الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الإصلاح الديني في أوروبا المسيحية لمواجهة تحديات الإسلام في القرن السادس عشر (الجزء الأول)
من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2010
إذا كان هناك من إصلاح للكنيسة الكاثوليكية، لمعرفة ما أفرزته الأناجيل الأربعة المختلفة (لوقا، ويوحنا، ومرقس، ومتى)، والخامس إنجيل برنابا الذي اختفى ثم ظهر كما أشرنا إليه، في حياة المسيحيين، ودورِ البابا في حصر السلطات الدينية والزمنية بيده، فإن الإصلاح الديني للمجتمع الإسلامي قد سبقه بأربعة قرون، ولم يكن بحاجة إلى دعامات مصطنعة لصنع سلطة دكتاتورية للكنيسة، بقدر ما أظهره القرآن الكريم: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.
1. دكتاتورية البابا ورجال الكنيسة الكاثوليكية
ذلك هو ما كانت عليه العقائد الكنسية الكاثوليكية التي لم تصادر عقل البشر فقط في عرضها لقضايا الإيمان، وإنما صدمته وصادرت منه العلم وهو يتحدث عن خلق السماوات والأرض والشمس وخلق آدم وحواء. فقد كان رجال الكنيسة يؤمنون بأن الأرض مسطحة، وأن السماء مخلوقة من مادة صلبة كالأرض، وأن الشمس تدور حول الأرض، وأن آدم وحواء هما أول المخلوقات. وكانت معتقداتهم، وحسب تفسيرهم، أن هذا هو ما يقدمه الكتاب المقدس (الإنجيل)، والواقع أنه لا يقدم في مجال العلوم سوى نظريات خاطئة متناقضة، ليست أكثر من أساطير وقصص خرافية (1).
وبدلاً من إعطاء المجال لعلماء الفلك، ومنهم العالم كوبرنيكوس، في القول بحركة الأرض والكواكب الأخرى حول الشمس، نجد محاربة شديدة من رجال الكنيسة لهذا العالم، لأن في قوله، كما يقولون، مخالفة لما جاء في الكتب المقدسة (الإنجيل)، وأنه ضرب من ضروب الكفر والإلحاد.
وكان غضبهم لا يوصف عندما ذهب العالم جوردانو برونو إلى أن هناك أشكالاً من الحياة خارج الكرة الأرضية. ولكونهم يعتقدون بانبساط الأرض، فقد وجّهت الكنيسة تهمة الهرطقة (2) إلى العالم جوردانو برونو، وأحالته إلى محاكم التفتيش (3)، فسُجن مدة قاربت ثماني سنوات تعرض خلالها للتعذيب قبل إصدار حكم الموت بحقه (4).
أما عالم الفلك الإيطالي جاليليو، فعندما أثبت صحة دوران الأرض حول الشمس باستخدام التلسكوب، وهو خلاف الاعتقاد الكنسي، ثارت ثائرة الكنيسة، وأُحيل جاليليو إلى محكمة التفتيش في روما.
واضطر العالم جاليليو أمام البابا أوربان الثامن إلى التراجع والتوبة بقوله: “أنا غاليليو، وفي السبعين من عمري، سجين جاثٍ على ركبتيّ، وبحضور فخامتك، وأمامي الكتاب المقدس (الإنجيل) الذي ألمسه الآن بيدي، أعلن أني لا أشايع، بل ألعن وأحتقر خطأ القول وهرطقة الاعتقاد بأن الأرض تدور” (5).
وهنا، فمن اصطف مع الكنيسة والبابا أوربان الثامن أُفرج عنه، واعتُبر اكتشافه حرية فكرية وإبداعاً، ومن خالفها كان مهرطقاً متمرداً خارجاً عن جادة الصواب، يستحق الحرمان والقتل والحرق البطيء المؤلم بالنار.
وهو ما يقودنا إلى أن التنافس بين البابوات كان شديداً، إذ كان كل واحد منهم يريد أن يثبت أنه قدّم للكنيسة وللمسيحية خدمات لم يقدمها سابقوه. وكانت البدعة التي جاء بها أحد البابوات، وهو ليو العاشر، قائمة على أنه لا أحد مات وعاد إلى الحياة ليقص على ذويه ما حصل له في القبر، فأقدموا على إصدار صكوك الغفران، باعتبارها تغفر خطايا الإنسان الذي يشتريها وتحجبها. وكانت الأموال التي تُجبى منها تُستخدم، على ما ذكره البابوات، لأمرين:
الأول: بناء كنيسة جديدة تحمل اسم القديس بطرس، بسبب قِدم الكنيسة القائمة، وأن ترميمها صار غير مجدٍ.
والثاني: تمويل الحروب الصليبية التي كانت موجهة نحو الشرق بهدف القضاء على الجيش العثماني المسلم، وإقامة إمارة صليبية مقرها بيت المقدس. وهكذا، وبحركة مدروسة، وجد البابا ليو العاشر فيها باباً لجلب الأموال وزيادة ثرواتهم الشخصية، وصار من يدفع أكثر ويشتري صكوك غفران أكثر في غير حاجة إلى الذهاب إلى الكنيسة للاعتراف والتوبة، وأن غفران ذنوبه ليس في الحياة بل بعد الممات، مهما أفرط في الملذات (6).
ويرى هربرت فيشر أن فكرة كون البابا قادراً على إصدار صكوك الغفران التي تزيل الخطايا مستمدة من النظرية القائلة إن القديس بطرس وخلفاءه قد خُلعت عليهم ميزة توزيع فيض لا ينضب من الثواب على مؤمني الكنيسة (7).
ويذكر الكاتب توفيق الطويل في كتابه «قصة الاضطهاد الديني في الإسلام والمسيحية» أنه ليس هناك إنسان قرأ التاريخ الأوروبي في القرن السادس عشر إلا وقد وقف على حالات الاضطهاد والتعذيب والمعاناة التي كانت تمارسها محاكم التفتيش، وكثيراً ما وضعت المتهم بالهرطقة في سجن منفرد بغض النظر عن مركزه ومذهبه الديني أو الفكري ومقدار علمه، فصدقت العبارة القائلة: “الداخل عندنا مفقود، والخارج من عندنا مولود”، وقد ضاعت وصايا المسيح بالرحمة والمحبة والتسامح مع الآخرين (8).
لقد كانت عصمة البابا الشعار الذي لا يسمو عليه شعار آخر (9). وهذا يعني أنه صاحب القرار السياسي عن طريق التدخل في شؤون الحكام والملوك والقياصرة، وتذكيرهم على الدوام بأن شرعية وجودهم على رأس الدولة إنما هي تزكية من البابا والكنيسة. وعلى هذا، ففي عام 1570م حرم البابا بيوس الخامس ملكة الإنجليز إليزابيث، وأفتى لرعاياها بعدم طاعة أوامرها.
وهو ما فعله البابا بيوس التاسع في النصف الأخير من القرن التاسع عشر مع ملك إيطاليا فيكتور عمانوئيل لاستيلائه على أملاك الكرسي الرسولي. وكانت مثل هذه الممارسات من البابا تُظهر النزعة القومية التي بدأت تسود القارة الأوروبية للانفصال عن الإمبراطورية الرومانية والاستقلال بسيادتها بعيداً عن سلطة الكنيسة، وقد تجاوب ذلك مع الإصلاح الديني (10).
2. الراهب الألماني مارتن لوثر يكسر هيبة الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر
مارتن لوثر (11) هو الألماني الذي عاش حياة قاسية في صباه، والمتنور في دراسته الجامعية، والراهب الذي استخف بآراء البابوات وصكوك الغفران، واستهزأ بعاصمتهم روما، واعتبرها وكراً للدعارة.
وهو ما أجبر البابا ليو العاشر على إصدار قرار بحرمان مارتن لوثر وأتباعه من تمثيل الكنيسة عام 1520م. فيما وصفه الراهب ألياندر بأنه شيطان يرتدي مسوح راهب، وقد جمع الأخطاء القديمة في مياه آسنة نتنة، وأن تعاليمه تدعو إلى العصيان والحرب والقتل والسرقة وإلى انهيار العالم المسيحي (12).
لقد جاء مارتن لوثر بآراء ومعتقدات غيّرت خارطة الاعتقاد المسيحي من عام 1517م إلى يومنا هذا، فهو لم يكتف بأن جاء بفهم جديد للإنجيل، بل جاء بفهم جديد للمسيحية، وأحدث ثورة اجتماعية لم يكن المستفيد منها المسيحيين هذه المرة، بل اليهود الذين كانوا يعيشون في أوروبا، إذ لم يكونوا محتقرين ومضطهدين فقط، بل كانوا بلا وطن أيضاً.
كان غضب الشعب المسيحي على اليهود في القرون الوسطى كبيراً، لاعتقاد الكنيسة الكاثوليكية أن اليهود مسؤولون أولاً عن صلب المسيح، وأن الغضب قد حلّ عليهم إلى الغاية، أي إلى يوم الحساب (13).
وهو ما أكده البابا جريجوري (590 – 604م) من أن اليهود لم يكونوا عمياناً عن رسالة السيد المسيح، وأنهم مسؤولون مسؤولية مباشرة عن صلبه، وهم المقصودون بالتجديف (14).
أما السبب الثاني لاضطهاد اليهود في أوروبا، فتمثّل في تعامل اليهود بالسحر، وفي وجود علاقة بين اليهود والجنس والشيطان (15)، وفي تعاملهم بالربا وحبهم الشديد وسعيهم الدائم إلى التحكم الاقتصادي وهم يعيشون بين أفراد المجتمع المسيحي (16).
كتب مارتن لوثر عدة كتب، أهمها كتابان:
الأول: كان بداية ظهوره وشهرته، وحمل عنوان «المسيح ولد يهودياً».
والثاني: على النقيض من الأول، وحمل عنوان «أكاذيب اليهود». وقد فسّر كل المؤرخين ذلك بأن ما أراده مارتن لوثر إنما هو إحداث انقلاب سياسي، وليس فقط انقلاباً دينياً لإصلاح الكنيسة الكاثوليكية.
ومع تمتع مارتن لوثر بقدرة على الخطابة والتأثير في الجمهور الألماني خاصة، وجماهير أوروبا عامة، فقد ظهر من يحمل لواء الدعوة البروتستانتية (أي المحتجين)، مثل جون كالفن (17) في فرنسا، وأولريخ زوينجلي (18) في سويسرا، لينضم إليهم ثالث اسمه أوليفر كرومويل، وهو إنكليزي (19).
وكان مارتن لوثر قد أسهم في تهيئة أذهان الأوروبيين لقبول عقائد جديدة تخالف تلك التي تعلموها من كنيسة روما جيلاً بعد جيل، ولإعادة بعث عقائد قديمة غيّبها الزمان، كعقيدة الشعب الذي اختاره الله، والأرض الموعودة، وهرمجدون، والحكم الألفي للسيد المسيح. ويظهر مما طرحه مارتن لوثر أن صوته كان مسموعاً مقبولاً مطاعاً يلامس الواقع.
وقد وصف الكاتب و. ل. ديورانت شخصيته وقدرته على الكلام والتأثير، فقال: “كان أقوى من عرفه التاريخ في الجدل، لا يصده عن شيء، وكانت كل كتاباته تقريباً صراعاً ممتزجاً بعبارات لاذعة تفيض سخرية وطعناً، وترك خصومه يتأنقون في اللاتينية الرفيعة بحيث لا يقرأ لهم إلا قلة من الباحثين. وكان هو أيضاً يكتب باللاتينية عندما يريد مخاطبة العالم المسيحي بأسره، لأن ثورته كانت وطنية، ولم ينافسه مؤلف ألماني آخر في وضوح ألفاظه وقوة أسلوبه التي تبعث على الابتهاج وتلائم العقلية القومية” (20).
ولعل ما ساعد على انتشار كتاب مارتن لوثر «المسيح ولد يهودياً» أن عصر اختراع الطباعة في ألمانيا (21) قد بلغ مبلغه، حتى صار كتابه أكثر الكتب رواجاً في عصره، وهو الذي أنضج عقول الإنكليز، وحوّل إنجلترا إلى المذهب البروتستانتي (22).
ومما لا شك فيه أن مقصد مارتن لوثر من كتابه هو التقرب إلى اليهود. وكان رأي السواد الأعظم أنه تودد إليهم ليدخلوا في المسيحية، فيما ظهر رأي آخر بأن مارتن لوثر رغب في استمالة اليهود إلى صفه لما كانوا يتمتعون به من نفوذ مالي وقدرات اقتصادية.
وهو ما دعا اليهود، الذين وجدوا في مارتن لوثر أكبر محامٍ متطوع عنهم، إلى أن ينشروا الكتاب ويروجوا له، خصوصاً أن مؤلفه مارتن لوثر كان العدو الأكبر لعدوهم: البابا وكنيسة روما الكاثوليكية التي اضطهدت اليهود طويلاً، وأصدرت فتاواها بأنه لا حق لهم في العودة إلى القدس، لأنهم طُردوا منها وتشتتوا في بقاع الأرض لرفضهم السيد المسيح وقتلهم إياه، فالله طردهم بدايةً إلى أرض بابل (23).
اعتبر حاخامات اليهود ظهور مارتن لوثر ودعوته علامة مؤكدة على قرب مجيء المسيح المنتظر، في حين هاجمته الكنيسة الكاثوليكية باعتباره مخرباً يهودياً، أو على الأقل مخرباً للمسيحية.
ورد عليهم مارتن لوثر: “قبل أن نتفاخر بموقفنا يجب أن نتذكر أننا مجرد أغراب، أما اليهود فيتصل نسبهم بالمسيح، نحن غرباء وأباعد، أما هم فأقارب وبنو عمومة وإخوة للرب” (24).
وهو بذلك برّأ اليهود من دم المسيح، والأهم أنه لا عودة ثانية للمسيح إلى الأرض إلا بعد عودة اليهود إلى أرض الميعاد وإعادة بناء هيكل سليمان.
فكانت بداية التهويد في الفكر المسيحي المخترق من قبل التيارات البروتستانتية على اختلافها.
وصار كتاب اليهود المقدس (العهد القديم) مصدر إلهام للمسيحيين البروتستانت، فزاد اهتمامهم بنصوص التوراة، خاصة المتعلقة بأرض إسرائيل (25).
ولعل ذلك ما أخذ به ساسة الإنكليز في بداية القرن العشرين لطرد شعب فلسطين من أرضه، أي أن مارتن لوثر وكتابه الأول «المسيح ولد يهودياً» قد ساهما بشكل كبير في خلق دولة إسرائيل في قلب العالم العربي.
أما الكتاب الثاني «أكاذيب اليهود» أو «نفاق اليهود»، الذي كتبه في أواخر أيام حياته، أي نحو عام 1544م، وترجمه من الألمانية الأستاذ عجاج نويهض عام 1974، ونشرته دار الفكر المعاصر في بيروت، فهو وثيقة دامغة تقع في مئة وأربع وسبعين صفحة.
وهو يكشف زيف ادعاءات مارتن لوثر عن البروتستانتية وتهويد المسيحية، وأن كل ما كتبه مارتن لوثر إنما كان بإيحاء يهودي لأسباب سياسية. وقد قامت المنظمة الصليبية المسيحية الوطنية الأمريكية (Christian Nationalist Crusade) بترجمته من الألمانية إلى الإنجليزية عام 1948، وهو موجود في مكتبة الكونغرس الأمريكي الشهيرة.
أما أسباب كتابة مارتن لوثر لهذا الكتاب، فكانت فشله في دعوة اليهود إلى اعتناق مبادئ المسيحية البروتستانتية، فهم بدلاً من تحولهم إلى المسيحية، كما كان يأمل مارتن لوثر، كانوا يجمعون الأنصار لتهويد المسيحية، هذا فضلاً عن إصرارهم على التعامل بالربا وابتزاز الكثيرين من الأوروبيين وإذلالهم. وقد دوّن مارتن لوثر ذلك في كتابه:
فنفى كون اليهود شعب الله المختار، ونبّه إلى رفض مجادلة اليهود لعدم جدوى ذلك، وقال مارتن لوثر في ذلك: “لا تسترسل مع اليهود في الجدل الذي يتعلق بديننا، فإنهم ارتضعوا الكراهية لربنا من أثداء أمهاتهم، ولُقّنوا طرق التسميم في الطفولة، فلا أمل في إصلاحهم” (26).
وأشار مارتن لوثر إلى أن اليهود هم أبناء إبليس وأولاد الأفاعي، ونسب ذلك إلى سيدنا يسوع المسيح بقوله: «أولاد الأفاعي»، وفي إنجيل يوحنا (8: 39): «لو كنتم بني إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم». وفي مكان آخر أشار مارتن لوثر إلى أن اليهود منافقون وسفاحو دماء، وأن مدارس اليهود ما هي إلا أعشاش لإبليس (27).
يُستفاد مما سبق أن مارتن لوثر انقلب على اليهود، وأخذ في معاداتهم علناً والدعوة إلى طردهم من ألمانيا. ولكن إلى أين؟ إلى الأرض الموعودة (أرض كنعان). واقترح في كتابه ما يمكن أن نسميه برنامجاً تصعيدياً، رسم فيه خطوات عملية يمكن أن يقوم بها كل مسيحي لمحاربة اليهود ورد أذاهم والعمل على محاصرتهم وطردهم، وذلك بالدعوة إلى اجتناب معابد اليهود ومدارسهم وتحذير الشعب منهم. ودعا مارتن لوثر إلى إحراق مدارسهم وبيوتهم، مستنداً في ذلك إلى وثنيتهم، وإلى أن موسى عليه السلام قال في سفر التثنية: «إن المدينة التي تمارس الوثنية يجب أن تخرب وتحرق فلا يبقى لها أثر».
وأن موسى لو كان حياً في أيامهم تلك لكان أول من يخرب مدارس اليهود وبيوتهم. وكذلك دعا إلى منع اليهود من تملك البيوت والمساكن داخل أحياء المسيحيين، وانتزاع كتب الصلوات وأسفار التلمود من اليهود، لاحتوائها على كافة أنواع النفاق والأكاذيب واللعنات.
ويظهر أن مارتن لوثر، الذي تحادث مع العديد منهم، بات يفهم كيف يفكرون، ولذلك دعا إلى منع الحاخامات من ممارسة مهنة التعليم، لأنهم يتمادون في نشر الفساد وتسميم الأذهان واستغلال طاعة الطلاب، وفي ذلك مخالفة لأحكام الرب وشريعته.
وأنه لا حماية ولا أمان لليهود، لأنهم أهل ربا، ولأن مصدر ثروتهم يأتي من الجنس والفساد (28).
ولعل سائلاً يسأل: إذا كانت هذه هي المعلومات الخطيرة حول تصرف اليهود، فلماذا لم ينتشر كتاب مارتن لوثر الثاني كما انتشر كتابه الأول؟ ولعل الجواب أن كتاب «المسيح ولد يهودياً» قد أعيد طبعه سبع مرات عام 1532م (29).
وصار الحديث عنه في كل عائلة أوروبية، وأن اليهود حاربوا الكتاب الثاني وعملوا على إخفائه وحرقه مهما صدر منه من نسخ، وأن الكتاب الأول انتشر وذاع صيته على مدى واحد وعشرين عاماً، فيما كان صدور الكتاب الثاني قبل وفاة مارتن لوثر بسنتين.
والأهم في ذلك أن الدولة الكبرى، الولايات المتحدة الأمريكية، قد أخفت ذلك الكتاب، كما عبّر عن ذلك مؤتمر رؤساء الكنيسة اللوثرية الأمريكية عام 1983 وقرارهم بعدم الالتزام بكل ما صدر عن مارتن لوثر حول اليهودية.
كان الوضع السائد في أوروبا بين عامي 1618 و1648م غير مستقر، وقد مزّقت الحرب أوروبا الوسطى (أرض ألمانيا الحالية).
ويجد الكاتب مايكل لي لاننغ أن حال البابا والكنيسة كان ينذر بالضعف، مع عدم قناعة الملوك والأباطرة بما تصدره الكنيسة من تعليمات، إذ اعتبروها غير مؤهلة لممارسة دورين ديني وسياسي في آن واحد.
وقاد ذلك إلى ظهور فرقة البيوريتان، أي الأنقياء أو التطهيريين، بين رجال الدين البروتستانت عام 1564م (30) في إنكلترا، وكان كل ما هدفوا إليه تنقية الكنيسة الإنكليزية، والتقيد بحرفية العهد القديم (التوراة) (31).
وهو ما عمل به أوليفر كرومويل في الثورة الإنجليزية عام 1688م، وكانت هذه الثورة وما رافقها من أحداث سبباً هاماً ومباشراً في هجرة الغالبية العظمى من أبناء الطائفة البيوريتانية إلى القارة الجديدة (أمريكا)، حيث عملوا على تأسيس مستعمراتهم هناك، كما عملوا على نشر مذهبهم البيوريتاني (32).
المصادر
موريس بوكاي، المصدر السابق، ص 18.
الهرطقة: كلمة إغريقية الأصل، تعني الخروج على مجموعة الأفكار الدينية التي يؤمن بها السواد الأعظم من الناس في مجتمع ما وزمن ما. وقد أُخذت على العلماء بحجة أنهم يشككون في سلطة الكنيسة.
محاكم التفتيش: كانت مهمة اكتشاف الهراطقة وتعقبهم منوطة بالأساقفة، ولما أثقلت كواهلهم بسبب كثرة عددهم وصعوبة ملاحقتهم، اتخذ البابا جريجوري التاسع عام 1231م قراراً بإنشاء مؤسسة مستقلة تتفرغ لاقتلاع الهراطقة والسحرة وقتلهم، فأُنشئت محاكم التفتيش التي عذبت وقتلت أكثر من مليون هرطيق. انظر: أنريكو ريبوني، المصدر السابق، ص 80 فما فوق.
أنريكو ريبوني، الإلحاد وأسبابه (الصفحة السوداء للكنيسة)، ترجمة زينب عبد العزيز، ط1، دمشق، دار الكتاب العربي، 2004، ص 100 فما فوق.
المصدر نفسه، ص 79 – 80.
و. ل. ديورانت، المصدر السابق، ص 5.
هربرت فيشر، أصول التاريخ الأوروبي الحديث، ترجمة د. زينب عصمت راشد وأحمد عبد الرحيم مصطفى، مصر، دار المعارف، 1956، ص 99.
توفيق الطويل، قصة الاضطهاد الديني في الإسلام والمسيحية، ط1، مصر، دار الفكر العربي، 1947، ص 62.
شعارات عصمة البابا: لقد كان الشائع من العقائد والشعارات:
أ. عصمة البابا وتقديسه وامتلاكه القدرة على محو الذنوب وغفرانها.
ب. احتكار الكنيسة لفهم نصوص الكتاب المقدس وتفسيرها.
ج. وجوب الصلاة باللغة اللاتينية فقط.
د. تحريم الزواج على الكهنة والرهبان ورجال الدين.
هـ. إعفاء رجال الدين من دفع الضرائب، ومن التشريع الجنائي الذي يخضع له العامة.
انظر: صموئيل حبيب، المسيح ثائراً، ط1، مصر، دار الثقافة، 1995، ص 124.
هربرت فيشر، المصدر السابق، ص 95.
مارتن لوثر: ولد في مدينة آيسليبن بألمانيا عام 1483م لأبوين ألمانيين أنجبا ستة أطفال. عاش طفولة قاسية بسبب الجلد واستخدام العصي في مدينة مانسفلد. وعندما بلغ الثالثة عشرة انتقل إلى مدرسة ثانوية تديرها جمعية دينية في ماغدبورغ، وفي سن الرابعة عشرة نُقل إلى مدرسة سانت جورج في آيزناخ وأمضى فيها ثلاث سنوات. وفي عام 1501م أرسله والداه إلى الجامعة في إرفورت، وكان برنامج الدراسة فيها يركز على اللاهوت والفلسفة. وقد تذكّر مارتن لوثر ما قاله الفيلسوف أوكهام من أن البابوات والمجالس الدينية قد تخطئ. حصل على درجة الماجستير في الآداب عام 1505م، وكان والده سعيداً بأن يدرس القانون، ولكن مارتن لوثر فاجأه بعد شهرين من هذه الدراسة بأن أصبح راهباً، الأمر الذي أفزع والده، حتى وصف و. ل. ديورانت ذلك بأنه يعبّر عن التناقض الذي لازم صباه. بدأ حياته بسيطاً متواضعاً، يقوم بنفسه بكنس الدير وتلاوة الصلوات مراراً في دير الرهبان الأوغسطينيين. وفي أحد أيام عام 1508 أو عام 1509م استرعت انتباهه عبارة وردت في رسالة القديس بولس إلى أهل رومية: «إن البار بالإيمان يحيا»، وقادته إلى أن الإنسان يمكن أن يكون باراً لا بالأعمال، بل بالإيمان المطلق بالمسيح وبتكفيره عن خطايا البشر. وفي عام 1511م رُقّي إلى درجة دكتور في اللاهوت. زار روما عدة مرات، وبعد عشر سنوات من زيارته الأولى وصف روما بأنها تدعو إلى المقت، وقال: «إن البابوات أسوأ من الأباطرة الوثنيين، وإن اثنتي عشرة فتاة عارية كنّ يقمن بخدمة رجال البلاط البابوي وقت العشاء». وفي عام 1517م ألّف مارتن لوثر منشوراً من (95) رسالة أطلق عليه اسم «بحث في بيان قوة صكوك الغفران»، وقام بتعليقه على الباب الرئيسي لكنيسة قصر فيتنبرغ، ثم ترجم الرسائل إلى الألمانية ووزعها على الناس، فكانت بمثابة إعلان حرب على الكنيسة. انظر: و. ل. ديورانت، المصدر السابق، ص 10 – 44.
و. ل. ديورانت، المصدر السابق، ص 44.
إنجيل متى 26: 57 – 68.
التجديف: هو الكفر بنعم الله، وهي كلمة وردت في العهدين القديم والجديد، وهي ترجمة لكلمة (Blaspheme) اللاتينية اليونانية، ومعناها التكلم بسوء عن الله أو عن أي شيء مقدس. وجاء في قاموس الكتاب المقدس (طبعة بيروت 1964): «تجديف: شتيمة ونميمة»، ويقصد بها الكتاب المقدس.
رمسيس عوض، الهرطقة في الغرب، ط1، مصر، دار سينا للنشر، 1985، ص 172.
تاجر البندقية: قصة اشتهرت في العالم، وتحولت إلى مسرحية ثم إلى فيلم سينمائي، وفيها تجسيد عبقري من الكاتب الأكثر شهرة في تاريخ أوروبا، وليام شكسبير، لشخصية اليهودي المخادع البخيل الجبان المرابي، ألا وهو شايلوك. وتتحدث القصة عن اتفاق عُقد بين تاجر مسيحي يكره اليهود ومرابٍ يهودي، إذ احتاج هذا التاجر يوماً إلى ذلك المرابي فاقترض منه مبلغاً من المال لمدة معينة، على أنه إن مرت المدة ولم يرد المال اقتطع شايلوك أوقية من لحم كتف التاجر المسيحي. وحصلت للتاجر المسيحي مشكلات، وغرقت سفنه الثلاث المبحرة من الهند وطرابلس والمكسيك، فجاء وقت انتقام اليهودي. وكانت قاعة المحكمة وما جرى فيها من حوار ودفاع وحكم نهائي تلخص الثقافة السائدة، وتعطي فكرة عن مأساة ذلك التاجر المسيحي الذي أوقعه الزمن في شبكة شايلوك. والمهم في النقاش الذي احتدم في قاعة المحكمة أن مجلس القضاة كان في حيرة من أمره بين إنقاذ تاجر مسيحي من براثن مرابٍ يهودي، وبين إلغاء اتفاق موقع من الطرفين سيؤدي إلى المساس بسمعة مدينة البندقية التجارية، ويهز سمعتها النقية وثقة التجار والمتعاملين معها، وهي مدينة تحترم القوانين والاتفاقات، ويصعب عليها بالتالي تجاوز تلك المشكلة قبل أن يأخذ اليهودي حقه: أوقية من لحم كتف التاجر المسيحي. وانتهت القصة بتنصير اليهودي ومصادرة أملاكه باسم القانون.
جون كالفن: يهودي ولد عام 1509م في مدينة نويون الفرنسية، أي بعد ولادة مارتن لوثر بست وعشرين سنة، فهو من الجيل الثاني من المصلحين البروتستانت، وقد وُصف بأنه التلميذ العبقري لمارتن لوثر. كان والده يعدّه للكهنوت، وفي عام 1528م حاز درجة مدرّس في الفنون، ثم انتقل إلى جامعة أورليان لدراسة الحقوق، ولما توفي والده عام 1531م أكمل دراسة الحقوق في جامعة أورليان. انصرف إلى تفسير الكتاب المقدس، فاتهمته الكنيسة الكاثوليكية بأنه من أتباع مارتن لوثر، فهرب إلى مدينة بال في سويسرا، وبقي فيها حتى وفاته عام 1564م. انظر: ريتشارد شتوفر، كالفن وأفكاره، مصر، مكتبة مدبولي، 1965، ص 77.
أولريخ زوينجلي: ولد في سويسرا عام 1484م (أي بعد ولادة مارتن لوثر بسنة واحدة)، وكان والده قاضي القرية. تردد ما بين عامي 1502 و1506م على جامعة بال، وانتُخب عام 1518م خورياً للكاتدرائية. ترجم أولريخ زوينجلي (21) سفراً من العهد القديم (التوراة)، وكان شديد التأثر بأفكار مارتن لوثر ودعوته، لكنه اختلف معه في رمزية العشاء المقدس، فحمل عليه مارتن لوثر لقوله: «إن العشاء الرباني كان احتفالاً، ولم يكن حضور المسيح فيه بلحمه ودمه إلا حضوراً رمزياً». مات أولريخ زوينجلي عام 1531م بعد معركة بين أتباعه والكاثوليك قُتل فيها أكثر من (500) رجل من أهل زيورخ، وكان عمره (47) عاماً، وقام الجنود الكاثوليك بتمزيق جسده إلى أربعة أجزاء ثم أحرقوه.
أوليفر كرومويل (1599 – 1658م): قائد عسكري وسياسي إنكليزي، وهو أحد القادة الدكتاتوريين، ويُعرف بأنه هزم الملكيين أثناء الحرب الأهلية الإنجليزية، وجعل إنجلترا جمهورية، وأسس جمهورية الكومنولث. وأوليفر كرومويل هو الذي دعا إلى عودة اليهود إلى بريطانيا خلال مؤتمر عُقد عام 1655م، وإلى إلغاء قانون طرد اليهود الذي اتخذه الملك البريطاني إدوارد، وكان من المتحمسين لتوطين اليهود في فلسطين منذ ذلك الوقت. الدكتور القس رياض جرجور، الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط، مقال بعنوان «صهيو مسيحية أم صهيو أمريكية»، على الإنترنت.
و. ل. ديورانت، المصدر السابق، ص 53.
ارتفع عدد الكتب المطبوعة في ألمانيا من (150) كتاباً عام 1518م إلى (990) كتاباً عام 1524م، وكانت أربعة أخماس الكتب تؤيد الإصلاح الديني. وبيعت منها (1400) نسخة في سوق واحدة في فرانكفورت، وفي باريس كانت المبيعات أكثر. وفي مطلع عام 1519م كان الكتاب يغزو أسواق إيطاليا وإسبانيا وإنكلترا وهولندا. المصدر نفسه، ص 53.
هربرت فيشر، المصدر السابق، ص 104.
جورجي كنعان، الأصولية المسيحية في نصف الكرة الغربي، ج1، بيروت، دار بيسان للنشر، 1995، ص 35.
جورجي كنعان، المصدر السابق، ص 35 – 36.
المصدر نفسه، ص 36.
مارتن لوثر، أكاذيب اليهود، ترجمة عجاج نويهض، ط1، بيروت، دار الفكر المعاصر، 1974، ص 83.
المصدر نفسه، ص 84.
مارتن لوثر، أكاذيب اليهود، المصدر السابق، ص 127.
رضا هلال، المسيح اليهودي ونهاية العالم، ط2، القاهرة، مكتبة الشروق، 2001، ص 63.
البيوريتان: في إنجلترا كان من أبرز الأحداث العلاقة بين السلطتين الدينية والمدنية، وقد انطبق ذلك على حادثة تطليق الملك هنري الثامن لزوجته كاترين أراغون لأنها لم تنجب له وارثاً لعرشه، إضافة إلى رغبته في الزواج من إحدى سيدات البلاط، آن بولين. رفض البابا إعطاءه الإذن بالطلاق، فلجأ هنري الثامن إلى لجنة كنسية إنكليزية أفتته بجواز الطلاق، فما كان من البابا إلا أن أعلن الحرمان ضد هنري الثامن، وكان ذلك عام 1533م. فقام هنري الثامن، رداً على قرار حرمانه، بتنظيم كنيسة إنكليزية مستقلة لا تخضع للسلطة البابوية ولا لكنيسة روما، ونصّب نفسه رئيساً مباشراً لهذه الكنيسة، وسُميت الكنيسة الأنجليكانية. وقد توطدت هذه الكنيسة في عهد الملكة إليزابيث (ابنة هنري الثامن من زوجته الثانية آن بولين). انظر: مرسال سيمون، نشأة الكنيسة الأنجليكانية، الواردة في كتاب تاريخ الكنيسة المفصل، المصدر السابق، ص 93.
سعد رستم، الفرق والمذاهب المسيحية منذ ظهور الإسلام حتى اليوم، دمشق، دار الأوائل، 2005، ص 186.
إميل أمين، ذئاب في ثياب حملان، ط1، القاهرة، دار المريخ للنشر، 2006، ص 79.
أجزاء «الإصلاح الديني في أوروبا المسيحية لمواجهة تحديات الإسلام في القرن السادس عشر» (3 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث