الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
أناجيل الكنيسة الكاثوليكية وقرآن الإسلام في القرون الوسطى: المسيح في القرآن والإنجيل (الجزء الأول)
من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2011
يخبرنا القرآن الكريم أن مولد المسيح (ع) كان آية من آيات الله، وهذا تقدير له عبّر عنه مصدر الإسلام الأول بنصوص لا تقبل التأويل، قال تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ (مريم: 21).
وعليه فإن مولد المسيح (ع) كان آية من آيات الله، بل كان نبياً في قومه يهديهم ويرشدهم إلى سبيل الهدى، هدى الله.
وفوق ذلك كان ميلاده معجزة، إذ وُلد من غير أب، وهذا خارق للعادة.
وقبل أن نخوض في هذا، لنرَ قصة أمه وسيرتها أولاً: هل هي مؤهلة لهذا الحمل والعبء العظيم؟ ولنرَ ذلك من خلال القرآن، لئلا يدخل بحثَنا في هذا الأمر الاجتهادُ والتأويل، ففي القرآن القول الفصل. وتبدأ القصة على لسان امرأة عمران، أم مريم.
امرأة عمران أم مريم
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (آل عمران: 35).
وهذا الطلب من امرأة عمران، أم مريم، مقرون بالنذر، لأنها كانت امرأة عاقراً تقدمت بها السن ولم تُرزق من قبل بولد أو بنت. وكانت رغبتها في الولد أكبر لتفي بنذرها، إلا أنها أنجبت بنتاً، وهذا بالنص القرآني:
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ (آل عمران: 36).
هذه حقائق يعلمها علّام الغيوب، إلا أنها قيلت على لسان امرأة عمران، أم مريم، وربما للتدليل على أن الأمر سيكون عظيماً بشأن هذه المولودة، مريم، وكأنه يقول: إني أعلم من شأنها وشأن مستقبلها أكثر مما تعلم هي. ومثل ذلك ما جاء بصدد آدم عليه السلام حين قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30).
وكان ذلك إيذاناً بمكانة آدم عليه السلام وعلمه، إذ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
والشيء نفسه حين نوّه بمكانة مريم، أم عيسى (ع)، وشأنها العظيم في المستقبل. أما صفات مريم فقد جاءت بالنص القرآني الذي لا لبس فيه ولا غموض، قال تعالى بشأنها:
﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: 36-37).
قصة أم مريم، امرأة عمران
وهكذا كانت أم مريم قريبة من الله، وإلا لما لجأت إليه حين دعت ربها أن يهب لها مولوداً ذكراً قادراً على خدمة البيت أو المعبد، ذاكراً عابداً لله سبحانه وتعالى. وقد وهبته لهذا الأمر وتلك المهمة منذ يوم حملت به، إذ كانت ترى في الولد قدرة على القيام بهذه المهمة، وربما كانت تشير إلى الظروف والأعباء التي تمنع المرأة من القيام بها، لما تعانيه من أعباء الحمل والولادة والحيض وغير ذلك.
وزيادة في الإيمان قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (آل عمران: 36).
والحق أن آل عمران من المقرّبين المصطفَين الأخيار، إذ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 33).
وهكذا عاشت مريم بنت عمران، أم المسيح عيسى (ع)، في بيت كريم يعبق بالإيمان والعبادة والإخلاص لله تعالى، ولم يكن حالها غريباً عن حال أهلها، حتى الذي كفلها، وهو زكريا عليه السلام، كان تقياً عابداً لله تعالى.
وفي هذا الجو المؤمن عاشت مريم، أم عيسى، حياتها الأولى، وقد أورد القرآن ذلك في قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: 37).
أي أنها منزّهة عن العبث والاستهتار والفساد. هكذا هي مريم، أم عيسى (ع)، في تراث الإسلام والمسلمين، ولا غرابة، فالأمر منصوص عليه في القرآن الكريم، حتى إن قومها اعترفوا لها بذلك وبحسن سيرتها وأخلاقها، لقوله تعالى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (مريم: 28).
والحق أن الأمر كان غريباً وجديداً عليهم، ولكن كان عليهم أن يصدّقوا حين علموا من سيرتها ما علموا؛ فأمها، زوجة عمران، عابدة، وكذلك والدها، وزكريا عليه السلام الذي كفلها وربّاها. فكانت نموذجاً صالحاً في العبادة والتوحيد والاعتكاف المتواصل، كما وعدت بذلك أمها حين نذرتها للرحمن: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ (مريم: 16).
فقبل أن تأتيها البشرى كانت تفي بالنذر الذي قطعته أمها على نفسها حين وجّهت مريم إلى هذه المهمة، وهي التقوى والعبادة وخدمة البيت. تلك هي سيرة مريم في القرآن الكريم، ولا يشك أحد من المسلمين في أمرها أو في أخبارها، لأن سيرتها جاءت في أقدس كتاب إسلامي، القرآن الكريم، وهي مكتوبة كما نزلت من الوحي الإلهي.
وعليه فإن الحقيقة الأولى للمسيح (ع) ناصعة البياض في الإسلام، وهذه هي التربة الصالحة التي كانت تتهيأ لمجيء المسيح عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل.
وأما الزبد الذي نراه قد علق بسيرة المسيح (ع) فيذهب جُفاءً، ولا ينفع الناس، وهو من صنع المفترين عليه وعلى حياته، الذين جعلوا منه إلهاً مقدساً هو والرب في صف واحد، حتى قالوا: المسيح ابن الله، كما قيل من قبل: عزير ابن الله.
وهو لا يستنكف أن يكون عبداً لله. كل ذلك، وأكثر منه، سنراه في الصفحات القادمة، ونرى فيه سبباً للانحراف عن الحقيقة الكبرى، وهي معرفة الله، مما يزيد الصراع بين الحق والباطل، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.
قصة زكريا عليه السلام
تلك قصة مريم، ومن قبلها قصة امرأة عمران، أمها، وبينهما قصة زكريا، الذي كفلها، مع ربه: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (آل عمران: 38).
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: 39).
والغريب في الأمر أن الطلب جاء بعد فوات الأوان، وأسبابه غير متوفرة، بعد أن بلغ زكريا من الكبر عتياً، وزوجته عاقر لا قدرة لها على الإنجاب؛ فالأمر إن حدث فهو من قبيل الخوارق أو المعجزات، ويندرج ضمن آيات الله العظمى. وكل ذلك منصوص عليه في القرآن الكريم، فلو هضم المسلمون حقوق المسيح أو المسيحية لما كانت هذه الصورة الرائعة الناصعة البياض لكل ما يمتّ إلى المسيح وأمه مريم بصلة، وقد وردت في أقدس كتاب عند المسلمين، القرآن الكريم.
فامرأة عمران، أم مريم، كانت عاقراً، وزوجها عمران قد بلغ من الكبر عتياً، ولا تتوفر لديها عناصر الإنجاب وأسبابه. وزكريا الذي كفل مريم كانت زوجته عاقراً، وقد بلغ هو من الكبر عتياً واشتعل رأسه شيباً.
وأسباب الإنجاب بينهما أيضاً غير متوفرة، مما دعاه إلى الاستغراب فقال: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (آل عمران: 40).
وكذلك مريم التي حملت بالمسيح، فهي الأخرى غير متزوجة. وعليه فإن مجيء المسيح، حسب نصوص القرآن، بمثابة آية ضمن آية ثانية وأخرى ثالثة: في أمه، وفي أمها، وفي كافلها زكريا.
إن الحقيقة بكاملها قد جاءت بالنص القرآني، ولا أعتقد أن أحداً، كائناً من كان، يستطيع أن يضع هذه الإيماءات أو القصص الإخبارية على مسؤوليته، وبمثل ذلك الوضوح، إلا من هو عالم بالغيب وبقصص الأولين والآخرين، وهذا من اختصاص خالق البشر جميعاً، حتى إن الله يقول لنبيه محمد عليه السلام: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (آل عمران: 44).
قد نكون مبالغين في الأمر، أو متعصبين لديننا، ولكن أمراً واحداً يؤكد ما نقول: إن القرآن قد مضى عليه أربعة عشر قرناً، وتعرّض لظروف شتى ولأمم كثيرة، منهم الأعداء ومنهم الأصدقاء، فلِمَ لم تُحرَّف آيات القرآن كما حُرّفت الكتب السماوية الأخرى، كما هو الحال في الأناجيل أو في نسخ التوراة، حتى اختلفت النصوص فيها وتعددت، كما يذكر القرآن في نصوصه الواضحة؟
يضاف إلى ذلك تأكيد آخر: ما دام الرسول محمد بن عبد الله لم ينل قسطاً من العلم، فكيف له أن يضع هذه الأمور بمثل هذا الاتزان والصدق في التعبير والإخبار، دون خلل أو فتور، في الآيات والسور؟
قصة ميلاد المسيح (ع)
فالمسيح، كما ذكرنا، جاء ميلاده بمعجزة، كما جاءت معه معجزات، أما نحن هنا فبصدد ميلاده المعجز، وبداية ذلك كما يلي:
- التعبد والاصطفاء:
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 42).
- البشارة:
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (آل عمران: 45).
أما كيف حدث الأمر فكما ورد في النص التالي:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (مريم: 16-17).
فقد جاءها على هيئة إنسان سويّ الخلقة كامل الصورة، ليكون قادراً على مواجهتها في حال اندهاشها واستغرابها، كما حدث:
﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ (مريم: 18)، فأجابها بكلام مفهوم معروف: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ (مريم: 19).
وتستمر في الاستفسار لأن الأمر خارق للعادة: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (مريم: 20).
فبيّن لها أن في ذلك آية للناس، كمثل آية آدم وآية أمها وآية زكريا، مع اختلاف نوع الآيات. وهكذا بدأت المعجزة بحمل عيسى دون توفر أسباب ذلك الحمل؛ فمريم لم تتزوج بعد، ولا يمكن أن تكون امرأة بغيّاً أو تتعاطى البغاء سراً، لأنها معروفة بالتقوى والعبادة والاعتكاف، لذا قالت: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (مريم: 20).
فأسباب الحمل والولادة غير متوفرة طبيعياً، فهناك إذن خارقة أو معجزة حدثت، كما حدثت من قبل في هذا الخصوص، وكان ذلك من اختصاص الخالق.
فالذي خلق آدم عليه السلام من تراب قادر على أن يخلق عيسى عليه السلام من غير أب؛ فذاك آدم خُلق من تراب، أي من جماد، وهذا عيسى خُلق من أحياء، رغم أن ظروف الحمل والولادة لم تتوفر، وكأن الخالق يؤكد المعجزات ويكررها بين مرحلة زمنية وأخرى، إلى أن اكتملت بنزول القرآن، المعجزة الأبدية.
فاجتماع الرجل والمرأة مقدمة للتكاثر، وإن كان ذلك أمراً علمياً بحتاً، إلا أن المشيئة الإلهية تتدخل فيه أيضاً، فتجعل من اجتماعهما أنثى أو ذكراً أو لا شيء، أي العقم؛ نعم، هو اختصاص رباني لا دخل للإنسان أو للعلم فيه.
فآيات الله في الأرض والإنسان عظيمة وكثيرة، ولا يمكن أن تضعف إرادته عن خلق عيسى من غير أب، وهو الذي خلق آدم من تراب، فالأمر ليس غريباً على خالق الكون برمّته. فلا يجوز أن يُستغل هذا الأمر، العجيب على الإنسان، لصالح تأليه عيسى عليه السلام أو تقديسه لأنه وُلد من غير أب فقط، وكأنهم يقولون إنه ابن الله، أو طفل الله.
ثم لماذا نبتعد كثيراً؟ فما الفرق بين من لا ينجب شيئاً، أو هو عقيم بالطبيعة، ثم يُرزق بولد وهو في التسعين من عمره أو نحو ذلك، كما حدث للنبي زكريا عليه السلام وزوجته؟ أليست هذه معجزة أخرى؟ وكذلك امرأة عمران، أم مريم، التي لم تنجب وهي في الظروف العادية التي تؤهلها للحمل والولادة، ثم لم يحدث ذلك إلا بعد فوات الأوان. وكذلك إبراهيم عليه السلام وزوجته، حين بُشّر بغلام عليم:
﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ (الحجر: 54-55).
تلك معجزات الله وآياته العظمى في خلقه لعلهم يذّكّرون. وكان الأجدى بأولئك الذين احتاروا في أمر المسيح، بين مصدّقين ومكذّبين أو بين بين، أن يقرؤوا تاريخ الرسل والأديان، ويروا اطّراد السنن وثباتها، لا سيما مع الأنبياء.
فيتأكد لهم صدق المسيح وأمه مريم لا كذبهما. وحتى الذين صدّقوا منهم غالوا في الأمر وقالوا: هو ابن الله، فعبدوه، فأشركوا مع الله إلهاً آخر، وتلك قمة الوثنية والشرك.
فمن لا يملك حقائق الأديان لا يستطيع أن يحكم على سلامة الأمور، وأولئك لا يمكنهم أن يبشّروا بما لا يملكون، إذ ضعف الطالب والمطلوب.
ثم نسأل: كيف كان وقع الخبر على قومها؟ لنرَ كيف جرت الأمور. جاء في النص القرآني في سورة مريم: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ (مريم: 22-23).
فكانت السماء ترعاها وتنبتها نباتاً حسناً لتؤهلها للمخاض العظيم، وللأمر الذي سيقلب الدنيا كلها. فمن البشارة جاءها الهدوء واليقين العظيمان، ومن قبلها تعوّدت الصلاح والتقوى والصبر، وخلال الحمل كان الله يرعاها ويحفظها من كل كرب، حتى كيف تعمل حين المخاض، وكيف تأكل وكيف تشرب؛ كل ذلك جاءها عن طريق الوحي والإلهام، وأُمرت ألا تحزن، وأن تحافظ على هدوء حالها ونفسها، فكل شيء ميسّر لها.
﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (مريم: 24).
ثم أمر الله في الأكل والشرب: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (مريم: 25).
وحتى صراعها مع قومها، وهو الذي توقعته، كان يصلها أمره تباعاً، وكأن هناك وحياً يوحى إليها فيقول لها: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (مريم: 26).
وبعد أن ثبّتها، وتمّ لها الأمر على خير ما يرام من ناحية الحمل والولادة، وتلقّت التعليمات لمواجهة القوم: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ (مريم: 27).
براءة مريم أم عيسى (ع)
ومنذ ذلك اليوم قوبلت مريم بالنكران والجحود والتنصل منها، مع كل ما لديها من رصيد في الأدب والأخلاق والإيمان، حتى استحقت وسام البطولة والصبر، فدخلت صفحات التاريخ من أبوابه الواسعة، وسُطّرت سيرتها البريئة النقية الطاهرة في آيات محكمة لا لبس فيها ولا غموض:
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 42).
ثم جاءت براءة مريم في هذا النص القرآني: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ (التحريم: 12).
وقد أشارت هي إلى ذلك من قبل، وبالنص القرآني أيضاً: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ (آل عمران: 47).
ولكن الإرادة الإلهية أرادت ذلك، وهي تقول للشيء كن فيكون: ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: 47).
كل ذلك أدلة واضحة على براءة مريم بنت عمران، أم عيسى، جاءت بالنص القرآني في الوقت الذي تُحرَّف فيه مثل هذه الحقائق في الكتب الأخرى. وكان على التطرف الصليبي أن يفهم معجزة النبي عيسى في خلقه، لا أن يجعل المسيح ابن الله، ولا أن يفرّط فيجعل المسيح ابناً غير شرعي لمريم. ولو قرأ دعاة التبشير والاستشراق تلك الحقائق بجدية وحياد لأدركوا قيمة الدين الإسلامي فقدّروه حق قدره، ولكنهم يغضّون الطرف عن ذلك، فيأخذون ببعض القرآن ويكفرون ببعضه، وهم الذين جعلوا القرآن عِضين.
ونستمر في توضيح الأدلة على براءة مريم، وكذلك سيرة المسيح، من خلال النص القرآني؛ فها هو الصبي عيسى يشهد ببراءة أمه فيقول: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ (مريم: 30-32).
وعليه يمكن القول إن هناك قضايا حيوية يمكن استخلاصها من هذه النصوص القرآنية:
أولاً: المسيح عيسى هو ابن مريم، وليس المسيح ابن الله كما قالت النصارى أو بعضهم.
ثانياً: المسيح عبد الله، وليس إلهاً مقدساً، وليس أيضاً ثالث ثلاثة، وهذا لا شك هو الشرك بعينه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة: 75). وهكذا هو رسول إلى بني إسرائيل ليس إلا: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (آل عمران: 49).
صفات المسيح عيسى عليه السلام
الحق أن قصة المسيح عيسى وسيرته متداخلة بقصة أمه مريم ابنة عمران وسيرتها. ولكن ما الذي يجعل حقيقته في القرآن بريئة ناصعة واضحة وضوح الشمس، وهي على غير ذلك حتى بين قومه؟ ولِمَ ناصبوه كل هذا العداء حتى خُيّل إليهم أنهم صلبوه، وكأنه ابن عاقّ أو غير صالح؟ فلا نسمع من قصته عندهم إلا الصلب والقتل ووضع الشبهات عليه، منذ بدء حياته وحتى نهايتها.
فصفات المسيح في القرآن ناصعة البياض؛ فهو مبارك أينما كان، بارّ بوالدته، ولم يكن يوماً جباراً شقياً.
وهو فوق ذلك مقيم للصلاة، عابد لله، منفق في سبيله. فإن كان الإسلام بوجه عام، والقرآن بوجه خاص، يريد أن يناصب المسيح العداء، ويهضم له حقاً، أو يشوّه سمعته، فلِمَ كل ذلك الوصف والتقدير لشخص المسيح؟ أيمكن أن يُدرج ذلك في سلّم العداوات أو الحقد أو التشهير، والقرآن هو الذي قال عنه: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (آل عمران: 45)؟
فلِمَ هذا التطاول على أمة الإسلام وعلى كتابها المقدس، القرآن الكريم؟ أيمكن أن يُقابَل ذلك التقدير، وجعلُه وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين، بالنكران والحرب الشعواء على أمة الإسلام؟ ومن ذا الذي تطاول على شخص المسيح من المسلمين حتى يتطاول أولئك السفهاء على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي بشّر بمجيئه عيسى ابن مريم نفسه؟
لِمَ هم غير قادرين على فهم الأديان وتاريخها؟ إنما هي يد سفيهة تصوّر لهم الأمور على غير حقيقتها، لتبقى النار مستعرة بين المسلمين والمسيحيين. وكان الأحرى بهم أن يدخلوا في الإسلام جماعات ووحداناً حين علموا أن القرآن، والقرآن وحده، قادر على إفهامهم حقائق دينهم ونبيهم. والحق أني لا أرى إلا يداً اندسّت إلى التراث المسيحي الأصيل وعبثت في طياته حتى تاهت لديهم الحقيقة.
أجزاء «أناجيل الكنيسة الكاثوليكية وقرآن الإسلام في القرون الوسطى: المسيح في القرآن والإنجيل» (3 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث