الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
أصل الأكراد – المحاضرة الثانية (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013
لمحة مكثفة عن أصل الشعب الكوردي
ميديا الكوردية
هذه الريح الشوكية تأكل السنابل ومآقينا معًا، تأكل أناملنا وغصن الشعر وجدائل الحوريات(38).
من ملكوت حلم ميديا وثدي آناهيتا، عذارى ميديا يتطلعن كل يوم كالبزوغ، وعلى قاماتهن القمر والورد والضياء، ينتظرن صهيل الخيل ونداء مردوخ واهتزاز الملك طاووس.
— شيركو بيكه س
تعدّ المسألة الكوردية واحدة من الإشكاليات الكبيرة التي تواجه شعوب منطقة الشرق الأوسط، وخاصة في البلدان التي اقتسمت المنطقة الجغرافية، أي أرض كوردستان، فيما بينها. والإشكالية الحقيقية تبرز في أن شعوب المنطقة كلها تقريبًا أسست خلال القرن العشرين دولها المستقلة الجديدة؛ فالشعوب العربية كوّنت في منطقة الشرق الأوسط خمس عشرة دولة بعد انعتاقها من السيطرة العثمانية البغيضة، رغم وقوعها تحت الهيمنة البريطانية والفرنسية، وبعضها أقام دولًا مستقلة صغيرة جدًّا في النصف الثاني من القرن العشرين، كما في الخليج، لم يتجاوز عدد سكان بعضها عشرات الآلاف من البشر، ويقل اليوم عن 600 ألف نسمة مثل قطر، أو عن 700 ألف نسمة مثل البحرين. كما أن هناك دولًا إفريقية أعضاء في الجامعة العربية يقل سكانها عن 700 ألف نسمة (جيبوتي)، علمًا أن نسبة عالية من سكان الدول الخليجية من المهاجرين الباكستانيين والهنود والبنغاليين والإيرانيين الذين يقيمون فيها مؤقتًا ثم يعودون بعد سنوات إلى أوطانهم ليأتي غيرهم(39).
وفي تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1917 منحت بريطانيا يهود العالم وعدًا بإقامة دولة عبرية (إسرائيل) في فلسطين (وعد بلفور)، ومارست بريطانيا انتدابها المباشر على فلسطين لتسمح لليهود بالقدوم المكثف إليها، ولتواجه نضال الفلسطينيين ضد الاحتلال البريطاني بالحديد والنار. وفي عام 1947م ساهمت الدول الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن الدولي في إصدار قرار قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين هما: إسرائيل لليهود، وفلسطين للعرب، وتضمن القرار توزيع الأراضي الفلسطينية بنسبة 51% لإسرائيل و49% للدولة العربية. ولكن إسرائيل توسعت تدريجيًّا من خلال اغتصاب المزيد من أراضي فلسطين العربية واحتلالها، حتى أصبحت نسبتها اليوم 78% من كل الأرض الفلسطينية قبل قرار التقسيم، و23% من حصة فلسطين العربية، وحتى هذه النسبة ما تزال محتلة من القوات الإسرائيلية، وأقيمت فيها عشرات المستوطنات لليهود المهاجرين من مختلف بقاع العالم. ولم يكن عدد اليهود في فلسطين عندما مُنحوا هذا الوعد (وعد بلفور) يزيد على 20 ألف مواطن فلسطيني يهودي.
ولكن ماذا عن الكورد؟ لقد مُنح الكورد أثناء الحرب العالمية الأولى وعدًا بإقامة دولتهم المستقلة كوردستان، أو حكمًا ذاتيًّا على الأرض الكوردستانية التي كانت مقسمة بين دولتين: الدولة العثمانية التركية والدولة الصفوية الفارسية. ولكن السلطات البريطانية والفرنسية نكثت هذا الوعد وتخلت عن التزاماتها ووعودها إزاء الشعب الكوردي. وهكذا تُرك الشعب الكوردي دون دولة مستقلة في كوردستان، رغم أن عدده قارب حينذاك 10 ملايين نسمة، واليوم يتراوح عدد الشعب الكوردي في مختلف أجزاء كوردستان بين 40 و45 مليون نسمة، ولكنه بلا دولة كوردية مستقلة على أرض وطنه كوردستان الممتدة والموزعة على أربع من دول المنطقة هي تركيا وإيران والعراق وسوريا.
وهذه الإشكالية غير العادلة التي يواجهها الشعب الكوردي، والتي تؤرقه كثيرًا، تدفعه إلى خوض النضال العادل في سبيل تحقيق طموحاته القومية الكوردية المشروعة. ولكن هذه الطموحات القومية المشروعة لا تجد حتى الآن التفهم العقلاني والإنساني من جانب الحكومات والنظم السياسية في تلك الدول من المنطقة، أو من جانب الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، إذ لا يبدو في الأفق القريب، من الناحية الجغرافية السياسية، أي حل جذري متوقع لهذه المشكلة لصالح الأمة الكوردية في منطقتها الجغرافية الكوردية وأرضها (كوردستان). والإشكالية الأكثر قسوة وظلمًا تكمن في أن غالبية القوى القومية المتعصبة واليمينية المتطرفة في تلك الدول، سواء أكانت عربية أم فارسية أم تركية، ترفض حتى الآن الإقرار بواقع وجود شعب كوردي في منطقته الجغرافية الكوردية (كوردستان)، أرض الآباء والأجداد منذ القدم، كان وما يزال محرومًا من حقه في تقرير مصيره على أرض وطنه المستقلة كوردستان. كما أن بعضها يرفض حتى الاعتراف بحق هذا الشعب الكوردي في إقامة اتحاد فيدرالي في إطار الدولة القائمة، أو حتى إقامة الحكم الذاتي، بغض النظر عن الواجهة القومية أو الدينية التي يسعى البعض إلى التستر بها لتغطية الروح الشوفينية التي تميز سياساته ومواقفه من حق الشعب الكوردي والأمة الكوردية. والبعض الآخر يعترف بوجود شعب كوردي ولكنه ينكر عليه حقه في تقرير مصيره. كما أن بعضًا آخر ينسى تمامًا أن الشعب الكوردي واحد من أقدم الشعوب في المنطقة الكوردية (كوردستان)، وأن أسلافه الكورد كانت لهم يومًا دول كوردية عامرة، وكانت له فيما بعد إمارات كوردية كثيرة في مختلف العصور، ولكنه خضع أيضًا، كما في حالات شعوب أخرى، للهيمنة والاضطهاد والظلم والقهر المتنوع.
والغريب في الأمر أن عددًا لا يستهان به من مثقفي اليسار الديمقراطي والشيوعي في بعض الدول العربية لا يريدون الاعتراف بحق هذا الشعب الكوردي في تقرير مصيره، ويصرون على أن هناك شعبًا كورديًّا في كوردستان العراق ولكنه يعيش على جزء من الوطن العربي، وبهذا يتنكرون للمبادئ التي آمنوا بها وعملوا من أجلها (الديمقراطية وحق تقرير المصير والعدالة الاجتماعية)، إذ يتخذون موقفًا آخر عندما تتعلق القضية الكوردية بالدول العربية. وهذا الموقف لا يشمل المسألة الكوردية فحسب، بل لهم الموقف نفسه من شعب الجنوب في السودان والشعب الأمازيغي في الجزائر والمغرب. وتجلى هذا في الموقف الذي اتخذه المثقف المصري المعروف السيد محمود أمين العالم في اللقاء التلفزيوني الذي أذيع من محطة تلفزيون كوردستان التابعة للحزب الديمقراطي الكوردستاني، والذي أكد فيه بصورة غير مباشرة عروبة كوردستان، حيث تحدث عن منطقة الشمال (كوردستان العراق) بوصفها جزءًا من العراق العربي، وهو جزء من الوطن العربي(40). ويبدو أن هذا الموقف ناجم عن أحد أمرين كلاهما سيئ ومرّ: أولهما أن هذا المثقف العربي المصري البارز محمود أمين العالم ما زال يجهل تاريخ هذا الشعب الكوردي وتراثه وطبيعته، ويجهل المنطقة الكوردية (كوردستان) التي عاش ويعيش فيها الأكراد منذ آلاف السنين، وإما أن يكون موقفه لا يختلف بقليل أو كثير عن ذوي النزعات القومية العربية الشوفينية والمتطرفة. ومن الغريب حقًّا أن يتورط مثل هذا المفكر العقلاني الحصيف في موقف غير عقلاني ومخالف لكل المواثيق والعهود الدولية.
