الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

أناجيل الكنيسة الكاثوليكية وقرآن الإسلام في القرون الوسطى: المسيح في القرآن والإنجيل (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2011

رسالة المسيح عيسى ابن مريم (ع)

قيل إن المسيح عيسى ابن مريم (ع) بُعث وهو في الثلاثين من عمره، وكان جوهر دعوته التبشير بالروح وهجر الملذّات الضالة (1).

جاء ذلك في كتاب أحمد شلبي «مقارنة الأديان: المسيحية». أما المعجزات التي وردت في القرآن الكريم نصاً، فهي في قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 49).

تلك أربع معجزات وردت في سورة آل عمران في الآية 49. أما المعجزة الأخرى، التي وردت في سورة المائدة، فهي التي كانت حاسمة، حين حاجّوه في رسالته وألحّوا عليه، حتى الحواريون منهم: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (المائدة: 112-113).

تلك هي المحاججة الشديدة من الحواريين، وهم المؤيدون الوحيدون لرسالته: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ۝ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (المائدة: 114-115). وهكذا يمكن، من الآيات المذكورة، أن نعدّد معجزات المسيح التي أيّده الله بها كالآتي:

المعجزة الأولى: خلق الطير من الطين

قال أحدهم (2) إنه كان يصنع من الطين طيراً على شكل خفّاش، ثم ينفخ فيه فتسري في جسمه الحركة وتدبّ فيه الروح. ومنهم من زاد في الوصف فحدّد كم متراً طار وكيف! ومنهم من قال إنه كان يجمع الصبيان ثم يخلق أمامهم من الطين طيراً فينفخ فيه، فيصبح طيراً ذا حركة ونشاط. والحق أنه لا يهمنا كيف ومتى؛ المهم أن خلق الطير من الطين ثابت بالنص القرآني، وهذا أمر ليس غريباً على إرادة الله وقدرته.

فهناك عصا موسى التي تحولت إلى ثعبان تلقف ما يأفك فرعون والسحرة الذين جمعهم. وهناك إبراهيم عليه السلام حين سأل ربه كيف يحيي الموتى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: 260).

والمهم في الأمر أن كل ذلك يتم بإذن الله؛ فها هو عيسى عليه السلام يقول: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فالفعل إنساني الشكل، ولكنه إلهي الروح والإرادة، ولا غرابة، فعيسى نفسه مخلوق بمعجزة.

ومن هنا نودّ أن ننبّه إلى أن دراسة الأديان والأنبياء تحتاج إلى علم وإيمان روحي وقلبي، ولا تُفسَّر بالعقل والمنطق أو العلم فقط؛ فمنطق العلم مثلاً يقول بضرورة تزاوج الذكر والأنثى من أجل الإنجاب، ولكن منطق الإيمان بالقلب والروح يقول بإرادة أخرى خفية تتحكم في هذا الكون، قد لا يفهمها العلم بقدر ما تفهمها كتب الأديان الصحيحة، ولا سيما القرآن، فهو لا يخاطب العقل فقط، بل يخاطب جميع الحواس، وعلى رأسها القلب. وهذا ما يجهله دعاة الصليبية من المبشرين والمستشرقين حين أغلقوا قلوبهم عن حقيقة الله الكبرى في الأنفس والآفاق.

المعجزة الثانية: إبراء الأكمه والأبرص

تفلسف كثيرون في أمر هذه المعجزة، ونحن في هذه الدراسة لا تهمنا تلك الفلسفة في قليل أو كثير. المهم أن هذه المعجزة كانت من معجزات المسيح عليه السلام، وقد ذُكرت بالنص القرآني بحيث لا تحتاج إلى تأويل، وهي من اختصاص الله وحده، لا من اختصاص المسيح أو الرهبان أو غيرهم ممن خلفوه. فالمعجزات تأتي لظروف ومسبّبات، وتنتهي بزوالها، لأنها غير خاضعة لقانون أو قاعدة علمية دائمة؛ فالذي يبقى هو ما يخضع للناموس ولقانون العقل والعلم، أما المعجزات فهي من اختصاص المولى عز وجل، ولا تُعطى إلا بإذنه ولأسباب وظروف معينة.

ونعتقد أن زمن المعجزات قد انقضى، وأن ما بقي خاضع للناموس العلمي، بعد أن تشكّلت البشرية بشكلها الصحيح القادر على الفهم والإدراك، وبعد تمام الرسالات بمعجزة القرآن. فالمعجزات، ولا سيما الحسية منها، وقتية التأثير، تزول بزوال صاحبها أو وفاته وبزوال الظروف؛ فمعجزة موسى، العصا، انتهت، ولا يدّعي أحد من بعده القدرة على فعل ما فعله موسى عليه السلام بعصاه، وكذلك عيسى عليه السلام وغيره من الأنبياء عليهم السلام.

المعجزة الثالثة: إحياء الموتى

ظهرت هذه المعجزة واستُعملت في زمن صاحبها ولظروف الرسالة ذاتها، فأمرها قد انقضى، ولم يبق إلا ذكراها لعلهم يتذكرون، ولا يستطيع أحد أن يدّعي لنفسه ذلك الحق بأي صورة من الصور.

المعجزة الرابعة: المائدة التي طلبها الحواريون

وقد جاءت بنص الآية: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ (آل عمران: 49).

أي إخبارهم عن طعامهم، ولا سيما المجهول منه، والتنبؤ به مستقبلاً، أو بما ادّخروه منه. وتتمة معجزات عيسى عليه السلام هي المائدة التي طلبها الحواريون حتى يتأكدوا من صدقه، وجاء ذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (المائدة: 114).

وفعلاً نزلت مائدة من السماء، وهو ما يعترف به قومه حتى اليوم، الأمر الذي يؤكد عظمة الله وقدرته، لا قدرة المسيح وعظمته. وهذا يدخل في صميم رسالته وفحواها، التي جاء بها وامتلك كل هذه المعجزات من أجل تحقيقها.

جوهر رسالة المسيح عيسى (ع)

ولكن ما الذي جاء به المسيح حتى أيّده الله بكل تلك المعجزات؟ أو ما الهدف الأساسي من رسالته؟ فالمعجزة الأولى جاءت بمولده، إذ كان ميلاده معجزة حقاً، ولأنها معجزة لا يصدّقها العقل جاءت المعجزة الثانية مفسّرة للأولى، فكانت معجزة الكلام في المهد، أي وهو صبي، وكانت بمثابة شهادة براءة لأمه مريم، وهي أيضاً معجزة وإن لم تتكرر، ولا شك أنها لتأييد رسالته، وبيان أنه لم يأت بها من عند نفسه، وأنه مؤيَّد بقوة أعلى من قوته.

وإذا استسلم الإنسان لحسّه الفطري وما يمتلكه من الشعور الديني الفطري، فإنه يستطيع الربط بين الذي أنطقه وبين خالق السماوات والأرض الظاهرة للعيان، وأن القادر على الأولى قادر لا شك على الثانية، وهذا من اختصاص القادر الخالق. لذا كانت أولى أهدافه، كما نرى، الدعوة إلى التوحيد الإلهي، والتصديق بما بين يديه من التوراة، كما يقول هو: «ما جئت لأهدم الناموس، ولكن جئت لأتمم الناموس». وهذا ما نطق به القرآن في أكثر من آية: أنه ما جاء إلا للتصديق بالرسالات، وبالأخص رسالة التوراة، ثم للتبشير برسالة القرآن.

وأن مصدر ذلك كله هو الله، تعالى عما يشركون، فلا داعي إذن للشرك والإلحاد. ومن يؤمن بذلك يدرك إدراكاً عاقلاً ماهية الأديان والرسالة الواحدة التي جاءت بها من حيث الهدف والوسيلة. أما الأهداف فهي:

أولاً: الدعوة إلى التوحيد

وهكذا نرى أن الهدف الأول لرسالة عيسى عليه السلام هو نفس الهدف الذي جاء به النبي محمد (ص)، وهو أيضاً هدف التوراة الصحيحة، ولا غرابة، فالمرسِل واحد وإن تعدّد الرسل.

وهذا ما أدركه النجاشي، ملك الحبشة، ساعة سماعه رسالة محمد عليه السلام، وهو المتعمق في رسالة عيسى عليه السلام، فقال: «إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة». ودعوة المسيح التوحيدية جاءت بالنص المطلق في القرآن كما نرى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ (المائدة: 72).

وعليه فهو عبد لله جاء برسالة محددة عليه تبليغها، فيقول: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ (المائدة: 117).

إذن، القضية الأساسية في حياة المسيح كانت الدعوة إلى الإسلام لا إلى أي دين آخر، وهذا أمر حسمه القرآن في الآية: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 52).

إذن، التسمية الحقيقية لأتباع المسيح، أو للحواريين الذين ساندوه ونصروه، هي أنهم مسلمون. وهذا اعتراف حقيقي لا مجال لتكذيبه، ولو أمكن تحريفه وتكذيبه لتمّ ذلك فيما مضى ونحن مستضعفون أمام قوى الغرب الصليبي، ولكن الله حفظه من التحريف أو التبديل، ليكون أبداً مستند صدق يحسم قضايا الغيب وأخبار الديانات وقصص الأولين، وهي التي تغيب عن الناس ولا تغيب عن خالقهم، وهكذا كان.

فالقضية الأساسية مع أهل العلم من الذين أوتوا الكتاب ولم يتعصبوا لدينهم كانت سهلة؛ فكم من مؤمن بالمسيحية انضوى تحت لواء الإسلام وأصبح من المدافعين عن مبادئه، مثله مثل الحواريين من أنصار المسيح الذين قالوا: واشهد بأنا مسلمون. وها هي آية أخرى توضح ذلك: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (المائدة: 111).

ولكن قضية التوحيد الإلهي كان قد جاء بها موسى عليه السلام، فلا يمكن أن يكون عيسى قد جاء بقضية واحدة، والبشرية قد قطعت شوطاً بعيداً على درب التوحيد الإلهي، من إبراهيم إلى يعقوب ويوسف، ومن قبلهم نوح وهود وصالح وغيرهم. فلا بد أن في الأمر قضايا أخرى جاء بها، أو جاء للتذكير بها، وأن هناك ظروفاً أخرى اقتضت مجيء نبي مثل عيسى للتذكير بما ذكّر به موسى، وهو الذي جاء أيضاً لبني إسرائيل. والمعروف من الظروف البيئية التي كانت تسود تلك الفترة وأهلها أنها ظروف موغلة في الوثنية المادية وحب الشهوات، والتمادي في أكل أموال الناس واستغلالهم بالربا وغيره، والتطفيف وإخسار الميزان.

ثانياً: العمل الصالح

والقضية الثانية التي جاء المسيح من أجلها هي الدعوة إلى الأعمال الصالحات، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتوحيد الإلهي المطلق، إذ إن الوثنية المادية واتباع الشهوات وترك الأعمال الصالحات كانت ظواهر أساسية في النظم الوثنية. قال تعالى، وهو العالم بأخبار الأولين: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (مريم: 59).

وهكذا كان المسيح منذ يومه، بل منذ كان في بطن أمه مريم، روحياً في حياته ودعوته؛ فقد نبّه قومه إلى مساوئ التمادي في الغيّ المادي واتباع الشهوات، ودعا إلى الزهد والتواضع وإقامة الصلوات والإنفاق في سبيل الله ورفع الظلم عن المظلومين. وهذا أيضاً ما دعا إليه الإسلام، وما جاء من أجله الرسول محمد بن عبد الله، ولا غرو، فدعوته ودعوة الإسلام تصدران عن سراج واحد. وهكذا يمكن أن نلخّص الأعمال الصالحات التي دعا إليها المسيح تحت بنود رئيسية محددة، وإن تفرّعت إلى تفاصيل وفروع وأعمال ثانوية، فهي تنصبّ في الأطر والقواعد أو المبادئ الإسلامية الآتية: العبادات، والمعاملات، والأعمال الصالحة.

1. في العبادات

دعا إلى الإخلاص في العبادة لله وحده لا لأحد غيره، كما أوردنا سابقاً في قضية التوحيد، والعبادة أنواع: الصلاة والزكاة وغيرهما: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (مريم: 31).

وفي الآية التي قبلها: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (مريم: 30).

فالإيمان، كما نرى، يستتبع العبادة والإخلاص لله تعالى وحده. وكما رأينا كانت الصلاة أساس العبادات لديه، أو هي عماد الدين، فهي مظهر من مظاهر الخشوع لله، تأتي بعد الاعتراف بالقلب والإقرار باللسان بأن الله وحده هو المعبود، وهذا هو ما جاء به الإسلام. فأيّ فرق بين ما جاء به محمد بن عبد الله وما جاء به عيسى ابن مريم؟

فإن كان من فرق فهو التمام والكمال لكل الرسالات، الذي جاءت به رسالة محمد القرآنية؛ فهي الكل، والتوراة والإنجيل أجزاء، ولا يوجد تناقض واحد بينها، والمقصود طبعاً التوراة الصحيحة والإنجيل الصحيح اللذان نوّه بهما القرآن.

والعبادات التي جاءت في الإسلام كانت أكثر تفصيلاً منها في التوراة والإنجيل، إذ جاءت رسالة القرآن بالصوم والصلاة والزكاة والحج، وبدايتها الشهادتان، ولكن الأساس واحد، والعبادة لإله واحد.

2. المعاملات والأعمال الصالحة

أول قضية عالجتها رسالة المسيح قضية المرأة، التي كانت مظلومة مقهورة في العهود التي سبقت مجيء المسيح (ع)، فأوصى ببرّ الوالدين، وهي نفس القضية التي جاءت بها رسالة محمد (ص): ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 23).

فالعبادة أولاً، وبرّ الوالدين ثانياً؛ هذا ترتيب الأولويات في الرسالة القرآنية. أما في رسالة المسيح فيقول المولى عز وجل على لسانه: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ (مريم: 32).

فالأمر أكثر من واضح؛ إذ ما دام المسيح لا يملك من الوالدين إلا الأم، فقد جاء البرّ هنا خاصاً بوالدته، ليؤكد في الوقت نفسه براءة أمه مريم وأنه مولود من غير أب. ويدخل ضمن بند المعاملات الإحسانُ إلى الناس والتودد إليهم باللين واللطف، والأخذ بيد الضعفاء والفقراء منهم. وهذا الأمر من أكبر وأول اختصاصات رسول الإسلام محمد بن عبد الله، الذي نشأ فقيراً يتيماً لا حول له ولا قوة، ولذا عرف كيف يوصل الحقوق والمعروف إلى الفقراء والمحتاجين والمساكين والضعفاء، وهي المراحل التي مرّ بها قبل أن يصير نبياً.

3. العدل في الحكم

أما القضية الأخرى، بعد الدعوة إلى الأعمال الصالحة، وبعد قضية التوحيد الأولى التي ناقشناها في بداية هذا الموضوع، فهي قضية الحكم والعدل فيه. وقد جاء ذلك في التوراة والإنجيل، كما بيّنته نصوص قرآنية واضحة وُجّهت إلى الرسول محمد بن عبد الله حين طلبوا منه أن يحكم بينهم: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: 43).

وليؤكد حقيقة التوراة الصحيحة وقربها، هي والإنجيل، من الإسلام يقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ (المائدة: 44).

أما الآية الشاملة لذلك فهي: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ (المائدة: 46).

فإن كانوا يبغون الحكم العادل والقول الحق فهو موجود لديهم: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 47).

ولو فعلوا ذلك، على أساس من الإنجيل الصحيح، لوجدوا أنفسهم والمسلمين في مرتبة واحدة، ولاختاروا الإسلام شريعة لهم، فهو شامل لكل أحكام التوراة والإنجيل، وهو مبرّأ من التحريف والتبديل، وهذا عهد من الله لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).

فذلك هو الحكم الإلهي، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾؛ فالله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والمساكين وابن السبيل.


أجزاء «أناجيل الكنيسة الكاثوليكية وقرآن الإسلام في القرون الوسطى: المسيح في القرآن والإنجيل» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←