الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الحجج السياسية بشأن ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) ذات الأغلبية الكوردية (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015
1. أهالي ولاية الموصل وجهاً لوجه مع لجنة تقصي الحقائق التابعة لعصبة الأمم (آراء أهالي ولاية الموصل الكوردية)
أولت الحكومة التركية وزناً كبيراً لرغبات الأهالي في الإقليم الكوردي المتنازع عليه، ولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية. وكانت حجتها الكبرى التي وضعت فيها أكثر ثقلها أن هذا الإقليم يجب أن يبقى في حيازة تركيا الحديثة، لأن ذلك هو رغبة سكان ولاية الموصل الكوردية. وأكدت أن الكورد، الذين يؤلفون الأكثرية فيها، والترك، وهم نسبة أقل من سكان الإقليم المتنازع عليه، يفضّلون كثيراً العيش في تركيا الحديثة كما كان شأنهم منذ أجيال عديدة، ومن المحتمل أن يميل العرب فيها أيضاً نحو تركيا الحديثة. وعلى أي حال فلو جُمع العرب مع الطوائف غير المسلمة لكانوا أقلية، ولذلك ليس من العدل في شيء ضم ولاية الموصل (كوردستان العراق) إلى العراق العربي الجديد بسبب وجود هذه الأقلية العربية في الإقليم.
وتُسند الحكومة البريطانية كذلك حججها السياسية إلى وجهات نظر الأهالي في الموصل على نطاق واسع، كما تتصورها هي، مؤكدة أن العرب يفضّلون كثيراً الانضمام إلى دولة العراق العربية كتلةً واحدة، وأن اليزيدية واليهود يشاركونهم هذه الرغبة، في حين يتملّك المسيحيين الرعبُ من فكرة تسليمهم إلى أنقرة (اللورد كرزون، وزير خارجية بريطانيا، في مؤتمر لوزان – 23 كانون الثاني 1923). وأما الكورد فتؤكد الحكومة البريطانية أنهم لا يرغبون في العيش ضمن تركيا الحديثة، كما دلّت على ذلك ثوراتهم الكوردية المتعاقبة ضد الحكم العثماني، وكما كشف عنه استفتاء العامين 1919 و1921.
في فصل سابق من هذا التقرير برهنت لجنة تقصي الحقائق التابعة لعصبة الأمم على استحالة إجراء الاقتراع الذي تفضّله الحكومة التركية الحديثة، ومع هذا فقد بذلت أقصى ما في جعبتها للتأكد من آراء الأهالي المعنيين في ولاية الموصل الكوردية. ولهذا الغرض استجوبت عدداً كبيراً من الأشخاص، جرى انتقاء معظمهم من القوائم التي قدّمها المستشاران البريطاني والتركي. وجاهدت في المراكز الرئيسة للمناطق الأكثر اتساعاً من البلاد، ولا سيما في مدينة الموصل، للتأكد من آراء الأشخاص الذين هم على درجة ما من الثقافة والنفوذ، كالوجهاء والرؤساء الروحانيين والمنتخِبين الثانويين (إذ كانت الانتخابات في أيام الحكم العثماني التركي تجري على الطريقة غير المباشرة)، ومالكي البيوت والقرى ومن لفّ لفّهم. وواجهت أيضاً عدداً من الشهود قُدِّمت أسماؤهم بوصفهم وجهاء وذوي مكانة. وعُنيت لجنة تقصي الحقائق باتخاذ كل وسائل الحيطة لضمان سرية الآراء التي أُدلي بها، لإشاعة الثقة والاطمئنان في نفوس الشهود. وبلغ مجموع من استُجوبوا على انفراد حوالي (800) شخص.
وجابهت لجنة تقصي الحقائق في بداية عملها صعوبات جدية، يُعزى قسم منها إلى إحجام كثير من الشهود عن الإفصاح عما يجول في أنفسهم، ويُعزى قسم آخر إلى أن عدداً كبيراً من التصريحات قد تأثر في الواقع بعوامل مختلفة أثارت بعض الشكوك في أصالة الأجوبة.
وبصرف النظر عن تشجيع أعضاء لجنة تقصي الحقائق للشهود، ومحاولتهم إشاعة الاطمئنان في نفوس المستجوَبين بالتأكيد لهم أن كل أقوالهم ستظل مكتومة، فإن الخوف من العقاب كان كبيراً جداً، ولوحظ بنوع خاص وجود خوف من عقاب السلطة الحالية في البلاد. ووُجد أكثر من مرة أن الشاهد يحبّذ تركيا في السر، مفصحاً عن رأيه همساً، ثم يرفع صوته بعد ذلك محبّذاً الحكومة العراقية العربية الجديدة كي يبلغ صوته آذان الواقفين في الخارج. ولا شك أيضاً في أن هذا التردد في إعطاء الرأي كان يعود أحياناً إلى الخوف من عقوبات قد يُنزلها الترك لو عادوا إلى البلاد، على أن هذا الخوف لم يمنع أي شاهد مسيحي من الإعراب عن رأيه بصراحة. ثم أخذ هذا الخوف يتبدد شيئاً فشيئاً حتى بات غير ملحوظ، وسرعان ما كسبت لجنة تقصي الحقائق المشكّلة من قبل عصبة الأمم – التي شُكّ أحياناً في أنها لجنة حكومية متنكرة – ثقةَ السكان، ولذا أقبل الشهود في الفترة الأخيرة من التحقيق على إبداء آرائهم، إلا القليل منهم.
وما من شك في أن المصالح الشخصية كان لها أحياناً أثر عظيم في الآراء؛ فمن كان يعدّ نفسه من ذوي الحظوة عند السلطة أيّد العراق العربي الجديد، في حين أظهر ميلاً إلى تركيا الحديثة أولئك الذين حاولوا عبثاً الحصول على وظائف عامة أو نيل أية مكاسب أخرى. وأثّرت في الآراء أيضاً الحزازات بين زعماء القبائل، وفي بعض الحالات كان الشهود يسألون عضواً من لجنة تقصي الحقائق عما قاله الشخص الفلاني ليعطوا رأياً مخالفاً لما أدلى به، نكايةً وثأراً.
وفي مناطق معينة كان واضحاً أن أخلاق الموظفين الشخصية، أو إجراءات إدارية معينة (كتعيين موظف عربي أو كوردي في مناطق كوردية)، كانت تقرر انحياز الأهالي إلى صف العراق والدولة المنتدبة بريطانيا.
وكان للبناء الاجتماعي للبلاد أثره البالغ في مسلك كثير من الفلاحين ورجال العشائر الكوردية. ففي عدد كبير من الحالات لم يكن الكورد يفعلون أكثر من إحالتنا إلى زعمائهم القبليين أو إلى مالكي قراهم، ولذا اضطررنا في أغلب الأحيان إلى توجيه أسئلتنا إلى هؤلاء الأشخاص لأنهم كانوا يمثلون عدداً كبيراً من الأهالي. لكننا لم نستطع التأكد دائماً مما إذا كان نقل الزعماء وملاك الأراضي لآراء أبناء القبائل والفلاحين الكورد أميناً. وعجز عدد من الشهود عن فهم السؤال الذي لم يكونوا يعرفون عنه شيئاً ولا عن الدافع إليه. وأجاب شخص سألناه بأنه يريد الإدلاء بمثل ما أدلى به شخصان آخران ذكرهما، مع أن هذين الشخصين أدليا في الواقع برأي يخالف رأيه. وفي حالات أخرى كان تأثير دعاية سلطات معينة واضحاً إلى حدٍّ لم يعد معه للآراء المستحصلة أية أهمية. وفي بعض المناسبات كان أعضاء الوفود الذين قدموا للإعراب عن رغبتهم الشديدة في الانضمام إلى العراق العربي الجديد يصرّحون في الخفاء بأنهم من أشد أنصار الترك، لذلك قررنا ألّا نعير اهتماماً للوفود أو للعرائض.
وهناك شهود استُجوبوا مرتين فانقلبوا في الاستجواب الثاني على الرأي الذي أدلوا به في الاستجواب الأول. وكثيراً ما وجدنا الفلاحين يقولون إنهم يريدون أن يكونوا ضمن الدولة الكوردية التي ستكون فيها عاصمة اللواء (يقصدون مدينة الموصل). ومجمل القول إنه كان من الصعب تقدير أهمية مختلف الشهود وقيمة شهاداتهم. وكقاعدة عامة كنا نطلب من الشهود ذكر الأسباب التي تحملهم على قول ما يقولون، وكثيراً ما كانت لهذه الأسباب ميزة خاصة، إذ تعطي فكرة عن المستوى الثقافي للشاهد وعن أصالة رأيه.
وكان السبب الذي أدلى به كثير من الشهود لتفضيلهم العراق العربي الجديد أن الأمن والنظام مستتبّان بشكل لم يكن معهوداً أيام الحكم التركي (العثماني)، وأن التعليم قد تطور كثيراً، وزادوا على هذا قولهم إن الفضل في تحسّن الأوضاع الحالية يعود إلى السلطات البريطانية. وأفاد شاهدان أو ثلاثة أن سبب تأييدهم العراق العربي الجديد يعود إلى إلغاء التجنيد الإجباري الذي كان في العهد العثماني. وانحاز آخرون إلى العراق العربي الجديد معلّلين انحيازهم بافتراض أن الحكومة العراقية العربية أقوى الحكومات لأنها تحت الانتداب البريطاني، وأن من المستحسن أن ينتمي المرء إلى الدولة القوية.
وأدركنا فوراً أن بعض شيوخ العشائر الكوردية في المناطق القصيّة البعيدة فضّلوا الحكومة التركية الحديثة، لأنهم كانوا يتمتعون في ظلها بقدر من الاستقلال والمصالح الشخصية يزيد على ما يتمتعون به الآن في العراق العربي الجديد.
وكثيراً ما ألمح إلى الأسباب الاقتصادية أشخاص على حظ من الثقافة عادةً، وكان معظم أسباب الميل إلى العراق العربي الجديد يستند إلى أهمية العلاقات التجارية مع بغداد. ويجب أن نضيف على كل حال أن صدق هذا الصنف من الحجج لم يكن بمنجاة من الشك دائماً، فقد كانت الحجج الاقتصادية التي قدّمتها الحكومة البريطانية معروفة جيداً في المنطقة الكوردية، وكانت تُذكر أحياناً لإضفاء وزن على رأي الشاهد. وفي حالة واحدة رفض أحد الزعماء الإجابة عن سؤال اقتصادي بحت يتعلق بالطرق التي تمر بها صادرات الأغنام، زاعماً أن السؤال سياسي.
ووقع الترك وكثير من الكورد والعرب تحت تأثير المشاعر الوطنية، أو بالأحرى أيقظتهم المشاعر القومية المتعاظمة، وكان تفضيلهم مبعثه الإخلاص وإن لم يكن دائماً حصيلة تفكير ناضج. وأخيراً علينا أن نضيف أن الخوف من الحكومة كان سبب التفضيل في حالات متفرقة قليلة؛ فقد لاحظنا أن فلاحي إحدى المناطق أظهروا أعظم السرور لفرصة مقابلة المستشار التركي التي أتاحتها لهم اللجنة، مع أن ممثليهم كانوا قد اقترعوا بالإجماع إلى جانب العراق العربي الجديد.
فلنُجمل الآن نتائج التحقيقات في مختلف الألوية الكوردية، ثم نتصدى للنتائج العامة التي يجب استخلاصها من التصريحات. لقد عبّر أهالي لواء السليمانية عن أدق الآراء وأقطعها، والتكوين القومي فيه حسب آخر إحصاء هو بالأرقام التقريبية كما يلي:
| القومية | العدد |
|---|---|
| عرب | 75 |
| كورد | 189900 |
| ترك | 1550 |
| المجموع | 191525 |
وكل من قابلناه في لواء السليمانية أعلن عدم ميله إلى الحكومة العراقية العربية الجديدة، باستثناءات قليلة، ولم تنقسم الآراء إلا في قضاء جمجمال الذي يحدّ لواء كركوك ويرتبط به إدارياً.
واقتنعت لجنة تقصي الحقائق اقتناعاً جازماً بأن رغبات الأهالي قد عُرضت بحرية، ومع ذلك لم تجد فيهم أي ميل خاص نحو الحكومة العراقية العربية في بغداد. ولقد رفضوا الاتحاد بتركيا الحديثة أيضاً، وأعلنوا رغبتهم في وحدة اقتصادية فحسب ضمن الإطار العراقي. إن فيهم ميلاً واندفاعاً قوياً نحو الحكم الذاتي (لكوردستان العراق)، والمطالبة باستعمال اللغة الكوردية في التعليم والإدارة والمحاكم في مناطقهم الكوردية.
وكان ثمّة شعور أيضاً بضرورة الاحتفاظ بمعاونة المستشارين البريطانيين فترة من الزمن، ورفضوا رفضاً باتاً احتمال قيام حكومة محلية دون المساعدة الأوروبية.
ووجدنا في هذا الإقليم الكوردي (السليمانية) شعوراً وطنياً كوردياً، وهو وإن كان فتيّاً بعدُ معتدل ومعقول. وقد أعرب الأهالي في السليمانية عن رغبتهم في الاستقلال التام بوصفه أسمى غاية، لكنهم كانوا من الجهة الأخرى مدركين فوائد الوصاية الواعية الحصيفة.
وما من شك في أن كفاءة الإداريين البريطانيين في هذا الإقليم وحسن تدبيرهم كان لهما الأثر الكبير في الحالة الفكرية للأهالي.
وفي لواء (محافظة) كركوك الكوردي كان الإجماع أقل. وكان التكوين القومي لهذا اللواء كما يلي:
| القومية | العدد |
|---|---|
| عرب | 35650 |
| كورد | 47500 |
| ترك | 26100 |
| مسيحيون | 2400 |
| المجموع | 111650 |
أعلن المسيحيون، كإخوانهم في المناطق الأخرى، تفضيل العراق الجديد. أما الترك الذين يعيش معظمهم في مركز اللواء، مدينة كركوك، وفي الأماكن القريبة من الطريق الذي يصل آلتون كوبري بكفري، فقد أعلن معظمهم تفضيلهم تركيا، وإن وُجدت أقلية منهم تفضّل العراق العربي الجديد لأسباب اقتصادية.
وانقسمت الآراء بين الشهود العرب والكورد. وقد يكون من المتوقع أن يفضّل معظم العرب الانضمام إلى العراق العربي الجديد، لكن الواقع أن عدداً كبيراً من آرائهم كان إلى جانب تركيا الحديثة.
ولو أحصينا الآراء الكوردية إحصاءً مجرداً بلا تحليل لوجدنا أغلبية يُعتدّ بها تميل إلى تركيا، ومن الناحية الثانية تشير آراء كبار زعماء الكورد إلى أنهم أكثر ميلاً إلى العراق العربي الجديد. وعلينا أن نستدرك فنقول إن عدداً من شيوخ الكورد هؤلاء ذكروا أنهم يتسلّمون إعانات مالية من الحكومة العراقية العربية لحراسة الطرق. وكقاعدة عامة بدا أن الأصوات أُعطيت بحرية، وأن نفوذ السلطة لم يكن محسوساً كثيراً.
أما لواء أربيل فيكشف لنا عن الأرقام التقريبية التالية:
| القومية | العدد |
|---|---|
| عرب | 11700 |
| كورد | 170650 |
| ترك | 2780 |
| مسيحيون | 3900 |
| يهود | 2750 |
| المجموع | 191780 |
في هذا اللواء الكوردي (أربيل) كانت وجهات النظر السياسية لمعظم أهالي قضاء كويسنجق تلفت النظر؛ فأغلبيتهم تتبنى المطامح نفسها التي وجدناها عند أهالي السليمانية. وكان فيه عدد لا يُستهان به من الرؤساء المتعلمين، ويسكن القضاء نحو ستين ألف نسمة أغلبيتهم الساحقة من الكورد. وفي قضاء أربيل (المركز) فضّل تركيا الحديثة كلٌّ من تركمان مدينة أربيل وكل السكان الذين هم من أصل تركي على العموم، وهو رأي يشاركهم فيه عدد كبير من الكورد والعرب. على أن زعماء القبائل الكوردية لم يكونوا ليرضوا بديلاً عن دولة كوردية حرة مستقلة (كوردستان) تحت الوصاية الأوروبية، وهم يفضّلون بريطانيا.
وكان ثمّة من رغب في الانضمام إلى العراق العربي الجديد شريطة إبقاء الانتداب البريطاني، فإن لم يتحقق هذا الشرط فهم يفضّلون الحكومة التركية الحديثة على أية حكومة عربية أخرى. وإن نحن أخذنا آراء هذا القضاء (قضاء أربيل) ككل فقد أظهرت أغلبيته رغبة في تركيا الحديثة.
وكان سكان قضاء راوندوز القريب من الحدود التركية أكثر تأخراً من سكان الأقضية الأخرى، وفضّل معظم الشهود العراق، ولكن يصعب جداً تقدير درجة فهمهم للسؤال. وعلى كل حال فإننا نرى، بسبب الموقع الجغرافي لقضاء راوندوز، أن مصيره يجب أن يكون مثل مصير قضاء المركز.
وفضّل اليهود وغالبية المسيحيين في أنحاء لواء أربيل كافة حكومة عراقية عربية جديدة تحت الانتداب البريطاني.
أما التكوين القومي للواء الموصل فهو أكثر تمازجاً واختلاطاً، وهو كما يلي:
| القومية | العدد |
|---|---|
| عرب | 119500 (منهم 47000 في المدينة) |
| كورد | 88000 |
| ترك | 9750 |
| مسيحيون | 55000 (منهم 4000 في المدينة) |
| يهود | 7550 (منهم 4000 في المدينة) |
| المجموع | 306000 (منهم 96250 في المدينة) |
أظهرت أولى نتائج التحقيقات أن لا وجود لشعور وطني عراقي في الإقليم المتنازع عليه، ولاية الموصل (كوردستان العراق)، إلا عند فئة من العرب أوتوا حظاً من الثقافة، وأن هذا الشعور العربي محدود تشوبه ميول شوفينية وعنصرية وروح تعصب ضد الأجانب. ووجدنا عند الكورد وعياً قومياً متنامياً، شعوراً كوردياً بأدق ما في هذه الكلمة من معنى، لا يميل إلى العراق العربي الجديد، وهو شعور أكثر تطوراً وأقوى عوداً في الجنوب، ويتناقص كلما ابتعد المرء شمالاً حتى يتلاشى عند سهل الموصل وعند سفوح عقرة. ومثل هذا الوعي قوي نوعاً ما عند تركمان ولاية الموصل أيضاً.
إن الافتقار إلى شعور وطني عراقي على أي مستوى يفسّر العدد الكبير من الآراء التي لا تفضّل البقاء مع العراق العربي الجديد إلا بشروط. وكما أوضحنا من قبل، فإن أشد القوميين العرب تعصباً يفضّلون تركيا الحديثة على عراق عربي جديد تحت الحماية الأجنبية. ومن الناحية الأخرى يقول عدد كبير من زعماء المسيحيين إن شكّهم في حكومة تركية أقل من شكّهم في حكومة عراقية عربية غير خاضعة لحماية أوروبية، وقد وجدنا الميول نفسها عند اليزيدية الكورد، في حين طلب كورد السليمانية حكماً ذاتياً محلياً واسع الحدود لكوردستان العراق بمساعدة مستشارين بريطانيين. وبالإجمال فإن الآراء التي فضّلت العراق العربي كانت مدفوعة بالمصلحة الخاصة أو بمصلحة الجماعة أكثر مما دفعها شعور وطني جامع.
ومع أن الإنصاف يقضي بالقول إن المشاعر التي انتصرت للعراق العربي الجديد كانت فاترة بعض الفتور، فإنه لم يكن هناك شك في عدم صحة تأكيد الحكومة التركية الحديثة على رغبة السكان فيها. فالرأي عند الكورد منقسم، ومجموعة السليمانية وما جاورها، التي رغبت في حكم ذاتي كوردي ضمن الدولة العراقية، تتألف تقريباً من نصف المجموع الكلي لسكان ولاية الموصل، وقد وجدنا بين الترك أنصاراً لبغداد العربية. وهكذا، وخلافاً لادعاء الحكومة البريطانية، لم تكن اللغة ولا القومية دليلاً يوثق به دائماً على وجهات النظر السياسية، فكثير من الطبقات العربية الفقيرة انحازت إلى الترك، وكان التصريح بهذا الولاء يقترن عادةً بتعابير عاطفية حارة.
وهناك نقطة أخرى، وهي أنه يكاد لا توجد منطقة واحدة تضم عدة نواحٍ متجاورة (عدا لواء السليمانية) يكون فيها ما يقرب من الإجماع على تفضيل أحد طرفي النزاع. ومع أن الغموض يشوب النتائج النهائية، فإنها تكشف بوضوح ضعف الحجة التركية حين تريد أن تتعلل بها بخصوص ولاية الموصل الكوردية كلها. لكن لو أخذنا القوميات والمناطق كلاً على حدة فلن نجدها تؤيد وجهة النظر البريطانية تأييداً مطلقاً.
أجزاء «الحجج السياسية بشأن ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) ذات الأغلبية الكوردية» (3 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث