الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

أناجيل الكنيسة الكاثوليكية وقرآن الإسلام في القرون الوسطى: المسيح في القرآن والإنجيل (الجزء الثالث)

من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2011

الموقف من رسالة المسيح (ع)

أولاً: من الأتباع

وهكذا فهمنا فهماً صحيحاً، من كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حقيقة المسيح وحقيقة رسالته؛ إذ كانت حقيقة المسيح ورسالته في القرآن الكريم ناصعة البياض. كيف لا، وهي توطئة لمسيرة الإسلام ومجيء القرآن، وكانت تبشيراً برسول يأتي من بعد عيسى اسمه أحمد، محمد صلى الله عليه وسلم. وقبل ذلك رأينا كيف كانت حياته مع أهله وذويه وأهل بيته، وأخص بالذكر هنا أمه مريم، وكيف كان باراً بها، ورأينا أخلاقه وكرمه، وكل ذلك استحق عليه الذكر بآيات ونصوص قرآنية لا تزول ما دامت الحياة. إنها شهادة تقدير من المولى عز وجل لهذا الإنسان والنبي العابد المخلص في عبادته لله، عيسى ابن مريم، الذي كان حامداً شاكراً لأنعم الله، لم يفكر قط في ملء معدته، بل كان جلّ همّه أن يملأ روحه وقلبه بالإيمان.

تلك حقيقة المسيح عيسى ابن مريم (ع)، برزت واضحة في القرآن الكريم، ثم يقال بعد ذلك إن الإسلام هضم حق المسيح!

لا أعتقد أن عاقلاً واحداً يقرأ تلك النصوص يمكن أن يتهم القرآن بالتحيز، والإسلام بالتطاول على شخص المسيح (ع)، وحتى رسالته التي جاءت في الإنجيل، والتي أبرزناها بنصوص قرآنية، كانت توطئة لمبادئ الإسلام وتصديقاً له، كما هو مصدّق لما بين يديه من التوراة والإنجيل.

فلا حق المسيح مهضوم، ولا رسالته مهضومة، في النصوص المعترف بها في الإسلام. أما إن تطاول أحدهم عليه فهو تطاول شخصي لا يعبّر إلا عن رأي صاحبه.

ومثل ذلك حدث في الدين المسيحي من أتباعه، وحدث مثله في الدين الإسلامي من أتباعه أيضاً. والفرق أن التطاول والتحريف، إن حصل، كان له تأثيره في التوراة والإنجيل، أما القرآن فلا أحد قادر على ذلك، فذلك وعد من الله، لأنه يقول عنه إن فيه القول الفصل لكل الأمم والأديان ولأخبار الأمم السابقة.

وكل ذلك حدث، ومنصوص عليه في القرآن الكريم بنصوص واضحة، لتبيان قصة ما حدث في الإنجيل من تحريف أو تبديل: كيف حدث؟ وما الهدف من ذلك التحريف؟ وهل كان لذلك التحريف أثر في إذكاء الفتنة بين المسلمين والمسيحيين؟ وكان الانحراف الأول في المبدأ الأول لرسالة المسيح، وهو:

  1. التوحيد المطلق والإيمان بإله واحد لا شريك له. والتحريف الذي حصل هو الشرك بالله، أما الشركاء فهم: المسيح نفسه، وذلك بسبب المغالاة في حبه، حتى قالوا عنه شتى الأقاويل من أجل تقديسه وتقديره، فأصبح شأنهم وشأن الذين يعبدون الأوثان سواء، فاستبدلوا بعبادة الله وتقديسه عبادة المسيح وتقديسه، لفرط حبهم له: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ (التوبة: 30).

  2. تقديس أمه مريم: وهذا منصوص عليه أيضاً في القرآن لتبرئة ساحة عيسى مما يفترون: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (المائدة: 116)، أما جوابه فهو: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (المائدة: 116).

  3. تقديس الرهبان أو الأحبار من بعد المسيح عيسى ابن مريم، إذ تأصلت فيهم الوثنية وعبادة الأشخاص، وكان أولهم المسيح. ثم بحثوا عن شخص تتقمصه شخصية المسيح، فكان البديل الراهب أو البابا، وهو الإنسان الممثل الشخصي للرب على الأرض بدلاً من المسيح، لذا هو السيد المطاع، وهو الذي يمنح صكوك الغفران لأنه الواسطة، إذ لا سبيل إلى الله عندهم إلا بواسطة. وهذا الوسيط مذكور في آيات القرآن نصاً: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: 31).

وهكذا اتضحت حيثيات القضية، وأن المسيح على حقيقته في القرآن طُهراً وتقديراً. وذلك هو التزييف الذي حصل من أحباء المسيح والذين قدّسوه؛ فتارة هو الرب الحقيقي، وتارة هو الله المتقمّص في شخص المسيح، وثالثة هو ابن الله كما رأينا فيما سلف. وهذا الخلط والشرك بالله استتبع معطيات كثيرة وحقائق مشوّهة عن الأديان الأخرى، مما أدى بادئ الأمر إلى تقديس المسيح وإنكار ما عداه، والإيمان به وتقديسه، والكفر بما جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. وكلها قياسات مادية مصلحية سياسية لا تصل إلى حقائق الأمور وجذورها، وهذا قصور في فهم الرسالات السماوية، وأخذٌ لانطباعات خاطئة عن الخالق، لأن التراث الذي نهلوا منه فيه تغيير وتبديل يخدم المصالح والأهواء والتيارات السياسية لا غير. ولا غرو، فالحقيقة الكبرى، حقيقة الله، تجسّمت عندهم في شخوص إنسانية تدركها الأبصار، وكأن الملكوت السماوي انتقل إلى الأرض بنزول المسيح أو بمجيئه.

وهنا يجب أن نتوقف طويلاً عند هذا التغيير وهذا التحريف للحقائق، فهي التي فعلت فعلها في الصراع الإسلامي المسيحي الصليبي، حتى لكأني بهم يصوّرون الله بصيغة مقبولة لديهم غير مقبولة لدى الآخرين، فكان الإله إلههم، والملكوت السماوي هم رؤساؤه، كيف لا وهم المسيح، والمسيح هو الرب!

سبحانه وتعالى عما يشركون. وقد قال لهم ألف مرة ومرة إنه لا يزيد على أن يكون عبداً لله الواحد القهار، وإن أمه مريم صدّيقة تأكل كما يأكلون وتشرب كما يشربون، وهو وأمه في ذلك سواء.

فإذا كان ذلك من أحباء المسيح والمؤمنين برسالته، فما الذي حصل من أعداء المسيح؟

ثانياً: من أعداء المسيح عيسى ابن مريم (ع)

كانت القضية الأولى متعلقة بميلاد المسيح وبراءة مريم؛ فالذين افتروا على أمه مريم بالكذب والبهتان وقول الزور، وطعنوا في شرفها، كثيرون، وهي من ذلك براء بشهادة السماء في القرآن الكريم: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 156).

والذي يتهم شخصاً في أعز ما يملك لا بد أن يحرّف ويضلّل من حوله ليصدّقوه فيما يقول، لذا دار اللغط حول المسيح عيسى وأمه مريم، ومن الذين كفروا به وكذّبوا برسالته، وهؤلاء اتخذوا الجانب العدائي من رسالة المسيح (ع). وإن كان عداؤهم واضحاً جلياً، فإن الافتراءات حول رسالة المسيح وما جاء به أخذت أشكالاً واتجاهات عدة، فما لم ينفع منها في دحض رسالة المسيح استُبدل به غيره: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8).

وهؤلاء الذين ناصبوه العداء قالوا: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ (النساء: 157).

وهم من بني إسرائيل أو غيرهم، قالوا عنه شتى الأقاويل كما يخبرنا القرآن، وهذه جرأة لا مثيل لها، إلا أن القرآن يذكر غير ذلك، فيقول تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء: 157).

ثم اختلفوا بينهم، بين مصدّق ومكذّب، فاتبعوا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً:

﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ (النساء: 157).

وهذا الشك أحدث اضطراباً في الاعتقاد بين أهل الكتاب، فالتمس بعضهم المبررات لموت الرب، ودار حول ذلك لغط كبير وتفسيرات كثيرة، كيف لا والحقيقة عندهم غير واضحة. فمنهم من قال بعقيدة الصلب وآمن بها كي يبرر ما سمع به أو رآه بعينيه، وهذا أيضاً أحدث اضطراباً في العقيدة وأسسها، بل أتى عليها من القواعد؛ فالله حيّ لا يموت، فكيف يموت المسيح ويُصلب؟ وكيف يكون الرب بمثل هذا العجز، غير قادر على الدفاع عن نفسه، فما بالك بنصرة المستضعفين في الأرض؟ وأصبح القوم حتى يومنا هذا يفسرون ذلك كما يحلو لهم.

وكلمة الفصل في القرآن العظيم، فعليهم أن يختصروا الزمن فيعرفوا الحقيقة التي ضاعت، وكان لضياعها أثر عظيم على الأمم والشعوب والأفراد. ونحن هنا نورد رأي القرآن في المسيح عيسى (ع)، وأن المسيح لم يُقتل، ولكن الله رفعه إليه ليطهّره من الذين كفروا، وقد جاء ذلك في النص الآتي: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (آل عمران: 55).

نهاية المسيح عيسى ابن مريم (ع)

نعلم أنه قد حدث لغط كبير حول وفاته أو رفعه إلى السماء، كما سنرى.

نعم، كما يظهر من الآية القرآنية السابقة وغيرها، حدثت اختلافات كثيرة حول المصير الحقيقي للمسيح: هل مات على الأرض ودُفن فيها، أم رُفع إلى السماء بروحه وجسده ساعة الهجوم عليه للقبض عليه ثم صلبه؟ وليس لنا هنا، بعد أن حصل الاختلاف في التفاسير، إلا أن نعرض بعضاً منها، ونبدأ بتفسير المنار؛ إذ يقول محمد رشيد رضا في تفسيره عن الآية (55) من سورة آل عمران المذكورة سابقاً ما يلي (3):

«روي عن ابن عباس أن تفسير الوفاة هنا بالإماتة، كما هو الظاهر، وعن ابن جريج تفسيرها بأصل معناها، وهو الأخذ والقبض، والمراد منه ومن الرفع إنقاذه من الذين كفروا».

«قال ابن جرير بسنده عن ابن جريج: فرفعه إياه توفّيه إياه وتطهيره من الذين كفروا». أي ليس المراد الرفع إلى السماء، لا بالروح والجسد ولا بالروح فقط. والمشهور بين المفسرين وغيرهم أن الله تعالى رفعه بروحه وجسده إلى السماء، واستدلوا على ذلك بحديث المعراج الذي رأى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عيسى ابن مريم وابن خالته يحيى في السماء الثانية. ويستمر فيقول: ولو كان هذا يدل على أنه رُفع بروحه وجسده إلى السماء لدلّ على رفع يحيى وسائر من رآهم من الأنبياء في سائر السماوات، ولم يقل بهذا أحد.

أما الإمام الرازي فيقول في قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: أي منهٍ أجلك، ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾: أي رافع مرتبتك ورافع روحك إليّ، ﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾: أي مخرجك من بين الذين كفروا (4).

أما الشيخ شلتوت، شيخ الجامع الأزهر سابقاً، فيقول إن كلمة الوفاة تعني في القرآن الموت، حتى صار هذا المعنى هو الغالب عليها.

ويقول الآلوسي في «روح المعاني» عن ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: أي إني مستوفٍ أجلك ومميتك موتاً طبيعياً، أما الرفع بعد الوفاة فهو رفع المكانة لا رفع الجسد.

فيما نجد ابن حزم يقول في «الفصل في الملل والأهواء والنحل»، وهو يتحدث عن المسيحية، إن الوفاة تعني الموت الحقيقي، وهو يقرّ بعودة المسيح ثانية.

وهكذا نرى أن مجموعة كبيرة من المفكرين ترى أن المسيح قد مات ميتة طبيعية، شأن أي إنسان أو أي نبي، فهو مثلهم.

وقال مثل ذلك الأستاذ محمد أبو زهرة والشيخ المراغي وغيرهما (5).

ومن هذا يقرر أحمد شلبي في كتابه «المسيحية» ما يلي:

«إن القول بأن عيسى ابن مريم قد رُفع بجسمه وروحه اعتقاد متأثر بالاتجاه المادي في الإنسان، ومتأثر كذلك بالفكر المسيحي الذي يرى أن عيسى عليه السلام هو الإله الابن، نزل من السماء ثم رُفع ليعود للجلوس بجوار أبيه الإله الأب» (6).

ويستطرد فيقول: أما المسلمون الذين يعتقدون أن الله واحد، وأنه في كل مكان وليس جسماً، فكيف يوفّقون بين هذا وبين رفع عيسى ليكون مع الله؟ فالله في كل مكان، ولو بقي عيسى على الأرض لكان مع الله أيضاً. وكيف يوفّقون بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ (الأنبياء: 34)؟

ولا بأس أن أضع رأياً في هذه القضية المهمة:

  1. إن الإنسان لا بد أن يخضع لظاهرتي الموت والحياة، ومن دونهما لا تتم له الحياة على الأرض، إلا أن صوراً من الوفاة قد تظهر ولكن إلى حين مؤقت، مثل النوم والإغماء، أي فقدان الوعي والحركة بعض الوقت. والموت أيضاً قد يتم بأسباب عدة، بالقتل أو بالمرض، أو بدون ذلك، فقد يموت الإنسان أو الحيوان وهو واقف دون سبب ظاهر. وهكذا فالموت الحقيقي واحد، وهو الموت الذي يدوم أجله، فلا يُرى الميت بعده، ولا يأكل ولا يشرب ولا يمشي. وكما قلنا، هذا الموت لا بد أن يمرّ به كل كائن حي، حتى لو بعد ألف سنة من العمر، وهو ما يسمى بأرذل العمر، كما حدث لنوح الذي عاش عمراً طويلاً.

  2. وكذلك الحياة، فإنها بداية الشيء على الأرض، أو بداية الكائن الحي عليها، وهي تؤذن ببداية حركته ومشيه وسمعه وإبصاره وإدراكه وأكله وشربه. ولكن الحياة تخضع لنظام ثابت، وهو التزاوج بين الزوجين الذكر والأنثى، وبدونهما لا تتم عملية التكاثر، اللهم إلا في حالة الاستثناءات؛ ومثالها أن آدم جاء من غير الزوجين الذكر والأنثى، وحواء جاءت من غير أنثى، فهي كما يقال خُلقت عن طريق آدم ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾، وعيسى جاء من غير أب، فمثله مثل آدم الذي خُلق من تراب، وليس المقصود الطريقة التي جاء بها آدم، وإنما المعجزة في خلق آدم الذي جاء من تراب بادئ ذي بدء.

وعليه يمكن القول:

  1. ما دام خلق عيسى قد جاء بمعجزة، فلِمَ لا تكون وفاته أيضاً قد تمت بمعجزة سماوية أخرى، أو لنقل: نهايته بمعجزة سماوية؟

  2. إن كلمة الوفاة التي وردت في الآيات القرآنية قد تعني معانيَ أخرى غير الموت الحقيقي، ومن ذلك ما ورد عن النوم، أو الانتهاء من الأرض، وهذا لا يتعارض مع الرفع، لأن الرفع معناه أيضاً انتهاء الحياة الأرضية. وقال الحسن عن الوفاة: إنها وفاة منام.

  3. ثم إن الآية تقول: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (آل عمران: 55).

إن انتهاء عيسى من الأرض واختفاءه عن أنظار البشر قد يعني النوم أولاً، أما الرفع فهو المرحلة الثانية، والتطهير هو الخلاص من الذين كفروا. وعملية الرفع هنا هي المرجّحة، لأن معنى الوفاة الحقيقية لا يحتاج إلى كلمتي الرفع والتطهير؛ فقد كان من الممكن أن يُقتل بعد صلبه فيموت شهيداً، ثم يخضع للآية التي تقول: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169).

وعندئذ تكون الوفاة قد تمت بطريقة عادية، مثله مثل يحيى الذي قُتل.

ولكن كلمة الرفع هنا تعني رفعه إلى السماء ساعة محاولة القبض عليه لصلبه.

ولكن كيف كانت عملية الرفع؟ وما المرحلة التي سبقت الرفع؟ وكيف غاب عن الأعين؟

فهذه قد يكون فيها لغز الوفاة، ولكن بطريقة إعجازية، كما حصل في ميلاده الإعجازي. فمعجزة آدم عليه السلام معروفة، إذ ما دام الله جاعلاً في الأرض خليفة فلا بد أن يكون خلق آدم أولاً، ولا تهم الطريقة، ثم خلق حواء.

أما خلق عيسى عليه السلام من أنثى بغير ذكر فهذه معجزة عظمى، والقادر عليها قادر لا شك على رفع عيسى بمعجزة أخرى، وإن كان قد حصل شيء ما قبل الرفع.

وبقي أن نقول إن القتل لم يحدث، والصلب لم يحدث أيضاً، ولكن شُبّه لهم، وكان شيء ما قد حصل خلال هذه المحاولة ليتمكن عيسى من الولوج إلى السماء، أو أنه وهو مرفوع إلى السماء بإذن الله قد أخذ شكلاً آخر لا يراه الناس. ثم إن حصلت الوفاة الحقيقية، فلِمَ لم تظهر آثار تلك الوفاة بين مريديه وأتباعه بعد كل هذه السنين من اختفاء عيسى وانتهائه؟ ولو حصلت الوفاة بالقتل والصلب، ألا يمكن أن يكون مطهَّراً مخلَّصاً من الذين كفروا؟ كيف لا وهو من النبيين والشهداء والصالحين، وهم الأحياء عند ربهم، ومن المطهَّرين.

أما إن كان النصارى هم المستفيدين من ذلك أو غير المستفيدين، فهذا أمر آخر لا يجوز أن يُقحم في حقائق ثابتة، لأنه قد يُحسب من باب التعصب الديني؛ فالأمور لا بد أن تؤخذ على حقيقتها لا بالظن، لأن الظن لا يغني من الحق شيئاً، والحق أحق أن يُتبع. فلا يمكن أن نأخذ كلمة ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ على أنها الوفاة الحقيقية تحرّزاً من مطامع النصارى وتعزيز عقائدهم، على أن نأخذ بكلمة الرفع هذه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ۝ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 157-158).

قال ابن جرير عن مجاهد: رفع الله عز وجل عيسى ابن مريم إلى السماء حياً. والدلائل على هذه الآية التي تعني الرفع كثيرة، سقناها فيما سلف، يضاف إلى ذلك أن كلمة الوفاة تعني الاختفاء أو الانتهاء أو النوم أو الاحتجاب عن الناس. وهذه بعض الآيات التي قد تساعد على فهم بعض هذه المعاني، قال تعالى في محكم آياته: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ (الأنعام: 60).

يقال إن كلمة ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ هنا تعني قبض الروح في النوم، وهذا ما ورد في تفسير الجلالين، وكذلك يقول القرطبي: ليس ذلك موتاً حقيقياً، بل هو قبض الأرواح. أما في الآية 42 من سورة الزمر فقد تعني كلمة ﴿يَتَوَفَّى﴾ المعنى نفسه، أي النوم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (الزمر: 42).

وهكذا يكون الموت واحداً، ولكن الوفاة ليست واحدة، بل قد تكون في الموت الحقيقي، وقد تكون في المنام، وكأنه يقول: الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت يتوفاها الله في منامها. وهكذا نخلص إلى استنتاج مفاده أن القاعدة الأساسية في الموت أن كل حيّ ميت، كما في الآية: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (الزمر: 30).

وأن كل حيّ لا يوجد إلا بالتزاوج بين الذكر والأنثى. وما دامت تلك قواعد أساسية في الموت والحياة، فإن لها استثناءات؛ فكان عيسى عليه السلام استثناءً من قاعدة الزوجين الذكر والأنثى، إذ جاء من أنثى فقط، وعليه يمكن أن يكون استثناءً عند وفاته أيضاً.

إذ قال المولى عز وجل: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾. وهكذا تتضح الآيات، وتنقشع الضبابية عن انتهاء المسيح وطريقة انتهائه من فوق الأرض؛ فهو لم يُقتل، ولم يُصلب، ولم يمت، بل رفعه الله إليه. ولو لم يُقصد الرفع المعروف، وكان المقصود هو التكريم وحده، لما كان هناك داعٍ لهذا النص الواضح، لأنه نبي مطهَّر مكرَّم شأنه شأن الأنبياء، مهما كانت طريقة وفاته، بالسيف أو بالصلب أو بالقتل.

أما الآن فتبقى قضية النزول: هل هي واردة أم غير واردة؟ ولنستعن ببعض النصوص القرآنية والأحاديث الصحيحة فنقول:

عودة المسيح عيسى (ع) إلى الأرض

قال تعالى في محكم آياته: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (الزخرف: 61).

وقد سبق هذه الآية في السورة نفسها حديث عن عيسى ابن مريم يؤكد حقيقته، إذ يقول تعالى في محكم آياته:

﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (الزخرف: 57).

﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ۝ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (الزخرف: 58-60).

وبعد ذلك جاءت الآية التي نحن بصددها، رقم 61: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.

وهي توضح أن نزوله شرط من أشراط الساعة، لا بد منه قبل حدوثها. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع: «والذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حَكَماً عدلاً مقسطاً، يكسر الصليب ويقتل الخنزير»، وقد ورد هذا الحديث في البخاري ومسلم.

أما الآية الآتية: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (النساء: 159)،

فأظن أن الإيمان هنا يعني النزول مرة ثانية، ليؤكد حديث الرسول، فيعدل بين الناس، ويتأكد أهل الكتاب ساعتها من صدق رسالته فيؤمنون بصدقها، وقد يكون إيمانهم كإيمان فرعون، بعد فوات الأوان، كما يقول أحدهم (7). هذه هي معالجة القرآن لحقيقة المسيح عيسى ابن مريم ورسالته.

المصادر

  1. أحمد شلبي، المصدر السابق، ص38.
  2. أحمد شلبي، المصدر السابق، ص211.
  3. تفسير المنار، جزء 6.
  4. أحمد شلبي، المصدر السابق، ص51.
  5. المصدر نفسه، ص51-52.
  6. المصدر نفسه، ص58.
  7. انظر: سيد قطب، في ظلال القرآن، ج6، ص14.

أجزاء «أناجيل الكنيسة الكاثوليكية وقرآن الإسلام في القرون الوسطى: المسيح في القرآن والإنجيل» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث (هذا الجزء)

→ الجزء الثاني