الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

أصل الأكراد – المحاضرة الثانية (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013

إلى وقت قريب كان شائعًا أن الأكراد من أبناء الكاردوخيين الكورد الذين شاهدهم كزنفون واتصل بهم سنة 401 ق.م عندما قاد عشرة آلاف من اليونانيين. وقد تغيّر هذا الاعتقاد في الفترة الأخيرة، إذ قسم بعض العلماء الذين لهم علاقة بهذا الاسم إلى قسمين: فالقسم الأول، أي الكاردوخيون الكورد، يقولون إنهم ليسوا من أصل آري، ولكنهم يعدّون الكورتيين الكورد الذين يعيشون في شرق بلاد الكاردوخيين أجدادَ الأكراد. ومهما يكن، نجد أن هذا الشعب الكوردي عاش في جبال كوردستان، المنطقة الجغرافية الكوردية، قبل الميلاد بعدة قرون(1)، وعليه فإن الأكراد ليسوا آريين من حيث اللغة، لأن لغتهم الكوردية من عائلة إيرانية، وكذلك وطنهم في الشرق. والنظرية الأخرى عن أصل الكورد عكس ذلك، وهي أن لغتهم (لغة الأكراد) مستقلة عن العائلة الإيرانية(2). ولكننا نعلم، وقد تأكد العلماء، أن الوجبة الأولى من هجرة الآريين حدثت حوالي بداية القرن السابع ق.م، وعندئذ يجوز الاعتقاد، بل التأكد، أنه في هذه الفترة الزمنية التي قضى فيها الميديون الكورد مع حلفائهم البابليين سنة 612 ق.م على آشور (الإمبراطورية الآشورية) زحف عدد كبير من الأكراد نحو الغرب(3).

عرف الجغرافيون الإغريق في أوائل القرون الميلادية معرفة جيدة مناطق الكوردوئين الكورد، وهي لا تزال قائمة على نهر دجلة، ويسمونها (فينيك). وعليه يمكننا المقارنة بين كلمة (كوردوئين) وكلمة (كورجيا)، أي بلاد الأكراد، التي ذكرها الأرمن الأرشاكيون. وكانت الأقسام الجنوبية الشرقية من كوردستان المركزية واقعة تحت حكم أسرة (هايكان) الأرمنية، وكانت بلاد الأكراد (كوردستان) مستقلة ولا تدخل ضمن دولة الأخمينيين. ثم خضعت بلاد الكورد (كوردستان) للإسكندر المقدوني الكبير، وللأرمن الأرشاكيين، وللإسكندر بن مارك أنطوني وكليوباترا، وللبارثيين، وللرومان، وللساسانيين (أردشير وشابور)، وللأباطرة الرومان من غاليريوس إلى جوليان، وللساسانيين مرة أخرى، وللإمبراطورية البيزنطية (ثيودوسيوس)، وللعرب المسلمين (خلال الفتوحات العربية الإسلامية) الذين غزوا الإمارات الأرمنية، وأخيرًا للأسرة الكوردية الأولى المستقلة، المروانية، التي حكمت من 990 إلى 1096م.

إذن نلاحظ عدم استقرار المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان)، حيث حدثت فيها غزوات كثيرة: ففي القرن الحادي عشر استولى السلاجقة الأتراك على كوردستان، ثم اضطر الأكراد إلى أن يناضلوا ضد المغول، في القرن الثالث عشر ضد هولاكو خان، وضد تيمورلنك حوالي سنة 1400م. وأخيرًا ظهر في القرن السادس عشر غزاة آخرون من الغرب (الأتراك العثمانيون)، وفي سنة 1514م صار مصير الأكراد والمنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان) مرتبطًا بالعثمانيين. وأناط السلطان العثماني سليم الأول إدارة منطقة كوردستان بعد احتلالها بالمقرَّب منه المؤرخ الحكيم إدريس البدليسي، وهو من أبناء تبليس. وبحسب الشرفنامة(4) كانت الضفة اليسرى من نهر الفرات الغربي (كوردستان تركيا الحالية) وجميع مناطق الضفة الشرقية من (مرادسو) تقريبًا تحت حكم الإمارات الكوردية، وكانت (إمارة تبليس) أكبر هذه الإمارات الكوردية، وأميرها هو مؤلف كتاب (الشرفنامة). ونلاحظ عدم تمكّن السلاطين العثمانيين من السيطرة على الإمارات الكوردية، ولكن هذه الحالة انتهت في القرن التاسع عشر عندما رفض المصلح التركي العثماني الكبير السلطان محمود الثاني قرار السلطان سليم الأول بشأن الأكراد، أي إنه أراد احتلال المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان)، وقد تم ذلك سنة 1834م، حيث قاد الحملة العثمانية محمد رشيد باشا، وأصبح الأكراد فيما بعد رعايا للمملكة العثمانية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

لا يزال هناك نقاش حول أصل الأكراد، وإن كان أغلب الباحثين متفقين على أنهم ينتمون إلى المجموعة الآرية (Indo-European). كذلك اختلف الكتّاب حول أجداد الكورد، وربطوهم تاريخيًّا بعدة شعوب كوردية. وقد يكون من المفيد أن نتتبع أولًا أصل تسمية الكورد، أي كلمة (كورد). وهنا نجد الباحثين قد اختلفوا في أصل هذه التسمية أيضًا. وهناك نظريتان راسختان في تفسيرها: النظرية الأولى ترجع الكلمة إلى (كَوتو) Guto، والنظرية الثانية ترجعها إلى (كيرتي) Kyrti أو (سيرتي) Cyrtii.

وتربط النظرية الأولى الأكراد بشعب (كَوتو) Guto، وهم الأقوام الكوردية الذين عاشوا في مملكة (كَوتيام) Gutium الكوردية الواقعة على الضفة الشرقية من نهر دجلة في كوردستان، بين نهر الزاب الصغير ونهر ديالى. ويعتقد الدكتور سافراستيان وكتّاب آخرون أن تلك الكلمة (كوتو) مأخوذة من الكلمة الآشورية (كَورتو) Gurtu، وقد تطورت إلى شكلها الحالي بانصهار حرف الراء (R) بعد الواو القصيرة (U)، أي إن Gurtu أصبحت Gutu. وإن مثل هذا الانصهار قاعدة لغوية تنطبق بصورة عامة على أغلب اللغات الهندية الآرية، وخاصة الشرقية منها، كاللغة الكوردية والأرمنية والسنسكريتية واليونانية(5). وكانت كلمة (كَورتو) الآشورية تطلق على الأقوام الكوردية الذين يسكنون المنطقة الجغرافية التي يسكنها الأكراد حاليًّا (كوردستان).

أما النظرية الثانية فتربط الأكراد بالكرتيين Kyrtii الكورد، وهم قوم كوردي كانوا يعيشون أصلًا في المنطقة الجبلية من كوردستان غربي بحيرة وان. ويعتقد نولدكه (Noldeke) أن الكرتيين الكورد كانوا قد تفرقوا بصورة واسعة في هضبة إيران وميديا الكوردية وبقية المناطق الجغرافية الكوردية من كوردستان التي يقطنها الأكراد في الوقت الحاضر. كما يعتقد نولدكه أيضًا أن كلمة (كيرتي) Kyrtii قد تطورت أولًا إلى كلمة (كورتو) Qurtu أو (كاردو) Kardu، ومن ثم إلى كلمة (كرت) Kurt(6)، وهي كلمة أصيلة وليست صفة لهذا الشعب الكوردي، كما هو حال كلمة (كورد) الفارسية التي تعني الشجاع أو المحارب أو القوي.

