الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
أصل الأكراد – المحاضرة الثانية (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013
ظهور اسم (كورد)
في عهد الملك الخامس والأخير من الملوك السومريين، شوسين الابن الثاني لشولكَي بن أورنمو (2036–2028 ق.م)، أقبلت الدولة السومرية على الزوال، رغم قيامه بهجمات على السكان الأكراد في منطقة كوردستان لتوطيد حكم السومريين فيها كأبيه، لكن ذلك لم يُجدِه نفعًا؛ إذ انفصلت عنها منطقة ديالى وتأسست فيها حكومة (إشنونا) في السنة الثالثة من حكمه، فأصبحت حاجزًا بينها وبين مناطق ما وراء سلسلة جبال حمرين، وكذلك انفصلت عنها (سوسة) وغيرها، إلى أن تحولت بلاد سومر إلى نظام دويلات المدن. وقضى العيلاميون من سكان لورستان الكوردية الصغرى، بالتعاون مع سكان مناطق أخرى من كوردستان المجاورة لهم، على (أبي سين) السومري واحتلوا عاصمته (أور). والتفاصيل في كتاب (أبي سين) للدكتور فوزي رشيد، الذي يعتقد أن اسم الكورد ظهر لأول مرة في عهد هذا الملك السومري (أبي سين)، وهو (كوردا)، وكان اسمًا لمنطقة قريبة من كرمانشاه، على عكس ما تصوره سابقًا علماء آثار من أنها كانت تقع جنوب غرب بحيرة (وان). وقد ذُكر اسم (كوردا) (Karda) في نص مسماري هو أمر صادر من (أبي سين) بتعيين (إيرنَنّار) حاكمًا على منطقة (سو) ومنطقة (كوردا)، والنص موجود في الصفحة 27 من كتاب (أبي سين) المذكور للدكتور فوزي رشيد، ومعه صورة له.
نستخلص من المعلومات السابقة أن الدولة السومرية التي عاشت مئة وبضع سنين قد حكمت حوالي خمسة وثلاثين عامًا مناطق من كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) حكمًا غير مستقر، أو كما قال المرحوم طه باقر في مقدمته (ص387): «لم تخضع الأقاليم الكوردية الشرقية خضوعًا تامًّا لإمبراطورية سومر»، علمًا أن السكان الكورد في تلك المناطق الكوردية (كوردستان) حاولوا مرارًا مهاجمة الدولة السومرية واحتلال العراق، ولم يحدث خلال حكمها أي تغيير قومي للكورد في مناطق كوردية مثل خانقين وكركوك وأربيل وغيرها.
كوردستان موطن الأكراد
لقد كتب الكثير من الباحثين والمؤرخين عن كوردستان وعن موطن الأكراد، ومما قالوه عنها:
كلمة كوردستان مصطلح جغرافي ظهر لأول مرة في القرن الثاني عشر الميلادي في عهد السلاجقة الأتراك؛ فقد فصل السلطان السلجوقي سنجر القسم الغربي من إقليم الجبال (كوردستان) ووضعه تحت حكم قريبه (سليمان شاه)، وكان هذا القسم الغربي من إقليم الجبال (كوردستان) يضم الأراضي الممتدة من أذربيجان ولورستان وهمدان وكرمنشاه، بالإضافة إلى المناطق الواقعة غرب جبال زاكروس الكوردية، كشهرزور وكويسنجق(27).
كلمة كوردستان تعني بلاد الأكراد، وهي منطقة واسعة لا حدود سياسية لها، وكانت هذه المنطقة (كوردستان) تضم عدة ولايات ودويلات كوردية تفصل بينها سلسلة جبال زاكروس(28).
ينتشر الأكراد حاليًّا بين أذربيجان وأرمينيا في الاتحاد السوفيتي (سابقًا)، وفي شرق تركيا (كوردستان تركيا)، وشرق العراق وشماله (كوردستان العراق)، وغربي إيران (كوردستان إيران)، وشمال سوريا وشرقها (كوردستان سوريا)، بين خطي عرض (34–39) وخطي طول (30–40) شرقًا و(37–48) غربًا(29).
