الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

أصل الكورد (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2012

لقد تعددت الآراء والنظريات السابقة وتباينت، ولا سيما تلك التي كتبها المنتصر الذي حاول إهمال الكثير من الحقائق عن الكورد وإخفاءها، فلم تعطِ فكرة قاطعة عن أصل الكورد ونشأتهم، والمنطقة التي قدموا منها، وموطن سكنهم الأول. ولكن الدراسات الحديثة الموثقة أثبتت الكثير عن أصل الكورد وموطنهم الأصلي.

وليس بجديد القول إن المؤرخين المسلمين اختلفوا في أصل الكورد منذ العصور الوسطى، وربما كان ذلك الاختلاف لانعدام الآثار الوثائقية المدونة لدى الكورد، وهو الأمر الذي جعل البحث في تاريخ الكورد وأصلهم بشكل محدد أمراً بالغ الصعوبة. وقد أثبتت الدراسات والوثائق الحديثة الكثير، وتناولت كثيراً من الإشكالات المتعلقة بالكورد.

وهناك من يرى ويعتقد أن الكورد هم من الكاردوخيين الذين ورد ذكرهم على لسان المؤرخ والقائد اليوناني زينفون عند انسحابه مع العشرة آلاف مقاتل في (401–400) ق.م، إذ يقول عنهم إنهم شعب عاش في منطقة كوردستان، وهم أصل الشعب الكوردي؛ لأنهم فرسان شجعان وجبليون أشداء مثلهم، ويقطنون البلاد نفسها، فضلاً عن أن أسماءهم متشابهة.

ومن الثابت تاريخياً أن الكاتب والفيلسوف اليوناني القديم زينفون كان قد اشترك في الحملة اليونانية المعروفة على إيران عام 401 ق.م، وذلك أثناء النزاع على عرشها. وبعد مقتل قائد الحملة (كورش) أخذ زينفون على عاتقه قيادة اليونانيين في انسحابهم عبر مناطق شاسعة من الشرق الأوسط.

وإلى وقت قريب كان شائعاً أن الأكراد من أبناء الكاردوخيين الذين شاهدهم زينفون واتصل بهم عندما كان يتنقل بينهم سنة 401 ق.م.

وقد تغير هذا الاعتقاد في الفترة الأخيرة لظهور وثائق جديدة، إذ قسم بعض علماء التاريخ الأقوام التي لها علاقة بهذا الاسم قسمين: القسم الأول هم الكاردوخيون الكورد، ويقولون إنهم ليسوا من أصل آري.

فيما عدّ القسم الثاني أن الكورتيين الكورد، الذين يعيشون إلى الشرق من بلاد الكاردوخيين، هم أجداد الأكراد. ومهما يكن من أمر فإننا نجد أن هذا الشعب الكوردي عاش في جبال زاكروس عدة قرون قبل الميلاد، وعليه فإن الأكراد ليسوا آريين من حيث اللغة، لأن لغتهم كوردية وفيها شبه من لغات العائلة الإيرانية، وموطنهم في الشرق.

أما النظرية الأخرى فتقول عكس ذلك، أي إن الأكراد مستقلون عن العائلة الإيرانية، وهذا هو الصحيح استناداً إلى الوثائق المكتشفة وأبحاث العلماء أخيراً؛ لأن اللغة الكوردية ليست فارسية، وإن كان فيها بعض التشابه معها.

وحدد العلماء أن الموجة الأولى من هجرة الآريين حدثت في حوالي بداية القرن السابع ق.م. وعندئذٍ يجوز الاعتقاد، بل التأكيد، أن هذه هي الفترة التي قضى فيها الميديون (أجداد الأكراد) مع حلفائهم البابليين سنة 612 ق.م على الإمبراطورية الآشورية، وعليه فقد زحف عدد كبير من الأكراد نحو الغرب.

لم تكن المناطق المجاورة لأرض الكوتيين (كوردستان) خالية من البشر، فما إن حل الشعب الكوتي الكوردي في وطنه كوردستان حتى بدأت سيول الهجرات تصل الواحدة بعد الأخرى؛ فاستقر السومريون إلى الجنوب من الكوتيين الكورد، ولاحت طلائع الآشوريين إلى الغرب منهم. وفي الفترة التي هاجر فيها السومريون نحو أواسط العراق وجنوبه، كان الكوتيون الكورد يسرحون ويمرحون فوق ذرى جبال زاكروس وفي بطون أوديتها، دون أن يعلم أحد من هذين الشعبين (السومري والكوتي الكوردي) بوجود الآخر.

