الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الإصلاح الديني في أوروبا المسيحية لمواجهة تحديات الإسلام في القرن السادس عشر (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2010
اليهودي شبتاي صبي
اختلق اليهودي شبتاي صبي (55) لنفسه قدراً، ولعب دور المسيح المنتظر، وقد عاونه في ذلك حاخامات، قبل أن يُكتشف أمره في نهاية المطاف. ويذكر حاخام اسمه سلومون لينداو أنه التقى شبتاي في حلب، فقص عليه قصة رآها وسمعها عام 1648م، ومغزاها أنه في إحدى الليالي هبط عليه روح الله، فسمع صوت الله يقول له: أنت مخلّص إسرائيل، أنت المسيح ابن داود المختار، الذي بمقدوره جمع اليهود من أركان الأرض الأربعة على أرض أورشليم (56). ويظهر أن المتنفذين من اليهود لم يقتنعوا بما وصلهم، فطردوا شبتاي صبي، فغادر إلى سالونيك اليونانية، عاصمة ولاية مقدونيا (وكانت ضمن الأراضي العثمانية عام 1654م)، وهي تضم أكبر جالية يهودية. ثم استقر به المقام في القسطنطينية (بعد أن حررها السلطان العثماني محمد الفاتح)، فوجد اليهود فيما سمعوه منه أن شبتاي صبي يريد بعمله هذا شق الديانة اليهودية، فحكموا عليه بالجلد أربعين مرة، وبالطرد من القسطنطينية.
1. رحلة اليهودي شبتاي صبي إلى الشرق
توجه شبتاي صبي إلى فلسطين في صيف عام 1662م قادماً من مصر. وكان يذكر لمحاوريه أنه كان يسمع أمواتاً تخرج من القبور، إذ كان يذهب لزيارة قبور الأولياء اليهود من أجل أن تحل أرواحهم فيه (57). وفي مصر التقى بيهودي أشكنازي (أي يهودي غربي) يسكن مدينة غزة عام 1664م، فأيده في أن كل الأعمال التي صدرت عن شبتاي صبي هي ضمن المعتقدات اليهودية، وأنه هو المسيح المخلّص، بناءً على رؤى وتفسيرات استخرجها من الكتب الدينية (58). ولكي يوثّق شبتاي صبي صلته بمؤيديه من الحاخامات والمؤمنين به، روّج له صديقه عام 1665م نبأً مفاده أن شبتاي هو المسيح، وأنه في زيارته إلى تركيا سيأخذ السلطان العثماني المسلم أسيراً (59). وعند وصوله إلى مسقط رأسه أزمير، نفخت الجالية اليهودية الأبواق، وخرج أفرادها إلى الشوارع ينادون: عاش ملكنا، عاش مسيحنا (60).
وأصبح الدعاء له في المعبد اليهودي لا على أنه المسيح فقط، بل على أنه الملك، وفقاً للفكر الديني اليهودي (61).
أما الدعاء له في معبد هامبورغ اليهودي فكان: “اللهم يا ناصر الملوك وصانع الأمراء، بارك لنا حاكمنا الملك الصالح شبتاي صبي رب يعقوب” (62).
فيما وجد شبتاي صبي نفسه ملكاً، وصار يوقّع بألقاب مثل: “ابن الله البكر”، و”أبوكم إسرائيل”، وكذلك “أنا الرب إلهكم شبتاي صبي”. وقد امتعض منه معارضون يهود، ولكنهم لم يكونوا ذوي قوة لتغيير الوضع. أما المؤيدون له، فكان لرسائل شبتاي وقع مؤثر في نفوسهم، وكانوا ينظرون إلى المسيحيين بعين الاحتقار، ويهددونهم بمسيحهم قائلين لهم: سوف نزيح قيودكم عن رقابنا، وعن قريب سنكون أحراراً في وطننا وسادة عليكم (63).