إن تاريخ الشعب الكوردي عريق في المنطقة الجغرافية الكوردية وعلى الأرض التي يعيش عليها اليوم (كوردستان)؛ فالتنقيبات الأثرية المكتشفة من عهد الملك الآشوري توكولتي-ننورتا في أواخر القرن الثالث عشر ق.م تشير إلى وجود قبائل كوردية في المنطقة الكوردية (كوردستان)، أُطلق عليها في أحد الألواح (كوتي) وفي لوح آخر (كورتي) (وحرف الراء الزائد بسبب تضعيف التاء في جميع اللغات). وإن هذه القبائل الكوردية تنحدر من جبال زاغروس الكوردية الكبرى أثناء العهد السومري، وكان أول ملوك هذه القبائل الكوردية المتداخلة (إي أناتوم) الذي حارب العيلاميين، وكان ملكًا على لكش، ثم الملك (لوكال زاكيزي) الكوتي الكوردي الذي حكم في أوروك (الوركاء) وسومر.
ومن ملوك هذه القبائل الكوردية أيضًا (أنو بانيني) فاتح هالمان أو حلوان الواقعة بين قصر شيرين (زهاب) وكرمنشاه. ووفق دراسات المتخصصين فإن الشعب الكوتي الكوردي كان يعيش في بلاد سومر قبل أن تتألف فيها الحكومات بزمن غير قصير، وإن آخر ملوكهم كان (أتريكان) الكوتي الكوردي. وجاء ذكر بلاد الكورد عند كزينوفون (Xenophon)(41) في كتابه الموسوم (Anabasis) (أناباسيس)، والمشهور برحلة كزينوفون، إذ يتحدث فيه عن عودة الجيش اليوناني الناكص على أعقابه، والمكوّن من عشرة آلاف مقاتل يوناني مجنّد، في عامي 401–400 ق.م(42)، ومروره ببلاد الكورد الجبلية المتاخمة لأرمينيا، وتعرّفهم على أولئك (الكاردوخ Kardukh)، أي الكورد، الذين أثاروا المتاعب لقواته اليونانية.
ومن المعروف أن الكورد لم يكونوا عشيرة واحدة، بل كانوا وما زالوا عشائر كوردية كبيرة، كما هي حال بقية شعوب العالم حينذاك، وكثير منها ما يزال حتى يومنا هذا يتعامل على أساس عشائري. ومن المعروف أيضًا أن القبائل الكوردية الميدية أو الميذية كانت من أصل كوردي. وجميع القبائل الكوردية التي عاشت في هذه المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان) قد اختلطت ببعضها وتداخلت فيما بينها، سواء الكوتية والميدية الكوردية أم غيرها من القبائل الكوردية الأخرى، لتشكل معًا ما يطلق عليه منذ زمن بعيد الكورد، أو الشعب الكوردي، أو الأمة الكوردية الراهنة التي تقيم على أرض كوردستان.
ووفق التقسيم الدولي الشائع للأنساب في العالم، وبغض النظر عن مدى صواب هذا التقسيم أصلًا، فإن الكورد ينتسبون إلى الأقوام الآرو-هندية، ويقال الأمر نفسه عن الشعب السومري. وقد تداخلت قبائل المنطقة وشعوبها بالأقوام السامية بسبب عيشها المشترك منذ آلاف السنين، وتفاعلت الحضارات فيما بينها لتنتج الثقافة الراهنة للشعب الكوردي في مختلف الأجزاء الكوردية (كوردستان) التي يعيش فيها. ولا تختلف الفوارق المحدودة الموجودة بين الشعب الكوردي في كوردستان العراق والشعب الكوردي في كوردستان تركيا أو في كوردستان إيران وكوردستان سوريا بكثير أو قليل عن الفوارق القائمة بين الشعوب العربية في المنطقة، وربما هي أقل من ذلك بكثير، وذلك بسبب عيش نسبة غير قليلة منهم في المناطق الجبلية الوعرة أو في الزراعة، ولأن الحضارة الحديثة لم تدخل إلى مناطق واسعة من كوردستان بسبب سياسات الحكومات التي هيمنت أو ما تزال تهيمن على تلك المناطق الكوردية من كوردستان. فمثلما يعود العرب إلى أمة عربية واحدة، يعود الكورد في وطنهم كوردستان الموزع إلى أمة كوردية واحدة. وإذا كان أسلافنا العرب قد جاؤوا إلى العراق مع الفتح العربي الإسلامي، فإن الكورد عاشوا في المنطقة التي ندعوها اليوم كوردستان العراق قبل ذلك بقرون كثيرة.
ورد ذكر الكوتيين الكورد في أحد الرُّقُم السومرية في عهد الملك سرجون الأول (حوالي 2330–2280 ق.م)، وقد كُتبت هذه الوثيقة بأمر سرجون الأول في عام 2340 ق.م، إذ جاء فيها قوله بفخر كبير إنه غزا بلاد الكوتيين الكورد(43). ويتطرق الدكتور زهدي الداوودي إلى هذا الموضوع فيكتب ما يلي:
«ونسب أحد الملوك الذين جاؤوا من بعده لنفسه أنه قمع إحدى انتفاضات الكوتيين الكورد»(44). كما يشير الدكتور كمال فؤاد إلى أن كلمة (كوردكا Ka-Kar-da) وردت «في لوحتين سومريتين يرجع تاريخهما إلى حوالي 2000 ق.م كاسم لبلد يمكن تحديد موقعه بمناطق الروافد العليا لنهري دجلة والفرات» (كوردستان)(45).
والمعلومات التاريخية الموثقة تشير أيضًا إلى قيام تحالف سياسي عسكري بين الميديين الكورد والبابليين، وكان الكلديون قد أسسوا لتوّهم دولتهم الجديدة، الدولة الكلدانية أو الدولة البابلية الحديثة، سنة 626 ق.م، وتمكنوا معًا (الميديون الكورد والبابليون) من احتلال مدينة آشور (نينوى) سنة 612 ق.م. واستمرت قوات التحالف (الميدي الكوردي والبابلي أو الكلدي) في مطاردة فلول الجيش الآشوري حتى حران وقضت عليها، واختفت بذلك واحدة من أكثر الإمبراطوريات العريقة القديمة سطوعًا وتوسعًا (الآشورية)، وتركت آثارًا ستبقى خالدة باعتبارها جزءًا من الإرث الحضاري البشري. ووفق الدراسات التاريخية تم اقتسام مناطق الدولة الآشورية بين الكلدانيين البابليين والميديين الكورد، فكانت منطقة جنوب بلاد ما بين النهرين وقسم من شمالها من حصة الكلدان والبابليين، في حين كانت حصة الميديين الكورد الأجزاء الشمالية والشمالية الشرقية (منطقة كوردستان حاليًّا)(46).
وجاء ذكر الكورد في كتابات الجغرافي اليوناني سترابو في القرن الأول قبل الميلاد حين كتب يقول:
«بالقرب من نهر دجلة بلاد الكورد الذين سماهم القدامى (كوردوك)، ومن مدنهم (سريزا) و(ستالكا) و(بيناكا)(47)، وهي محصنة جدًّا، وفيها آكام مسوّرة بسور خاص يجعلها تكون ثلاث مدن، غير أن ملك أرمينيا استولى عليها، ثم استولى عليها الرومان بهجوم خاطف. إن الكورد بارعون جدًّا في العمارة والريادة والتحصينات الحربية وفنون المحاصرة والاستيلاء»(48). ثم كتب سترابو يقول: «يبدو أن الميديين الكورد هم الذين كانوا يصممون الأزياء للأرمن، وقبلهم للفرس الذين خلفوهم في السيطرة المطلقة على آسيا»(49).
وتمكن كورش، إمبراطور الفرس، من القضاء على الدولة الكلدانية (البابلية) ودخول بابل في عام 539 ق.م، ولكنه قضى قبل ذلك على مملكة ميديا الكوردية وألحقها بفارس، ثم أخضع آسيا الصغرى قبل أن يدمر الدولة الكلدانية (بابل) ويحتل أراضيها(50). ويشير الدكتور كمال فؤاد إلى أن «أقدم وثيقة تذكر اسم (الكورد/الأكراد) بشكله الحالي تعبيرًا عن مجموعة بشرية كوردية ترجع إلى صدر الإسلام، فقد ورد ذكر (الكورد) مرتين في الرسائل المتبادلة بين الإمام علي بن أبي طالب (استشهد عام 661م) وعامله في البصرة زياد بن أبيه (زياد بن أبي سفيان)»(51).
وجاء في مقدمة كتاب الشرفنامه، في قراءة سريعة «في أنساب الشعوب الكوردية وشرح أطوارهم»، ما يلي: «للشعب الكوردي أربعة فروع كبيرة تتخالف لهجات لغتهم وسحنتها وآدابها: أولهم (كرمانج)، وثانيهم (لر، اللر، اللور)، وثالثهم (كلهر، كلور)، ورابعهم (كوران، الجوران)»(52). ويرى حدود كوردستان كما يلي: «وتبتدئ حدود (كوردستان، البلاد الكوردية) من واطئ (أسفل) (بحر الهرمز) الملاصق (للبحر الهندي)، ممتدة بخط مستقيم حتى ولايتي (ملاطية) و(مرعش)، وفي الجانب الشمالي من هذا الخط ولاية فارس و(عراق العجم/كوردستان العراق) و(آذربيجان) و(الأرمينيتان) الصغرى والكبرى، ويحدها جنوبًا (العراق العربي) وضمنها (ولاية الموصل) و(ديار بكر) الكورديتان»(53).
هناك أثر تاريخي قديم يعود إلى الدولة اليونانية وهي في أوج نفوذها الجغرافي عام 401 ق.م، وفيه أن قائد الحملة اليونانية زينوفون، وهو يقود عشرة آلاف من الجيش اليوناني ضد الفرس، قد دوّن في ملاحظاته الشخصية أنه شاهد على الطبيعة أقوامًا صحيحي البنية أشداء، وأطلق عليهم اسم (كاردوخي)، ثم تطورت كلمة (كاردوخي) عند أهل اليونان إلى كلمة (كوردوني) و(كوردين) و(كودياي) و(كوردني).
وطالما ظهرت الدول القوية على ضفاف الأنهار، ومنها نهر دجلة، فقد ذُكرت كلمة (كوتو) Guto و(كورتو) عند أهل الدولة الآشورية. أما الدولة الفارسية التي استخدمت كلمة (كورد) Kurd، فقد بيّن لنا الباحثون أن أصل الكلمة مأخوذ من الكلمة البابلية (كاردو أو كَاردو) ومعناها الشجاع أو الباسل.
وهناك نظريتان تتكلمان عن أصل الكورد: النظرية الأولى تعدّ الأكراد شعب كوتو (Guto) الكورد، وهم الأقوام الذين استوطنوا الضفة اليسرى من نهر دجلة بين نهر الزاب الصغير ونهر ديالى، منطقة كوردستان، وشكّلوا مملكة كوتيام (Gutium) الكوردية. أما النظرية الثانية فتربط الأكراد بالكرتيين (Kyrtii)، وهم أقوام كوردية استوطنوا المنطقة الجبلية غرب بحيرة (وان)، منطقة كوردستان.
أما الكتّاب الغربيون، ومنهم المستشرقون مثل الألماني نولدكه (Noldeke)، فقد عبّر عن فلسفة روّجها للآخرين بالقول إن كلمة كيرتي (Kyrtii) قد تطورت بمرور الزمن إلى كلمة كورتو (Qurtu) أو كاردو (Kardu)، ثم إلى كلمة كرت (Kurt) (الكورد)، وهي كلمة أصيلة وليست صفة لهذا الشعب الكوردي.
ويأتي المستشرق الآخر درايفر (Driver)، الذي اتفق مع نولدكه في ربط الأكراد بالكرتيين الكورد، إلا أنه أعاد كلمة كورد إلى معناها في اللغة الفارسية، ومعناه الشجعان. أما مينورسكي، وهو باحث روسي، فإنه يرى أن الكورد ينحدرون من الأصول الآرية، أي النبيلة. ولما كان الكورد قد امتزجوا بالأقوام التي تزرع وتربي الإبل، وبأقوام يسكنون بلاد فارس والقوقاز، وبالأتراك وأهل العراق، جاء استنتاج مينورسكي أن الشعب الكوردي قد هاجر في الأصل من شرق بلاد فارس (إيران الحالية) إلى موطنه الحالي كوردستان. وخلاصة أفكاره أن الكورد مزيج من قبائل كوردية متعددة متنقلة، ومن دم واحد أو أرض واحدة (كوردستان).
وهذا المزيج من قبائل كوردية متعددة ربما تُفصح عنه المميزات الاجتماعية والتقاليد التي كانت سائدة في جبال آسيا الصغرى، أي تركيا الحالية، شأنهم في ذلك شأن أهل جورجيا في الغناء والزواج من بنت العم والعبادات التي تتصل بالكواكب (الشمس والقمر). ويقول المستشرق مار (Marr) إن اللغة الآرية التي يتكلم بها أهل الجبال الكوردية إنما هي بسبب تأثير العنصر الهندي الآري، ولكن بمرور الزمن بان لبعض الكتّاب المستشرقين أن اللغة المتداولة بين معظم الكورد ليست معتمدة على الحروف الأوردية (الهندية)، وهي لغة خاصة تشابه لغة الجورجيين. وعندما سُئل مينورسكي، الذي يتمتع بدراية وخبرة في شؤون سكان آسيا الوسطى والصغرى، قال إن اللغة الكوردية ترجع إلى المجموعة الآرية الإيرانية، وأيده في ذلك العلامتان دارسا اللغات الشرقية ليهمان وروديجر، اللذان أثبتا من خلال مقارنة الحروف الصوتية أن للغة الكورد علاقة وتشابهًا باللغة الفارسية، ولكن اللغة الكوردية مستقلة وليست لغة فارسية، حتى وإن اشترك الكورد والفرس في عيد النوروز الذي يصادف 21 آذار من كل سنة، وفيه تُوقد النار على مرتفع بعد أن أطفأها الإسلام في القرن السابع الميلادي، كونها رمزًا للعبادة والعبودية لغير الله في زمن الزرادشتية. لكن عيد نوروز لدى الكورد هو بداية السنة الكوردية بعد تحررهم من الطاغية الضحاك، وليس عبادة للشمس كما يتصور البعض.
وأما طوفان اجتهادات المستشرقين الأجانب حول أصل الكورد ولغتهم الكوردية، الذي قد يكون لأسباب سياسية ترمي إلى فصلهم عن جيرانهم واستثمارهم ضد الفرس والترك والعرب والأرمن، فقد جاء المؤرخ العربي المسعودي في كتابه «مروج الذهب ومعادن الجوهر» ليقول إن الكورد أجناس، وإن الناس تنازعوا في بداية استقرارهم، شأنهم في ذلك شأن القبائل الأخرى، على النفوذ والسطوة. وعن نسب الكورد قال المسعودي إنهم يعودون إلى «ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان»، ولكنهم تفرقوا منذ القدم وسكنوا الجبال والأودية وصارت لغتهم أعجمية لأنهم تباعدوا عن العرب. وهذا تفسير ثبت خطؤه بموجب الدراسات والبحوث الحديثة، لأن الشعب الكوردي والقومية الكوردية مستقلان تمامًا، ولا علاقة لهم بالعرب في أي شيء سوى الدين الإسلامي، فهم، كما سنراه أدناه، من شعوب جبال زاكروس الكوردية.
ويجد الدكتور جاسم محمد الخلف، وهو أحد المهتمين المعاصرين بالقضية الكوردية، أن الكورد يعودون إلى أجناس البحر الأبيض المتوسط، وميزتهم الظاهرة ضخامة الجسم والوجه العريض والرؤوس الضخمة، وهم دون مواربة ليسوا إلا جزءًا من الشعوب الكوردية في جبال زاكروس الكوردية الذين توطّنوا جنوب بحيرة وان (كوردستان) قبل آلاف السنين. أما الدكتور محمد السيد غلاب فيجد، بالمقارنة بين ما كُتب عن الكورد في مختلف المصادر، أن الكورد هاجروا إلى كوردستان العراق من وسط آسيا، وهم من سلالة الميديين الكورد، والدولة الميدية (الكوردية القديمة)، أي أجداد الكورد، ظهرت في الألف الأول ق.م، وهم يتحدثون لغة هندية أوروبية ويقطنون اليوم المناطق الجبلية المشتركة بين كوردستان العراق وكوردستان إيران وكوردستان تركيا وكوردستان سوريا وجزء من الاتحاد السوفيتي.
المصادر
ف. ف. مينورسكي، الأكراد، مصدر سابق.
مسعود محمد، لسان الكورد.
توما بوا، تاريخ الأكراد.
شرف خان البدليسي، الشرفنامة، المصدر السابق.
Safrastian, Dr. A., “Kurdistan and the Kurds”, London 1948, pp. 15-16.
Driver, G. R., “The Kurd and its Philological Connexions”, Journal of the Royal Asiatic Society, part III, 1923, pp. 40-44.
شرف خان البدليسي، الشرفنامة، ص402.
Xenophon, “The Persian Expedition”, translated by Rex Warner, Penguin Books, pp. 127-145.
Driver, p. 393.
Safrastian, op. cit., p. 16.
الأمير شرف خان البدليسي، الشرفنامه، ترجمها عن الفارسية محمد جميل بندي الروزبياني، بغداد 1951، ص12.
المصدر السابق، ص20.
Minorsky, “The Encyclopaedia of Islam” (The Kurds), London 1925 (Origin).
Nikitine, B., “Les Kurdes”, Paris 1956, pp. 12-13.
Driver, p. 397.
Minorsky, op. cit.
Coon, C. S., “Caravan: The Story of the Middle East”, London 1951, p. 75.
Safrastian, p. 94.
Coon, p. 75.
Field, H., “Anthropology of Iraq”, Part II, No. 2, Harvard University 1952, pp. 56-61.
Foreign Office, “Armenia and Kurdistan”, London 1921, p. 4.
Safrastian, pp. 101-102.
Cambridge Ancient History, vol. I, p. 423.
Cambridge Ancient History, vol. III, p. 223.
See: Herodotus, “The History of Herodotus”, translated by George Rawlinson, Everyman’s Library, London 1912, pp. 51-54.
د. شاكر خصباك، الأكراد (دراسة جغرافية إثنوغرافية)، الدار العربية للموسوعات.
د. شاكر خصباك، الكورد والمسألة الكوردية.
باسيل نيكيتين، الأكراد.
صبرية أحمد لافي، الأكراد في تركيا.
د. فاضل البراك، مصطفى البارزاني: الأسطورة والحقيقة.
توما بوا، لمحة عن الأكراد.
ف. ف. مينورسكي، الأكراد.
أمين سامي الغمراوي، قصة الأكراد في شمال العراق.
توما بوا، تاريخ الأكراد، ص17.
الجافيتية: يخيَّل إلينا أن كلمة (جاف) اسم لإحدى القبائل الكوردية المعروفة التي تقطن أجزاء من المناطق الحدودية بين كوردستان العراق وإيران، والجافيتية لا تعود إلى هذا الاسم (جاف)، ولا سيما أن القبيلة غالبًا ما تسمى بين أبنائها (جافيتي)، وأن أحدًا من الباحثين لم يستطع الوصول حتى الآن إلى مصدر مقبول ترجع إليه هذه الكلمة (الباحث).
اليزدية: ينبغي علينا أن نميز في العشائر اليزدية طائفتين مختلفتين: إحداهما، كما يؤكدون هم أنفسهم تقليديًّا، آشورية سامية مع وفرة في الشعر ولحية كثيفة جدًّا، والأخرى أقرب إلى العنصر الهندو-جرماني. وعلى كل حال يبدو أن بوسعنا أن نجد بينهم بقايا من سكان البلاد الأصليين، وهناك قدر من التشابه الفسيولوجي بينهم وبين الأرمن القدماء في منطقة (وان)، ومن المحال القول بعدم وجود العرق الأرمني فيهم. راجع: منزيل، اليزديون، في دائرة المعارف الإسلامية. إلا أن العالم مار نفسه يضيف قائلًا: نشأت حركة اليزدية في سوريا في عهد الأمويين، وبحسب التقاليد الموروثة الباقية لديهم فإنهم أتوا خلال فترة حكم تيمورلنك في نهاية القرن الرابع عشر من البصرة والفرات الأسفل، ثم تقدموا شيئًا فشيئًا حتى وصلوا إلى (سنجار) التي لم يحتلوها قبل القرن الخامس عشر، ثم توجهوا صوب كوردستان فاستكوردوا. إن هذه النظرية الحديثة القائلة باستكراد اليزديين لم تستطع الوقوف على قدميها، كما أنها لم تجد من يسندها، لأن جميع المصادر تشير إلى أنهم أكراد أصليون. وإن منطقة (هكاري) التي نشر فيها الشيخ عدي دعوته في القرن العاشر الميلادي جزء قديم من بلاد الكورد (كوردستان). باسيل نيكيتين.
حاول (ليدزبارسكي) بعد (خولسون) في بحثه المنشور في مجلة Z.D.M.G، في الصفحة 598 من الجزء الثاني، أن يثبت أن اسم الصنم اليزدي (ملك طاووس) محرَّف في اللغة الكوردية عن كلمة (تموز)، وقد وصف (كليرمون غانو) هذا التقارب بين الكلمتين بأنه صحيح، إلا أنه أشار إلى أنه لا يقع أي موعد احتفالي لـ(ملك طاووس) في شهر تموز/يوليو، وهو الشهر الخاص بالإله (تموز). مجلة (الأركيولوجي الشرقي)، الجزء الثالث، ص86 (باللغة الفرنسية).
الحوريات: نسبة إلى الحوريين، وهم جماعة هندو-أوروبية سكنت جبال كوردستان قبل الميلاد. آناهيتا: إلهة الجمال لدى الكورد القدماء. شيركو بيكه س من الشعراء الكورد المعاصرين. راجع: كوردنامه، نشرة دورية تعنى بالشأن الكوردي العام، العدد الأول، نيسان/أبريل 1995، لندن، ص18.
التقرير الاقتصادي العربي الموحد، أيلول/سبتمبر 2000، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، الكويت، ص253.
دباغ، جلال، محمود أمين العالم وخيبة أمل شخصية، مجلة ريكَاي كوردستان، العدد 215، مارس/أيار 2002، أربيل، كوردستان العراق، ص2.
كزينوفون قائد عسكري ومؤرخ يوناني، وكان قائد الحملة ذاتها التي كتب عنها فيما بعد. دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960، وزارة الإرشاد، بغداد، 1960، ص134–135.
فؤاد، كمال (د.)، ملاحظات انتقادية حول كتاب «خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان»، السليمانية، مطبعة الاتحاد الوطني، كانون الثاني/يناير 2000، ص18.
Zuhdi Al-Dahoodi: Die Kurden. Geschichte, Kultur und Überlebenskampf. Umschau Verlag, Frankfurt am Main 1987, S. 54.
المصدر السابق نفسه، ص54.
فؤاد، كمال (د.)، ملاحظات انتقادية حول كتاب «خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان»، مصدر سابق، ص17–18.
دلو، برهان الدين، حضارة مصر والعراق: التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي، دار الفارابي، بيروت، 1989، ص244–245.
جاء في هامش دليل الجمهورية العراقية رقم 1 على الصفحة 136 بشأن هذه المدن ما يلي: قال الأستاذ فيرد هوفر الفرنسي: «أرى أن المدن المحصنة سريزا وستالكا وبيناكا توافق اليوم خورسباد وقوينجق وكرمليس (شمال مدينة الموصل)».
دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960، وزارة الإرشاد، بغداد، 1960، ص136.
إيزادي، مهرداد، هل ينحدر الكورد من الميديين؟ في نشرة: كوردنامه، العدد الأول، نيسان 1995، مصدر سابق، ص18.
دلو، برهان الدين، حضارة مصر والعراق، مصدر سابق، ص249.
فؤاد، كمال (د.)، ملاحظات حول كتاب «خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان»، مصدر سابق، ص16، نقلًا عن كتاب طه حسين، الفتنة الكبرى (2): علي وبنوه، الطبعة الحادية عشرة، القاهرة، ص148–149.
البدليسي، شرف خان، شرفنامه، ترجمة جميل الملا أحمد الروزبياني، ط2 بالعربية، مؤسسة موكرياني للطباعة والنشر، مطبعة وزارة التربية، أربيل، كوردستان العراق، 2001، ص50.
المصدر السابق نفسه، ص50. بحر الهرمز: يقصد به مضيق هرمز في الخليج. البحر الهندي: المحيط الهندي. ملاطية: مدينة في ولاية خربوط بكوردستان الشمالية. ومرعش: بلدة كبيرة شمالي حلب وجنوبي الأناضول. راجع الهوامش في المصدر ذاته، ص50–51.
أجزاء «أصل الأكراد – المحاضرة الثانية» (3 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)