الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الاهتمامات البريطانية والعراقية بولاية الموصل - كوردستان العراق (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2014

كانت المصالح البريطانية في ولاية الموصل ذات الأكثرية الكوردية (كوردستان العراق) موضع نقاش مهم لدى المعاصرين والمؤرخين والباحثين، وفي دراسات عديدة. وقد لخّص بيتر بيك هذا الجدال بشكل واضح، وقدّم منافذ مشوقة إلى العامل الحيوي (الاستراتيجي) في النقاش:

“… بينما أدّى مكتب الشؤون الخارجية البريطانية الأدوار الرئيسة فيما يتعلق بالوجهة الدبلوماسية للصراع على ولاية الموصل (كوردستان العراق)، فإن عدداً من الدوائر الحكومية البريطانية كان لها أثر مهم في القضية الكوردية في ولاية الموصل، ومن المعقول أن تتطرق إليها من وجهات نظر مختلفة. وقد ظهر هذا الاختلاف مثلاً في شكوى اللورد كرزون، وزير الخارجية البريطاني من عام 1919 إلى 1924، إذ أشار إلى تدخلات الدوائر الحكومية البريطانية الأخرى في سياسته، وهي الدوائر التي أكدت الأهمية الإستراتيجية لولاية الموصل (كوردستان العراق)، وركزت على أهمية المنطقة الكوردية من حيث كونها واقعة على خطوط المواصلات مع المستعمرات البريطانية في الشرق. وقد شاركت عدة وزارات بريطانية في مشكلة ولاية الموصل في العراق العربي الجديد، كالخارجية، والحرب، ووزارة المستعمرات، ووزارة الهند البريطانية. وقد ركز الذين كانوا يعملون في وزارة الحرب والبحرية البريطانية على الجانب الاستراتيجي، فرأوا أن السيطرة على ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، التي تفصلها عن تركيا طبيعياً سلاسل جبلية …، لن تعمل على تأمين بقاء العراق العربي الجديد دولة مستقلة فحسب، بل ستعمل على توفير حدود أكثر أمناً في وجه تركيا. وكان يُخشى من تركيا، وهي دولة إسلامية عدوانية، أن تستعمل ولاية الموصل نقطة انطلاق للهجوم على العراق العربي، ثم على المصالح البريطانية في الخليج العربي (الفارسي)” (1).

ويظهر من قراءة المواد ذات الصلة في وزارة الطيران، ووزارة الخارجية البريطانية، ومكتب الهند البريطانية، ووزارة المستعمرات البريطانية، أن المسؤولين البريطانيين في الشرق الأوسط قد قدموا تقارير عن مخاوف مبالغ فيها من العواقب الإستراتيجية إذا وقعت ولاية الموصل (كوردستان العراق) في قبضة الأتراك (الدولة التركية الحديثة). فالمخابرات البريطانية في شرق تركيا (كوردستان تركيا) وفي كوردستان العراق، مثلاً، تحدثت عن سيناريوهات كانت كابوساً مريعاً مرعباً، وأحياناً عن حسابات غير دقيقة عن مخططات شيوعية كبيرة محتملة لإلحاق تركيا والعراق وإيران بالاتحاد السوفيتي، عن طريق استخدام فعال للعناصر البلشفية من بين الكورد في كوردستان. وزعمت السلطات البريطانية أن المشروع الروسي يجري تخطيطه وتنفيذه من وان وديار بكر وأرضروم في جنوب شرق تركيا (المنطقة الكوردية، كوردستان الشمالية - كوردستان تركيا)، ومن تبريز في شمال غرب إيران (المنطقة الكوردية، كوردستان الشرقية - كوردستان إيران) (2).