وقد وصفت إحدى اليهوديات في هامبورغ (ألمانيا) ذلك بالقول: كان الناس يخرجون إلى الشوارع يرقصون على ضرب الدفوف، وكان اليهود يحملون نسخ التوراة التي جُددت أغطيتها ويطوفون بها في الشوارع، وكانت أخبار المسيح تُقرأ على الناس دون خوف من المسيحيين (64). وهو ما شاع أثره في الدول الأخرى، ومنها:
بولندا: كان المتظاهرون في الشوارع فرحين وهم يحملون صور شبتاي صبي، رغم الغضب الذي أبداه المسيحيون، إذ اشتكوا إلى الملك البولندي جان كازيمير من الكلمات النابية (غير الأخلاقية) التي رددها اليهود، فما كان من الملك البولندي إلا أن أصدر مرسوماً منع بموجبه حمل صور ملك إسرائيل شبتاي صبي (65). ويذكر الكاتب البولندي جاليوتوفسكي، وكان شاهد عيان لما حدث، أنه دوّن في كتابه «المسيح الحق» المطبوع عام 1669م: “لقد ترك اليهود بيوتهم وأموالهم ورفضوا أن يقوموا بأي عمل، وادّعوا بأن المسيح سوف يأخذهم إلى أورشليم على السحاب” (66).
إيران: خرج اليهود إلى الحقول والمراعي يرقصون وتركوا أعمالهم، وهم ينتظرون الذهاب إلى القدس مع مسيحهم، وعندما أرادت الدولة الإيرانية منهم أن يؤدوا ما عليهم من حقوق، قالوا إنهم سيعطونها لمخلّصهم المسيح.
تركيا: خرج اليهود إلى الشوارع ليلاً وهم يحملون الشموع طرباً، ويرددون اسم شبتاي صبي دون خوف أو وجل من السلطان العثماني. ووصل ابتهاجهم إلى أنهم كانوا يقرأون المزمور الحادي والعشرين في المعبد ثلاث مرات في اليوم، وهو ما يعني باللغة العبرية الخلاص.
ألمانيا: كان الفرح كبيراً في مدينة هامبورغ الألمانية، حيث توجد جالية يهودية كبيرة. وكان كل ما فعلوه أنهم توقفوا عن إرسال الرسائل إلى شبتاي صبي، معتقدين أن المسيح المخلّص سيكون في القدس قبل أن يصلهم الرد على رسائلهم. وكان مما حملته إحدى هذه الرسائل: “نأمل من سيدنا وملكنا أن يخبرنا أي طريق يجب أن نسلكه، وهل يجب أن نتهيأ الآن إلى مقصدنا من أجل أن نسجد عند قدميك وننفض التراب عنها، أو أننا يجب أن ننتظر رحمة الإله إلى يوم يجتمع فيه بنو إسرائيل كلهم” (67).
بريطانيا: دعا البروتستانت البريطانيون في بداية القرن السابع عشر (قبل ثلاثة قرون من مؤتمر بازل الصهيوني الأول عام 1897م) جميع اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين، بدعوى أن المجيء الثاني للمسيح لا يتم إلا إذا عاد اليهود إلى فلسطين. وهي غاية ما كان لها أن تظهر إلى الوجود لولا براعة مارتن لوثر السياسية، الذي برّأ اليهود من دم النبي عيسى عليه السلام. ويبدو من توافق رموز البروتستانت والساسة البريطانيين أن أُطلق شعار “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، وقد دعاهم إدوارد بتفورد من مكتب المستعمرات في لندن عام 1845م “إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين تكون تحت حماية الإمبراطورية البريطانية القوية، على أن ترفع الوصاية عنها عند تأهيل قادتهم” (68).
وأضاف إدوارد بتفورد: “إن دولة يهودية ستضعنا في مركز القيادة في الشرق، بحيث نتمكن من مراقبة عملية التوسع والسيطرة على أعدائنا والتصدي لهم عند الحاجة” (69)، وأعداؤهم في ذلك الوقت هم المسلمون الأتراك والعرب المسلمون.
وفي اسكتلندا، المقاطعة البريطانية، لم يبخل البريطانيون، وهم يتابعون فرح اليهود في كل أنحاء أوروبا، بأن يعلنوا تأييدهم للملك شبتاي صبي، وأنه الملك القادم على فلسطين (70).