أما العلامة درايفر (Driver)، الذي قام بأبحاث واسعة في الأصل الفيلولوجي (اللغوي) لكلمة الكورد، فإنه وإن اتفق مع نولدكه في ربط الأكراد بالكرتيين الكورد، يرجع كلمة (كورد) إلى أصل فارسي. ويعتقد درايفر أن الفرس، الذين إما أن يكونوا قد سمعوا بالكرتيين الكورد أو تعاملوا معهم فعلًا، أطلقوا على الكورد اسمًا قريبًا من اسمهم الأصلي من ناحية اللفظ، ومنطبقًا في الوقت نفسه على طباعهم الباسلة وشجاعتهم وقوتهم.

فالكلمة الإيرانية (كورد) Kurd، التي قد تكون ذات أصل مشترك مع الكلمة البابلية (كاردو) Qardu أو (كَاردو) Gardu، تؤدي معنى الشجاع أو الباسل أو المحارب أو القوي. ولعل الكلمة الفارسية (كورد)، أي الشجاع أو الباسل أو المحارب، انتقلت فيما بعد إلى الكتّاب العرب، ومنهم إلى الكتّاب الأوروبيين(7).

ويلوح للباحث أن النظرية الأولى (كوتو الكورد) قد تكون أقرب النظريات إلى الواقع، فلعل كلمة (كورد) تطورت من اللفظ الآشوري لكلمة (كَوتو) Guto، أي من كلمة (كورتو) Qurtu؛ فقد كان الآشوريون من أقدم الشعوب التي قاست من هجمات الكَوتيين (Guti) الكورد، وكذلك شأن السومريين والأكديين من قبلهم، وربما نقل الآشوريون هذا الاسم (كوتو/كورتو) إلى الفرس. والواقع أن من المحتمل أن يكون الكَورتيون (Gurtu) الكورد والكرتيون (Kyrtii) الكورد شعبًا كورديًّا واحدًا، وإن كانوا من قبائل كوردية مختلفة؛ فمناطقهم الجغرافية التي وصفها السومريون والأكديون والآشوريون والفرس هي المناطق الجغرافية الكوردية الحالية لكوردستان، بما فيها كوردستان الشمالية (كوردستان تركيا) وكوردستان الجنوبية (كوردستان العراق). ومن المحتمل أيضًا أن كلمة (كورتو) Qurtu، التي تطورت إليها كلمة (كيرتي)، قد تبناها الآشوريون مع قليل من التحريف فلفظوها (كَورتو) Gurtu.

أما أول شكل لكلمة (كورد) شبيه باللفظ الحالي ومنطبق على الشعب الكوردي نفسه في الوقت ذاته فهو كلمة (كاردوخي) Kardouchi التي ذكرها زينفون (Xenophon) اليوناني في مذكراته عن تقهقر العشرة آلاف مقاتل يوناني عام 401 قبل الميلاد(8). ويرجح سافراستيان أن يكون أصل الكلمة التي استعملها زينفون كلمة (كَورتو) Gurtu الآشورية مضافًا إليها علامة الجمع الأرمنية (KH)، أي (Gurt-kh)، وربما انتقلت هذه الكلمة إلى اليونانيين عن الأرمن. وكذلك من المحتمل أن يكون أصل تلك الكلمة كلمة (كَاردو) Gardu التي تطورت إليها كلمة (كيرتي) Kurtii مع إضافة علامة الجمع الأرمنية. ثم تطورت تلك الكلمة إلى أشكال عديدة على أقلام الكتّاب اليونانيين القدماء، ككلمة كوردوني Gordueni، وكَوردين Gordyene، وكَوردياي Gordyoei، وكوردونس Korduence، وكوردينس Kordyens، وكاردني Hardeni، وكارداوي Qardaiwye، وغيرها(9).

ولكن مهما كان أصل الكاردوخيين الكورد الذين ذكرهم القائد اليوناني زينفون عام 401 ق.م، أكانوا الكَورتو (الشعب الكَوتي) Gurtu الكوردي أم الكرتيين Kyrtii الكورد أم غيرهم من الأكراد، فلا شك أنهم كانوا من أجداد الأكراد الحاليين، كما تدل جميع الدلائل والوثائق بحسب رأي المؤرخين.

