطعياً.

رفض الأتراك أن يحضروا جلسات محكمة العدل الدولية الدائمة في لاهاي التي عُقدت بعد شهر من ذلك التاريخ، أي في تشرين الأول 1925م، ومع ذلك أصدرت المحكمة في اليوم الحادي والعشرين من شهر تشرين الثاني 1925 حكماً يعلن أن القرار الذي سيتخذه مجلس العصبة في قضية ولاية الموصل (كوردستان العراق) سيكون قراراً قطعياً ملزماً، وأن ذلك القرار سيقرر بصفة محددة حدود ولاية الموصل (كوردستان العراق)، على شرط أن يكون بإجماع الآراء، ما عدا صوتي طرفي النزاع (بريطانيا وتركيا).

وفي الوقت الذي انعقدت فيه محكمة العدل الدولية في لاهاي، وصلت إلى أوروبا شكاوى عن حدوث خرق شديد للأوضاع القائمة في المنطقة التي فصلها خط بروكسل، فعيّن مجلس عصبة الأمم أحد الضباط الإستونيين، هو الفريق ف. ليدونر، وطلب إليه أن يتوجه إلى المنطقة المذكورة يرافقه موظفان، أحدهما تشيكوسلوفاكي والآخر إسباني (23)، وأن يوافي مجلس العصبة من هناك بتقرير مستعجل عن الوضع. وأمضى الضابط الإستوني الفريق ف. ليدونر شهر تشرين الثاني 1925م في التحري جنوبي خط بروكسل على الدوام، لأن الأتراك رفضوا السماح بأي اتصال شمالي الخط.

وقد ظهر أن معظم حوادث خرق الحدود التي وقعت هناك كانت من الحوادث العرضية أو الاعتيادية. أما شمالي خط بروكسل فقد تحقق حدوث المخالفات الواسعة التي اقترفها الجنود الأتراك في المنطقة، والتي صاحبها أو أعقبها طرد القرويين المسيحيين، الذين دُفع بالألوف منهم إلى داخل حدود العراق (جنوب خط بروكسل).

وعُرض التقرير الذي أعده الفريق ف. ليدونر، ووصف فيه بالتفصيل الاعتداءات التركية في المنطقة، أمام مجلس عصبة الأمم في اليوم العاشر من شهر كانون الأول 1925م، فأحدث بين أعضاء المجلس تأثراً بالغاً. وفي الوقت ذاته استمر مندوب تركيا منير بك في نظرته إلى قرار المجلس، الذي لم يصدر بعد، على أنه ليس سوى مجرد توصية قد تأخذها الحكومة التركية بنظر الاعتبار، وادعى أن ولاية الموصل (كوردستان العراق) ما تزال حسب القانون خاضعة للسيادة التركية، وأنها يجب أن تظل على هذه الحال إلى أن تُنقض هذه السيادة.

وفي الوقت ذاته تواصلت اجتماعات مجلس العصبة، ولجنته التي أُلّفت لهذا الغرض، بتغيب الناطق باسم الحكومة التركية عنها. وفي اليوم السادس عشر من شهر كانون الأول 1925م عُرض على المجلس قرار محدد تمت المصادقة عليه بالإجماع. وقد اشترط القرار، لغرض تثبيت خط حدود بروكسل وإذعان بريطانيا له في غضون ستة أشهر: أولاً، أن تُعقد معاهدة عراقية إنكليزية جديدة (1926) تكون مدتها خمساً وعشرين سنة، إلا إذا أصبح العراق قبل انتهاء تلك المدة عضواً في عصبة الأمم؛ وثانياً، طرح مقترحات بشأن تنفيذ التوصيات التي وضعتها اللجنة، ولا سيما الصيغ التي اختيرت للإدارة الكوردية في كوردستان. وهكذا أنهى هذا القرار مهمة عصبة الأمم بالنسبة إلى النزاع القائم حول ولاية الموصل الكوردية والحقوق الكوردية في العراق الجديد، وثُبّت قرارها النهائي استناداً إلى المادة الثالثة من معاهدة لوزان (24 تموز 1923).