يقطن الأكراد في كوردستان العراق محافظات السليمانية وأربيل ودهوك وكركوك، وأجزاء كبيرة من محافظتي ديالى والموصل.
آراء الباحثين في أصل الأكراد
لقد اختلف الباحثون حول أصل الأكراد، وربطوه بعدة شعوب، وصاغوا حوله نظريات كثيرة، منها(30):
أن قرية (جرمو) الواقعة في جمجمال قرب السليمانية أقدم قرية في الشرق الأوسط، وكذلك موقع (برده بلكه) ومغارة (هزار ميرد) في المنطقة نفسها، ومغارة (شانيدر) قرب رواندوز التي كُشف فيها أول هيكل عظمي لإنسان العصر الحجري في كوردستان العراق. فهذه المنطقة من كوردستان العراق كانت مسكونة قبل آلاف السنين، وكذلك (لافا/عرفا) في كركوك، وهي حضارة أثرية عائدة إلى الأكديين(31).
أن السجلات السومرية لا تترك شكًّا في أنه منذ سنة 2000 ق.م كان هناك شعب كوردي يدعى (كوتو) أو (كوتي)، سماهم الآشوريون فيما بعد (كرتي)، وسكنوا منطقة أواسط دجلة من منطقة (بوتان) الكوردية وجبل (جودي) إلى سلسلة جبال (زاكروس) الكوردية شرقًا. أما مينورسكي فيقول إن الأكراد ينحدرون من أصل آري، إلا أنهم امتزجوا بعناصر كوردية أخرى(32). أما سدني سميث، الخبير البريطاني في شؤون الآثار القديمة، فيقول إن الشعب الكوردي أحد الأقوام الهندية الأوروبية، قدم إلى منطقة كوردستان في الوقت الذي قدم فيه الميديون الأكراد إلى ميديا الكوردية، والإيرانيون الفرس إلى إيران، ويستند سدني سميث إلى النقوش الآشورية التي يرجع تاريخها إلى سنة 650 ق.م(33).
إن البحث عن أصل الشعب الكوردي(34) واحد من الأمور التي كادت تنهك أفكار المؤرخين والباحثين وتتعبها مدة نصف قرن من الزمن. لقد قُدّمت نظريات كثيرة بهذا الصدد، إلا أن الموضوع ما زال معقدًا، فبعض الكتّاب الروس، ولا سيما ف. ف. مينورسكي وباسيل نيكيتين وفيلنشيفسكي، حاولوا إلقاء الضوء على الموضوع (أصل الكورد) تبعًا لدراساتهم واستنادًا إلى بعض البحوث العلمية الأخرى. وسنحاول بدورنا إيجاد الطريق من خلال الحجج التاريخية والآثار القديمة واللغة وعلم أصل الإنسان، ولن نتوقف عند النتيجة التي تقول إن الأكراد جاؤوا من عدة فروع انصهر بعضها في بعض بفعل مرور الزمن، أو بتأثير العوامل التاريخية ونمط حياتهم الاجتماعية الذي جعل لهذا الشعب الكوردي طابعًا مميزًا واضحًا ومجتمعًا وطنيًّا فريدًا.
الكورد ليسوا هندو-أوروبيين: يحتاج العلامة مار، من أجل أن يثبت مواقفه، إلى التعرض لمشكلة أصل الكورد وربطهم بمجموعة الأعراق التي يطلق عليها (الآسيوية) أو (الآرودية)، أو بحسب اصطلاح مار نفسه (الجافيتية)(35)، التي تضم الخالديين الكورد والمانيين والعيلاميين والأرمن والجورجيين. وهذه العناصر (الأقوام) المرتبطة كلها تاريخيًّا بآسيا القديمة لا يمكن تشخيصها بوصفها هندو-أوروبية (آرية) أو سامية أو يزدية(36)، دون أن يكون هناك اتفاق على تحديد خصائصها المشتركة، وبذلك يبقى الجدل بشأن التفاصيل مفتوحًا. ومنذ أن تطرقنا لهذه المواضيع استطاع القارئ أن يطلع، حتى لدى المتمسكين بنظرية الأصل الهندو-أوروبي للكورد، على بضعة شكوك بهذا الخصوص تركت عندهم ثغرات مفتوحة أمام النظرية الآسيوية أو الآرودية.
وقد استفاد العلامة مار من ذلك ليقول لنا إننا استعجلنا كثيرًا في تأييد القول بالخصوصية الهندو-أوروبية للغة الكوردية الحالية، وقد ذكرنا في حينه التحفظات التي أبداها مار في هذا المجال. ويضيف أيضًا أنه يغيب عن نظرنا أن هناك لدى الكورد طبقتين أو عرقين مختلفين، فهل يمكن القول بالنظرية الهندو-أوروبية؟ لا يعير مار ذلك اهتمامًا كبيرًا. صحيح أن علماء أوروبيين من المراتب العالية، كميكائيليس وشتولتسر وفريدريك وهيرن، شككوا في الأصل الهندو-أوروبي للكورد، حتى ثبتت تلك النظرية على يد كل من لاسن وكارل ريتر، فأكد إرنست رينان آنئذٍ أنها نظرية مقبولة الآن بوجه عام. لكن القبول العام لهذه النظرية (الهندو-أوروبية) لا يعني دائمًا الصحة المطلقة للرأي العلمي. أوَلم يُقبل بوجه عام أن الطبقة الهندو-أوروبية هي الأصل والأساس للأرمن؟ بل أكثر من ذلك، أليس هناك من يريد إنكار وجود مجموعات عرقية قديمة جدًّا غير آرية ولا سامية، كالجورجيين والشعوب الأخرى القريبة منهم، فيهمل هذه الشعوب ويضعها جانبًا، في الوقت الذي يتصدى فيه لحل قضايا ينبغي عليه أن يضع نصب عينيه قبل كل شيء، لحلها، المعلومات الأساسية المهمة التي تضعها تحت تصرفه الآثار الباقية في الأماكن التي يحقق بشأنها؟
إن القول بالأصل الهندو-أوروبي للشعب الكوردي ليس من الأمور التي لا يمكن التعرض لها مطلقًا. وقد حاولوا أن يكتشفوا في اليزدية بعضًا من خصائص السامية (وهي التي يمزجها العلامة مار بمبدأ كون اليزديين كوردًا، وهذه هي نقطة الضعف في استدلاله)، ولكنهم لم يصيبوا أي نجاح في هذا المضمار على أي حال(37). وفي الوقت الراهن يظل شيء واحد واضحًا كل الوضوح، وهو أننا نجد في الديانة اليزدية بقايا عقيدة يزدية قديمة جدًّا في هذه المناطق. وكلما اكتشفنا في هذه الديانة اليزيدية روابط تربطها بالعقائد الموصوفة بالابتداع، وبوجه عام بالاعتقادات الخفية الشعبية الصرفة، وجدنا الدليل على أن نرى فيها عبادة إله محلي من العصر المضطرب السابق للآريين، إله غُلب على أمره، فكان يستعين بجمهور العامة للدفاع عن نفسه وللنضال السري ضد الديانات الأجنبية التي ظهرت حديثًا في ذلك الوقت وسادت الساحة وكان لها إسناد رسمي وعلني. إن هذه العلاقات تقودنا إلى الطريق الصحيح الذي كانت الحملات تأتي عبره تارة من بلاد ما بين النهرين وأخرى من أرمينيا.
أقوال المؤرخين في أصل الأكراد
يقول المؤرخ سدني سميث: كان الأكراد في موطنهم كوردستان يتمتعون بالحرية والاستقلال الكامل، وذلك في القرن السابع قبل الميلاد.
أما المؤرخ مينورسكي فلا يشك أبدًا في أن (الكاردشوي) هي نفسها بلاد الكارد الكوردية، وأن هذه البلاد، كوردستان، مع شعوبها، تشكل الأصل والأساس لأكراد اليوم وموطنهم (كوردستان)، مثلما أن كلمتي (خالدي) و(كوردايي) تسميتان لشعب واحد هو الشعب الكوردي.
ويذهب المؤرخ ريسك إلى أن لكلمتي (خالدي) و(كوردايي) معنى واحدًا بحسب اللغة الكوردية، وهي من الشعوب الكوردية المجاورة للإيرانيين، ولكن الكثير من الإيرانيين كانت لهم علاقات متينة مع هذا الشعب الكوردي أدت إلى الاختلاط بهم، كما اختلط الأكراد بشعوب أخرى، وتمكن بعض هذه الشعوب الأخرى من القفز إلى سدة الحكم والتحكم في مقدرات البلاد الكوردية (كوردستان).
ويقول المؤرخ الكوردي محمد أمين زكي بك إن الأكراد القدماء من الشعوب القوقازية، ولكن اختلاطهم بالميديين الأكراد الجدد أدى إلى اقتباسهم اللغة الميدية الكوردية الآرية، فتحولوا من ثم إلى آريين (هندو-أوروبيين).
أما شرف خان البدليسي فيقول إن الأكراد أحفاد أولئك الهاربين من مصاص الدماء المدعو (أزدهاك/الضحاك) إلى رؤوس الجبال، ثم تناسلوا هناك، وبهذا المعنى فالأكراد ينحدرون من أصلاب أولئك الثوار الكورد المتمردين على حكم الطاغية (أزدهاك/الضحاك). ولكنني أجزم بأن هذه النظرية غير صحيحة، بحسب الآراء الحديثة للمؤرخين.
ويستطرد حاكم بدليس شرف خان البدليسي قائلًا: يذهب البعض إلى أن الأكراد لُقّبوا بالكورد (البطل أو الشجاع) نظرًا لشجاعتهم الفائقة، وفي الحقيقة فقد ظهر من بين هذا الشعب الكوردي أبطال ذائعو الصيت، أمثال (رستم) و(فرهاد) و(كوركين). وفي موضع آخر يقول شرف خان البدليسي إن الأكراد كلهم من نسل البجن والبخت.
ويتدخل هنا أبو الفداء ليقول إن الكورد والديلم والجيل ثلاثة إخوة في الدم، وكل واحد من هؤلاء أصبح أبًا لشعب، وبحسب رواية أبي الفداء يكون الأكراد من أصل إيراني أو من الشعوب الإيرانية، ويقال للآباء الثلاثة وأنسالهم (الفرس). هذا وقد انتشر الأكراد في سفوح جبال زاغروس الكوردية وحكموا منطقة إيران مرات عديدة.
أما المؤرخون العرب فيقولون إن الأكراد عرب جاوروا الأعاجم (الكورد)، وهذا تناقض في رأي المؤرخين العرب، فنسوا لغتهم العربية وتكلموا الكوردية وانصهروا في بوتقة المجتمعات الكوردية المجاورة، ولكل منهم رأيه في وضع الأكراد في خانة العرب. ولكن من الجائز أن يكون أحد عظماء العرب ومشاهيرهم قد أطلق على نفسه اسمًا كورديًّا حتى اختلط الأمر على هؤلاء، ولذلك فمن المفروض أن يكون الأكراد قد وُجدوا قبله حتى تسنّى له أن يتخذ لنفسه الاسم الكوردي متأثرًا بهم، مثلما يسمي الأكراد أطفالهم فارس وشركس وتتر وجاجان وعرب.
أما المؤرخون الترك فيذهبون إلى أن كلمة كورد جاءت من (قورد/غور) التركية، وأنهم أتراك جبال أضاعوا لغتهم التركية بعد اختلاطهم بشعوب كوردية أخرى (أتراك الجبل، أي أكراد كوردستان تركيا) في تلك المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان تركيا).
كما يدلي المؤرخون الفرس بدلوهم فيقولون إن الأكراد جزء من الشعب الفارسي وأحد أقسامه، وإن اللغة الكوردية لهجة من اللهجات الفارسية، وإن الألفاظ فقط غير متطابقة مع اللغة الفارسية. كما يزعم الآشوريون والكلدان والأرمن أن الأكراد منهم (آشوريون أو كلدان أو أرمن)، ولكن الملاحظ أن أحدًا من هؤلاء وغيرهم لم يقل إنه من الأكراد. ولو كان الأكراد حقيقةً تركًا أو عربًا أو فرسًا (إيرانيين) لانتصرت لهم الدول العربية وتركيا وإيران، ولطالبت بالأخوّة العربية الكوردية والفارسية والتركية وبرفع الظلم والحيف عنهم، مثلما ينتصر العرب لإريتريا ودول الخليج، وكما يدعم الأتراك بني جلدتهم القبارصة الأتراك، وكما يطالب الفرس بجزر الخليج العربي. فأين هؤلاء (العرب والفرس والترك) من حقوق إخوانهم الكورد كما يزعمون؟
والآن جاء دوري لأقول: إن الشعوب كلها من أصل واحد، وقد افترقت شيعًا وأحزابًا بحسب تباين لغاتها والأسماء التي أطلقتها على نفسها، وكان للانعزال وطبيعة الأرض دور كبير في تباين الشعوب. وبعد تطورها وانخراطها في لجّة المدنية واختلاطها بعضها ببعض لم يبقَ مجال لادّعاء النقاء العرقي أو اتخاذ الدم أو اللون أساسًا لتصنيف الشعوب، كما لا يمكن للدين أن يكون أساسًا للتصنيف. ولكن اعتمادًا على اللغة الكوردية يمكن عدّ الأكراد أبناء عمومة للشعوب الآرية، وخاصة الفرس والأفغان والبلوش والهنود، وهم بالتالي أقرب إلى الشعوب الأوروبية الآرية، ولذلك نصادف الكثير من مفردات اللغة الكوردية ضمن لغات هذه الشعوب. وقد افترق الأكراد منذ القدم عن أبناء عمومتهم هؤلاء، فنشأت لهم لغة كوردية خاصة بهم، كما أقاموا دولًا وإمارات كوردية عديدة فوق أراضيهم في منطقة جغرافية خاصة بهم (كوردستان)، واستطاعوا أن يعرّفوا العالم بشعب وأرض اسمهما الكورد وكوردستان.
وعلينا أن نشير إلى أن الأسماء العديدة التي أُطلقت على الكورد تعود إلى سببين: السبب الأول أن العشائر الكوردية أقامت دولًا وإمارات كوردية متعددة في المنطقة الجغرافية الكوردية من كوردستان، فوق أراضٍ معينة عُرفت بها وبأسمائها الكوردية، مثل أكراد: سوبارو، سومر، ميتان، حور، ماد، نايري، كاردو، كاشو، لولو، غوتو، كاردوخي، كوردين. أما في العهد الإسلامي فقد عُرف الأكراد بأسماء: بختان، بابان، بادينان، هكاريان، غرزان، مرداني، شدادي، برزكاني، لوري، بختياري، شادنجاني، كاكويي، وغيرها. ويبدو أن السبب الثاني هو أن القدماء الذين أطلقوا هذه الأسماء على الأكراد كانوا عديمي الاطلاع على أحوال الكورد، ويجهلون لغتهم وثقافتهم الكوردية، وقد اقتبسوها من ألفاظ أطلقها أعداء كوردستان أنفسهم.
ولكن الأكراد يشكلون اليوم شعبًا له لغة مستقلة وثقافة متميزة ورقعة جغرافية من الأرض (كوردستان) واقتصاد ومسيرة تاريخية، ولهم تطلعات نحو الاستقلال والحرية وإنشاء دولتهم (كوردستان) على أساس من السلام والود والتفاهم مع الشعوب المجاورة الشقيقة، بعيدًا عن إراقة الدماء وخلق المشاكل، وهم ينشدون المحبة والسلام للجميع. وسيأتي يوم يعيش فيه العالم كله بسلام وتفاهم على كوكب واحد هو الأرض، وستصبح الكرة الأرضية موطنًا لكل الشعوب المتآخية، وسيعمّها الخير والنوايا الطيبة، وسيحارب الناس كلهم معًا ويناضلون ضد الجوع والأمية والظلم والمرض لإزالة آثارها عن كوكبنا إلى الأبد. ولا شك في أن للأكراد علاقات وتداخلات مع شعوب الشرق الأوسط، ويعيش بين ظهرانيهم الكثير من الشعوب التي لها امتدادات تاريخية ولا تزال تحافظ على بقاياها حتى اليوم، ونحن شعوب كوردستان نستطيع أن نكون يدًا واحدة ونشكل معًا وحدة أخوية شريفة حرة وطوعية نكون فيها سواسية، ونخدم جميعًا وطننا لنعيش أعزاء مكرَّمين، نسير بخطوات ثابتة نحو العزة والمجد والحضارة، إخوةً سعداء تجمعهم المحبة والسلام.
الأكراد في كتب المؤرخين والجغرافيين المسلمين
هذا ويظهر من مقتطفات أوردها مؤرخو الشرق الأوسط أن الأكراد سكنوا أراضيهم الحالية في المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان) قبل الإسلام ببضع مئات من السنين، واستقر الكثيرون منهم في الأرض (كوردستان) الواقعة بين إيران والعراق، وفي مناطق (هزو) وحصن كيفا ومرعش، ويمتد الأكراد غربًا حتى البحر المتوسط، وقد وُجد بعضهم أيضًا في الشام ومصر والحجاز واليمن، ولا يزال الكثيرون منهم يحتفظون بهويتهم القومية الكوردية ولغتهم وثقافتهم الكوردية إلى اليوم. ولكي أطمئن المثقفين الأكراد سأورد بعض الآراء حول ما ذُكر.
يقول ابن الأثير الجزري: كانت زوجة (بهرام جوبين) تسمى باسم كوردي، وأسماء أخواتها أسماء كوردية، وعندما توفي بهرام جوبين تزوج (كسرى) ملك الفرس هذه المرأة. ولكن إذا ادعى البعض أن هؤلاء ليسوا أكرادًا بل لهم فقط أسماء كوردية استعاروها من الأكراد، فحتى هذا الكلام يدل على أنه كان هناك شعب كوردي عريق أعطى أسماءه لباقي الشعوب، مثلما تظهر في بلادنا حتى اليوم أسماء مثل فارس وجاجان وتتر وعرب وغيرها. ويستطرد ابن الأثير الجزري فيقول: عندما فتح (أردشير بابك) الكوردي بلاد المدائن (طيسفون) ووضع التاج على رأسه وطالب بالملك والحكم، أرسل له شاه إيران رسالة يقول فيها: «أيها الكوردي ابن الكوردي، من سمح لك بوضع التاج على رأسك؟ وقد تماديت حتى أمرت ببناء المدن، فأنت تحفر قبرك بنفسك وتستعجل موتك».
ويقول القاضي البيضاوي: إن الذي أوحى بفكرة إحراق النبي إبراهيم من أكراد فارس. وقال عبد الله بن العباس إن هذا الشخص كان واحدًا من عرب بلاد الفرس، فسأله أحدهم: هل كان في بلاد فارس عرب آنذاك؟ فأجاب عبد الله بن العباس: أكراد بلاد فارس هم عرب بلاد الفرس، وهو يقصد بكلامه الأكراد الرُّحَّل، أي إنهم من غير الفرس.