وكان أمام هذا التجمهر اليهودي في أوروبا وبلاد الشرق، وخاصة في ربوع أرض الدولة العثمانية التي كانت تحتضنهم دون رقيب على ما يمارسونه من شعائر دينية، أن يقوم الملك شبتاي صبي بزيارة القسطنطينية، وفي عقله أن السلطان العثماني محمد الرابع سينحني له احتراماً لدينه وصوته الذي صار مسموعاً، وهو ما كان في خلد شبتاي صبي.
2. السلطان العثماني محمد الرابع يودع شبتاي صبي السجن عام 1666م
كانت الجالية اليهودية في مدينة القسطنطينية (إسطنبول) على علم بقدوم الملك شبتاي صبي في كانون الثاني 1666م، وكانوا يتهيأون لاستقباله والترحيب به (71). ولعل ذلك راجع إلى الاعتقاد الذي ساد بينهم بأنه سيقودهم في بواخر عثمانية إلى فلسطين التي كانت تحت سيطرة الدولة العثمانية. وأراد السلطان العثماني محمد الرابع التعرف عن كثب على هذه الشخصية التي ذاع صيتها في أوروبا المسيحية، فأوعز إلى وزيره أحمد كوبرلو باعتقال الملك المزعوم شبتاي صبي واستجوابه، فكان ما قاله شبتاي صبي وهو مرتبك “إنه رجل دين من أورشليم جاء إلى العاصمة لجمع الصدقات لفقراء فلسطين” (72).
ولعل ما أراده الوزير العثماني أحمد كوبرلو، وهو يضعه في سجن صغير مظلم، أن يعرف ردود فعل ملوك أوروبا المسيحية، وردود فعل الجالية اليهودية الكبيرة المتجمعة في تركيا.
بدأ اليهود من أتباعه يترددون على زيارة ملكهم المسجون، معتبرين أن ما حصل له جزء من نبوءته، وأن المسيح المخلّص يجب أن يعاني ويتألم لكي يحقق مجد اليهود. أما هو فكان ينصح أتباعه بالصبر إلى حين الوقت الذي يخرج فيه منتصراً إلى أرض فلسطين، وهو ما دعا السلطان العثماني محمد الرابع إلى نقله إلى سجن في جزيرة غاليبولي على مضيق الدردنيل، ومعظم السجناء فيه معارضون سياسيون للدولة العثمانية (73).
وهو ما جعل المعارضين اليهود لشبتاي صبي يرون أن هذا الرجل لا يعدو كونه دجالاً، وأن عمله سيقود إلى الإضرار بالجالية اليهودية في تركيا وفي غيرها من الدول التي تحتضن جاليات يهودية، ومنهم حاخام أزمير الذي اتهمه، ولكنه لم يلقَ أذناً صاغية، وطرده أتباع شبتاي صبي من منصبه (74).
وبغية التخلص من شبتاي صبي المسجون، ومن كثرة البواخر المحملة باليهود القادمين إلى تركيا لزيارته، عمد حاخام يهودي بولندي هو نحميا كوهن إلى معرفة سر نبوءة الملك شبتاي صبي، فتوصل إلى قناعة أفضى بها إلى قائممقام أدرنة مصطفى باشا، مفادها أن هذا الرجل فاجر منغمس في الملذات، يحاول أن يغيّر حياة اليهود، ويغيّر طاعتهم للسلطان العثماني. وكانت هذه أجوبة مقصودة لاستفزاز السلطان العثماني، وقد فسّرها السلطان أولاً بأنها توجه يهودي مخطط له لاغتصاب أرض عربية في فلسطين لصالح اليهود.
وثانياً بما كان قد أخذه في وقت مبكر من توجهات بريطانية عبر سفيرها في إسطنبول (75)، وبأن الملك المزعوم شبتاي صبي يريد إثارة القلاقل والاضطرابات في الدولة العثمانية، ولذلك يجب معاقبته.
شعر شبتاي صبي بأن السلطان العثماني محمد الرابع مصمم على ذلك، وكان الخوف بادياً عليه، وأنه سيقبل أي عرض عثماني يُلقى عليه، حتى قبول الإسلام. وهو ما حصل، وكان جوابه أن ما يسعده أن يكون مسلماً اختياراً ودون إكراه من أحد، فقبله السلطان العثماني محمد الرابع، وأصبح اسمه محمد عزيز أفندي (76)، وعُيّن له مدرس ليعلّمه اللغة العربية وأصول الإسلام، وهكذا فعلت زوجته في نهاية عام 1666م. وقد شكّل ذلك صدمة كبيرة لأتباعه اليهود، فارتد بعضهم عن اليهودية، فيما رأى آخرون أن روح شبتاي صبي وجسمه الحقيقيين قد صعدا إلى السماء، وبقي ظله يمشي على الأرض وعلى رأسه عمامة مثل المسلمين، وأنه سوف ينزل إلى الأرض في الوقت المناسب. وهي إشارة إلى ما أخفاه اليهود من حقيقة منذ قرون، وهي أنهم صلبوا النبي عيسى عليه السلام وقد شُبّه لهم، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي رفعه إلى السماء، وليس الملك المزيف شبتاي صبي، الذي ضُبط في إحدى الليالي من عام 1672م يؤدي الشعائر اليهودية مع شلة من أتباعه، وهم محاطون بالنساء، يشربون الخمر وينشدون الأناشيد اليهودية (77).
فنُفي شبتاي صبي إلى ألبانيا (أقصى الجنوب من يوغسلافيا على البحر الأدرياتيكي) عام 1673م (78). وبعد مرور ثلاث سنوات كتب شبتاي صبي رسالة إلى مؤيديه في صوفيا، عاصمة بلغاريا الحالية، يقول فيها إنه يقوم بدور النبي موسى عليه السلام، حتى جاءه الموت عام 1676م، ودُفن في مكان قرب البحر (79).
ولكنه لم يكن أكثر من يهودي تركي، أي من الذين يطلقون عليهم يهود الدونمة، الذين تظاهروا بالإسلام كما تظاهر هو به دون الاعتقاد به (80). وكانت التقديرات لأعدادهم، حسب وثيقة بريطانية سرية بعث بها السفير البريطاني في إسطنبول عام 1910م: “إن عدد سكان سالونيك مئة وأربعون ألفاً، منهم ثمانون ألف يهودي من أصل إسباني، وعشرون ألفاً من فرقة شبتاي صبي، أو اليهود الباطنيين الذين تظاهروا بالإسلام” (81). وكان السر الذي ربما جهله الكثيرون أن يهود الدونمة عاشوا مدة (250) سنة خلف «حائط سميك» في مجتمع مسلم وبيئة مسلمة لإنهاك حكم الدولة العثمانية المسلمة، قبل أن يطأ أرضها الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت في حملة لإثبات الذات والنزعة الفرنسية ضد الخصوم.
7. فرنسا والحملات الصليبية (الأولى والأخيرة) قبل بلوغ الصناعة المتطورة في إنجلترا وبقية دول أوروبا
كانت الحملة البحرية للملك الفرنسي لويس التاسع باتجاه مصر وميناء عكا عام 1249م قد حملت معها معنى بابا الكنيسة الكاثوليكية وتوجهاته، إلا أن ما أحدثه المصلح الألماني مارتن لوثر في القرن السادس عشر قد أربك حسابات البابوات، لتدخل الممالك الأوروبية في نزاعات دينية أساسها الكاثوليك والبروتستانت، ونزعات سياسية قومية، كانت محصلتها أنها أبرزت قوتين في أوروبا هما السويد وفرنسا خلال حرب الثلاثين عاماً في أوروبا (1618 – 1648م) (82).
ولكن في الجانب الآخر، لم تكن أيٌّ من الدولتين، السويد وفرنسا، وخاصة فرنسا في الطرف الغربي من البحر الأبيض المتوسط، قادرة على مجاراة الجيش العثماني المسلم، الذي أعطى للإمبراطورية العثمانية القدرة على أن تمتد حدودها من بلاد فارس وبلاد المغرب العربي في الشرق، إلى دولة النمسا، حاجزاً بينها وبين دول الغرب المسيحي، في الغرب، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين.
وكأي شعب من شعوب القارة الأوروبية، كان الشعب الفرنسي يفيض حيوية، تواقاً إلى الحرية، راغباً في التغيير، وهو يشاهد (25) مليون فرنسي يدفعون الضرائب للنبلاء ورجال الكنيسة، مما قاد فيما بعد إلى الهجوم على سجن الباستيل في الرابع عشر من تموز 1789م، ونجاح الثورة الفرنسية عام 1795م، لتخرج فرنسا من عزلتها الدولية (83).
وكان من رجال الإدارة التي قادت الثورة الفرنسية رجل عسكري كورسيكي هو نابليون بونابرت (84)، الذي أراد أن يُشعر أوروبا المسيحية بدوره المؤثر، لا على الساحة الأوروبية فقط، بل وهو يواجه الإمبراطورية العثمانية، الخصم العنيد لأوروبا المسيحية، ولكن خارج نفوذ الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية، وهو يحمل نزعة إمبراطور فرنسا.
جهّز نابليون بونابرت جيشاً فرنسياً قوياً (85) واتجه به صوب ميناء الإسكندرية في مصر عام 1798م، وعيّن عليه أحد قادته، كليبر، لإدارته، فيما واصل مسيره نحو القاهرة، وتمكن منها بعد هزيمة جيش المماليك والمصريين في معركة الأهرام عام 1798م. وفي آذار 1799م وجّه نابليون أحد قادة فرقه (سكس) إلى السيطرة على صعيد مصر، وفرقة أخرى نحو مدينة القصير على البحر. وخلال ثلاث سنوات تمكن نابليون من الوصول إلى يافا وحيفا وعكا، حيث حاول ملك إنجلترا الصليبي ريتشارد قلب الأسد عامي 1192 – 1193م إبعاد جيش صلاح الدين الأيوبي عنها.
إن نزعة إنجلترا القومية في أواخر القرن الثاني عشر ليست نفسها في القرن الثامن عشر، وقد تحررت إنكلترا من طغيان البابوات ورجال الكنيسة، وأعطاها المذهب البروتستانتي الحرية وقوة الدفع المعنوية لتكون أول دولة صناعية في العالم (86)، تنظر إلى فائض إنتاجها لتسويقه إلى الدول الأخرى وجني أرباح اقتصادية هي في أمسّ الحاجة إليها لتطوير منهجها العلمي، حتى وهي تساهم مع الجيش العثماني والمقاومة المصرية في طرد نابليون من مصر عام 1801م (87).
ولكي تبلغ إنجلترا قوتها الصناعية، تمكنت في منتصف القرن الثامن عشر من تسخير «قوة البخار» في الصناعة، حتى تضاعف إنتاج مغازل النسيج (400) مرة خلال خمسين سنة. وفي ظروف هذا الانقلاب الكبير انهارت قاعدة الاقتصاد القائم على العمل اليدوي في دول العالم خارج أوروبا (88)، ومنها الصين والهند اللتان وفّرتا لليد العاملة الكثيفة قدراً من سبل العيش دون مشاكل. وكان انعكاس ذلك بالدرجة الأساس على شعوب القارة الهندية التي قدّمت أرواح أبنائها جنوداً لمخترعي قوة البخار في بداية القرن العشرين لمحاربة الدولة العثمانية المسلمة. وهو ما شمل ممالك أوروبية أخرى، فالولايات المتحدة الأمريكية هي الأخرى ارتفعت حصتها من الإنتاج الصناعي من واحد في الألف سنة 1750م إلى 23.5% سنة 1900م، فيما بلغت حصة ألمانيا 31.2%، أي ما يعادل حصة الهند في عشر سنوات. أما فرنسا فقد بلغت حصتها 6.8%، أي ما يعادل متوسط إنتاج الصين بنسبة (6 إلى واحد).
ولم تكن إمبراطورية النمسا المعروفة (آل هابسبورغ)، وتضم هولندا وإسبانيا والبرتغال والمجر ويوغسلافيا، أقل نصيباً من الآخرين، حتى بلغت حصتها 4.7%، فيما كانت للسويد، وتضم فنلندا ودول البلطيق، حصة قدرها 3.5%، وكانت حصة إيطاليا، وهي في ذيل قائمة الدول الأوروبية، قد بلغت 2.5%. وفي مصر (الدولة العربية) مثلاً كان دخل الفرد مساوياً لدخله في غرب أوروبا حتى منتصف القرن الثامن عشر، لكنه انهار فجأة خلال القرن التاسع عشر، فأصبح واحداً إلى 18% بالنسبة إلى دخل المواطن في فرنسا، وواحداً إلى خمسين بالنسبة إلى دخل المواطن في إنكلترا. وقبل أن يبدأ القرن العشرون، كانت الثورة الصناعية قد قلبت ميزان القوى، ورافقها انقلاب في تصنيع السلاح الناري، فظهرت البنادق والرشاشات والمدفعية والسفن البخارية التي وصلت إلى مياه الخليج العربي، لتجد قبائله ترحب بمن يدافع عنها، ويصنع منها شيوخاً وأمراء يديرون مصالحه عن بعد (89).
المصادر
شبتاي صبي اليهودي: ولد شبتاي صبي في آب عام 1626م في مدينة إزمير التركية من أبوين يهوديين. كان أبوه مردخاي قد هاجر من اليونان إلى تركيا، واشتغل بتجارة الدجاج والبيض حتى أصبح تاجراً معروفاً، وكان أيضاً وكيلاً لبعض الشركات الإنجليزية والهولندية. ومنذ صباه أرسله أبوه إلى المدارس الدينية اليهودية، وفي سن الثامنة عشرة أصبح شبتاي حاخاماً، وكان في حديثه مؤثراً. تزوج شبتاي مرتين، وطلّق الأولى، وفسّر المقربون منه ذلك بأنه نوع من الطهارة، أما هو فكان يقول إن الروح القدس قد أوحى إليه بأن زواجه من المرأة المناسبة لم يحن بعد. وفي أحد الأيام أخبر شبتاي طلابه بأنه هو الذي سيكون المسيح المخلّص لليهود فصدّقوه. توفي عام 1676م عن (50) سنة. انظر: جعفر هادي حسن، فرقة الدونمة بين اليهودية والإسلام، ط2، لبنان، 1988، ص 33 – 36.
G. Scholem, Sabbatai Sevi, London, 1913, p. 136.
جعفر هادي حسن، المصدر السابق، ص 46.
G. Scholem, Sabbatai, op. cit., p. 218.
H. C. Lukach, The City of Dancing
H. Graetz, Popular History of the Jews, New York, 1919, p. 163.
كانت إحدى رسائل ناثان (صديقه) تقول: إلى ملك ملوكنا، سيد السادة، الذي سيجمع شتات إسرائيل، والذي سينقذنا من أسرنا، الإنسان الذي ارتفع إلى أعلى منزلة، مسيح رب يعقوب، المسيح الحق السماوي شبتاي صبي، الذي سيرتفع مقامه ويعم حكمه إلى الأبد.
S. Dubnov, History of the Jews, Vol. 4, New Jersey, 1971, p. 68.
جعفر هادي حسن، المصدر السابق، ص 51.
H. Graetz, op. cit., p. 173.
Dubnov, op. cit., p. 65.
Dubnov, op. cit., p. 64.
Dubnov, op. cit., p. 69.
أحمد حجازي السقا، نهاية أمة الإسلام بين النبوة والسياسة، مصر، مكتبة مدبولي، 2003، ص 114.
أحمد حجازي السقا، المصدر السابق، ص 114.
H. Graetz, op. cit., p. 164 – 165.
H. C. Lukach, op. cit., p. 212.
H. C. Lukach, op. cit., p. 212.
H. C. Lukach, op. cit., p. 218.
Dubnov, op. cit., p. 68.
G. Scholem, Sabbatai, op. cit., p. 674.
H. C. Lukach, op. cit., p. 231.
G. Scholem, op. cit., p. 875.
Ibid., p. 883.
جعفر هادي حسن، المصدر السابق، ص 70 – 72.
يهود الدونمة: بقي يهود الدونمة يتكلمون لغة اللادينو، وهي مزيج من الإسبانية والعبرية، وكثير منهم يفضل التكلم باللغة التركية لكي لا يُكتشف أمرهم، أما اللغة العبرية فكانت لأغراضهم الخاصة في بداية القرن العشرين. انظر: جعفر هادي حسن، المصدر السابق، ص 83.
Public Record Office, 371 / 1010.
حرب الثلاثين عاماً في أوروبا (1618 – 1648م): في عام 1618م نشبت ثورة في بوهيميا (وسط أوروبا)، أي الأجزاء الوسطى من جمهورية التشيك، وذلك ضمن الصراع بين البروتستانت والكاثوليك. وخلال العقد التالي تطور الأمر من نزاع ديني إلى نزاع سياسي بين الممالك الأوروبية الكبرى. ورغم أن معظمه دار في ألمانيا، حيث سقطت ضحايا كثيرة بين السكان المحليين، فقد تورطت أوروبا في واحد من أكبر النزاعات الدموية في التاريخ، وكان معظم الملوك والقادة العسكريين الأصليين قد ماتوا أو تقاعدوا، وحلّ محلهم أولادهم الشباب ليزيدوا من عدد القتلى ومن دمار الممتلكات. وخرجت من هذه الحروب كل من إسبانيا والسويد وهما الأقوى بين ممالك أوروبا. انظر: مايكل لي لاننغ، المصدر السابق، ص 501.
هاني خيرو أبو غضيب، المصدر السابق، ص 71.
نابليون بونابرت: ولد في جزيرة كورسيكا الإيطالية عام 1769م، وعاصر الثورة الفرنسية عام 1792م. في عام 1796م أصبح الضابط نابليون قائداً للقوات الفرنسية، وحاول إقامة إمبراطورية مع إيطاليا والنمسا دون استشارة حكومة فرنسا. توجه بأطماعه إلى مصر، وبدأ تحركه في مياه مالطة في 9 حزيران 1798م حتى وصل بحملته إلى غرب الإسكندرية في 2 تموز 1798م، ثم زحف باتجاه القاهرة عن طريق دمنهور، واحتل مدينة رشيد في 6 تموز 1798م، واحتل القاهرة في 24 تموز 1798م. توفي نابليون عام 1821م.
هاني خيرو أبو غضيب، المصدر السابق، ص 71 – 72.
هاني خيرو أبو غضيب، المصدر السابق، ص 77.
المصدر نفسه، ص 72.
كانت الصين في عام 1750م تحتكر نحو 33% من الإنتاج الصناعي في العالم، بينما كانت حصة إنجلترا تقل عن 2%. لكن الميزان ما لبث أن انقلب خلال قرن من الزمان، فزادت حصة بريطانيا إلى 18.5% وتراجعت حصة الصين إلى 6%. أما الهند، التي كانت أكبر مصدّر للمنسوجات خلال القرن الثامن عشر، فقد انهارت مصانعها اليدوية أمام طوفان النسيج الإنكليزي الممتاز والرخيص، وخسرت أسواقها الدولية. انظر: منير ياسين، حرب الخليج بين الماضي والمستقبل العربي الإسلامي، عمّان، بلا سنة، ص 155 – 156.
كانت الملكة فكتوريا، ملكة بريطانيا، تتلقى عام 1865م تقريراً عن وضع الإمبراطورية البريطانية يقول: سهول روسيا وأمريكا الشمالية هي حقول قمحنا، وشيكاغو وأوديسا هي مطاحن غلالنا، وكندا والبلطيق غابات أخشابنا، وأستراليا مراعي خرافنا، وأودية أمريكا الغربية مراعي أبقارنا، ومناجم البيرو تغدق علينا الفضة، وأستراليا وجنوب إفريقيا مناجم لذهبنا، والهندوس والصينيون يزرعون لنا الشاي والقهوة، والأنديز تزرع لنا السكر، وإسبانيا وفرنسا عرائش أعنابنا، وبلدان البحر المتوسط حدائق ثمارنا، أما القطن الذي زرعناه في جنوب الولايات المتحدة فقد امتد الآن إلى جميع مناطق الأرض الدافئة. انظر: منير ياسين، المصدر السابق، ص 175.
أجزاء «الإصلاح الديني في أوروبا المسيحية لمواجهة تحديات الإسلام في القرن السادس عشر» (3 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)