الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

أصل الكورد (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2012

آراء الأرمن والعرب في الأكراد

في العصور القديمة عرف الأرمن أرض هذه المنطقة الجغرافية الكوردية باسم (كوردوز)، وعرفها العرب باسم (بقردى).

ياقوت الحموي وابن الأثير

ذكر ياقوت الحموي نقلاً عن ابن الأثير أن بلاد (بقردا) أو الإقليم الكوردي (بقردا) جزء من إقليم جزيرة ابن عمر الكوردية. وقد اندثر اسم (بقردا) الذي كان يطلق في العصر الإسلامي الأول على المنطقة (كوردستان)، وأصبح يذكر في الكتب العربية باسم جزيرة ابن عمر، وهذا منافٍ للحقيقة والتاريخ، وقد أثبتت الحقائق عكس ذلك مؤخراً بالدراسات والبحوث والوثائق الحديثة.

العالم ريسك

يرى العالم ريسك أن كلمات (خلدي) و(كوردي – كورد) و(كورديان) تدل على اسم واحد هو الكورد (الأكراد). وترتب على ذلك أن كلمة كوردي، وجمعها كورد، أصبحت اسماً للشعب الكوردي الذي يشبه الشعب الإيراني، أو الشعب المجاور لإيران، في بعض الكلمات أو العادات، وذلك بعد الفتوحات العربية الإسلامية لهذه البلاد (كوردستان). وأعتقد أن السبب هو تقارب اللغة والتقاليد الكوردية والفارسية، والعيش في المنطقة نفسها (كوردستان)، وأن دياناتهم كانت زرادشتية، والأهم من ذلك قلة المعلومات الموثقة.

ويرى أن عناصر إيرانية خالصة قد وُجدت بين الشعب الكوردي في المنطقة الجغرافية الكوردية نفسها (كوردستان)، كما وُجدت أيضاً في أنحاء أخرى جماعات أجنبية أو بعيدة عن البيئة التي نزحت إليها وحكمتها.

العالم مار

يرى العالم مار أن الكورد شعب أصيل، وأنهم من السكان الأصليين للمنطقة الجغرافية الكوردية في كوردستان ولجبال آسيا الصغرى. ويؤكد رأيه قائلاً إن هناك صلة قرابة بين الكورد والشعب الكاردوخي، والاحتمال الكبير أن الكاردوخيين الكورد هم الأجداد الأصليون للأكراد. ويفسر العالم مار ذلك بأن اللغة الكوردية الحالية لا تنتمي إلى الفارسية، لأنها لغة مستقلة لها قواعدها الخاصة وشخصيتها المستقلة التي تختلف فيها عن اللغة الفارسية كثيراً. وكان الاعتقاد السابق أن اللغة الكوردية تنتمي إلى الفارسية لأنهما من عائلة اللغات الهندو-أوروبية، وقد أثبتت الوثائق والدراسات الحديثة أن اللغة الكوردية لغة مستقلة.

الكورد ليسوا هندو-أوروبيين

يحتاج العالم مار، لكي يثبت مواقفه، إلى التعرض لمشكلة أصل الكورد وربطهم بمجموعة الأعراق التي يطلق عليها (الآسيوية) أو (الأوردية)، أو بحسب اصطلاح مار نفسه (اليافثية)، أي الكورد، وهي تضم الخالديين الكورد، والمانيين الكورد، والعيلاميين الفرس، والأرمن، والجورجيين المسيحيين. وهذه العناصر كلها مرتبطة تاريخياً بآسيا القديمة، ولا يمكن تشخيصها بوصفها هندو-أوروبية (آرية) أو سامية، دون أن يكون هناك اتفاق على تحديد خصائصها المشتركة، وبذلك يبقى الجدل في التفاصيل مفتوحاً للباحثين.

ومنذ أن تطرقنا إلى هذه المواضيع استطاع القارئ أن يطلع، حتى لدى المتمسكين بنظرية الأصل الهندو-أوروبي للكورد، على بعض الشكوك في هذا الخصوص، مما ترك في نظريتهم ثغرات مفتوحة أمام النظرية الآسيوية.

وقد استفاد العلامة مار من ذلك ليقول لنا إننا استعجلنا كثيراً في تأييد القول بالخصوصية الهندو-أوروبية للغة الكوردية الحالية، وقد ذكرنا في حينه التحفظات التي أبداها العالم مار في هذا المجال.

ويضيف العالم مار أيضاً أنه يغيب عن نظرنا أن هناك لدى الكورد طبقتين أو عرقين مختلفين، فهل يمكن القول بالنظرية الهندو-أوروبية؟ إن مار لا يعير ذلك اهتماماً كبيراً.

صحيح أن علماء أوروبيين من المراتب العليا، مثل «ميكائيليس» و«شلوتزر» و«فريدريك» و«هيرن»، شككوا في الأصل الهندو-أوروبي للكورد، حتى أُثبتت تلك النظرية على يد كل من (لاسبن) و(كارل ريتر)، فأكد (إرنست رينان) آنئذٍ أنها نظرية مقبولة وصحيحة بوجه عام. لكن القبول العام لهذه النظرية لا يعني دائماً الصحة المطلقة للرأي العلمي. أوَلم يُقبل بوجه عام أن الطبقة الهندو-أوروبية هي الأصل والأساس للأرمن؟ بل أكثر من ذلك، أليس هناك من يريد إنكار وجود مجموعات عرقية قديمة جداً، غير آرية ولا سامية، كالجورجيين والشعوب الأخرى القريبة منهم، فيهمل بذلك هذه الشعوب ويضعها جانباً، في الوقت الذي يتصدى فيه لحل قضايا ينبغي عليه أن يضع نصب عينيه قبل كل شيء المعلومات الأساسية المهمة التي تضعها تحت تصرفه الآثار الباقية في الأماكن التي يحقق في شأنها؟

إن القول بالأصل الهندو-أوروبي للشعب الكوردي ليس من الأمور التي يمكن التعرض لها مطلقاً. وقد حاولوا أن يكتشفوا في اليزيدية، التي يربطها مار بمبدأ كون اليزيديين كورداً، بعضاً من الخصائص السامية، ولكنهم لم يحققوا أي نجاح في هذا المضمار على أي حال. وعليه فإن اليزيديين كورد.

وفي الوقت الراهن يظل شيء واحد واضحاً كل الوضوح، وهو أننا نجد في الديانة اليزيدية بقايا عقيدة يزدية قديمة جداً في هذه المناطق الكوردية.

وكلما اكتشفنا في هذه الديانة اليزيدية (اليزدية) روابط تربطها بالعقائد الموصوفة بالابتداع، وبوجه عام بالاعتقادات الشعبية الخفية الصرفة، وجدنا الدليل على أن نرى فيها عبادة إله محلي من العصر المضطرب السابق للآريين، إلهٍ غُلب على أمره فكان يستعين بجمهور العامة للدفاع عن نفسه وللنضال السري ضد الديانات الأجنبية التي ظهرت حديثاً في ذلك الوقت وسادت الساحة وكان لها إسناد رسمي وعلني. إن هذه العلاقات تقودنا إلى الطريق الصحيح الذي كانت الحملات تأتي عبره، تارة من بلاد ما بين النهرين (ميسوبوتاميا)، والمقصود هنا منطقة كوردستان تركيا بين دجلة والفرات، وهي منطقة كوردية، وتارة أخرى من أرمينيا.

وبالنسبة إلى هذا البحث فإن مسألة ما إذا كانت ملامح يزيدية قد انتقلت إلى أرض الساميين عن طريق الخالديين الكورد ليست مسألة جديرة بالإغفال.

وفي هذا الصدد نذكر التقارب الذي أشار إليه العالم والمؤرخ مار بين الكاردوخيين الكورد و(الكارتفيل)، وافتراضه بشأن إحلال لغة هندو-أوروبية خاصة، هي اللغة التي يتكلم بها الكورد حالياً، محل لغة كوردية آسيوية بدائية.

ويضيف العالم مار في ملاحظاته أنه يكفينا أن نكتشف أن اليزيدية المعاصرة ليست سوى إحدى «المعتقدات الشعبية لأناس محظوظين»، تقترب من جهة من المانديزم (المانية الكوردية) والصابئة، ومن معتقدات أخرى من الهرطقات المختلفة التي نشأت في أرمينيا، ومن أحداث في الحياة الدينية يمكننا الكشف عنها فيما بعد حتى في جورجيا.

ومنذ مدة طويلة أشار البروفيسور (شوولسن) في مؤلفه المعروف «الصابئة» إلى صلة القرابة الموجودة بين اليزدية والمانوية الكوردية، وهو يرى أن اليزيدية من بقايا الوثنية القديمة. ويلاحظ مار مع ذلك أنه ربما كان من السابق لأوانه تشبيه اليزدية بمذهب (الشمسية) كما فعل شوولسن، ولكن الشيء الذي يبدو جلياً للعين هو صلة القرابة بين جميع هذه المعتقدات الدينية المحلية في أسسها، دون استثناء الصابئة منها. ويلاحظ مع ذلك أن هذا الدين اليافثي السامي، الذي نجح في البقاء أكثر من غيره على الأرض الأرمنية، يحتفظ به حالياً شعب يتكلم لغة هندو-أوروبية هي الكوردية، مع المجموعة الإيرانية، ويترتب على ذلك بطبيعة الحال أن المصطلحات اللاهوتية الحالية لهذا الدين إيرانية، وقد حلت محل مصطلحات أخرى أقدم منها. أما أن تلك المصطلحات القديمة كانت سامية أو يافثية، فهذا أمر غير ذي أهمية.

ولم يبقَ في الوقت الراهن، على ما يرى مار، أي مصطلح ديني قديم من تلك المصطلحات إلا كلمة (جلب) أي الإله، مع مشتقها الكوردي المضاف إليه الياء (جلبي) أي الإلهي، ويعني المنسوب إلى الإله.

ونحن نجد هذه الكلمة لدى الصابئة مصحوبة باسم القمر في شكل مركب من (سليم – سين) أي المعبود القمر. ولأن في اليزدية خطوطاً مشخصة من دين عبادة القمر، فإنه يخيل للمرء أن كلمة (جلب) الكوردية مشتقة مباشرة من مصدر آرامي، وفي هذه الحالة تكون محرفة من كلمة (تسلم) مع إضافة حرف السين إليها، وتعني القمر.

العالم سيدني سميث

أما العالم سيدني سميث فيرى أن آراء العلماء قد تغيرت بخصوص اللغة الكوردية، فقال بعضهم إن اللغة الكوردية ليست مشتقة من اللغة الفارسية أو محرفة عنها، بل هي لغة مستقلة عنها تمام الاستقلال، ولها تطوراتها القديمة وقواعدها الخاصة.

ويرى العالم سيدني سميث أنه يجوز القول إن اللغة الكوردية كانت موجودة في القرن السادس ق.م، وكانت لغة مستقلة بذاتها، وإن الشعب الكوردي من الأقوام الهندو-أوروبية التي قدمت إلى موطنها الجغرافي الحالي (كوردستان) في الوقت نفسه الذي قدم فيه الميديون (أجداد الكورد) إلى ميديا والإيرانيون إلى إيران، وهذه هي الحقيقة المثبتة وفق دراسات المؤرخين.

ويعتقد العالم سيدني سميث أن الكورد وصلوا إلى موطنهم الحالي كوردستان قبل سنة 650 ق.م، وهو يستند في هذا إلى النقوش الآشورية التي يرجع تاريخها إلى ما قبل هذا التاريخ ولا تذكر شيئاً عن الكورد.

العالم سافراستيان

يرى العالم سافراستيان أن الكورد لم يخضعوا للدول المختلفة قبل الفتح العربي الإسلامي، وأنهم اكتسبوا الصفات الآرية كاملة أيام الأخمينيين، وكانوا يمدون الدولة الأخمينية بالجند.

المؤرخ محمد أمين زكي

أما المؤرخ الكوردي محمد أمين زكي فيرى أن منطقة كوردستان كانت تقطنها وتسكنها في فجر التاريخ شعوب جبال زاكروس الكوردية، أجداد الكورد الحاليين، وكان الشعب العيلامي (الإيراني) يسكن في منتهى الجنوب الشرقي.

وهذه الشعوب كلها، ما عدا الشعب العيلامي الإيراني، هي من الأصل القديم للشعب الكوردي.

ويتدرج المؤرخ إلى العصر الميدي الكوردي في القرن التاسع ق.م، والميديون الكورد، كما هو معروف، من الشعوب الهندو-أوروبية التي نزحت من شرق بحر القوقاز إلى شمال غربي هضبة إيران، إلى المنطقة الجغرافية بلاد ميديا الكوردية.

المؤرخ العربي المسعودي

أما المؤرخ العربي المسعودي فقد ذكر في كتابه «مروج الذهب ومعادن الجوهر» أن الكورد أجناس، وأن الناس تنازعوا في بدئهم (نشأتهم)، وأن هناك رأياً ينسبهم إلى ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان. وذكر المسعودي أيضاً أنهم تفرقوا في قديم الزمان، وسكنوا الجبال والأودية في المنطقة الجغرافية (كوردستان)، دعتهم إلى ذلك الألفة، وجاوروا غيرهم فحالوا عن لسانهم (أي تحولوا عنه)، وصارت لغتهم أعجمية (أي غير عربية) كوردية، ولكل مجموعة من الكورد لهجة خاصة بهم من اللغات الكوردية. وهذا غير صحيح، وقد ثبت علمياً عكس ذلك، فالأكراد ليسوا عرباً، لأنهم سكان المنطقة منذ آلاف السنين في كوردستان، بينما أتى العرب بعد الفتوحات الإسلامية.

ولا ريب أن إشارة المسعودي إلى أصل الكورد مهمة وطريفة، ولا سيما ما ذكره من أنهم جماعات سهلية (أي من السهول) ثم التجؤوا إلى المنطقة الجبلية الكوردية في كوردستان، وكانت هناك جماعات كوردية أخرى قد سبقتهم إلى المنطقة، وهناك انصرفوا (أي ابتعدوا) عن لغتهم واختلطوا مع الجماعات الكوردية الأخرى، واستمروا وعاشوا في المنطقة الجبلية الكوردية (كوردستان) حتى الوقت الحاضر. وأعتقد أن هذا غير منطقي وغير صحيح لأسباب منطقية كثيرة، منها أن العرب أتوا إلى المنطقة بعد الفتوحات الإسلامية، والأكراد متواجدون فيها منذ آلاف السنين.

ويواصل المسعودي تقديم الآراء القائلة إن الكورد أصلهم عربي، وأعتقد أن هذا هو التعصب القومي لدى العرب، فيقول: «من الناس من رأى أنهم من مضر بن نزار، وأنهم من ولد كرد بن مرد بن صعصعة بن هوازن، وأنهم انفردوا في قديم الزمان لوقائع ودماء كانت بينهم وبين غسان، ومنهم من رأى أنهم من ربيعة ومضر، وقد اعتصموا في الجبال (كوردستان) طلباً للمياه والمرعى، فحالوا عن اللغة العربية (أي انصرفوا عنها) لما جاورهم من الأمم (الشعوب الأخرى الكوردية)». وأعتقد أن هذا غير صحيح وغير منطقي ولا يقبله العقل السوي.

وذكر المؤرخ المعروف بشيخ الربوة أن الكورد أصلهم عربي، فقال: «ومن الأجيال المنسوبين إلى العرب الملحقين بهم الكورد، على ما ذهب إليه الكثير من النسابين».

وذهب المقريزي إلى القول إن بعض القبائل الكوردية ذاتها تزعم أنها من أسر عربية، مثل المروانية الكوردية التي تزعم أنها من بني مروان بن الحكم بن أبي العاص، ومثل الهكارية الكوردية الذين يزعمون أنهم من ولد عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب. وأعتقد أن هذا غير صحيح أبداً، وهو فقط وجهة نظرهم، والسبب هو تعصبهم القومي العربي.

والواقع أنه من الممكن الاعتماد، إلى حدٍّ ما، على ما ذكره المؤرخون العرب في العصور الوسطى عن أصل الكورد، لأنه لم تكن هناك مشكلة بين العرب والكورد كما هي في الوقت الحاضر.

ويمكن إضافة آراء العلماء العرب في العصر الحديث، فعلى سبيل المثال يرى الدكتور جاسم محمد الخلف «أن الكورد يرجعون إلى جنس البحر المتوسط، ومن ميزاتهم البارزة ضخامة الجسم والوجه العريض والرؤوس الضخمة».

ويضيف الدكتور جاسم محمد الخلف فيقول: «ينتمي الكورد إلى شعوب زاكروس الكوردية المستوطنة في المنطقة الواقعة جنوب بحيرة وان» منذ آلاف السنين.

أما الدكتور السيد غلاب فيقول: «وقد ظلت أرض الجزيرة وشمال العراق (كوردستان) تستقبل هجرات البدو الهندو-أوروبيين من وسط آسيا، بما تحمله من الصفرة والشقرة، وهذه المنطقة الجغرافية هي وطن الكورد (كوردستان) في الوقت الحاضر، وهم من سلالة الميديين الكوردية القديمة التي ظهرت في الألف الأول قبل الميلاد، وتنتشر بينهم صفات الشقرة بشكل واضح، وهم يتحدثون لغة هندو-أوروبية، ويعيشون ضمن منطقة الحدود المشتركة بين كوردستان العراق وإيران وتركيا وسوريا».

ويلاحظ الدكتور السيد غلاب أن علم السلالات البشرية أظهر أن كورد الشرق غير كورد الغرب؛ فالكوردي الشرقي فيه بعض التشابه مع الإنسان الفارسي في لونه الأسمر وفي شكل جمجمته.

أما الكورد الغربيون فهم مختلفون عنهم بلونهم الأشقر وعيونهم الزرقاء وشكل جماجمهم. ويلاحظ أيضاً أن الكورد في الشمال طوال القامة، صغار الفم، نحيفو البنية، بيضويو الوجه، طوال الأنوف المعقوفة، يحتفظون بشوارب طويلة ولا يتركون شعر اللحية، ويغلب عليهم اللون الأشقر والعيون الزرقاء والبشرة البيضاء. أما كورد الجنوب فهم بصفة عامة أقل رشاقة، ووجوههم أكثر عرضاً، ولهم صفات أهالي الجبال، فلديهم جلد شديد وقوة على العمل، وتنم ملامح وجوههم على الحزم والكبرياء، وبشرتهم صافية.

والواقع أن أصل الكورد ما زال بحاجة إلى دراسات وأبحاث ونظريات.

وعلى أية حال فمن الضروري الاعتراف بأن الكورد اليوم هم أبناء سلالات كوردية انحدرت من عدة أرومات، ثم اندمجت على مر العصور في المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان) حتى أصبحت أمة كوردية واحدة.

كلمة الكورد

اختلف الكتّاب والمؤرخون أيضاً في أصل كلمة (كورد)، وهناك ثلاث نظريات في أصل كلمة كوردي:

  1. النظرية الأولى: للدكتور سافراستيان، وهي تربط الكورد بشعب (كوتو) الكوردي الذي عاش في مملكة كوتيام الكوردية الواقعة على الضفة الشرقية من نهر دجلة بين الزاب الصغير ونهر ديالى (سيروان)، وكانت عاصمتها أربخا (كركوك). ويعتقد أن هذه الكلمة مأخوذة من الكلمة الآشورية (كورتو)، وتطورت إلى شكلها الحالي بدمج حرف (R) بعد حرف (U)، وأصبحت (كوتو) Guti.

  2. النظرية الثانية: للعالم نولدكه، وتربط الكورد بالكرتيين (Kurti) الكورد، وهم قوم كوردي كانوا يعيشون غرب بحيرة وان. ويعتقد نولدكه، صاحب هذه النظرية، أن الكرتيين الكورد كانوا قد تفرقوا بصورة واسعة في بلاد إيران وميديا الكوردية وبقية المناطق الكوردية (كوردستان) التي يقطنها الكورد في الوقت الحاضر. ويعتقد نولدكه أيضاً أن كلمة (كيرتي) تطورت إلى كلمة (كورتو) أولاً، ثم إلى كلمة (كرت Kurt) ثانياً، وهي كلها دلائل على الشعب الكوردي الحالي.

  3. النظرية الثالثة: للعالم درايفر، الذي يتفق مع نولدكه في ربط الكورد بالكرتيين الكورد، إلا أنه يرجح أن أصل الكلمة هو كلمة (كورد / Gard) الإيرانية، التي تكون ذات أصل مشترك مع الكلمة البابلية (كاردو / Gardu)، وتؤدي معنى الشجاع أو الباسل أو المحارب.

إن أول شكل لكلمة الكورد شبيه باللفظ الحالي هو كلمة (كاردوخي) التي ذكرها زينفون في مذكراته عن تقهقر جيشه عام 401 ق.م، ويرجح سافراستيان أن يكون أصل الكلمة التي استخدمها زينفون هو كلمة (كورتو) الآشورية مضافاً إليها علامة الجمع الأرمنية.

الأنثروبولوجيا: علم أصل الإنسان (1)

إن كان أصل الأكراد لا يبدو واضحاً تماماً رغم المناقشات اللغوية والمجادلات التاريخية، فإن الأبحاث العلمية في أصل الإنسان لا تأتي هي الأخرى بحجج مقنعة تماماً، ولكنها توفر قدراً من الإشارات للاستدلال.

فالسيد آرينز كابرز (Ariens Kappers)، الذي درس أكراد دمشق عام 1931م، أخذ في حسابه امتزاجهم بأصول أخرى، وأقرّ بأنهم من أصل مميز. كما يتعذر تجاهل النتائج التي حصل عليها السيد هوسي (Houssaye)، الفيزيائي الأرجنتيني، عام 1887، الذي اعتمد القياسات الفيزيائية لأكراد تركيا ومنطقة يريفان (Erivan)، عاصمة أرمينيا حالياً، إذ بدا له أن الكوردي الشمالي رجل ضخم مخيف (والسمنة معدومة تماماً بين الأكراد)، أنفه طويل وغالباً معقوف قليلاً، والفم صغير والوجه بيضوي، والرجال يتحلّون بشوارب طويلة وهم حليقو الذقون، ويبدو في سيماهم العزم والتصميم والشخصية الخارقة، وأكثرهم شقر الوجوه بعيون زرقاء، وأولاد الأكراد من هذا النوع يتشابهون مع أولاد الإنكليز ويصعب تمييزهم منهم بسبب بياض البشرة. وفي الجنوب يكون الوجه أحياناً أعرض قليلاً والجسم أثقل. تلك هي ملاحظات الميجر سوان (Major Soans) عام 1912م، التي تجعل الإنسان يعتقد أن الأكراد ليسوا من شكل واحد معين؛ فإذا ما أمعنّا النظر بين الكوردي الجبلي والكوردي ساكن السهول، والكوردي المقيم والكوردي الرحّال، وقارنّا شخصاً ينحدر من سلالة كوردية صافية بآخر انصهر بأصول مجاورة أخرى، تبينت اختلافات واضحة تماماً. إذ إن هناك فوارق طبيعية في أشكال البشر: الشكل العربي، وشكل اليهودي التوراتي، والنسطوري (نسبة إلى نسطور بطريرك القسطنطينية سنة 428م، الذي حرمه مجمع أفسس سنة 431م، وأتباعه هم النساطرة، ونسطور أيضاً من أبطال إلياذة هوميروس، وهو ملك بيلوس الأسطوري).

كما يشير السيد مينورسكي، أو السيد هنري فيلد في دراساته عام 1952 في علم أصل الإنسان، وفي دراسته التي قام بها عام 1958 على أكراد كوردستان العراق، ولا سيما المقيمين منهم في زاخو وراوندوز وكركوك والسليمانية، إذ قادته دراساته إلى النتيجة نفسها، إلا أنه بمنهج علمي أعمق يُظهر لنا ما يأتي: «متوسط طول الكوردي (5–6) أقدام، والجذع طويل نسبياً والأرجل قصيرة نوعاً ما، والجبهة عريضة، والرأس كبير ومستدير وغالباً ما يكون قصيراً برقبته. وطول الوجه معتدل. وقد تبين من الفحص أن أقل من ربع الأشخاص كانوا (أرورين EURORRHINE)، والبقية كانوا (ميزورين MESORRHINE) و(ليبتورين LEPTERRINE)، وأنف الليبتورين غالباً ما يكون معقوفاً. والشعر مموج قليلاً وناعم، ولونه عادة كستنائي غامق، والعيون سوداء، أما الشعر الأشقر والعيون الزرقاء فكثيرة جداً، ولا سيما في المناطق الغربية من كوردستان. ولون البشرة أنصع من البشرة العربية، ولكنها ليست بصفاء بشرة الآثوريين. والأسنان عادية ومنتظمة جداً، أما عضلات الذين جرت دراستهم فهي بشكل عام تتوافق مع صحتهم الجيدة». ولدراسة صورهم بعناية اختار السيد هنري فيلد مجموعة من العروق المختلفة: الأرمني، والبلقاني، وحوض المتوسط، والأناضولي، والألبي (نسبة إلى جبال الألب). ولكن على الرغم من تلك الصفات الفيزيائية المتباينة فقد أثبت الأكراد وجودهم شعباً مستقلاً ومتميزاً، وإن كانوا، كغيرهم من الشعوب الأخرى، لا ينحدرون جميعاً من أصل واحد صافٍ. على أنهم من غير شك يشكلون مجتمعاً فريداً متميزاً بالشعور والإحساس المرهف الواضح المتأصل في طباعهم.


أجزاء «أصل الكورد» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←