أما كلمة (كورد) فقد ظهرت في الكتابات الفارسية للمرة الأولى في كتاب مدوَّن باللغة البهلوية؛ فقد ذكر (أرتخشير بابكان)، مؤسس الدولة الساسانية عام 226م، اسم (ماكَي) Magi ملك (الكوردان) Kurdan، أي ملك الأكراد، من بين أعدائه(10). ومن المحتمل أن يكون الكتّاب العرب (كالمسعودي والطبري) قد نقلوا كلمة (كوردان) عن الفارسية إلى العربية، وقد نُقلت بلفظ (بكاردا). ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الاتفاق على أصل تسمية الكورد لا يقتضي بالضرورة الاتفاق على أصل الأكراد، فقد تكون تلك التسمية قد أُطلقت على شعوب كوردية أخرى سابقة كانت تستوطن المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان).

أما أصل السلالة الكوردية فهو موضوع لم يستوفِ حقه من البحث العلمي أيضًا. فقد ذكرت (الشرفنامه)، وهي أولى المصادر الكوردية التي بحثت في الأكراد، أن بعض الناس يعتقدون أن الكورد سليلو الفتيان الذين أُنقذوا من الهلاك على يدي الطاغية الضحاك (زهاك). وتروي الأسطورة أن الضحاك، الذي كان يتربع على عرش إيران في زمن ما، كان يأمر باستحضار مخ شابين كل يوم ليعالج بهما مرضًا مزمنًا، لكن الشخص المسؤول عن تنفيذ هذا الأمر كان يقتل شخصًا واحدًا ويُهرّب الآخر إلى الجبال. واجتمع عدد عظيم من أولئك الشبان الذين نجوا من القتل في الجبال، وكوّنوا شعبًا متنوع الأجناس أُطلق عليه اسم (كورد). وأعتقد أن هذه الأسطورة غير صحيحة وغير قابلة للتصديق العلمي(11).

وهناك أسطورة إيرانية تزعم أن الأكراد أحفاد طائفة من الجواري ابتاعهن سليمان الحكيم من أوروبا، فاعترض الأبالسة (الجن) طريقهن في الجبال وتزوجوا منهن، فكان نسلهن الأكراد. وأعتقد أن هذه الأسطورة غير صحيحة وغير منطقية وبلا أي سند علمي(12).

ويدّعي بعض المؤرخين العرب كالمسعودي، وكذلك بعض الأكراد، أنهم من أصل عربي، ويرجعون أصلهم إلى ربيعة بن نزار بن معد، أو إلى مضر بن نزار بن معد، وهي قبيلة كانت تقطن ديار ربيعة (منطقة الموصل) أو ديار مضر (منطقة الرقة). ويزعم هؤلاء المؤرخون والباحثون، ومنهم المسعودي أيضًا، أن الأكراد كانوا قد انفصلوا عن قبيلتهم العربية لخلاف حدث بينهم، فهاجروا إلى الجبال واختلطوا بعناصر كوردية أخرى فنسوا لغتهم العربية(13). كذلك اعتقد بعض الرحالة والكتّاب في القرنين السابع عشر والثامن عشر أن الأكراد من نسل الكلدانيين، فقد أشار كتّاب الزمن القديم إلى أن الكلدان سكنوا منطقة كوردستان الشرقية. وهذه الآراء جميعًا، مع الأسف، غير صحيحة وغير مؤكدة بالأدلة القطعية، لأن العرب وصلوا إلى كوردستان بعد الفتوحات العربية الإسلامية.

أما النظريات الجدية عن أصل الأكراد فتستند إلى ثلاثة أسس:

  1. تقاليد الشعب الكوردي ومميزاته الاجتماعية.

  2. الدلائل اللغوية (الفيلولوجية) الكوردية.

  3. الدلائل التاريخية والاجتماعية واللغوية للشعب الكوردي.

أولًا: أما تقاليد الشعب الكوردي ومميزاته الاجتماعية فهي أساس نظرية العلامة مار (Marr). ويعتقد مار أن الأكراد هم السكان الأصليون لجبال آسيا الصغرى الكوردية، شأنهم شأن الجورجيين والخلديين الكورد (أجداد الأكراد) والكارتفاليين، وأنهم لم يفدوا من أي مكان آخر؛ فعادات الأكراد الاجتماعية شبيهة بعادات العناصر الكوردية السابقة لهم، كعادة الزواج من بنات العم مثلًا، وعادة الغناء المنطلق من الحنجرة، وكثير من العادات الدينية. ومع أن العلامة مار يعترف بأن لغة الأكراد الحالية لغة آرية، فإنه يعزو هذا المظهر إلى تأثير العنصر الهندي الآري على الأكراد في كوردستان. ويقول مار إن عدّ الأكراد آريين لمجرد تشابه لغتهم الكوردية مع لغة الآريين أمر غير صحيح، فاللغة الكوردية مستقلة في جوهرها، وهي لغة السكان الكورد الأصليين للمناطق الجغرافية الكوردية (كوردستان)، وتتميز بكثير من الخواص الأصلية التي تشابه لغة الجورجيين والخلديين الكورد(14).

ثانيًا: أما النظرية القائمة على براهين فيلولوجية فيؤيدها العالمان نولدكه (Noldeke) وهارتمان (Hartmann)، وهي ترى أن الأكراد مجموعة من الأقوام الكوردية الآرية. وتربط هذه النظرية الأكراد بالكرتيين الكورد (أجداد الأكراد)، وتحاول البرهنة على أن كلمة (كيرتي) Kyrtii قد تطورت إلى كلمة (كاردو) Qardu، ثم إلى كلمة (كاردوخي) Kardouchi الكوردية التي ذكرها للمرة الأولى القائد اليوناني زينفون(15). وبما أن الكاردوخيين الكورد يُعدّون بإجماع آراء المؤرخين أجداد الأكراد الحاليين، وبما أن المرجح أن الكاردوخيين الكورد من أصل هندي آري، فلا بد أن يكون الكورد الحاليون إذن من الأصل نفسه. والواقع أن هذه النظرية لا تستند إلى البراهين اللغوية فحسب، التي تثبت أن لغة الكرتيين الكورد والأكراد لغة آرية وأن هناك تشابهًا واضحًا في لغة هذين الشعبين الكورديين (الكاردوخيين والكرتيين)، بل تستند أيضًا إلى التشابه في منطقة السكنى وفي العادات بين الكرتيين والكاردوخيين الكورد. فقد ذكر المؤرخون والباحثون والكتّاب القدماء أن الكرتيين الكورد كانوا يقطنون في إيران قرب جبال زاكَروس الكوردية، في المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان الحالية) التي كانت تسمى إمبراطورية ميديا الكوردية، والتي سميت فيما بعد ببلاد فارس. وقد وصف سترابو وبوليبيوس وليفي الكرتيين الكورد بأنهم يشتغلون بالنهب والسلب، ويبرعون في رمي الحجارة بالمقلاع، ويتميزون بشجاعة عظيمة، وهذا الوصف نفسه يماثل تمامًا وصف زينفون للكاردوخيين الكورد، كما أن مناطق سكنى كلا الشعبين الكورديين (الكاردوخيين والكرتيين) متماثلة. ومن الواضح أن هذه النظرية تستند إلى حجج قوية، ولعل أهم نقاط الضعف فيها، كما يذكر مينورسكي، أنها لا تفسر كيف استطاع الكرتيون (أو الكورد) الانتشار في مناطق غربي جبال طوروس وأنتي طوروس، وأن يتوغلوا حتى الحدود السورية(16). لكن الرد على هذا الاعتراض ميسور، فالكرتيون الكورد قوم رعاة، وطبيعة حياتهم تدفعهم إلى الانتشار في مناطق جغرافية واسعة جريًا وراء الكلأ.

وهناك جماعة أخرى من العلماء والمؤرخين والباحثين اعتقدوا أيضًا أن الكورد من المجموعة الآرية، ومنهم العالم الروسي (كونيك) الذي استند إلى وثائق تاريخية في البرهنة على أن هناك صلة قوية بين الأكراد وبقية الشعوب الآرية التي سكنت قديمًا في آسيا الوسطى، كما اعتمد في بناء نظريته على تشابه لغتهم الكوردية مع اللغة الإيرانية، وأيده في رأيه رينان ولرش وعلماء آخرون.

ثالثًا: أما النظرية الثالثة فيؤيدها مينورسكي، وهي تقوم على معلومات تاريخية ولغوية، وتقول إن الأكراد مزيج من عناصر آرية وعناصر كوردية أصلية.

ويعتقد مينورسكي أن الأكراد ينحدرون من أصل آري، إلا أنهم امتزجوا بعناصر كوردية أخرى في المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان). وهذه النظرية الثالثة تشترك في الواقع مع نظرية نولدكه في وجوه كثيرة، وهي ذات أسس تاريخية ولغوية واجتماعية في آن واحد؛ فهي تستنتج عن طريق الأبحاث اللغوية أن اللغة الكوردية ترجع إلى المجموعة اللغوية الآرية الإيرانية، وبما أن اللغة دليل مهم على أصل المتكلمين بها، فلا شك إذن في أن أصل الأكراد آري. ومن المعلوم أن كتّابًا آخرين من دارسي اللغات الشرقية قد برهنوا على ذلك من قبل، ومنهم ليهمان بوت (Pott) وروديجر (Rodiger) اللذان أثبتا علاقة اللغة الكوردية باللغة الفارسية الحديثة وباللغة الزندية. ويستنتج مينورسكي أيضًا بواسطة البحث التاريخي الطريق الذي سلكته هذه الموجات الكوردية، وهو عبر جبال القوقاز (طريق الموجات الآرية). ولكن هذه النظرية الثالثة تجد في الوقت نفسه شبهًا كبيرًا بين عادات الأكراد وعادات الأقوام الأصليين، الذين يعتقد أنهم أيضًا من الكورد، وتستدل بذلك على تمازج الأقوام الكوردية الوافدة بالأقوام الأصلية.

وعلى أية حال فالنظريات المذكورة ما تزال في حاجة إلى بحث دقيق وبراهين مقنعة، وستكون الأبحاث الأركيولوجية والمقاييس الأنثروبولوجية الدقيقة للأكراد كفيلة في المستقبل بالكشف عن معلومات جديدة عن أصلهم. ويبدو للباحث أن النظريات التي ترجع أصل الأكراد إلى المجموعة الآرية هي الراجحة، كما أن المعلومات الجديدة تكشف باستمرار عن دلائل مؤيدة لها. ويقول العلامة كون (Coon) إن الموجة الآرية الأولى التي حملت الكورد إلى مناطقهم الجغرافية الكوردية الحالية آتية بهم من أواسط آسيا قد حدثت حوالي سنة 2000 قبل الميلاد(17). ويُحتمل أن تكون أقوام ذات مميزات آرية قد سادت آنذاك في المنطقة الممتدة من بحر إيجة إلى جبال زاجروس الكوردية، ومن شمال القوقاز وبحر الخزر إلى الخليج العربي. وربما شملت تلك الأقوام (الموجة الآرية الأولى) الشعوب الكوردية التاريخية القديمة المعروفة (كالحيثيين والكوتيين والميتانيين والكاشيين والعيلاميين)(18). وبما أن تلك الموجة الآرية كانت موجة غازية، فقد صهرت السكان الأصليين وفرضت عليهم لغتها وديانتها، ولكن الانصهار التام لم يتم على أية حال إلا بعد أن قدمت موجة أخرى من الآريين، ربما عبر القوقاز، بعد مرور حوالي ألف عام، واحتلت المناطق الجغرافية المذكورة(19).

ومن المحتمل أن يكون الكاردوخيون الكورد الذين ذكرهم زينفون أحفاد الموجة الثانية، أو السلالة التي نتجت عن اختلاط أقوام الموجة الثانية بالسكان الكورد الأصليين الذين كانوا يقطنون بلاد كوردونس (Corduence)، أي كوردستان الحالية، وهو اسم أطلقه اليونانيون على المنطقة الجغرافية الكوردية الواقعة على الضفة اليسرى من نهر دجلة بين الخابور والزاب الكبير. وكانت الموجة الآرية الأولى قد صهرت السكان الأصليين إلى حد كبير، فاستطاعت الموجة الثانية أن تصهرهم كليًّا، عدا بعض الجماعات المنعزلة. وتدل أوصاف زينفون على أن الكاردوخيين الكورد كانوا يتميزون يومئذٍ بمميزات آرية، وخاصة من النواحي الاجتماعية. ولا بد لنا على أية حال من أن نؤكد أن بعض المميزات العنصرية للسكان الأصليين القدماء في تلك المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان) لا تزال متمثلة في بعض الأكراد حتى الوقت الحاضر. كذلك تظهر في نفر آخر من الأكراد بعض الصفات العنصرية للأقوام المجاورة، التي تعزى في الحقيقة إلى زحف الأكراد على المناطق المجاورة أو إلى توغل تلك المجموعات العنصرية في الأراضي الكوردية، ومن المعلوم أن الجبال الوعرة مناطق حماية دائمًا.

ولقد برهنت القياسات الأنثروبولوجية التي قام بها العلامة فيلد على أن ثمة فروقًا إحصائية واضحة بين أكراد كوردستان العراق وسكان الأهوار العرب والأوستس من سكان منطقة القفقاس(20). ومن جهة أخرى فإن أوصاف الكورد الشماليين القاطنين في كوردستان تركيا وفي شمال غربي كوردستان إيران، التي سجلها الكتّاب والرحالة، تكشف عن مميزات آرية واضحة، كالرأس الطويل والقامة الطويلة وعناصر الشقرة كالشعر الأشقر والعيون الزرق. أما أكراد كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) فيمتازون ببشرة داكنة وشعر داكن، وبأغلبية ساحقة من العيون البنية، وبقامة متوسطة الطول ورأس أقرب إلى الاستدارة. لكن هذا التفاوت في الصفات الجسدية بين أكراد الشمال (كوردستان تركيا) وأكراد الجنوب (كوردستان العراق) لا يعني أن الأكراد يتألفون من عناصر شتى مختلفة، فهو تفاوت بسيط ناتج عن تأثرهم بالعناصر المجاورة، وقد برهنت مقاييس فيلد للأكراد من مختلف أنحاء كوردستان العراق على أن الأكراد ينتمون إلى جنس واحد. ويمكن للباحث أن يستنتج مما يتوفر من قياسات أنثروبولوجية ومن أوصاف الرحالة أن الأكراد ينتمون إلى العنصر الألبي من المجموعة الآرية، لكن الأكراد الشماليين يكشفون عن تأثيرات أرمنية قوية، في حين يكشف الأكراد الجنوبيون عن تأثيرات عناصر البحر المتوسط (وخاصة تأثيرات الساميين).

ومن المواضيع التي يتناقش فيها الباحثون أيضًا الشعبُ الكوردي الذي يمكن أن يُعدّ أجداد الأكراد. ومع أن هناك عدة نظريات حول أجداد الأكراد، فإن النظرية الغالبة هي التي تربطهم بالميديين (Medes) الكورد، على أساس أن الكَوتيين الكورد قد اندمجوا بالميديين الكورد بعد سقوط نينوى عام 612 قبل الميلاد(21). والواقع أن كتّاب التاريخ القديم يتفقون على وجود شعب كوردي كان يسمى الكَوتيين الكورد حوالي سنة 2000 قبل الميلاد، وقد عاش في منطقة جغرافية من كوردستان تشكل الآن إحدى مناطق الأكراد الرئيسة، وهي المنطقة المحصورة بين دجلة والزاب الأسفل ونهر ديالى (سيروان). ولكنهم يختلفون في وجود شعب باسم الميديين الكورد ذي مقومات عنصرية متميزة، ولو وُجد هذا الشعب حقيقةً لكانوا أجداد الأكراد فعلًا. ويدلل الدكتور سافراستيان على وجود قوم باسم الميديين الكورد بما كشفت عنه الأختام المسمارية عن كلمة ميدا (Meda). وقد قال البابليون، الذين ورثوا الثقافة السومرية فيما بعد، في معنى كلمة ميديا إنها اسم لبلاد معينة أو لقومية من القوميات (الكورد)، واستطاعوا أن يحددوا تلك البلاد الكوردية بالضبط أو أن يعيّنوا ذلك القوم (الكورد). وورث الآشوريون حدود منطقة ميديا الكوردية عن البابليين، كما ورثها الإيرانيون واليونانيون عن الآشوريين، وورثها الكتّاب الأوروبيون عن الكتّاب اليونانيين القدماء(22).

أما ما يتعلق بالشعب الكَوتي الكوردي فالدلائل على وجوده منذ قديم الزمن كثيرة، وهي تحدده عنصرًا كورديًّا واضحًا متميزًا. ولعل أقدم إشارة إلى الكَوتيين الكورد هي التي عُثر عليها في الكتابات السومرية؛ فقد كان السومريون يشكون من قوم محاربين شجعان أقوياء اسمهم الكَوتي (الكورد)، اعتاد هؤلاء الانحدار من جبالهم ومناطقهم الجغرافية الكوردية (كوردستان) ومهاجمة المدن السومرية. واعترف السومريون، وكذلك الأكديون، بمملكة الكَوتيين الكورد التي كانت عاصمتها (أرابخا)، وربما وُجدت هذه المدينة قرب كركوك(23). وحدد بعض الكتّاب والمؤرخين موقع المملكة الكَوتية الكوردية في المربع الواقع بين الزاب الصغير ونهر دجلة وتلال السليمانية ونهر ديالى (سيروان) في منطقة كوردستان العراق(24).

وقد كان الكَوتيون الكورد يهددون البابليين دائمًا، وكان البابليون يسمونهم (كَاردو) Gardu أو (كاردو)، وقد أعلنوا عليهم الحرب مرات عديدة دون أن ينجحوا في إخضاعهم. ووصف البابليون بلاد الكوتيين الكورد بأنها الجبال الواقعة شرق نهر دجلة بين الزابين ونهر ديالى (البلاد الكوردية، كوردستان)، فليس من المستبعد إذن أن تكون ميديا الكوردية نفسها امتدادًا لبلاد كَوتيوم (Gutium) الكوردية، التي قد تكون واقعة في شمال غربي إيران (كوردستان إيران) وتسكنها القبائل الكوردية نفسها في الوقت الحاضر. والحقيقة أن الطريقة التي وصف بها هيرودوت، وهو المصدر الأول عن الميديين الكورد(25)، قصةَ تكوين المملكة الميدية الكوردية يكتنفها الغموض، وكذلك فإن تاريخ هذه المملكة (الميدية الكوردية) محاط بالغموض.

ولكن هذا لن يغير على أية حال الحقيقة التي تؤكد أن الأكراد الحاليين كانوا يعيشون في البلاد (المنطقة الجغرافية) التي دعيت ميديا الكوردية، وأنهم يُعدّون لذلك أحفاد الميديين، وإن لم تكن هناك سلالة معينة باسم الميديين الكورد، ولو وُجد قوم باسم الميديين الكورد لكان الأكراد أحفادهم. ويمكن أن نستنتج من الدلائل المتوفرة حتى الآن أن الأكراد أحفاد الكَوتيين الكورد، وهم القوم الذين نتجوا من التزاوج بين سكان جبال زاكَروس الأصليين الكورد وبين الموجات الأولى من الآريين الكورد التي اكتسحت منطقتهم الجغرافية (كوردستان)(26).


أجزاء «أصل الأكراد – المحاضرة الثانية» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث

الجزء الثاني ←