ويقول المسعودي سنة 332 للهجرة إن (شاه جان) عشيرة كوردية تسكن همدان (الدينور)، كما سكنت عشيرة ماجردان الكوردية في كنجاور، وسكنت عشيرتا الهذبانية والسرات الكورديتان أذربيجان، كما استقرت عشيرتا شاه ونجان ولاباز الكورديتان في الري، واستقرت عشائر كوردية مثل مادنجان وباريسان وخالي والجلالي وجباركي وجاواني والمسطكان كلها في جيا (الجبال)، كما استقر الدبابلة في الشام. وأما العشيرتان الكورديتان اللتان تنصّرتا واعتنقتا الديانة المسيحية فهما (اليعاقبة والجوزقان)، وقد سكنتا جبل جودي. كما يذكر المسعودي في كتابه (التنبيه والإشراف) أن عشيرة بازنجان كوردية أيضًا.
ويقول الإصطخري سنة 340 للهجرة في معرض ذكره للعشائر الكوردية، فيعدّ منها ماشوبرا وبوزكان وكيكا التي تسكن اليوم حول مدينة مرعش التركية. ويتابع الإصطخري في الصفحة 282 من كتابه فيقول إن المناطق الجغرافية لسكنى الأكراد هي: بلاد فارس، كرمان، سجستان، خراسان، أصفهان، جيا، ماه الكوفة، ماه البصرة، ماه سبذان، همدان، شهرزور، دارابجرد، الصامغان، أذربيجان، أرمينستان، دوين على نهر آراس، أران، باب الأبواب، باب الأكراد، برذعة، بيلقان، دربند، الجزيرة، الشام، صخور.
ويعدّد الإصطخري أسماء خمس مناطق كوردية تسكنها القبائل والعشائر الكوردية، وكل منها تسمى (رام) بالفارسية وتعني منطقة، وهي:
رام جان أو رام جيلويه، وتمتد بين أصفهان وخوزستان.
رام لواليجان، وتقع بين شيراز وسواحل خليج هرمز.
رام ديوان، وتقع في كورة أو منطقة سابور.
رام كاريان، وتقابل كرمان.
رام شهريان، وتقع قرب أصفهان، ويقال لها بازنجان، وقد هاجر عدد كبير من سكانها الكورد إلى مدينة أصفهان.
وهناك رام هرمز ورام أحمد، ويعتقد أنهما وُجدتا بعد وفاة الإصطخري، إذ لم يُعثر لهما على ذكر في كتبه. والرام، كما أسلفنا، كلمة فارسية تطلق على المناطق التي يسكنها الأكراد، والجمع رموم. ويتابع الإصطخري في استطراداته فيقول إن كلًّا من هذه الرموم الكوردية كانت لها عاصمة وحاكم كوردي يدير شؤونها مستقلًّا في مملكته (الرام). ويأتي هذا الجغرافي (الإصطخري) على ذكر اثنتين وثلاثين من العشائر الكوردية كانت تسكن كوردستان في بلاد فارس، وهي: الكرماني، راماني، مودسر، محمد بني بشير، أويركاني، بيقلي، بردامهري، محمد بني إسحاق، سوباهي، إسحاقي، شهراكي، طهمداني، زبادي، شهردي، بانداوكي، خسروي، زنجي، سفري، شهياري، مهراكي، مباركي، اشتامهري، شاهونين فراتي، سلموني، ميري، آزادوختي، مطلبي، برازدوختي، ممالي، شهكاني، كجني، جليلي.
ويستمر الإصطخري في كلامه فيقول: لقد حصلت على هذه الأسماء من ديوان الصدقات، وكانت هذه العشائر الكوردية تمتهن حياة البداوة والترحال، وتتخذ من بيوت الشعر مساكن لها، وكان عددها يبلغ نصف مليون مسكن. كما أنه يعدّ عشائر لورستان ضمن العشائر الكوردية التي سكنت بلاد فارس، ويعدّ عشائر لورستان، أي اللور، عشائر كوردية سكنت هذه المنطقة الكوردية من كوردستان.
أما ابن البلخي فيقول سنة 500 للهجرة إن تلك العشائر الكوردية قد أُبيدت في معظمها أو جميعها في عصر صدر الإسلام وضاع أثرها، ولم ينجُ منها سوى شخص واحد يدعى (علك)، ما زال أحفاده يوجدون في هذه المناطق الكوردية من كوردستان حتى سنة 500 للهجرة، وإن الأكراد الذين يقطنون اليوم كوردستان في بلاد فارس قد جُلبوا إليها منذ أيام عضد الدولة من أصفهان. هذا، وإذا عددنا أكراد لورستان في عداد الأكراد القاطنين كوردستان بلاد فارس، كما يقول الإصطخري، فعندئذٍ يمكن عدم تصديق ما ذهب إليه ابن البلخي. ويمتدح ابن البلخي عشيرة (شفان كاره) الكوردية ويقول إن هذه العشيرة الكوردية كان لها في السنين الأخيرة من حياة الدولة البويهية جيش قوي، وكانت تشكل جبهة صلبة في وجه أعدائها. وشرف خان وحده لم يذكرها ضمن الأكراد الإيرانيين أو العشائر الكوردية الإيرانية، ولكنه ذكر اسم راماني أحدَ أجداد هذه العشيرة الكوردية أو فخذًا من أفخاذها.
ويقول ياقوت الحموي: منطقة زوزان وطن جميل جدًّا يقع بين أرمينستان وخلاط وأذربيجان، ويمتد حتى مدينة سلماس الكوردية، وقد استقر فيها الأكراد والأرمن. أما ابن الأثير فيقول: زوزان موطن واسع جدًّا يقع إلى الشرق من نهر دجلة، على بعد مسيرة يومين أو (120) كم من مدينة الموصل، ويحاذي حدود خلاط وأذربيجان، ويصل حتى مدينة سلماس الكوردية، وتكثر فيه القلاع، ويخضع بكامله لسيطرة الأكراد البجنويين والبختيين، كما أن الجرقة والبشير تخضعان لحكم أكراد البجنوي أيضًا، ورئيسهما يدعى (أئيلي) الذي يسكن قلعة (جردقيل). وتقع مناطق بازل الحمراء وأروخ وباخوخة وكنفورة والطيرة وخوشاب في أيدي قبائل البختان الكوردية.
ويقول القلقشندي في كتابه (صبح الأعشى) نقلًا عن (مسالك الأبصار) لابن فضل الله العمري سنة 814 للهجرة: يتألف الأكراد من شعوب وقبائل كوردية عديدة، ولكنهم مجتمعين شكّلوا شعبًا كورديًّا واحدًا مستقلًّا في شؤونه، وينتشرون بمحاذاة الحدود العربية، ولم يتداخلوا أو يختلطوا كثيرًا مع الفرس والعرب. كما انتشرت بعض العشائر الكوردية في الشام واليمن وفي مناطق أخرى من العالم، وأكثرها في المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان) الواقعة بين العرب والعجم (الفرس)، حيث استقر الأكراد هناك. ويتابع القلقشندي فيقول: المقصود بالجبال (جيا) تلك الجبال الواقعة بين العراق العربي (البصرة والكوفة) وبلاد خراسان. ويستمر القلقشندي فيقول: سأبيّن أسماء بعض العشائر الكوردية المشهورة والمعروفة لديّ، وأسماء العائلات الكوردية الكبيرة وزعمائها، وسأبدأ بأكراد جبل همدان في شمال شهرزور وأربيل وحتى الجزيرة (ابن عمر) الكوردية وكوار والموصل.
أجزاء «أصل الأكراد – المحاضرة الثانية» (3 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث