الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الاهتمامات البريطانية والعراقية بولاية الموصل - كوردستان العراق (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2014

مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية والادعاءات العنصرية التركية بها

بعد سيطرة قوات مصطفى كمال أتاتورك التركية على مجمل الأراضي التركية الحالية (جمهورية تركيا الحديثة)، عمل جاهداً لإبطال تنفيذ بنود معاهدة سيفر (10 آب 1920) التي أقرت بالحقوق القومية للشعب الكوردي. وشاركت تركيا الكمالية في مؤتمر لوزان بسويسرا، ونجح الوفد التركي في إقناع ممثلي دول الحلفاء بالتوقيع على معاهدة لوزان في 24 تموز 1923، التي ألغت معاهدة سيفر (10 آب 1920) التي أقرت الحقوق القومية للشعب الكوردي، وبذلك تم احتلال كوردستان الشمالية (كوردستان تركيا) كاملة من قبل القوات الكمالية التركية.

وبقي النزاع الحدودي بين تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد، فقد نصت المادة الثالثة من معاهدة لوزان 1923 بهذا الصدد على ما يلي: “ستتم تسوية الحدود الفاصلة بين تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد بطريقة ودية بين الحكومتين البريطانية والتركية في غضون تسعة أشهر، وإن لم تتوصل الحكومتان إلى اتفاق خلال المدة المعينة تُحال القضية إلى مجلس عصبة الأمم”.

وفي الحقيقة والواقع لم يكن هذا النزاع مجرد نزاع محدد على الحدود بين تركيا والعراق، وإنما كان نزاعاً على ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق) ذات الأغلبية الكوردية كلها، أي على كوردستان الجنوبية التي تسمى اليوم كوردستان العراق، وذلك بسبب النفط في كركوك الكوردية، وأصبح مصير الكورد العراقيين (كوردستان العراق) مرتبطاً بهذا النزاع.

المسألة الكوردية في كوردستان تركيا الحديثة

كانت فكرة دولة كوردستان قد لفتت أنظار العثمانيين الأتراك عندما بدؤوا يفكرون جدياً في توسيع رقعة دولتهم الإمبراطورية العثمانية على حساب أراضي الشعوب الإسلامية المجاورة، أسوة بأراضي البلقان. وكان العثمانيون، في أعقاب انتصارهم على الصفويين الفرس في وادي جالديران عام 1514م، في المعركة التي دارت رحاها بين قزلباش الشاه إسماعيل الصفوي وإنكشارية السلطان سليم الأول العثماني وسباهيته، قد فرضوا سيطرتهم على قسم كبير من كوردستان (كولاية الموصل وديار بكر وماردين وأورفة وحصن كيفا)، كما هرع أمراء أردلان والعمادية وجزيرة ابن عمر الأكراد إلى تقديم الولاء للعثمانيين، وأقيمت حامية عثمانية قوية في ولاية وان (Wan) الكوردية. وكان قانصوه الغوري يدرك تماماً أن المنتصر من الجانبين في معركة جالديران 1514 سيعمل على تصفية الموقف في المشرق بالاصطدام العنيف مع المماليك الأتراك، أي أن كوردستان كانت تشكل نقطة تحول بالنسبة لمستقبل القوى المتصارعة في المنطقة الكوردية.

وجاء عقد معاهدة زهاو عام 1639م لتنظيم حدود الدولتين العثمانية والصفوية وشؤونهما، بعد تنازل فارس (إيران) عن جزء من كوردستان لصالح العثمانيين. وفي عام 1746م عُقدت معاهدة كردن بين الدولتين العثمانية والفارسية مؤكدة معاهدة الحدود (زهاو) لعام 1639م، التي عُدّت نافذة وملزمة للطرفين، ثم جاءت معاهدة أرضروم الأولى بينهما عام 1823م حول وضع كوردستان.

وعندما سقطت الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى (1914–1918)، كان مصطفى كمال أتاتورك في البداية يتحدث باسم الحركتين التركية والكوردية، ويؤكد في جميع خطاباته أن دولة تركيا الجديدة هي دولة الأكراد والأتراك معاً. ويُعتقد أنه كان مرشحاً لقيادة إحدى الحركتين المذكورتين أو كلتيهما معاً، ولكن عندما بدأت كفة الميزان تميل لصالح القومية التركية وتغيرت الأوضاع لصالحها، وبعد أن حصل مصطفى كمال أتاتورك على الدعم والتأييد البريطاني، أخذ يقود الحركة القومية التركية، وبدأ بتصفية الحركة القومية الكوردية في كوردستان تركيا.

ففي 31 أيار 1925م توجه مصطفى كمال باشا أتاتورك بنداء إلى الشعب التركي، أشار فيه إلى أن الحكومة التركية بدأت بتسريح الجيش التركي المرسل للقضاء على الانتفاضة الكوردية في كوردستان تركيا بقيادة الشيخ سعيد بيران عام 1925، أما محاكم الاستقلال فستواصل نشاطها. وأشار في الختام إلى أن القمع المتواصل بعد الانتفاضة الكوردية في كوردستان تركيا يجب أن يكون تذكيراً بالعقاب الصارم الذي ينتظر كل من يفكر في الإطاحة بالجمهورية التركية الحديثة و”عرقلة التقدم الوطني التركي”.

وفي 28 حزيران 1925م حكمت ما يسمى «محكمة الاستقلال» في ديار بكر على سبع وأربعين (47) شخصية كوردية من المشاركين الأساسيين في الانتفاضة الكوردية، وعلى رأسهم الشيخ سعيد بيران، بالإعدام شنقاً حتى الموت، ونُفذ الحكم في اليوم التالي (29 حزيران 1925م).

وأمام حبل المشنقة قال الشيخ سعيد بيران: “إن الحياة الطبيعية تقترب من نهايتها، ولم آسف قط على أن أضحي بنفسي في سبيل شعبي الكوردي في كوردستان تركيا، إننا مسرورون لأن أحفادنا لن يخجلوا من أجدادهم أمام الأعداء الأتراك والفرس”.

وتلا ذلك إعدام مئات المناضلين الكورد بقرارات من محاكم صورية في الولايات الكوردية المختلفة في كوردستان تركيا.

احتلت القضية الكوردية حيزاً مهماً في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، فقد دُعي الوفد الكوردي برئاسة الجنرال الكوردي شريف باشا إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919م، للمشاركة في تحديد مصير الكورد وكوردستان بعد سقوط الدولة العثمانية.

وبالفعل أقرت معاهدة سيفر عام 1920م حقوق الشعب الكوردي في تقرير المصير، إذ نصت البنود 62 و63 و64 من هذه المعاهدة بين تركيا ودول الحلفاء على إقامة كيان قومي كوردي مستقل في كوردستان. وكانت بريطانيا تفكر في تأسيس دولة كوردية مستقلة في الشرق الأوسط، إلا أن بنود معاهدة سيفر (10 آب 1920)، التي انعقدت تحت المظلة البريطانية، ضُرب بها عرض الحائط، واستُبدلت بها معاهدة لوزان (24 تموز 1923م) التي تجاهلت الحقوق الكوردية وحق الكورد في تقرير مصيرهم.

ذلك أن بريطانيا بدّلت موقفها من المسألة الكوردية لعدة اعتبارات: فمن جهة أدركت أن قيام دولة كوردية مستقلة في كوردستان قد يؤدي إلى الإخلال بتوازن القوى في الشرق الأوسط لصالح الدولة السوفيتية (روسيا)، ومن جهة أخرى أخذت بريطانيا بعين الاعتبار مسألة الاعتماد على تركيا الحديثة حليفاً دائماً ومستمراً في مواجهة الثورة البلشفية في روسيا، وضرب كافة الحركات التحررية والثورية في المنطقة، وتضييق الخناق على العرب.

