الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

اعتبارات واستنتاجات حول ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق) المتنازع عليها (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015

الكورد في بيان مجلس الوزراء العراقي برئاسة عبد المحسن السعدون في 16 تموز 1923

حتى عام 1923، أي بعد مرور سنتين على قيام المملكة العراقية العربية الجديدة في 23 آب 1921 تحت تاج الملك فيصل بن الشريف حسين بن علي، لم تكن الأمور قد استقرت تماماً على حال دستوري، ولا كانت الحدود قد رُسمت تماماً، وبقي موضوع كوردستان العراق، أي ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، شبه غامض؛ فلا صك الانتداب نص صراحةً على دمجها مع العراق العربي الجديد، ولا حدود المملكة العراقية العربية الجديدة قد تحددت لها خطوط نهائية (18). وكذلك لم يكن في المعاهدة البريطانية - العراقية لعام 1922 ما يحدد الأوضاع الإدارية والتنظيمية للمناطق الكوردية في ظل الدولة العراقية الجديدة. ولذلك أصدر مجلس الوزراء العراقي برئاسة عبد المحسن السعدون بياناً مقتضباً حدد فيه بعض خيوط برامج حكومته وسياستها إزاء كوردستان العراق (ولاية الموصل) في حدود ما يملك من صلاحيات. وقد صدر هذا البيان بتاريخ 16 تموز (يوليو) 1923، أي بعد إعلان المعاهدة الأولى لعام 1922 بمدة شهرين ونصف فقط. ونص بيان مجلس الوزراء العراقي على ما يلي:

«تنويراً للرأي العام الكوردي وتطميناً لحقوقه القومية، قررنا ما يلي:

  1. أن الحكومة العراقية لا تنوي أن تعين أياً من الموظفين العرب في المناطق الكوردية (ولاية الموصل)، ما عدا الفنيين فقط.

  2. أنها لا تنوي إرغام سكان المناطق الكوردية (كوردستان العراق - ولاية الموصل) على استخدام اللغة العربية في مراجعاتهم للدوائر الرسمية.

  3. ستحرص الحكومة العراقية على حقوق السكان والطوائف الدينية والمدنية في تلك المناطق الكوردية، وستحرص على أن تُصان صوناً تاماً» (19).

الكورد في البيان العراقي - البريطاني في 23 كانون الأول 1923

صدر هذا البيان العراقي - البريطاني عندما أدرك الإنجليز أن الشيخ محمود الحفيد البرزنجي بدأ يمارس نشاطه الوطني القومي بصورة مستقلة عنهم (20)، ولذلك لجأوا إلى أسلوبهم المعروف «فرّق تسُد» في شق صفوف الكورد. ففي 23 كانون الأول (ديسمبر) 1923 وجّه سي. جي. إدموندز، المستشار البريطاني في وزارة الداخلية العراقية، باسم الحكومة البريطانية بياناً إلى زعماء الكورد جاء فيه: «تعترف الحكومتان البريطانية والعراقية بحق الكورد القاطنين ضمن الحدود العراقية (كوردستان العراق - ولاية الموصل) في تشكيل حكومة كوردية في كوردستان العراق ضمن الحدود العراقية، وتأمل الحكومتان أن تتوصل مختلف العناصر الكوردية في كوردستان العراق (ولاية الموصل)، وبأسرع ما يمكن، إلى اتفاق بينها حول الشكل الذي يجب أن تتخذه هذه الحكومة الكوردية، وحول الحدود التي ستعمل ضمنها، وأن يرسلوا ممثلين مسؤولين عنهم إلى بغداد لبحث علاقتهم الاقتصادية والسياسية مع الحكومتين البريطانية والعراقية» (21).

ومن الملاحظ أن هذا الإعلان لم يتضمن أي تعهدات محددة حول منح الكورد إدارة ذاتية في كوردستان العراق، ولو كانت ضمن إطار الحكم الذاتي. ويبدو أن هذه الشروط غير الواقعية المتعلقة بالاتفاق بين «مختلف العناصر الكوردية» لم تُلغِ المفاوضات المقترحة بين الكورد والسلطات الأنجلو - عراقية فحسب، بل ألغت أيضاً إمكانية تشكيل الحكومة الكوردية نفسها في كوردستان.

والواقع أن الإنجليز كانوا يهدفون من وراء هذا الإعلان إلى تقديم الدعم السياسي لخصوم الشيخ محمود الحفيد في كوردستان العراق، وبذلك تتسع هوة الشقاق وتتعمق في المعسكر الكوردي (سياسة فرّق تسُد البريطانية)، وقد حقق الإنجليز هدفهم هذا بعد ذلك (22). ومن الملاحظ كذلك أن نصوص هذا الإعلان تتحدث عن تأسيس حكومة كوردية وليس دولة كوردية؛ فالحكومة شيء والدولة شيء آخر، وذلك هو الغموض في نصوص الاتفاقيات والمعاهدات والتصريحات البريطانية واحتمالات تأويلها.

بريطانيا تستثمر قضية ولاية الموصل

يذكر هنري دوبس، المندوب السامي البريطاني في العراق، حول آراء المجلس التأسيسي (البرلمان) أثناء عرض المعاهدة الأولى بين العراق وبريطانيا لعام 1922 لمدة خمسة وعشرين عاماً للتصديق، أنه لم يصادق عليها إلا بعد أن وعدت الحكومة البريطانية بتعديل الاتفاقيات الملحقة. والقول لهنري دوبس: «وعلى كل حال كونوا على ثقة من أن بريطانيا العظمى التي قامت بمعاونة البلاد لن تبخل بإجراء كل ما يمكّنها من توثيق عرى المودة بين الطرفين» (23). وهو القول نفسه الذي قاله المستر آمري، وزير المستعمرات، أثناء وجوده في بغداد، فقد وعد هو الآخر رئيس الوزراء السابق ياسين الهاشمي بالوعود نفسها (24).

وخلال فترة الانتخابات النيابية، التي بدأت في الثاني والعشرين من تشرين الثاني عام 1924 وانتهت في أيار عام 1925 (25)، ظهرت أحزاب سياسية في العراق؛ فبالإضافة إلى حزب النهضة (26)، الذي سُمح له بمزاولة نشاطه مرة أخرى، ظهر منها حزب الأمة (27)، وحزب الاستقلال (28)، والحزب الديمقراطي (29)، والحزب الوطني (30)، وجمعية الدفاع الوطني (31). وفي نظرة تحليلية لدور الأحزاب العراقية في تعضيد الدور الوطني لشعب العراق في مواجهة مخططات المحتل، نجد أن بعض رجالها قد اتخذ من هذه الحرفة وسيلة للعيش وسبيلاً للارتزاق، أو أنهم ينقلبون على حزبهم إذا ما وجدوا في غيره نفعاً أكبر. والأخطر في عمل بعض الأحزاب أن بعضاً منها جاء بوعود بريطانية، وعمل بكل قوة، من وراء الستار، على إحباط كل مسعى لبناء جبهة تعارض مصالح بريطانيا (32).

كان المتورطون في علاقات مشبوهة مع البريطانيين يهمسون في آذان النواب الآخرين بأن بريطانيا ربما تتنازل عن ولاية الموصل لتركيا الحديثة إذا لم يقبل المجلس (البرلمان) بإبرام المعاهدة الجديدة لعام 1926 (33). ووضعت هذه المعاهدة رئيس الوزراء جعفر العسكري، الذي وقّع عليها، بين خيارين: فقدان ولاية الموصل (كوردستان العراق) برفضه المعاهدة، أو الاحتفاظ بهذه الولاية وما فيها من نفط وغيره. وفي جلسة مجلس الوزراء المنعقدة في الحادي عشر من كانون الثاني عام 1926 قُبلت المعاهدة المقترحة كما هي، وفي الثالث عشر من كانون الثاني عام 1926 وُضعت مذكرة مطولة بُسطت فيها المراحل التي مرت بها قضية ولاية الموصل (كوردستان العراق)، والجهود التي بذلتها الحكومة العراقية لإدامة الحلف البريطاني. وقد رُفعت المعاهدة والمذكرة إلى المجلس النيابي في الثامن عشر من كانون الثاني عام 1926 لإقرارها (34).

وكان لوزارة عبد المحسن السعدون الثانية، التي شُكلت في السادس والعشرين من حزيران عام 1925 (35)، حزب سياسي برئاسة عبد المحسن السعدون له في المجلس النيابي ستون مقعداً من أصل ثمانية وثمانين، ذلك هو حزب التقدم المعروف بموالاته للبريطانيين (36). أما حزب الشعب المعارض، الذي يرأسه ياسين الهاشمي، فكان يرى أن الحكومة البريطانية ملزمة بالاحتفاظ بولاية الموصل (كوردستان العراق) للعراق العربي الجديد لتحقيق مصالحها واستغلال معادنها، ولا سيما النفط الذي تتوقف عليه حياة أسطولها البحري، فلا داعي لتحميل كاهل الشعب العراقي أثقالاً إضافية (37).

اجتمع المجلس النيابي العراقي في الحادي والعشرين من كانون الثاني عام 1926 (38)، وقدم نائبان من حزب التقدم (حزب عبد المحسن السعدون) مذكرة لقبول المعاهدة (39)، مما أثار هياج أعضاء حزب الشعب (حزب ياسين الهاشمي)، فطلب عبد المحسن السعدون على أثر ذلك أن تكون الجلسة سرية، فاحتج المعارضون، فقال: «يا أيها السادة، إذا رفضنا أن نقر المعاهدة خسرنا ولاية الموصل، وما دام الأمر كذلك فلا بأس إذا جاملنا المندوب السامي البريطاني». وكان وزير المستعمرات البريطاني المستر آمري قد طلب الموافقة عليها قبل أن يفتتح البرلمان البريطاني جلساته في شباط عام 1926 (40). فوافق على المعاهدة ثمانية وخمسون نائباً، وقاطعها عشرة، فيما كان عدد المعارضين لها ثمانية عشر نائباً، وبذلك أُقرت معاهدة 1926 بأغلبية الأعضاء (41).

وقد جرّ ذلك انتقادات لاذعة على حزب التقدم ورئيسه عبد المحسن السعدون، حتى اضطر إلى الرد في جريدة «العراق» في الخامس والعشرين من كانون الثاني عام 1926 بقوله إن نشر هذه المقالات إنما يضر بسمعة البلاد (42). أما السلطات البريطانية فقد وجدت أن عليها أن تشكر عبد المحسن السعدون، فتلقى على أثر ذلك كتاب شكر من وزير المستعمرات البريطاني المستر آمري أولاً، ونال وسام الشرف من الدرجة الأولى ولقب «سير» ثانياً (43). ومع خيبة عبد المحسن السعدون أمام شعب العراق وأحزابه ورجال العشائر، والتهم التي لاحقته (44)، صار يعمل بجهد من أجل تحسين موارد العراق المالية وإثبات تقدمه دولةً تستحق كسب عضوية عصبة الأمم، وعارض شروط ممثل شركة النفط الإنكليزية الفارسية (جون كادمان) خلال المفاوضات التي جرت بينهما في الأول من نيسان عام 1926 (45).

أما موقف عبد المحسن السعدون من الأكراد، فقد اعترف بالحكم الذاتي لهم عن طريق الاعتراف باللغة الكوردية لغةً رسمية في المناطق الكوردية من كوردستان العراق، وجعل الأشخاص الذين يشغلون الوظائف الحكومية فيها من الأكراد (46). غير أن تعامل عبد المحسن السعدون مع نشاط الشيخ محمود الحفيد البرزنجي، الذي اتخذ من قرية «ولا جير» عبر الحدود الإيرانية مقراً له، كان بأن وُصف الشيخ بأنه متمرد يريد أن يفصل لواء السليمانية عن سيطرة الحكومة العراقية، حتى أجبرته القوة العسكرية في تشرين الأول 1926 على ترك كوردستان العراق وعدم التدخل في شؤونها السياسية (47).

استمرت وزارة عبد المحسن السعدون تقود مجلس النواب بأكثريتها الضئيلة حتى نهاية الاجتماع الاعتيادي الأول للدورة البرلمانية الأولى، الذي انتهى بعد تصديق المعاهدة الإنكليزية - العراقية - التركية في الرابع عشر من حزيران 1926 (48). وعلى أثر مشادة بين الزعيم القومي رشيد عالي الكيلاني، رئيس مجلس النواب، ووزير المالية صبيح نشأت، قدم الأول استقالته، وعمل على تشكيل كتلة مستقلة داخل مجلس النواب عُرفت بـ«كتلة الوسط» (49)، اقتربت سياستها من سياسة حزب الشعب المعارض، مما أضعف دور حزب التقدم وتأثيره في تحقيق الأكثرية، وأجبر عبد المحسن السعدون على تقديم استقالته في الخامس من تشرين الثاني عام 1926 (50). وطلب الملك فيصل الأول من جعفر العسكري العودة من لندن لتشكيل وزارة عراقية جديدة (51). وكان تقدير السفارة البريطانية في بغداد أن عبد المحسن السعدون ووزارته قد تحملا اتهامات القوى الوطنية والدينية بسبب معاهدتي الانتداب لعامي 1922 و1926، وأن على بريطانيا أن تبحث عن بديل لإنجاز بقية مشاريعها وأهدافها (52).


أجزاء «اعتبارات واستنتاجات حول ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق) المتنازع عليها» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←