الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الحجج السياسية بشأن ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) ذات الأغلبية الكوردية (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015
2. المسألة الآشورية (الآثورية) في ولاية الموصل (كوردستان العراق)
خلاصة الحجج
لم تُثَر في مؤتمر لوزان قضية إعادة الآثوريين (الآشوريين النساطرة) إلى وطنهم شمال حدود ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وإنما صدر عن اللورد كرزون، وزير خارجية بريطانيا، مجرد تنويه بهم في «مذكرة حول ولاية الموصل الكوردية» موجهة إلى عصمت إينونو باشا، وزير خارجية تركيا الحديثة، وهو من أصل كوردي، مؤرخة في الرابع عشر من كانون الأول 1922، قال فيها: «إن النساطرة الذين طردتهم العساكر التركية من منطقتي جوله ميرك والحدود الإيرانية أثناء الحرب، وهلك منهم ألوف أثناء هربهم إلى كوردستان العراق الجديد، مقرهم الحالي، سيقاتلون حتى الموت ليحولوا دون ضم مناطق سكناهم إلى أناس هم بالنسبة إليهم رمز الاضطهاد (تركيا)». فردّ عصمت باشا إينونو قائلاً: «إن النساطرة أساؤوا التصرف، عندما أغارت جيوش روسيا القيصرية على ولاية وان، إزاء المسلمين شركائهم في الوطن، أولئك الذين عاشوا معهم في وئام وأمن تام قروناً عديدة. لقد اتسم تصرفهم هذا بالوحشية والغدر بالمسلمين، مما اضطرهم إلى ترك البلاد (تركيا) بصحبة الروس عند تقهقرهم» (مذكرة عصمت إينونو باشا إلى اللورد كرزون، وزير خارجية بريطانيا، بتاريخ الثالث والعشرين من كانون الثاني 1923، والمحاضر، المجلد الأول، الصحيفة 282).
ولم تُثِر الحكومة البريطانية المسألة إلا في مؤتمر القسطنطينية المنعقد في 19 أيار 1924، عندما اتخذتها حجة لتوسيع الحدود العراقية.
ففي بداية شهر نيسان 1924 أبلغت الحكومة البريطانية حكومة العراق باعتزامها طلب اقتطاع جزء من الأراضي الآشورية (الآثورية) وإلحاقه بالعراق العربي الجديد، وشرحت في الوقت نفسه الفوائد التي سيجنيها العراق العربي الجديد من وجود شعب محارب على حدوده الشمالية، يرتبط بالعرب بروابط الصداقة والشعور بالجميل. وسألت هل حكومة بغداد مستعدة لأن تؤمّن بشروط حسنة بعض الأراضي المتروكة في المناطق الشمالية (كوردستان) للآشوريين (الآثوريين) الذين لم يستقروا بعد، إذا تطلب الأمر ذلك. وسألت الحكومة البريطانية أيضاً: هل الحكومة العراقية مستعدة لمنح كل الآشوريين (الآثوريين) الاستقلال المحلي نفسه الذي تمتعوا به قبل الحرب في ظل الحكم العثماني التركي؟ فردّت الحكومة العراقية العربية الجديدة بالإيجاب في الثلاثين من نيسان 1924م.
وشرح السير برسي كوكس، المندوب السامي البريطاني في العراق، الاقتراح البريطاني الجديد في مؤتمر القسطنطينية (19 أيار 1924) بالعبارة التالية:
«… إضافة إلى ما تقدم، وما دامت مفاوضات لوزان قد انقطعت، فإن مشكلة واحدة تزايدت أهميتها في عين حكومة جلالته، وأعني بها مستقبل الآثوريين (الآشوريين)، باستثناء من كان منهم في البلاد الإيرانية (كوردستان إيران). وترى حكومة جلالته، بأقوى دافع من الشعور بالمسؤولية، أن ضمان استقرارهم بشكل يحقق لهم أمانيهم القومية ومطالبهم المعقولة قضية واجبة، فإن حكومة جلالته لا تستطيع التغاضي عن ندائهم الحار بطلب استقرارهم في وطنهم السابق تحت الحماية البريطانية. وبالغاً ما بلغ الوقع الطيب لهذه الحال على العالم المسيحي كافة، فإن حكومة جلالته لا تتمكن، لأسباب مختلفة، من التفكير في توسيع نطاق مسؤولياتها إلى هذا الحد الخطير، في الوقت الذي لا تبدي فيه أي استعداد للاستجابة إلى كامل مطالبهم. لهذا قررت حكومة جلالته أن تحاول في هذه المفاوضات تأمين حدود تحقق من جهة المتطلبات المعترف بها لمعاهدة حدود جيدة، وتسمح من جهة أخرى بتوطين الآشوريين (الآثوريين) في مجتمع واحد ضمن حدود الأراضي التي ستتولى حكومة جلالته الانتداب عليها تحت إشراف عصبة الأمم. وإن لم يتسنَّ تأمين هذا الوطن في مساكن أسلافهم فليكن في مناطق مجاورة على كل حال. إن هذه السياسة المرسومة لاستقرار الآثوريين (الآشوريين) تحظى بموافقة الحكومة العراقية وتعاونها الكامل، وهي من جهتها مستعدة لتقديم المساعدة الضرورية لتحقيق هذه الغاية. لذلك فقد تسلّمتُ تعليمات بالمطالبة بحدود مؤشرة على الخريطة التي أبسطها الآن أمامكم».
وواصل السير برسي كوكس كلامه قائلاً إنه يميل إلى الاعتقاد بأن الحكومة التركية مستعدة للموافقة على اقتراح الحكومة البريطانية، لأن إدارة هذا الصقع والسيطرة على هذه المنطقة المشحونة بالعداء والاضطرابات كانتا مصدر إحراج دائم للحكومة التركية في الماضي، ومصدراً لا ينضب معينه للاحتكاك مع الدولة العربية. وألمح إلى أن هذا الاقتراح لا يمثل أقصى ادعاء يمكن تقديمه نيابة عن الأقليات المسيحية، فالواقع أن الخط قد رُسم بدافع رغبة قوية في مراعاة رغبات الحكومة التركية بقدر الإمكان، فإن لم يُتوصَّل إلى اتفاق على أساس الاقتراح المقدم الآن إلى الحكومة التركية فسوف تحتفظ الحكومة البريطانية بكامل حريتها في العمل بخصوص الحدود التي قد تطالب بها أمام عصبة الأمم.
وفي جلسة الحادي عشر من أيار 1924 تضمّن الخطاب التركي الذي ألقاه فتحي بك، ممثل تركيا الحديثة، الرد التالي حول المسألة الآشورية (الآثورية):
«بعد إفصاح فخامتكم عن الرغبة في مواصلة المفاوضات عند النقطة التي تركها اللورد كرزون، وزير خارجية بريطانيا، في مؤتمر لوزان، أجدكم الآن تتركون هذا الموقف لتثيروا مسألة جديدة هي مسألة مستقبل الآشوريين (الآثوريين). وضماناً لمستقبلهم طلبتم أن تُلحق بالأراضي التي هي تحت الحماية البريطانية أراضٍ تركية معينة يرفرف عليها الآن علم الجمهورية التركية الحديثة. فإن قلت إن طلبكم هذا لم يُثر دهشتي فإني أخالف الحقيقة.
لقد ذكر رئيس الوفد البريطاني في مؤتمر لوزان، اللورد كرزون وزير خارجية بريطانيا، الرغبة التي تخالج حكومة جلالته في منح الحكم الذاتي للشعب الكوردي في كوردستان، وفخامتكم الآن تعرضون مطالب للآثوريين (الآشوريين). فلعلكم تسمحون لي على كل حال بالإشارة إلى أنكم لم تلاحظوا عند بسط هذه المطالب أن الآشوريين (الآثوريين) يؤلفون أقلية تكاد لا تُذكر في ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وأنكم بدفاعكم عن مصالح هذه الأقلية الآثورية لم تولوا أماني الأغلبية الكبيرة جداً، وأعني بها الترك والكورد، العناية الشديدة التي تتطلبها المسألة، وخاصة الأكراد الذين هم غالبية ولاية الموصل (كوردستان العراق).»
(وأعتقد أن هذا اعتراف من مسؤول تركي بالوجود الكوردي.)
«إن الوفد التركي لا يجد سبباً معقولاً لإبعاد مئات الألوف من الترك والكورد وفصلهم عن بلادهم الأم (كوردستان) من أجل وضع بضع عشرات من الألوف، بعضهم مهاجر من كوردستان إيران، تحت الحماية البريطانية.
إن الآشوريين (الآثوريين) مسيحيون، ولذلك لا يفوتني فهم الدافع الذي يحمل الحكومة البريطانية على معاملتهم بهذا الشكل الخاص. ومع هذا فإن الوفد التركي يشير إلى أن المواطنين جميعاً، بغض النظر عن الدين والقومية، يتمتعون بحقوق متساوية، وأن أماني الشعوب الوطنية التي لا يمكن خنقها يجب، في رأي الوفد التركي، أن توضع فوق كل الاعتبارات الأخرى. فهو في الوقت الذي يقدّر فيه النوايا الإنسانية التي أبدتها الحكومة البريطانية لحماية المسيحيين يشعر أن من واجبه القول إنه لا يستطيع أن يفهم كيف تريد تلك الحكومة التضحية بمصالح المسلمين لهذه الغاية. لقد تكرمتم فذكرتم أن الإدارة والسيطرة في تلك الأصقاع الوعرة من كوردستان كانتا دائماً مصدر حرج ومتاعب للحكومة العثمانية والتركية، وليس في وسعي أن أتذكر أي مصاعب خطيرة واجهتها الإدارة التركية التي أقامت قروناً في ذلك الإقليم الكوردي، ويصعب جداً أن أتذكر أي مناسبة عومل فيها موظف تركي معاملة بعيدة عن الاحترام والاعتبار. وعلى كل حال، لو كان الغرض الإداري سبباً للتنازل عن الأراضي، فلي الحق أن أذكّركم بدوري بما تعرضت له الإدارة البريطانية من العصيان المسلح والاعتداءات خلال السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة في العراق العربي الجديد. وأرغب أيضاً في القول إن النساطرة الآثوريين سيظلون يجدون في الأراضي التركية ذلك السلام وتلك الطمأنينة اللذين تمتعوا بهما قروناً عديدة، شريطة ألّا يكرروا الأخطاء التي ارتكبوها بتحريض من الأجنبي في بداية الحرب.»
وفي جلسة الرابع والعشرين من أيار 1924م علّق السير برسي كوكس على أقوال فتحي بك، رئيس الوفد التركي، حول المسألة الجديدة فقال:
«أذكر أن معاليكم أشار إلى أن الحجج التي أدلى بها اللورد كرزون، وزير خارجية بريطانيا، في مؤتمر لوزان لا يمكن الركون إليها لدعم خط الحدود المقترح الآن، وإني لأرغب في تذكيركم بأن اللورد كرزون لم يحاول وصف خط معين للحدود الشمالية في الوقت الذي كان فيه مصرّاً على موقفه من ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وقد ترك هذه المهمة عمداً لخبراء الطرفين. وإن الوضع الذي حدده اللورد كرزون في مؤتمر لوزان قد عُدِّل بحكم الضرورة نوعاً ما، نتيجة لمعلومات طبوغرافية أكثر تفصيلاً مما تيسّر من قبل، وبسبب الشعور بالحاجة الماسة إلى تأمين مستقبل الآشوريين (الآثوريين)، فقررت الحكومة البريطانية الآن المطالبة بالخط المؤشر على الخرائط التي حملتها إليكم، في الخريطة الثانية».
ثم ذكر السير برسي كوكس أن المسألة لا تنطوي على نية ضم الأراضي المطالب بها إلى الحماية البريطانية، أو إخضاع مصالح العدد الكبير من السكان الكورد لمصالح الأقلية المسيحية في ولاية الموصل. وقال إن الشعب الكوردي قانع تماماً بالحكم الذاتي المحلي الذي مُنح له، وإن مسألة الآشوريين (الآثوريين) إنما وُضعت على بساط البحث لعلاقتها بالحجج الطبوغرافية والسوقية المقنعة، دعماً لادعاء الحكومة البريطانية بخط حدود أبعد قليلاً عن الخط الذي اقتُرح مبدئياً، مما يجعل من الممكن توطينهم في مجتمع واحد قد يكون في موطنهم الأول نفسه (ولاية حكاري التركية)، وقد يكون مجاوراً له، في الأراضي التي خُوِّل صاحب الجلالة البريطانية وضعها تحت انتداب عصبة الأمم. وأضاف أن وجهة نظر النساطرة الآثوريين لا تطابق وجهة نظر فتحي بك، ممثل تركيا الحديثة، في أنهم سيجدون في الأراضي التركية موطن السلام والرخاء اللذين تمتعوا بهما في الماضي شريطة أن يعدلوا عن النشاط الذي مارسوه أثناء الحرب، فما زالت ذكرياتهم حية جداً، وهي تختلف تماماً عن أقوال فتحي بك حول المعاملة التي لقوها على يد العثمانيين الترك في الماضي.
إن مناقشات اليوم الأخير من المؤتمر تنطوي على أهمية من نواحٍ مختلفة:
أكد فتحي بك، ممثل تركيا، أن هذا المؤتمر انعقد بموجب المادة الثالثة من معاهدة لوزان للتوصل إلى اتفاق ودي حول الحدود بين تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد. لكنه بدأ بالإشارة إلى أن حدود العراق الشمالية كانت عموماً، كما هو معروف، مطابقة للخط الذي عُرض أمام المؤتمر، وأسند قوله هذا إلى ما ورد في دائرة المعارف البريطانية. ثم نوّه بأن ولاية الموصل (كوردستان) جزء من تركيا قانونياً إلى أن تُبرم اتفاقية تثبيت الحدود، وأن وجودها تحت الاحتلال البريطاني المؤقت لا يغيّر شيئاً من هذه الحقيقة. وقال إنه في حين لم يفعل المندوب التركي أكثر من عرض المسألة التي ينبغي حلها بموجب المعاهدة، خلق المندوب البريطاني مسألة جديدة بطلبه اقتطاع أرض إضافية تعود إلى ولاية حكاري الكوردية التركية، وهي مسألة لم يفكر أحد في إثارتها في مفاوضات معاهدة لوزان (1923)، ولا يمكن إثارتها استناداً إلى المعاهدة لا روحاً ولا نصاً. فإن أصرّت الحكومة البريطانية على الخروج عن موضوع المؤتمر بصياغة مطالب جديدة حول ولاية حكاري الكوردية، فليس له إلا أن يستنتج أنها تريد لهذه المفاوضات الإخفاق.
وأضاف أن إعراب الحكومة البريطانية عن حقها في تقديم ادعاء أوسع نيابة عن العراق، عندما يُعرض النزاع على مجلس عصبة الأمم، لا يمكن أن يشمل أي شيء خارج حدود النزاع موضوع البحث، فمثل هذا الادعاء مخالف لنص المادة الثالثة من المعاهدة. وعندما وافقت تركيا الحديثة على عرض النزاع على تحكيم عصبة الأمم لم تكن مستعدة لمواجهتها بادعاءات حدود غير محددة، ولذلك لا تستطيع الموافقة على بحث أية مسألة لم تتضمنها المادة الثالثة من المعاهدة. وفي الواقع فإن تنازل تركيا بحسب المادة (16) عن حقوقها وملكيتها في العراق العربي الجديد لا يمكن أن يُعدّ ثابتاً ومبرماً بمعاهدة ما إلى أن تُثبَّت الحدود بين العراق الجديد وتركيا الحديثة، إذ لا يمكن أن تنشأ قضية تنازل عن أرض في الجزء الجنوبي من حدود لم يتم تثبيتها بعد.
فواضح إذن أن المندوب البريطاني أثار قضية جديدة لم تكن مدار بحث قط، ولذلك لا يمكن أن تتعلق بأي شكل كان بالقضية التي ستُعرض على عصبة الأمم. وفي أثناء المناقشة التي تلت ذلك أجاب السير برسي كوكس على رد فتحي بك بقوله: ليفكّر من يشاء بأن حدود العراق الشمالية يجب أن تتبع تقريباً الحدود الشمالية لولاية بغداد (أي أن العراق العربي الجديد يشمل ولايتي بغداد والبصرة فقط)، فتفكيره هذا لن يؤخذ مأخذاً جدياً. «إن العراق العربي الجديد الذي نقصده هو الأرض التي قبل صاحب الجلالة البريطانية بعد الحرب العالمية الأولى المسؤولية عنها أمام عصبة الأمم، والحدود التي بُحثت في مؤتمر لوزان (1923) خاضعة لتعديلات محلية ثانوية أصبحت حكومة جلالته مقتنعة بضرورتها في ضوء التحقيقات التي أجرتها والخبرة التي اكتسبتها مؤخراً». وعلى أية حال لم يكن الموضوع يدور حول إعادة ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية – العراق) إلى تركيا الحديثة.
وفي رأي فتحي بك أن الادعاء بأراضٍ تعود إلى ولاية حكاري الكوردية التركية مخالف لمعاهدة لوزان (24 تموز 1923) نصاً وروحاً، ولكن السير برسي كوكس، المندوب السامي البريطاني في العراق، سبق أن ذكّر فتحي بك بأن اللورد كرزون لم يقترح أي حدود معينة في مؤتمر لوزان، ولذلك ادّعى أن الخط الذي اقترحه على المندوب التركي يتفق مع المعاهدة نصاً وروحاً.
وخلص إلى القول إن خط الحدود الشمالية لولاية الموصل (كوردستان العراق)، على قدر معلوماته، لم يكن قد ثُبّت تثبيتاً نهائياً، وإن الأوضاع السياسية والقبلية جعلت هذا الخط الفاصل خطاً مائعاً قابلاً للتحوير بحكم الضرورة، فقد اعتمد على مقدار نفوذ الولاة وعلى شكل الإدارات وعلى اعتبارات أخرى وقتية. يضاف إلى هذا أن التقسيم الإداري بين إقليمين من البلاد نفسها يختلف اختلافاً جوهرياً عن الحدود الدولية بين بلدين. وكرّر قوله إنه لم تكن ثمة حدود نهائية ثابتة، ولهذا السبب وحده تعذّر قبول وجهة النظر التي أجملها فتحي بك بقوله إن ما يعدّه جزءاً من ولاية حكاري لا يدخل في نطاق بحث المادة الثالثة من معاهدة لوزان (1923).
فأجاب فتحي بك، ممثل تركيا، بأنه لا يستطيع قبول حجج السير برسي كوكس حول التغيير الذي طرأ على حدود ولاية الموصل، وأضاف أن ما لديه من معلومات لا يؤيد قيام أحوال كهذه.
وأثارت الحكومتان المعنيتان القضية الآشورية (الآثورية) مرة أخرى عند عرض النزاع على مجلس عصبة الأمم. فتحت عنوان «الحجج السياسية» قدّمت المذكرة البريطانية المؤرخة في الرابع عشر من آب 1924 الأسباب التالية دعماً لوجهة نظرها في ضم الآثوريين (الآشوريين) إلى العراق العربي الجديد على قدر الإمكان:
«قرر الشعب الآثوري الصغير في أول أيام الحرب العظمى تبنّي قضية الحلفاء، مع انعزال موقعه في قلب بلاد يسيطر عليها الحكم التركي العثماني. وانتهز هذا الشعب الفرصة لقطع صلته بحكم أولئك الذين عرّضوه لصنوف الاضطهاد المتواصل في تاريخه السابق. وتحمّل الآثوريون النكبات العظيمة جراء قرارهم، فطُردوا من أوطانهم، وهلكت آلاف الأنفس منهم أثناء هجرتهم إلى العراق العربي الجديد» … «ولقد وُفِّق الآثوريون إلى الاستقرار، فسكن بعضهم في الجزء الجنوبي من بلادهم الأصلية (ولاية حكاري) الكوردية، وسكن بعضهم مع كورد البلاد (كوردستان) ومسيحييها المحليين جنوب وطنهم الأول مباشرة». «إن الحكومة البريطانية تشعر بأقوى الالتزام والمسؤولية في ضمان توطينهم، تأكيداً وإنجازاً لمطالب شعبهم العادلة وأمانيه. وقد طالبوا بالاستقرار في جميع أراضيهم السابقة مشفوعاً بالحماية البريطانية».
«عجزت الحكومة البريطانية لأسباب مختلفة عن الاستجابة إلى أمانيهم كاملة، إلا أنها عملت جهدها لتأمين حدود قد تحقق بعض الشروط، وهي الآن ترجو مجلس عصبة الأمم تثبيت تلك الحدود. إن مجلس العصبة، حين يحقق متطلبات معاهدة حدود جديدة وجيدة، يجب أن يسمح في الوقت نفسه بإسكان الآثوريين مجتمعاً متماسكاً ضمن الحدود التي انتُدبت عليها الحكومة البريطانية تحت إشراف عصبة الأمم. وإن لم يتسنَّ ذلك في أرض أجدادهم فلا بأس أن يتم إسكانهم في مناطق مجاورة لها».
«إن رسم الخط إلى مسافة أبعد نحو الجنوب سيثير ذعراً كبيراً بين الآثوريين، بحيث يضعهم أمام أمرين لا ثالث لهما: إما الهجرة الجماعية، أو القتال حتى النفس الأخير دفاعاً عن مطالبهم، دعك من الأضرار الاقتصادية والسوقية لهذا الخط الجديد المقترح. وإن حصل ذلك فسيصبح السلام والاستقرار في هذا الجزء من الحدود في خبر كان».
ومن بين الحجج الجغرافية والسوقية التي وردت في المذكرة حجة أخرى تدعم طلب الأخذ بالحدود المقترحة، وهي أن الشعب الآشوري (الآثوري) المحارب راغب في تقديم الولاء للعراق الجديد بشروط، وسيكون مجتمع حدود ثميناً للدولة العراقية.
وعرضت المذكرة التركية المؤرخة في الخامس من أيلول 1924 أن المطالب البريطانية الخاصة بأرض تقع وراء حدود ولاية الموصل (كوردستان) التركية تتعدى بشكل صارخ مستفز حدود القضية التي اتفق الجانبان على عرضها أمام مجلس عصبة الأمم، ولذلك لا يجد المجلس مبرراً لإصدار قرار لمصلحة الادعاء البريطاني فيما يخص القضية التي هي قيد النظر.
ودعماً لهذا الرأي تقتبس المذكرة مختلف التعابير التي استخدمها اللورد كرزون، مثبتة – كما قالت – أن النزاع بين الطرفين يتعلق بولاية الموصل (كوردستان) ولا يتعداها.
وبالرجوع إلى الحجج التي تقدمت بها الحكومة البريطانية تلاحظ المذكرة أنه مهما كان العطف الذي تشعر به الحكومة نحو هؤلاء السكان غير المسلمين في الولاية، الذين تبنّوا قضية الحلفاء أثناء الحرب، فلا يمكن لهذا العطف أن يبرّر اقتطاع إقليم كبير من الحدود لا تزيد نسبتهم فيه إلى السكان على السُّبع (1/7). يضاف إلى هذا أن الآثوريين (الآشوريين النساطرة) لم يكونوا من سكان ولاية الموصل (كوردستان) المقيمين، وإن كانوا قد أُرغموا على ترك بلادهم الأم أثناء الحرب فالسبب أنهم رفعوا السلاح ضد المسلمين شركائهم في الوطن الواحد، وهم على أية حال قليلو العدد، عاشوا قروناً عدة في أمان واستقرار بين إخوانهم المسلمين.
وتضيف المذكرة أن اقتراح الحكومة البريطانية جمع الآثوريين (الآشوريين) في كتلة متماسكة على الحدود التركية–العراقية يدعو إلى التساؤل عمّا إذا كان الأمر منسجماً مع رغباتهم حقاً، أم أن هناك اعتبارات أخرى أوجبته بغض النظر عن الرغبات الحقيقية لهذه الطائفة. إن تجميعاً مصطنعاً للآشوريين (الآثوريين) على الحدود يحمل في طياته نية استخدامهم ضد الكورد، وتدفعه روح العداء لتركيا، وهو ما لا يمكن أن يُنتظر منه تحقيق النتائج التي تأمل الحكومة البريطانية الوصول إليها، وأعني بها إقامة عهد سلام دائم في هذه الأنحاء، وإنشاء علاقات جوار طيبة بين تركيا الحديثة والعراق الجديد، وتوفير الحياة الآمنة للآشوريين (الآثوريين).
أجزاء «الحجج السياسية بشأن ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) ذات الأغلبية الكوردية» (3 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث