الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
أصل الكورد (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2012
كوردستان في العصر الحجري القديم (2) (3)
يتفق العصر الحجري القديم مع العصر الجليدي المسمى بعصر البلايستوسين، وهو العصر الذي غطى فيه الجليد مناطق واسعة من أوروبا وأمريكا الشمالية على شكل أربع موجات جليدية، تخللتها ثلاث فترات امتازت بالدفء النسبي وبتراجع الجليد. حدث ذلك قبل أكثر من نصف مليون سنة، وانتهى في حوالي سنة 20 ألف ق.م. وقد أثر هذا الانقلاب المناخي الخطير في مناخ العالم بأكمله؛ ففي الفترات الجليدية كان يسود المناطق الصحراوية، كصحراء أفريقيا والجزيرة العربية، فصل غزير المطر، كما شهد العراق وكوردستان مثل هذه الفصول الممطرة، أما في الفترات الدافئة فكان يسود المناطق المذكورة جفاف نسبي.
في مثل تلك الظروف عاش الإنسان القديم، وكان مجبراً على أن يعيش فترات طويلة داخل الكهوف تارة وفي العراء تارة أخرى، معتمداً في عيشه على النباتات البرية وجذورها وعلى بعض الحيوانات التي كان يصطادها، مما اضطره إلى اختراع بعض الآلات والأدوات لتساعده في تحصيل غذائه. فالتفت إلى الطبيعة المحيطة به فلم يجد أسهل وأوفر من الصخور، فاستعان بها لعمل الآلة وفق حاجته وقدرة تفننه، إضافة إلى استفادته من بعض العظام. ولذلك سميت تلك الآلات والأدوات التي صنعها الإنسان القديم في الوقت الحاضر بصناعة العصر الحجري القديم أو حضارته.
وينقسم العصر الحجري القديم إلى ثلاثة أدوار هي:
أ. العصر الحجري القديم الأسفل: وهو الأقدم، وقد سادت فيه الحضارة الشيلية والأشولية (سميت بهذه الأسماء نسبة إلى أول مكان اكتشفت فيه، وكل حضارة مشابهة لها في أي مكان آخر تسمى بالاسم نفسه). واستمرت هذه الفترة حوالي 350 ألف سنة، ومن آلاتها الفأس اليدوية الحجرية وبعض الشظايا، أما إنسان هذه الفترة الحضارية فهو الإنسان الشبيه بالقرد.
ب. العصر الحجري القديم الأوسط: وقد سادت فيه الحضارة الموستيرية، أما صاحبها فهو إنسان نياندرتال الذي سكن الكهوف، وقد عُثر على هذا الإنسان وعلى حضارته في جبال كوردستان (اكتُشفت بعض الجماجم في وادي نياندر بالقرب من بون، عاصمة ألمانيا الاتحادية، سنة 1856 لإنسان سمي بإنسان نياندرتال نسبة إلى أول مكان اكتشف فيه).
ج. العصر الحجري الأعلى أو الحديث: بدأ هذا العصر قبل 35 ألف سنة، وتميز بتنوع الصناعة الحجرية وتقدمها، كما ازدهرت صناعة الأدوات المصنوعة من العظام والقرون والعاج، وتمثله الحضارة الأورينياسية والسوليترية والمجدلينية. ويمتاز هذا العصر بظهور الإنسان العاقل (Homo Sapiens) الذي انتشر في آسيا وأوروبا، أما إنسان هذه الحضارة فهو إنسان كرومانيون.
حضارات العصر الحجري القديم في كوردستان
كانت كوردستان في العصر الحجري القديم موطناً مهماً للإنسان القديم، فقد دلت الأبحاث الأركيولوجية التي قام بها علماء الآثار في بعض أجزاء كوردستان على وجود حضارات العصر الحجري القديم بأدواره الثلاثة المذكورة، وهي:
حضارة العصر الحجري القديم الأسفل: لم يعثر العلماء في كوردستان على آلات وأدوات كافية لهذا العصر، ويعود السبب في ذلك إلى قلة التنقيبات واقتصارها على بعض المناطق. وقد اكتُشف أقدم أثر لوجود هذه الحضارة عام 1949 في موقع (برده بلكه) على بعد كيلومتر، أي نصف ميل، شمال شرق مدينة جمجمال القريبة من السليمانية. وفي سنة 1951 أعيد التنقيب في هذه المنطقة لمعرفة أصل تلك الأدوات، فعُثر على موضع لصناعتها تحت طبقة من التراب والحصى بلغ سمكها 3–5 أقدام، احتوت على فأس يدوية على شكل قلب، وعلى بعض المكاشط، ونوع من الحصى المنحوت الجانب أو الجانبين ربما استعمل آلة للقطع. ووُجد أن لهذه الأدوات شبهاً كبيراً بالصناعة الأشولية والموستيرية، ويرجع تاريخها إلى أواخر العصر الحجري القديم الأسفل وأوائل الأوسط.
حضارة العصر الحجري القديم الأوسط: عُثر على حضارة هذا العصر في كوردستان في كهف (شانيدر) على يد الدكتور رالف سوليكي عام 1951، ويقع هذا الكهف في الطرف الجنوبي لجبال برادوست، مطلاً على الزاب الأعلى، وعلى مسافة قريبة من مدينة راوندوز. وقد نقب الدكتور سوليكي في أرض الكهف، واستطاع أن يحفر إلى عمق 45 قدماً، وأن يكشف فيه عن أربع طبقات حضارية مهمة، وهي من الأسفل إلى الأعلى كما يلي:
أ. الطبقة الرابعة: وهي الطبقة السفلى، ويبلغ سمكها 28 قدماً. عُثر فيها على بعض المواقد وعلى رماد مختلط بالعظام، مما يدل على أن الإنسان قد اكتشف النار، إضافة إلى عدد من الأدوات الحجرية كالفؤوس والمكاشط والمثاقب، ووجود بعض العظام من بقايا الثيران والأغنام. وهذه الأدوات تنسب إلى الحضارة الموستيرية، كما اكتُشفت عدة هياكل عظمية لإنسان نياندرتال، ويمكن تحديد بداية هذه الفترة بما قبل سبعين ألف سنة.
وقد عُثر في كهف شانيدر القريب من مدينة راوندوز على أربعة هياكل عظمية، كان أحدها لطفل عمره ستة أشهر اكتُشف عام 1953، أما الثلاثة الأخرى فكانت هياكل رجال اكتُشفت سنة 1956–1957. وكانت عظام الطفل واثنين من الرجال في حالة غير جيدة، أما جمجمة الرجل الرابع فقد أظهرت سمات إنسان نياندرتال وصفاته بوضوح لا يقبل الشك، إذ كان يبدو عليها ضخامة العظام وبروز عظمي الحاجبين وضخامة الفك وتراجع الجبهة. وقد قُدر عمر هذا الرجل النياندرتالي بحوالي 35 سنة، أما طوله فقد بلغ خمسة أقدام وثلاث بوصات. ويعتقد أن الهياكل الثلاثة الأخرى تعود لإنسان نياندرتال كذلك، ويعزى وجود هؤلاء الأربعة في هذا الكهف إلى موتهم بسبب انهيار في سقف الكهف وقع عليهم وأودى بحياتهم. وقد قُدر عمر إنسان نياندرتال في كوردستان بستين ألف سنة.
ب. الطبقة الثالثة: احتوت هذه الطبقة في كهف شانيدر على آلات وأدوات صوانية أورينياسية ترجع إلى العصر الحجري الحديث، وقد قُدر عمرها بثلاثين ألف سنة، وسميت هذه الأدوات باسم صناعة برادوست، نسبة إلى جبال برادوست.
ج. الطبقة الثانية: وتحتوي على آلات وأدوات العصر الحجري القديم الأوسط، وتضم سكاكين ومكاشط وهراوات وأسلحة صخرية، إضافة إلى بعض الأدوات الدقيقة. وقد عُثر على هذه الحضارة في مواقع متعددة من كوردستان، إذ اكتُشفت آلات من هذا النوع في كهف زرزي قرب مدينة السليمانية، وفي الكهف المظلم في (هزارمرد) على بعد 12 ميلاً (20 كم) جنوب السليمانية، كما اكتُشفت هذه الحضارة في كهف (بالي كوره) على بعد 12 ميلاً (20 كم) شرق جمجمال قرب السليمانية، وفي كهفي (كيوانيان) و(باداك) غرب راوندوز وجنوبها، على يد البروفيسور برايدوود ومساعديه في عامي 1954–1955. وكان لبعض الآلات والأدوات التي اكتُشفت في شانيدر وهزارمرد ما يشابهها في كهف بيستون في كوردستان إيران، وفي كهف كورين في كوردستان تركيا.
د. الطبقة الأولى: وكانت تحوي أدوات حديثة. وقد انتهى العصر الحجري القديم الأوسط بتعلم الإنسان صناعة الآلات والأدوات الحجرية الدقيقة الأكثر إتقاناً وتفنناً، وهي التي ظهرت في أواخر هذا العصر وبداية العصر الذي تلاه، وهو العصر الحجري القديم الأعلى أو الحديث، الذي انتهى بدوره بتعلم الإنسان استعمال المعادن.
حضارة العصر الحجري الأعلى أو الحديث: استعمل الإنسان في هذه الفترة في كوردستان آلات وأدوات أكثر دقة من العصرين السابقين (ميكروليتية)، إضافة إلى انتقاله من مرحلة الجمع والالتقاط إلى مرحلة إنتاج الغذاء، كالصيد وتربية الحيوان والزراعة؛ إذ تعلم في هذه الفترة الأساليب البدائية للزراعة واستعمال الفأس اليدوية الحجرية في الحرث والقلع، وعرف استعمال الأصباغ في الرسم، وألّف بعض الحيوانات كالأغنام والماعز. وهكذا تحول الإنسان من حالة الترحل والتنقل وراء الحيوانات إلى حالة الاستقرار قرب المزارع. أما صاحب هذه الفترة الحضارية فهو إنسان كرومانيون، الذي يعتقد العلماء أنه الأصل الأول للمجموعة القوقازية.
وتوجد في كوردستان أربعة مواقع حضارية تبين كيفية انتقال الإنسان من مرحلة الجمع والالتقاط إلى مرحلة تعلم الزراعة، وهذه المواقع هي:
أ. موقع كهف شانيدر (الطبقة الثالثة): التي احتوت على أدوات من حجر الصوان كالفؤوس والشظايا، وبعض الأدوات المصنوعة من الزجاج البركاني، دون أن تكون هناك أية علامة على تعلم الإنسان الزراعة، وهي نموذج لحضارة العصر الحجري القديم الأوسط.
ب. موقع كريم شهر: الواقع على بعد ستة أميال (عشرة كيلومترات) شرق جمجمال قرب السليمانية، وقد احتوى على آلات صوانية ومناجل حجرية وفؤوس وشظايا، إضافة إلى بقعة أرضية مرصوفة بالحصى يعتقد أنها كانت منطقة تعسكر فيها الجماعات البشرية الشبيهة بالرحّل آنذاك، وهي تمثل مرحلة ما قبل الاستقرار.
ج. موقع ملفعات: الواقع قرب الطريق الواصل بين كركوك وأربيل، ويحتوي على أدوات الجرش والطحن (الهاونات) وعلى بعض الأدوات الحجرية، وتمثل هذه المرحلة المجتمع الزراعي البدائي.
د. موقع جرمو قرب السليمانية: عُثر في هذا الموقع على اثنتي عشرة طبقة حضارية ترجع إلى العصر الحجري الحديث، احتوت على أدوات فخارية وتماثيل من الطين وتماثيل لبعض الحيوانات، كما عُثر على بعض المغازل. أما البيوت فكانت مربعة الشكل وتحتوي على عدة غرف. وعُثر كذلك على بعض الحبوب المتحجرة كالحنطة والشعير، وهي لا تترك أدنى شك في أن الإنسان في كوردستان قد تعلم الزراعة، كما أن 95% من عظام الحيوانات التي عثر عليها كانت لحيوانات أليفة دجّنها الإنسان. وقد رسم الإنسان نفسه في هذه المرحلة من تاريخ حياته، وصوّر الحيوانات التي كان يخشاها، ونقش صورها على الصخور وجدران الكهوف، وعرف دفن الموتى. وعُثر كذلك في موقع جرمو على دمية لامرأة حامل، ربما كانت تمثل عندهم إلهة الأمومة أو إلهة الإخصاب. وقد حدد البروفيسور برايدوود انتهاء عمر هذه الحضارة بسنة 6500 ق.م.
أصبحت كوردستان مسرحاً لحضارة العصر الحجري القديم الأعلى أو الحديث قبل أوروبا بـ3500 سنة، إذ أنهى الإنسان فيها حياة الصيد وأصبح فلاحاً مستقراً في الأرض التي ضمنت له موارد رزقه، ودجّن الحيوانات التي أصبحت المصدر الدائم للحومه وألبانه وكسائه كذلك، وبنى لنفسه بيوتاً. كما تبدلت ميوله الاجتماعية هي الأخرى، لأن ظروف الزراعة دعته إلى التعاون مع غيره، إذ كانت لكل عائلة أرضها وحيواناتها، وكان تجمع عدد من العوائل في منطقة معينة الأساس الأول لتكوين القرية، وهي نواة التعاون الاجتماعي للحياة الاجتماعية الجديدة. لقد انتشر الإنسان في سهول المناطق الجبلية، حيث أخذ بمزاولة الزراعة بعد تعلمها، وقد عُثر في جرمو (قرب جمجمال) على أقدم قرية زراعية في العالم، ويرجع تاريخها إلى 6000 ق.م. وينتهي العصر الحجري الحديث بظهور عصر المعادن.
يتضح مما تقدم أن كوردستان كانت لها أهمية عظيمة بالنسبة للإنسان القديم الذي اتخذ منها وطناً له؛ فسكن في كهوفها وقت اشتداد البرد وفي حالات الطوارئ، وانتشر فوق سفوحها وفي بطون أوديتها وقت الدفء، متنقلاً من وادٍ إلى وادٍ، متقصياً أثر الحيوانات ليصطادها طوراً، ومستقراً عند سهولها المعطاءة تارة أخرى، تاركاً معظم آثاره ومخلفاته الحضارية في كل موضع حطّ فيه. وهذا ما يدعونا إلى الاهتمام المتزايد بالمواقع الأثرية والحضارية في كوردستان، وزيادة البحث والتنقيب عنها لكشف التاريخ القديم للإنسان في هذه البقعة الجغرافية المهمة من العالم.
إن كوردستان سُكنت منذ القدم، وذلك ما كشفته التنقيبات التي قام بها فريق من جامعة شيكاغو سنة 1961 في مغارتي (برده بلكه) و(هزارمرد) من العصور القديمة قرب السليمانية، وفي شانيدر قرب راوندوز، وفي (جرمو) في جمجمال قرب السليمانية، وهي أقدم قرية في الشرق الأوسط، حوالي 3000 سنة ق.م. وكذلك وجود آثار من الحضارة الأكدية في كركوك (عرفة/لافا)، وفي جبل ترير من جبل بيره مكرون، حيث رست سفينة كلكامش، ووجدوا فيها قنطرة كلكامش.
وكذلك رفع الملك (نارام سين) ملك أكد سنة 3400 ق.م راية النصر (مسلة النصر) على (ساقوين) ملك لولو في (دربندي كاور). وكذلك تعرض الكاشيون الكورد لابن حمورابي، ودخلوا بابل بسلام، واحتلوا المنطقة الكوردية المعروفة باسم لورستان، وتحكم الأكراد في بابل طوال ستة قرون إلى حوالي القرن الثاني عشر ق.م.
الجذور التاريخية للكورد
الكوتيون الكورد
تعد كوردستان الموطن الأول للسلالة البشرية الثانية، وذلك بعد أن هاجرت المجموعات البشرية من مواطنها الأصلية إلى مواطن جديدة، إذ كانت تقطنها مجموعة شعوب زاكروس الكوردية المتكونة من الكوتيين واللولو والسوباريين والكالديين الكورد، التي تشترك جميعاً بوشائج الرحم والقرابة الكوردية.
إذن فهذه الشعوب الكوردية ليست في الحقيقة سوى قبائل متعددة من شعب كوردي واحد لا تختلف في الأصل الكوردي، فهي الشعب الكوردي لأنها أجداد الكورد، وهي تنتسب إلى مجموعة الشعوب الهندو-أوروبية. وهذه القبائل الكوردية مجتمعة تكوّن الأصل الأول والقديم للشعب الكوردي، الأمر الذي يعكس لنا تعدد اللهجات الكوردية اليوم.
استوطن الكوتيون الكورد وبنو رحمهم (اللولو والسوباريون والكالديون) الكورد جبال زاكروس الكوردية في الألف الثالث ق.م، وبذلك يعدّون السكان الأصليين لجبال زاكروس الكوردية، إذ لم يسبق لغيرهم من الشعوب أن استوطنها أو استقر فيها. ويؤيد ذلك العلامة مار (Marr) الذي يؤكد أن الأكراد شعب أصيل ومستقل، وأنهم السكان الأصليون لجبال آسيا الصغرى وجبال زاكروس.
ومن الطبيعي أن هؤلاء لم يهبطوا على كوردستان من السماء ولم يخرجوا إليها من باطن الأرض، بل إنهم فصيلة متقدمة من المهاجرين الهندو-أوروبيين وصلت إلى جبال زاكروس واحتلتها قبل أن تصل إليها أي موجة من الهجرات البشرية التي سادت العالم آنذاك.
وفي كوردستان ذات البيئة الجبلية انتشرت قبائل كوردية هي الكوتيون واللولو والسوباريون والكالديون، وفيها أيضاً تكونت لغتهم الكوردية القديمة الخاصة وتطورت، وتبلورت عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية، وأصبحوا في وطنهم هذا (كوردستان) قبائل جبلية متحضرة.
ولما كان الكوتيون الكورد من أبرز تلك القبائل الكوردية، فقد استطاعوا في النهاية إخضاع القبائل الكوردية الأخرى لسلطانهم ضمن مملكة كوتيام الكوردية في كوردستان قبل الألف الثاني ق.م.
المصادر
- فؤاد حمه خورشيد، الأكراد.
- فؤاد حمه خورشيد، الأكراد.
- دبليو. أي. ويكرام، مهد البشرية.
أجزاء «أصل الكورد» (3 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)