وبعد أن أحس الكوتيون الكورد بنزول أقوام غريبة عند أطراف بلادهم، بادروا إلى توحيد قواهم وبسط سيطرتهم على المناطق المتاخمة لأرضهم كوردستان. فبعد أن خضعت أقوام وقبائل كوردية (اللولو والسوباري والكالدي) للكوتيين الكورد أصبحت جميعاً بأمر قائد واحد، حتى أسفرت تلك القيادة عن ميلاد أول دولة كوردية في التاريخ القديم، عُرفت باسم مملكة كوتيام الكوردية، ومعناها باللغة الآشورية «أرض المحاربين الشجعان». أما عاصمتها فكانت (أربخا) قرب مدينة كركوك الحالية، وكانت حدودها في بادئ الأمر تمتد من نهر الزاب الأعلى شمالاً حتى نهر سيروان (ديالى) جنوباً، إلا أن تلك الحدود توسعت فيما بعد نتيجة للانتصارات التي أحرزها الكوتيون الكورد في حروبهم ضد جيرانهم السومريين والآشوريين.

لقد قاسى السومريون وكذلك الآشوريون ألواناً شتى من الأهوال والمصائب جراء الحروب التي شنتها عليهم قبائل الكوتيين الكورد، إذ كانت معظم المدن السومرية والآشورية تحت رحمة أولئك الجبليين الأشداء من الكوتيين الكورد.

فقد تميزت تلك الفترة من التاريخ بكونها فترة صراع وحروب دائمة بين سكان الجبال الكورد في الشمال وسكان السهول في الجنوب والغرب، وكثيراً ما توغل الكوتيون الكورد في أراضي جيرانهم وسيطروا عليها.

وفي الوقت الذي كانت فيه الإمبراطورية الأكدية البابلية في أوج عظمتها، ومدينة بابل في قمة ازدهارها تحت قيادة ملكها العظيم شاروكين الذي كان يلقب بملك الجهات الأربع، كانت القبائل الكوتية الكوردية وقوات فرسانها توجه تهديداتها المستمرة لهذه الإمبراطورية الأكدية البابلية، حتى تسنى للكوتيين الأكراد في آخر المطاف اجتياح بلاد سومر وأكد واحتلالها.

احتل الشعب الكوتي الكوردي بلاد سومر وأكد سنة 2649 ق.م، وذلك في زمن الملك الكوتي الكوردي العظيم (أمبيا) الذي قاد جحافل الكوتيين الأكراد وزحف بهم نحو بابل، ففُتحت له أسوارها ودخلتها الجيوش الكوتية الكوردية ظافرة منتصرة. وهكذا اتسعت حدود مملكة كوتيام الكوردية وامتدت كثيراً نحو الجنوب، وأصبح الملوك الكوتيون الكورد يلقبون بعد هذا الفتح العظيم بـ«حكام زوايا العالم الأربع»، وهو اللقب الذي كان يطلق على ملوك بابل.

واستمر حكم الكوتيين الكورد على بلاد سومر وأكد زهاء قرن وربع القرن، تناوب خلالها عشرون ملكاً كوتياً كوردياً خلف أحدهم الآخر. ولم تستمر سيطرة الكوتيين الكورد أكثر من ذلك، فما إن حلت سنة 2524 ق.م حتى اعترى سلطانهم كثير من الضعف نتيجة لاتساع ممتلكات مملكة كوتيام الكوردية، وعجز ملوكهم المتأخرين عن إدامة السيطرة على أرجاء البلاد الواسعة، ناهيك عن ازدياد مخاطر الدول المجاورة لهم. ولعل من أهم الأسباب التي أدت إلى اندحار الحكم الكوتي الكوردي في أرض السهول (سومر وأكد) ما يلي:

  1. بُعد المناطق المستولى عليها (سومر وأكد) عن مركز الإدارة الكوتية التي كانت في قلب الوطن الأم كوردستان، إذ كانت العاصمة أربخا (كركوك الحالية).

  2. ضعف الإمدادات العسكرية من جند ومعدات، وتأخر وصولها إلى تلك الربوع النائية البعيدة عن أربخا عاصمة دولة كوتيام الكوردية.

  3. والأهم أن الكوتيين الكورد أخذوا يزيدون من اضطهادهم وإرهابهم لسكان المدن السومرية والأكدية، ولا سيما في أواخر أيامهم، وهذا ما أشارت إليه الألواح الأثرية المكتشفة.

وقد دفعت هذه العوامل مجتمعة المدن السومرية إلى إعلان الثورة على الاحتلال الكوتي الكوردي، الواحدة تلو الأخرى، إذ استطاع الملك السومري (أوتوحيكال) توحيد سكان المدن والقرى السومرية والأكدية الثائرة في وجه الكوتيين الكورد وقيادتهم لمحاربتهم، فنجح في إعلان الثورة على السلطة الكوتية الكوردية المحتلة.

واستطاع الملك السومري أوتوحيكال في آخر المطاف القضاء نهائياً على السلطة الكوتية الكوردية في بلاد سومر وأكد عام 2524 ق.م، عندما أُسر الملك الكوتي الكوردي (تيريكان) واقتيد أسيراً إليه.

أما الآشوريون فقد قاسوا هم أيضاً، كجيرانهم السومريين، ألواناً من الخراب والدمار نتيجة للمعارك التي خاضها معهم الكوتيون الكورد، إذ كان الكوتيون الكورد يجوبون بحرية المناطق الواقعة إلى الشرق والشمال الشرقي من أراضي الآشوريين. وقبل أن يؤسس الآشوريون دولتهم (آشور) عام 1500 ق.م كانت معظم مدنهم مملوكة للكوتيين الكورد.

وبعد أن قضى الملك السومري أوتوحيكال على الحكومة الكوتية الكوردية وأسر ملكها الكوردي تيريكان، اضطربت الأحوال في دولة كوتيام الكوردية (كوردستان)، وأدى ذلك إلى تمزق الوحدة التي كانت تجمع بين قبائلها الكوردية، فاضطرت تلك القبائل إلى الرجوع إلى وطنها الأم كوردستان، إلى الجبال، والاعتصام بها كما كانت قبل نزولها إلى أرض السهول السومرية والأكدية والآشورية.

وبعد هذه الفترة نجد أن اسم الشعب الكوتي الكوردي يختفي عن مسرح التاريخ القديم، بسبب الأحداث الجديدة التي تعرضت لها دولة كوتيام الكوردية (كوردستان) وخسارتها. وهنا بدأ المنتصر، من السومريين والأكديين والآشوريين، يكتب التاريخ ويدونه بما يراه مناسباً له، متجاهلاً الحقائق التاريخية، أو ساعياً إلى طمس تاريخ تلك الدولة الكوردية (كوتيام) والأقوام الكوردية التي حكمت سومر وأكد وآشور فترات طويلة؛ وهذا هو التاريخ للأسف، يكتبه المنتصر كما يراه مناسباً له. وقد توافدت على منطقة كوردستان حشود جديدة من الشعوب الهندو-أوروبية، يمكن عدّها من الجماعات الكوردية المهاجرة المتأخرة التي وصلت كوردستان لتمتزج بمن سبقها إليها من بني رحمها وجلدتها الكوتيين الكورد.

(لمزيد من المعلومات راجع كتابنا: الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ، الجزء الأول، ص 153–161).

المؤرخ والعلامة مينورسكي

يعتقد العلامة ف. ف. مينورسكي أن الكورد ينحدرون من أصل آري، إلا أنهم امتزجوا بعناصر كوردية أخرى في المنطقة الكوردية (كوردستان)، وأنهم قوم مستقل عن الإيرانيين من كل الجوانب، ويسكن الكورد في مناطق كوردستان في فارس (إيران) والقوقاز وتركيا والعراق وسوريا.

ويضيف مينورسكي قائلاً:

«إنه من المحتمل جداً أن يكون الشعب الكوردي قد هاجر في الأصل من شرق إيران إلى موطنه الحالي في غرب إيران (كوردستان) واستوطنه منذ فجر التاريخ. وهذا لا يمنع أنه كان هناك، قبل قدوم الشعب الكوردي المهاجر، قوم أو أقوام كوردية أخرى مختلفة تعيش في المنطقة الجغرافية (كوردستان) تحت اسم مشابه، أي إنهم هم أيضاً من أجداد الشعب الكوردي القديم وأصله، فاختلط الشعب الكوردي الوافد بأصله الكوردي المتواجد هناك في كوردستان، وهكذا اندمجوا معاً وأصبحوا أمة واحدة كوردية.»

وقد عرض مينورسكي أفكاره هذه في المؤتمر الدولي للمستشرقين الذي عقد في بروكسل عام 1936، إذ يرى أن الكورد ينحدرون من البختانيين الكورد، الذين يذكر المؤرخ هيرودوت أنهم كانوا يشكلون مع الأرمن الإقليم الثالث عشر من إمبراطورية الفرس.

ويثبت مينورسكي آراءه مستنداً إلى لغة الكورد المستقلة عن لغة فارس، وإلى أسلوب حياتهم؛ فهو يعتقد أن لغتهم الكوردية، على تعدد لهجاتها، يحتمل أن يكون فيها بعض التشابه مع اللغة الإيرانية الأصل، ولكن اللغة الميدية لغة كوردية مستقلة وليست لغة إيرانية؛ إذن فهي لغة كوردية ميدية مستقلة.

وكان مينورسكي قد درس تاريخ المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان) الواقعة جنوبي بحيرة أورمية، التي كان يتنازع عليها الآشوريون وشعب أورارتو الكوردي، أجداد الأكراد، في القرن التاسع ق.م. فتبين له أن قبائل عدة، مثل الكورد والفرس، سكنت جنوب بحيرة أورمية، أولها الميديون (أجداد الكورد) الذين بسطوا سلطانهم على المنطقة كلها، إلى أن أتى المانيون الكورد ثم السيثيون، وهم من أصل إيراني. ونشأ هناك فراغ ملأه وصول بعض القبائل الإيرانية الجديدة التي شاطرت الأكراد شرقي نهر دجلة، أي في وديان كوردستان، واختلطت أيضاً بالقبائل المانية الكوردية، وتوسعت وأسست إمارة (مهركت)، وهي إمارة كوردية.

وخلاصة رأي العلامة مينورسكي أن قبائل أخرى متنقلة، مثل القبائل الفارسية، اندمجت مع القبائل الكوردية التي كانت قد سكنت المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان).

ومنذ أن ذكر زينفون (401–400 ق.م) اسم شعب (كوردوك) الكوردي الذي كان يسكن شرقي بوختان الكوردية، كثر ورود هذا الاسم (بوختان) في المنطقة الكوردية (كوردستان) بين شاطئ نهر دجلة وجبل جودي، إذ سمّى المؤرخون أهلها (الكورديين)، وأُطلق على هذا الإقليم اسم (حوض كاردو) الكوردي باللغة الآرامية، وأُطلق اسم (كازار تاي كاردوخ) على مدينة جزيرة ابن عمر الكوردية الحالية.

ومن الحقائق العلمية التي لا يمكن تجاهلها اليوم أن الأكراد ينتمون في أصلهم إلى الكوتيين والميديين الكورد، وهؤلاء بدورهم فصيلة من فصائل الشعوب الهندو-أوروبية استقرت في المنطقة الجغرافية كوردستان منذ فجر التاريخ، وكوّنوا معاً الأصل القديم للأمة الكوردية. وقد برهن الأستاذ العلامة فيلد، بمقاييسه الأنثروبولوجية التي أجراها في مناطق جغرافية مختلفة من كوردستان، على أن الشعب الكوردي ينتمي إلى جنس واحد، داحضاً بذلك رأي العلامة مينورسكي الخاطئ القائل إن الأكراد ليسوا من دم واحد ولا من أرض واحدة، وهو الرأي الذي أخذ به أعداء الأكراد، إذ تعرض الكورد لتشويه الحقائق التاريخية عنهم.