وكان للمسؤولين البريطانيين الذين بالغوا في الحديث عن التهديدات البلشفية الروسية هدفان:

أولهما: أنهم أرادوا خلق عدم ثقة بين روسيا الشيوعية ومصطفى كمال أتاتورك، الذي كان لا يزال متردداً في سياسة تركيا الخارجية بين روسيا والغرب. وقد أبلغ البريطانيون مصطفى كمال أتاتورك بتفاصيل المخطط الروسي الشيوعي المحتمل في شرق الأناضول، المنطقة الكوردية في كوردستان تركيا، فعبّر عن المرارة إزاء تلك المخططات، غير أن تركيا كانت لا تزال في حاجة إلى تحالف مؤقت مع روسيا الشيوعية، لأن تركيا الحديثة كانت تعاني شحاً مالياً ونقصاً في السلاح، فضلاً عن كونها غير متأكدة من النوايا البريطانية. لذلك أراد مصطفى كمال أتاتورك استخدام قوة روسيا وسطوتها في صراعه مع بريطانيا على ولاية الموصل (كوردستان) (3).

ثانيهما: أن المبالغة البريطانية في إبراز الجانب الاستراتيجي للنزاع كان يُقصد بها، إلى حد بعيد، «التمويه» على الدوافع الحقيقية لبريطانيا، وهي رغبتها في السيطرة على النفط (البترول) في ولاية الموصل (كوردستان العراق). وقد خدم تأكيد الاعتبارات الإستراتيجية المسؤولين البريطانيين في تفادي المزيد من الانتقادات المحلية والدولية لسياستهم.

وينبغي الإشارة هنا إلى أنه كان هناك في كل مراحل قضية ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية ضغط قوي (من الشعب الكوردي) على الحكومة البريطانية للانسحاب من ولاية الموصل بصورة خاصة ومن العراق بصورة عامة. وبعد انتفاضة ثورة العشرين العراقية المعادية لبريطانيا عام 1920 خاصة، عدّ المعارضون في بريطانيا وجزء كبير من الرأي العام البريطاني العراقَ العربي الجديد، ومشكلة ولاية الموصل بصفة خاصة، أعباء غير ضرورية على عاتق الإمبراطورية البريطانية (4). وكانت المعارضة البريطانية تخشى أن يجبر الموقف البريطاني غير المهادن مصطفى كمال أتاتورك على تحالف أوثق مع روسيا البلشفية، معرّضاً المصالح البريطانية في الخليج العربي للخطر (5).

ويبدو أن النفط في كركوك الكوردية كان عاملاً حيوياً في النزاع على ولاية الموصل (كوردستان العراق)، فقد كان لوجود المخزون البترولي في ولاية الموصل (كركوك) تأثير كبير في سلوك صانعي السياسة البريطانية تجاه القضية. فالمسؤولون البريطانيون من صانعي السياسة في لندن، أمثال اللورد كرزون وزير الخارجية، وبونار لو، ورامزي ماكدونالد، وأوستن تشامبرلين، وأولئك البريطانيون العاملون على سياسة بريطانيا في الشرق الأوسط، من أمثال السير آر. لندسي في أنقرة، وبيرسي كوكس المندوب السامي البريطاني في بغداد، وسي. جي. إدموندز المستشار والضابط السياسي البريطاني في العراق، أنكروا بإصرار وبإجماع تأثّر سياستهم في النزاع على ولاية الموصل بعامل البترول (6). إلا أن دراسات حديثة، اعتمدت بنحو كبير على الوثائق والسجلات البريطانية، قد أثبتت وجود ارتباطات دائمة غير منفصلة بين المصالح الإمبريالية البترولية البريطانية وموقف الحكومة البريطانية في نزاع ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق) (7). وجدير بالذكر أن نفط ولاية الموصل لم يكن قد جرى تطويره بعد في أيام النزاع، وقد حاول بعض المسؤولين البريطانيين التقليل من كونه مربحاً، ومع ذلك كان الزعماء الحكوميون البريطانيون المشتركون في النزاع على وعي تام بالمخزونات البترولية في ولاية الموصل (8). لذلك اعتقدوا أن السيطرة البريطانية على ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية ضرورية للسيطرة على العراق العربي الجديد، فالوجود البريطاني في العراق العربي الجديد عُدّ ضرورياً لحماية مصالح شركات البترول الإنجليزية في جنوب إيران آنذاك (9).

أما العراق العربي الجديد فإن الاحتفاظ بمقاطعته الشمالية (كوردستان العراق) كان في غاية الأهمية لبقائه دولة قوية، وقد عبّر الملك فيصل الأول عن هذا بنحو صريح في خطابه في آذار (مارس) 1925 أمام لجنة تقصي الحقائق التابعة لعصبة الأمم، إذ قال:

“إن إيجاد حكومة عراقية عربية دائمة ومتماسكة يعتمد على حفظ وضعها الراهن (Status quo)، كما أعتقد أنه من غير المحتمل، على الصعيدين الاستراتيجي والاقتصادي معاً، أن تظل حكومة في بغداد على قيد الحياة والوجود إذا جرى فصل ولاية الموصل عنها … وإن تجربتي ومعرفتي بالعقلية والطبيعة النفسية للشعب التركي، وطموحه التاريخي في التوسع والغزو … جعلتني أعلن أن ولاية الموصل بالنسبة للعراق العربي كمثل الرأس بالنسبة لباقي الجسم” (10).

إن هذا الاهتمام من قبل ملك العراق فيصل الأول، الذي كانت تشاركه رأيه قطاعات الحكومة العراقية العربية وكذلك الوطنيون القوميون العرب، قد عكسته وسائل الإعلام العراقية في أثناء الأزمة (11). وكان من اعتقاد الملك فيصل الأول الراسخ، وكذلك الوطنيين في بغداد، أن نفط ولاية الموصل في كوردستان العراق ضروري لبناء كيان اقتصادي قابل للنمو والتطور في العراق العربي الجديد (12). وإلى جانب ذلك، كان من الملاحظ سابقاً أن جبال جنوب كوردستان، التي تعد أهم الأجزاء في ولاية الموصل، لها أهمية كبرى في توفير حدود للعراق العربي قابلة للدفاع عنها في كوردستان ضد مصطفى كمال أتاتورك ذي الأطماع في ولاية الموصل. وأخيراً فإن السكان الكورد المنتمين إلى المذهب السني في ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية كانوا لا غنى عنهم بالنسبة للملك فيصل الأول في مواجهة الشيعة في الجنوب والوسط وحفظ التوازن معهم في العراق الجديد؛ فكل مسؤولي العراق والمسؤولين البريطانيين في العراق كانوا يؤكدون مراراً أن العراق العربي الجديد إذا فُصل عنه جنوب كوردستان (كوردستان العراق) فسيكون 65% من سكانه من المذهب الشيعي، وهذا سيجعل حكم العراق صعباً بالنسبة للملك فيصل الأول والنخبة الحاكمة معه ذات الأغلبية السنية المطلقة (13). ولهذه الأسباب كان موقف العراق العربي تجاه نزاع ولاية الموصل متأثراً جزئياً فقط بالنفط، أما الاحتفاظ بولاية الموصل جزءاً من العراق العربي الجديد فهو الأهم في الحقيقة بالنسبة لمسألة بناء الدولة في العراق العربي الجديد.

المخاوف التركية من ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق)

يشكل الكورد الغالبية العظمى في ولاية الموصل (كوردستان العراق)، والمقصود هنا ليس مدينة الموصل العربية فقط، لأن ولاية الموصل تشمل مدن كركوك وأربيل والسليمانية ودهوك وتوابعها، وأجزاء من ديالى. ويظهر أن هذا هو السبب الأول، وإن لم يكن الوحيد، لإصرار تركيا المستمر في جهدها لإعادة ولاية الموصل إلى تركيا الحديثة. ففي أثناء حرب الاستقلال الوطنية في تركيا الحديثة، تمكن مصطفى كمال أتاتورك من تعبئة أغلب قبائل الكورد في كوردستان تركيا في شرق تركيا (الأناضول)، كوردستان الشمالية. وفي عام 1918 شاركت الوحدات الحميدية (القوات غير النظامية من الكورد الموالين للسلطان عبد الحميد الثاني 1876–1909) مشاركة فاعلة في معارك شرق الأناضول ضد الأرمن والروس. واعتمد مصطفى كمال أتاتورك على العناصر الموالية للخلافة الإسلامية العثمانية، كما استغل وجود المشاعر المعادية للأرمن عند الزعامة الكوردية التقليدية (14). غير أن العلاقة بين العنصريين الأتراك والقوميين الكورد لم تكن ودية، ويعود سبب ذلك إلى أيام جمعية الاتحاد والترقي التركية قبيل الحرب العالمية الأولى، حين كان أفراد حزب تركيا الفتاة متورطين في تخطيط سياسة التتريك وتنفيذها في كوردستان الشمالية (كوردستان تركيا)، وجرى إيقاف كل الدوريات والصحف والمجلات الكوردية وإغلاق النوادي الكوردية (15).

وفي فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة، أُبلغ مصطفى كمال أتاتورك أن رجال المخابرات البريطانية في شرق تركيا (الأناضول)، كوردستان تركيا، متورطون في تجنيد أعضاء الجمعية الكوردية المعروفة باسم «جمعية كوردستان من أجل النهوض والتقدم» (Teali ve Terakki Cemiyeti) للهجوم على القوات الكمالية التركية المشاركة في الاجتماع الثاني في سيواس عام 1919 (16). ومع أنه ليست هناك أدلة قاطعة في الوثائق البريطانية أو التركية تؤيد هذه المزاعم، فإن الحادثة ساعدت بدرجة ما على خلق عداء بين العنصريين الأتراك والحركة القومية الكوردية في كوردستان تركيا، ولهذا قامت القوات الكمالية التركية باعتقال القوميين الكورد في المناطق الخاضعة لسيطرتها في كوردستان تركيا في السنوات 1918–1920م. وفي عام 1921 أظهر القوميون الكورد أول تحدٍّ للنظام الكمالي التركي، عن طريق ثورة كوجكري التي اندلعت في إقليم درسيم في جنوب شرق تركيا (كوردستان تركيا)، وطالبت بالحكم الذاتي للكورد في كوردستان تركيا. وكانت أحداث هذه الثورة قد تزامنت مع الاجتياح اليوناني لغرب تركيا، فاعتقد العنصريون الأتراك أن المخابرات البريطانية واليونانية هما المحرضتان على هذه الثورة الكوردية في درسيم (17). كما أدت الثورة الكوردية في درسيم إلى توسيع نطاق الفجوة، غير القابلة للسد والتقارب، بين الكورد والقوميين الترك العنصريين.

وعلى الرغم من هذا، ظلت سياسة مصطفى كمال أتاتورك في البداية غير واضحة، بنحو مقصود، فيما يخص دور الكورد في كوردستان تركيا الحديثة. ومن المهم هنا أن نعيد إلى الأذهان أنه حتى الوقت الذي جرى فيه إنشاء الجمهورية التركية الحديثة وتبنّي الأتراك الفكرة (الإيديولوجية) الكمالية عام 1923، كان مصطفى كمال أتاتورك قد عرض على الجمهور التركي والكوردي، إما عن طريق الخداع أو الاقتناع، أن حكومته عبارة عن حركة تنويرية لحكومة إسلامية مؤلفة من الأتراك والكورد من بقايا الدولة العثمانية. ويمكن إدراك هذا من خلال الطريقة التي جرت بها صياغة الميثاق الوطني التركي، وخطابات مصطفى كمال أتاتورك في الفترة الأولى من تأسيس الجمهورية التركية الحديثة مثال آخر على هذا (18). وينقل ديفيد مكدول عن مصطفى كمال أتاتورك في أيلول (سبتمبر) 1919 جزءاً من خطابه في المجلس الوطني التركي، قائلاً:

“ما دام هناك أناس أصفياء كرماء في تركيا الحديثة، يتمتعون بالاحترام والإجلال، فإن الأتراك والكورد سوف يستمرون في العيش جنباً إلى جنب، كإخوة حول مؤسسة الخلافة في تركيا الحديثة، وسيكون ذلك بمثابة العمود الحديدي غير القابل للكسر ضد كل الأعداء الخارجيين والداخليين” (19).


أجزاء «الاهتمامات البريطانية والعراقية بولاية الموصل - كوردستان العراق» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث

الجزء الثاني ←