وقبل العراق برضا تام وعميق ما أقرته عصبة الأمم، وقال عنه إنه كان قراراً ينطوي على الحكمة والعدل إلى أبعد الحدود، ومثالاً بنّاءً من أمثلة التعاون الدولي لتسوية المنازعات.

لقد تأكد لدى جميع المطلعين على الانقسامات وميزات العروق والأقليات ومصالحها داخل ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وعلى التقدم الذي تحقق في الإدارة والاقتصاد خلال السنوات الست الماضية، أن اقتطاع أرض من حكومة عراقية جديدة ومتحررة نسبياً، دائرة في فلك بريطاني - عراقي، وإعادة تلك الأرض إلى حكومة مركزية تركية مستبدة وجائرة في ذلك الوقت، يُعد أمراً لا يمكن احتماله، وقد يؤدي، إذا ما طُبّق، إلى تمزيق دولة العراق الجديد.

وبدأ العمل في العراق الجديد بمنتهى السرعة لتنفيذ قرار عصبة الأمم عام 1925، فقد صدرت التعليمات إلى جميع الوزراء من رئيس الوزراء، وهو نفسه كوردي (جعفر باشا العسكري)، بأن يسارعوا إلى تنفيذ سياسة تمييز المناطق الكوردية من كوردستان العراق عن المناطق العربية تنفيذاً تاماً، وذلك بتعيين الموظفين الكورد في كل الدوائر هناك (24)، وأن يقدم شكوى على الجرائم.

تركيا الحديثة تصادق على قرار عصبة الأمم

لقيت المعاهدة البريطانية - العراقية الجديدة لعام 1926، التي صادق عليها البرلمان في اليوم التاسع عشر من شهر كانون الثاني 1926، تذمراً حاداً من ياسين الهاشمي وحزبه (حزب الشعب) بسبب طول فترة الوصاية (الانتداب البريطاني على العراق) البالغة خمساً وعشرين سنة. وقد اشترطت المعاهدة إعادة النظر فيها بشكل فعال من قبل الدولة المنتدبة بريطانيا في سنة 1928 وما بعدها، خلال فترات تمتد كل منها أربع سنوات حتى انتهاء مدة الخمس والعشرين سنة، كما اشترطت إمكانية تقديم توصية بقبول العراق العربي الجديد في عصبة الأمم، على أن ينهي هذا القبول الانتداب البريطاني المفروض على العراق الجديد. كذلك اشترطت المعاهدة أن يتم، في ضوء التقدم الذي تحرزه مملكة العراق الجديد أو لأي سبب آخر، تعديل أحكام الاتفاقات المالية التي وُجّهت إليها انتقادات كثيرة.

وبقي على بريطانيا أن تحقق ما أخفقت فيه عصبة الأمم، ألا وهو الاتفاق والتعاون مع الجمهورية التركية الحديثة. فقد قوبل القرار الذي اتخذته عصبة الأمم بشأن ولاية الموصل (كوردستان العراق) بهجمات قاسية فظيعة في الصحافة التركية، إلى درجة أن مصطفى كمال أتاتورك لم يتردد في أن يشخّص ذلك بنفسه، بل إن مجلسه العسكري التركي لم يستبعد فكرة نشوب الحرب بين بريطانيا وتركيا الحديثة عندما اجتمع غداة عيد الميلاد سنة 1925 في أنقرة. ولكن كانت تقوم في الوقت ذاته في تركيا آراء أخرى أقل خطراً، وقد حُملت تركيا على الإذعان لقرار عصبة الأمم بالنفوذ المسالم الذي بذله كل من توفيق رشدي بك (وزير خارجية حكومة مصطفى كمال أتاتورك) (25) والسفير البريطاني العارف بالأوضاع التي كانت سائدة في تركيا الحديثة آنذاك.

وفي اليوم الثامن عشر من شهر تموز 1926 صادقت الجمهورية التركية على معاهدة تركية بريطانية عراقية، قُبل بموجبها خط بروكسل خطاً للحدود بين العراق العربي الجديد وتركيا الحديثة، كما أُلّفت لجنة حدود دائمة لتطبيق سياسة حسن العلاقات تحل محل خط الحدود المحايد. وفي الوقت ذاته تعهد العراق بأن يدفع إلى جارته، ولمدة خمس وعشرين سنة، العُشر من مجموع ما يحصل عليه من عوائد النفط إذا ما عُثر على منابع للنفط في ولاية الموصل، وبذلك وصلت قضية ولاية الموصل (كوردستان العراق) إلى مرحلتها النهائية.

وتعد ولاية الموصل (كوردستان العراق) في غاية الأهمية من الناحية الاستراتيجية، إذ إنها مفترق الطرق بين العراق وسوريا وتركيا وإيران وجنوب الاتحاد السوفيتي، ولعل ما زاد من أهميتها اكتشاف النفط فيها عام 1909.

وقد دخلت ولاية الموصل في حوزة السيطرة البريطانية في العراق العربي الجديد (بعد الاتفاقية المعقودة في 8 تموز 1926 بين بريطانيا والعراق العربي وتركيا الحديثة)، مع أنها كانت عند توقيع هدنة مودروس في 30 تشرين الأول 1918 خارج نفوذ بريطانيا. ولاعتبارات سياسية واقتصادية ودينية عملت بريطانيا بقوة على أن يكون كورد العراق (كوردستان الجنوبية)، أي ولاية الموصل (كوردستان العراق)، خارج نفوذ تركيا لكي لا تعيد أمجاد الدولة العثمانية المسلمة. ولعل النفط المكتشف فيها (ولاية الموصل / كركوك - كوردستان العراق) كان العامل المهم الذي جعل بريطانيا تعدّل اتفاقية سايكس - بيكو مع فرنسا، بعد أن كانت ولاية الموصل (كوردستان العراق) ضمن النفوذ الفرنسي. وشكّلت ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا عام 1917 عاملاً مضافاً، إذ اعتبرت بريطانيا روسيا البلشفية خطاً أحمر يهدد نفوذها وأملاكها ومستعمراتها، وخاصة النفط في منطقة الخليج العربي، وإيران هي جارة روسيا الجنوبية.

وفي بغداد كان المجلس التأسيسي العراقي (26)، وهو أول مجلس شورى في العراق، وقد تأسس في 27 آذار 1924م وكان رئيسه عبد المحسن السعدون، قد وافق بعد تردد على مشروع الانتداب في اليوم العاشر من شهر حزيران 1924م (27)، وختم المجلس التأسيسي (البرلمان) قراره بشرط أن يكون كل شيء لاغياً وباطلاً إذا ما أخفقت الحكومة البريطانية في ضمان حقوق العراق العربي الجديد في ولاية الموصل بكاملها (28).

المصادر

  1. أحمد رفيق البرقاوي، تطور العراق السياسي 1932 - 1941، ص26؛ سيتون وليمز، بريطانيا والدول العربية، ص38.

  2. عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ج3، ص28.

  3. عبد الرزاق الحسني، المرجع السابق، ص28؛ سيتون وليمز، المرجع السابق، ص38، عن: League of Nations Documents, A. I1 1932, Vol. VII.

  4. نص الشروط الكاملة في م. ح. و. سجلات البلاط الملكي، ملفات وزراء الخارجية، ملف 5/8/2، ووثائق عصبة الأمم.

  5. المادة 18 من القانون الأساسي العراقي.

  6. المادة 18 من القانون الأساسي العراقي.

  7. قانون اللغات المحلية.

  8. المواد 6 و16 و112 من القانون الأساسي.

  9. المادة 5 من قانون اللغات المحلية.

  10. المادة 5 من قانون اللغات المحلية.

  11. عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ج3، ص35.

  12. أمين سامي الغمراوي، قصة الأكراد في شمال العراق، ص367.

  13. بابكر آغا هو ابن سليم آغا رئيس عشيرة «نور الدين» في قضاء بشدر، وكان من المؤيدين للحكومة العراقية والمعارضين لعودة العثمانيين الأتراك.

  14. كريم فتاح الهماوندي كان يسيطر على منطقة جمجمال في أول الأمر، وما لبث أن انسحب إلى دربند بازيان للانضمام إلى قوات الشيخ محمود الحفيد، وقد وقعت معركة حامية بين جماعة كريم فتاح والقوات الإنكليزية في 18 حزيران 1919 تمكن فيها الإنكليز من دحر الثوار وأسر عدد منهم، وكان من بين الأسرى الشيخ محمود الحفيد نفسه وعمه «حاجي سيد حسن» وكاتبه «محمد طاهر» (الغلامي: ثورتنا في شمال الوطن، ص107). وكان كريم فتاح هو الذي رتب اغتيال النقيبين الإنكليزيين ماكانت وبوند، والأخير كان يشغل منصب معاون الحاكم السياسي في جمجمال؛ فقد حدث أن ذهب الاثنان إلى كريم فتاح في دربند بازيان، وإذ ذاك أشار كريم فتاح إلى رجاله بقتلهما رمياً بالرصاص، وكان النقيب ماكانت يتولى إمرة قوة الدرك (المصدر السابق، ص110).

  15. تحرك في رانية ضد الإنكليز كل من «غفور خان» من عشائر «آكو» و«سوار آغا» من عشيرة «بيران» ومحمود آغا من عشائر نور الدين (بشدر). ولما لم يستطع النقيب «باركر» معاون الحاكم السياسي في رانية الوقوف في وجه الحركة غادر رانية مع الحامية التي كانت ترابط فيها، وذلك في أواخر أيار 1919، وإذ ذاك قصفت الطائرات البريطانية الثوار في رانية، فلجأ عدد كبير منهم إلى الحدود الفارسية والتحق آخرون بالشيخ محمود الحفيد، وبذلك استطاع الإنكليز احتلال رانية (عبد المنعم الغلامي: ثورتنا في شمال الوطن، ص101 - 104).

  16. كان الأمير زيد بن علي قد وصل إلى العراق لأول مرة في شهر تشرين الثاني 1922، وفي شهر أيار 1923 توجه مع القوات البريطانية والعراقية إلى الموصل فاتخذها مقراً له، لغرض اتخاذ الإجراءات اللازمة لكسب شعور الأكراد إلى جانب العراق العربي الجديد، كما ألّف هناك قوات غير نظامية من أفراد العشائر العربية لصد أي اعتداء قد يقع على المناطق الواقعة غربي الموصل (تكوين الحكم الوطني في العراق، ترجمة بشير فرجو، ص69 - 70).

  17. افتُتح مؤتمر لوزان، الذي حضره مندوبون عن الحكومة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان ورومانيا ويوغسلافيا وتركيا، في العشرين من تشرين الثاني 1922، ويعتبر هذا «مؤتمر لوزان الأول»، وقد وُقّعت معاهدة لوزان في 24 تموز 1923، وتضمنت المادة الثالثة منها حدود تركيا مع سوريا والعراق، ونصها: «سوف يعين خط الحدود بين تركيا والعراق باتفاقية ودية تعقد بين تركيا وبريطانيا خلال تسعة أشهر. وتتعهد الحكومتان التركية والبريطانية تعهداً متبادلاً بأنه إلى حين التوصل إلى قرار حول موضوع الحدود لن تحدث حركة عسكرية ولا أية حركة أخرى قد تغير بطريقة ما حالة الأراضي الراهنة والحدودية التي يتوقف مصيرها النهائي على ذلك القرار». وكانت المادة الأولى من معاهدة لوزان قد نصت على إنهاء حالة الحرب مع تركيا وإعادة السلام معها.

  18. الأميرال جستر أول المغامرين الأمريكان الذين حاولوا الحصول على امتياز بالبحث عن النفط في تركيا والعراق في سنة 1899، ثم جدد محاولاته تلك في عهد الاتحاديين (الأتراك) وحصل منهم على وعد تحريري بمنح الامتياز المذكور، لكن الاتفاق لم يوقع نتيجة قيام الحرب بين تركيا وإيطاليا واحتلال ليبيا سنة 1911 (انظر كتابنا: معركة النفط في العراق، ج1، ص14 - 25).

  19. مناطق «تياري»، ومنها اشتق الاسم الذي ما يزال يطلق على الآثوريين حتى الآن، إذ يسمون بالتيارية أو التياريين نسبة إلى منطقة «تياري» (انظر كتاب: معركة النفط في العراق، ج1، ص14 - 25).

  20. أشارت المس بيل في رسالتها المؤرخة في الأول من آذار 1924 إلى محاولات الشيخ محمود الحفيد لمهاجمة كركوك فقالت: «إني أخشى أنه إذا لم يقم بتسليم الحكم إلى الأشراف المحليين في السليمانية، ويخلِ مدينة السليمانية كما أُمر أن يفعل، فإننا سنضطر إلى قصف مدينة السليمانية بالقنابل. إن الحرب الجوية فظيعة بشكل مفزع، ولكن عندما تتقلص قواتك البرية إلى مجرد هيكل عظمي ليس إلا، فما الذي في مقدورك أن تفعله؟» (بورغوين: المس بيل من رسائلها، الجزء الثاني، ص310).

  21. هذان العراقيان هما ناظم النفطجي وفتاح بك أحد أقارب الشيخ محمود في السليمانية، وهما كرديان أصلاً.

  22. كان هذا الطلب من قبل الآثوريين المتشردين الذين أرادوا من ورائه أن يعتبروا وجودهم داخل العراق شرعياً، ولتأكيد الأكاذيب التي ما فتئوا هم وأنصارهم من الاستعماريين الإنكليز والفرنسيين والروس، وحتى بعض الكتاب اللبنانيين، وعلى رأسهم «يوسف إبراهيم يزبك» صاحب كتاب «النفط مستعبد الشعوب»، يزعمون حتى الآن أن الآثوريين هم أحفاد الآشوريين القدامى في العراق، ولذلك فإن هؤلاء، ومن بينهم مؤلف الكتاب «لونكريك»، يطلقون عليهم اسم «الآشوريين» تمشياً مع الكذبة المفضوحة بشأن أصل هذه الطائفة «الآثورية» التي لا علاقة لها بالآشوريين القدماء.

  23. هما العقيد رودلف ياك، وهـ. ماركوس.

  24. يعني بذلك المرحوم الفريق جعفر العسكري، الكوردي الأصل، والأب الروحي للجيش العراقي.

  25. هو توفيق رشدي بك آراس الذي تولى منصب وزارة الخارجية في حكومة مصطفى كمال، وشارك مشاركة فعالة في عقد المعاهدة التركية الإنكليزية العراقية التي أعقبت صدور قرار عصبة الأمم في موضوع ولاية الموصل، وقد تم التوقيع عليها في الخامس من حزيران 1926.

  26. تأسس المجلس التأسيسي في 27 آذار 1924، واعتبرت المس بيل أنه يمثل مجلس شورى في العراق العربي، وعند افتتاح جلسته من قبل الملك فيصل في بناية مستشفى الغرباء على شاطئ دجلة (الكرخ) ألقى خطاب العرش وقال إن هناك ثلاثة أمور جوهرية على المجلس التأسيسي العراقي (البرلمان) أن يبت فيها، هي: تصديق معاهدة 27 آذار 1922م، وسن الدستور، وقانون الانتخاب للمجلس النيابي. وذكر الملك فيصل أن تصديق معاهدة 1922 ضروري، إذ يتوقف عليه حل المسائل الحيوية لبلادنا بمعونة الحكومة البريطانية وعصبة الأمم. ونتيجة التصويت حصل عبد المحسن السعدون على (50) صوتاً واعتُبر رئيس المجلس التأسيسي، وهو ما أرادته بريطانيا.

  27. البرقاوي، المصدر السابق، ص78 - 79.

  28. جواد الظاهر، المصدر السابق، ص315.


أجزاء «موقف عصبة الأمم من الحقوق القومية الكوردية في كوردستان» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)

→ الجزء الأول