ومنذ الألف الثالث قبل الميلاد، حين أسس الشعب الكوردي مملكة كوتيام الكوردية، ما زال الأكراد في منطقتهم الجغرافية ووطنهم كوردستان يتعرضون للعديد من الغارات التي يهدف الغزاة من ورائها إلى احتلال كوردستان لأهميتها الاستراتيجية وغناها. وكان الشعب الكوردي بدوره يقاوم ويصد ويبيد تلك الغارات الواحدة تلو الأخرى، دون أن تستطيع أي منها القضاء عليه أو صهره أو دمجه أو ترحيله عن بلاده كوردستان، من حروب الكوتيين والميديين الكورد مع السومريين والآشوريين إلى صراعهم مع الفرس والأرمن.

واستطاع الشعب الكوردي أن يبقى على أرضه كوردستان راسخ الجذور دون أن تجرؤ تلك الشعوب المنافسة له على قهره أو دمجه، كما لم يستطع ذلك الإسكندر المقدوني ولا الساسانيون الفرس من بعده. وكان صمود الأكراد في وجه الغارات المدمرة، السلجوقية (التركية) عام 1051م والمغولية عام 1231م وغارة تيمورلنك عام 1402م، الدليل الساطع على صمود الشعب الكوردي ومدى تحديه لأعدائه واعتزازه بوطنه وأرضه كوردستان؛ فقد دافع الكورد عنها وعن وجودهم القومي، وقدموا من أجل ذلك الكثير، وما زالوا يقدمون التضحيات الكبيرة من أجل حقوقهم القومية الكوردية المشروعة.

إذن فالواقع الذي نحن بصدده أن الدول والإمارات الكوردية تمكنت من البقاء والعيش على أرضها في كوردستان، دون أن تجرؤ تلك الشعوب المنافسة للأكراد على قهرهم أو دمجهم.

وعندما أصبحت المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان) في القرن السادس عشر ميداناً للصراع الدموي الذي دار بين الدولتين الصفوية الفارسية والعثمانية التركية، أصيبت كوردستان بخسائر جسيمة لا تعوض. ومع ذلك لم تستطع أي من الدولتين أن تنعم بسلام دائم جراء احتلالها أجزاءً من كوردستان، ولعل ذلك ما يوضحه قول الأمير شرف خان البدليسي: «إذا كان ثمة بعض الملوك والسلاطين قد حدثتهم أنفسهم أحياناً بالاستيلاء على المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان) وسائر مواطن الكورد الجبلية، فقد لاقوا دون ذلك أهوالاً وألواناً من المشاق والمتاعب، ثم ندموا أشد الندم على ما أقدموا عليه باذلين الجهد الجهيد، الأمر الذي حملهم على إعادة البلاد الكوردية (كوردستان) التي استولوا عليها إلى أصحابها الأصليين من الكورد.»

الحرب العالمية الأولى 1914–1918

عندما حلت الحرب العالمية الأولى ذاقت القبائل والعشائر الكوردية منها الأمرّين، وأصيبت كوردستان بأفدح الأضرار. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها عُقدت معاهدة سيفر في 10 آب عام 1920م، التي وافق الحلفاء بموجبها على إنشاء دولة كوردستان مستقلة، إلا أن التطورات السياسية الدولية التي أعقبت الحرب بين تركيا واليونان أدت إلى عقد معاهدة لوزان في 24 تموز عام 1923م، التي نسفت بنود معاهدة سيفر السابقة، وحرمت الشعب الكوردي من حق تقرير المصير لدولته الكوردية (كوردستان) أسوة بالآخرين. وبعد أن رُسمت خريطة دول الشرق الأوسط فيما بعد مُزقت كوردستان، وأصبحت اليوم ملحقة بكل من تركيا وإيران والعراق وسوريا، كما يقع جزء صغير منها ضمن أرمينيا (السوفيتية).

ومن ذلك يتضح أنه ما من شبر من أراضي كوردستان، بجبالها ووديانها وعبر تاريخها الحافل الطويل، إلا وقد روته دماء الأكراد دفاعاً عن ترابهم وأرضهم ووطنهم الذي ترعرعوا فوق أرضه وشربوا من مياهه العذبة، ودافعوا عن وجودهم القومي والوطني بوصفهم شعباً كوردياً له حق الحياة والحرية كباقي شعوب الأرض.


أجزاء «أصل الكورد» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث

الجزء الثاني ←