مؤتمر لوزان (1922–1923) وشؤون ولاية الموصل (كوردستان)

كانت محادثات مؤتمر لوزان إحدى الفرص التي شعر فيها الأتراك بضرورة التركيز على الوحدة التركية الكوردية في تركيا الحديثة، وذلك في مناقشة حول شؤون ولاية الموصل (كوردستان) في أثناء انعقاد المجلس الوطني الأعلى التركي. وينقل ديفيد مكدول عن مصطفى كمال أتاتورك تعابير لا لبس فيها عن أهداف حكومته، في الخطاب التالي:

“فليكن معلوماً لدى الجميع أن حدودنا الشرقية تمتد حتى السليمانية وأربيل وكركوك في ولاية الموصل. فغالبية سكان هذه الولاية من الكورد والترك، لكننا لا نفرق بينهما، فالكورد والترك تربطهما روابط مشتركة، وشعبنا التركي الذي قدم التضحيات الكبيرة في سبيل الحفاظ على حدود أراضينا المنصوص عليها في الميثاق الوطني التركي (Misak-ı Millî) لن يتردد في عمل الشيء نفسه في قضية ولاية الموصل” (20).

فضلاً عن ذلك فقد أخذ عصمت باشا إينونو، الكوردي الأصل، اثنين من النواب الكورد في المجلس الوطني التركي (البرلمان) ليرافقاه إلى مؤتمر لوزان. وأبلغ النواب الكورد المؤتمر أن الكورد والترك يشكلان عنصرين مهمين في شعب واحد (الشعب التركي) داخل دولة تركيا الحديثة غير قابل للانقسام، وأن المزاعم الغربية بأن الكورد يرغبون في الاستقلال مزاعم لا أساس لها (21).

وخلال العامين 1922 و1923 عقد المجلس الوطني الأعلى التركي مناقشات عديدة وحيوية حول شؤون ولاية الموصل الكوردية، ومارس عدد من النواب الترك الضغط على الحكومة التركية لإعادة ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية - العراق) ذات الأغلبية الكوردية إلى تركيا الحديثة بالقوة إذا دعت الضرورة لذلك. فقد كان هناك اعتقاد راسخ مشترك بين المسؤولين والنواب الأتراك في المجلس الوطني الأعلى التركي أن تركيا الحديثة غير قادرة على البقاء دولة حية نامية بدون امتلاك ولاية الموصل (كوردستان)، وأن ضم ولاية الموصل إلى تركيا الحديثة ضروري جداً في بناء علاقة شراكة بين الكورد والترك، وهذا هو الشعور الحقيقي لدى كثير من النواب الكورد والترك (22). وفي شباط (فبراير) 1922م، وفي محاولة لكسب تأييد الكورد في ولاية الموصل، أصدر المجلس الوطني الأعلى التركي مرسوماً يدعو إلى قيام مجلس قومي كوردي محلي في جنوب شرق تركيا (الأناضول)، كوردستان تركيا. وعلى الرغم من أن هذا القرار يمثل صيغة محدودة للحكم الذاتي، فقد دعا إلى تشجيع استعمال اللغة الكوردية (23). وفي كانون الأول 1923، عندما كان هناك توتر خطير بين البريطانيين والأتراك على الحدود بين ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية وتركيا، كرر مصطفى كمال أتاتورك وعد منح الحكم الذاتي للكورد في خطاب له في إزمت (Izmit) قائلاً:

“وهكذا فأي إقليم في تركيا ذو أغلبية كوردية سوف يقوم الكورد بإدارة شؤونه ذاتياً، ولكن فيما يتعلق بغير ذلك يجب علينا أن نعتبر الجميع أتراكاً …” (24).

وفي كل هذه الوعود التركية بالحكم الذاتي لكوردستان تركيا كانت هناك شروط معلقة، وجرت صياغتها بنحو مبهم، وأخيراً لم تُتخذ أية خطوة إيجابية أو عملية في سبيل تنفيذها، لأن مصطفى كمال أتاتورك كان لا يزال في حاجة إلى مساعدة الكورد له لمواجهة التحديات الخارجية، ولذلك ربما كان عدم الوضوح والإبهام في السياسة التركية تجاه الأكراد مسألة مقصودة.

وبعد هزيمة القوات اليونانية في تركيا على يد القوات التركية من الأتراك والكورد مجتمعين، وعقده معاهدة لوزان في 24 تموز 1923م مع دول الحلفاء، انتهج مصطفى كمال أتاتورك سياسة جادة في تغريب المجتمع التركي وتتريكه وبناء الدولة التركية الحديثة، وعُرفت هذه الصفقة الإصلاحية باسم «التركيزم» (Turkizm)، ويجب النظر إلى سياسة تركيا الحديثة المتعلقة بالكورد في كوردستان تركيا من خلال هذا السياق. وقد أعطى الكاتب الكوردي المتترك ضياء كوك ألب، المشهور بكونه منظّر الفكر القومي التركي، تعريفاً جديداً للقومية التركية ودور الكورد فيها، في عمله المسمى «المبادئ التركية» (The Principles of Turkism)، ونقتبس هنا جزءاً من أقواله في هذا المجال:

“… بما أنه لا توجد علاقة بين الجنس والأثر الاجتماعي، فكذلك لا يمكن أن توجد علاقة بين الجنس والقومية أيضاً، وهي عبارة عن مجموعة الخصائص الاجتماعية … والتضامن الاجتماعي يرتكز على الوحدة الثقافية، التي يجري نقلها ونشرها بواسطة وسائل التعليم … فأنا لن أتردد في الإيمان بأنني تركي حتى إذا اكتشفت يوماً أن أجدادي الكورد جاؤوا من المناطق الكوردية …” (25).

كان مصطفى كمال أتاتورك يرى أن البنية الاجتماعية والاقتصادية الخاصة لكوردستان تركيا، وكذلك كون اللغة الكوردية متميزة عن التركية، يعرقلان بناء تركيا الحديثة (الغربية) المتماسكة شعباً واحداً، ولذلك تخلت الجمهورية التركية الحديثة في صيف عام 1923 عن كل وعودها التظاهرية السابقة بقبول الكورد شركاء للأتراك في الجمهورية التركية، وبدأت سياسة الدمج الكلي الجديدة بدرجة كبيرة وبالقوة. وهذه السياسة التركية الجديدة حرّمت استخدام اللغة الكوردية في المحاكم وفي المدارس، وحذفت كلمة «كوردستان» من كل كتب التعليم والخرائط، وطالبت بإعطاء المناصب الحكومية العليا، مثل والي الولاية ومسؤولي الأقاليم وأغلب المناصب الحكومية التركية، إلى الأتراك أو إلى الكورد الذين تخلصوا من أي أثر للقومية الكوردية فيهم. فضلاً عن ذلك كان يجري «انتخاب» النواب في الولايات الكوردية من كوردستان تركيا حسب أوامر أنقرة، وهؤلاء يعملون على تسيير برنامج التتريك وتسهيله (26).

وكان لعصمت باشا إينونو، رئيس الوزراء التركي آنذاك، وهو من أصل كوردي، هذا التعليق على سياسة التتريك، في خطاب له أمام «الأوجاق التركي» (النادي التركي من أجل نشر الثقافة التركية وإشاعتها في أنقرة)، قائلاً: “نحن وطنيون ترك بكل صراحة، والوطنية التركية هي الرابطة الوحيدة بيننا، وفي وجه الأغلبية التركية لا يوجد لباقي العناصر في تركيا الحديثة أي نوع من التأثير، ويجب أن نجعل كل السكان في أرضنا أتراكاً بأي ثمن كان، وسوف نبيد كل الذين يعارضون سياسة التتريك” (27).

إن هذه التصريحات الخطيرة وغير المنطقية، الصادرة عن أحد كبار المسؤولين الأتراك في حكومة تركيا الحديثة وأحد المقربين من مصطفى كمال أتاتورك، دلالة واضحة على مدى قوة سياسة الصهر العرقي التي كانت تتبعها تركيا الحديثة تجاه الكورد في كوردستان تركيا وسرعة اندفاعها. وعصمت باشا إينونو هذا، وهو من أصل كوردي، هو نفسه الذي سيكون مهندس السياسة التركية المتعلقة بشؤون ولاية الموصل (كوردستان).


أجزاء «الاهتمامات البريطانية والعراقية بولاية الموصل - كوردستان العراق» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←