الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الحجج السياسية بشأن ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) ذات الأغلبية الكوردية (الجزء الثالث)

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015

الاعتبارات والاستنتاجات في المسألة الآشورية

سبق تقويم أوضاع الآشوريين (الآثوريين) في الإمبراطورية العثمانية في جزء من هذا التقرير، وسنكرر القول هنا فحسب إنهم تمتعوا بدرجة كبيرة من الاستقلال بزعامة بطريركهم، وقلّما دخلت السلطة العثمانية التركية بلادهم، على أن الاشتباكات بين الكورد والآثوريين كانت كما يبدو عديدة.

في السنة التي سبقت الحرب بدأت الدعاية الروسية، التي اتخذت اتجاهاً دينياً، تُلمس لمساً. وفي ربيع عام 1915 حققت الجيوش الروسية الزاحفة نحو جوله ميرك اتصالها بالآشوريين (الآثوريين) الذين شرعوا في مهاجمة الترك بتحريض من القائد الروسي. وعندما انسحب الروس بعد فترة قصيرة انكشفت مواقع الآثوريين أمام هجمات قامت بها قوات تركية كبيرة وتعذّر الدفاع عنها، فاضطروا إلى الانسحاب مع عائلاتهم إلى البلاد الإيرانية (كوردستان إيران) بعد قتال عنيف دام ستة أشهر.

وعند وصول الآثوريين إلى كوردستان إيران استمروا في معاونة الروس الذين شكّلوا عدة كتائب من الجنود الآثوريين، قاتلت تحت قيادة روسية حتى انهيار الجيش القيصري الروسي، على أن فوجاً واحداً كان بإمرة البطريرك الآثوري (مار شمعون) مباشرة. وفي الأشهر الأولى من عام 1918 التحقت التشكيلات الآثورية بالوحدات غير النظامية التي بقيت في كوردستان إيران بقيادة ضباط روس تدافع عن سهول أورمية وسلماس في وجه الترك، وازداد وضعهم حراجةً بسبب اشتباكاتهم مع الكورد من جانب آخر، وتدخّل السلطات الإيرانية التي كانت تودّ تجريد هذه القوات العاملة على الأرض الإيرانية من السلاح. وبحلول نهاية تموز 1918م تقريباً وجد الآثوريون أنفسهم مضطرين إلى التراجع أمام هجمات الترك والكورد والإيرانيين، وعند ذلك التجؤوا إلى الأراضي التي تحتلها القوات البريطانية.

وقد شارك الآثوريون الذين كانوا قد استقروا في كوردستان إيران في الحرب العالمية الأولى، واتخذوا من حيث المبدأ موقفاً كموقف المنظمات الأرمنية، فعانوا المصير نفسه الذي لقيه آثوريو كوردستان تركيا.

وتعرّض الآثوريون أثناء تقهقرهم لأهوال، وانصبّت على رؤوسهم الويلات، فقُتل منهم الكثير في ساحة القتال، وقضى آخرون نحبهم جوعاً، ومات فريق بالنوازل والآفات الطبيعية. على أن ما يقارب الخمسين ألفاً منهم نجحوا في الوصول إلى همدان (كوردستان إيران) في أواسط آب 1918، فأُرسلوا من مدينة همدان الكوردية في قوافل إلى مخيم بعقوبة في ديالى على نهر سيروان (ديالى)، وبعقوبة بلدة تبعد خمسين كيلومتراً عن بغداد.

وبعد هدنة مودروس مباشرة في 30 تشرين الأول 1918 اقتُرح مشروع لإعادة توطين الآثوريين، ولكن الاضطرابات التي حصلت في المناطق الكوردية من كوردستان جعلت المشروع غير ممكن. وعلى إثر اضطرابات العمادية في تموز 1919 اقترح الحاكم الملكي العام في العراق على السلطات العسكرية إجلاء كل الكورد المسلمين من منطقة العمادية، وإعداد مساحة من الأراضي الكوردية للآثوريين الذين جُمعوا في مخيمات بعقوبة ليتم توطينهم جميعاً في هذه المنطقة الكوردية من كوردستان في لواء (محافظة) الموصل، على أن الحكومة البريطانية لم تكن ترغب وقتذاك في اتخاذ قرار قاطع في هذا الشأن. وكان عدد الآثوريين في بعقوبة يناهز خمسة وثلاثين ألفاً في أواخر عام 1919، وهم مجموعتان: آثوريو حكاري، وآثوريو أورمية في كوردستان إيران.

وفي ربيع عام 1920 اختمرت فكرة في ذهن المدعو آغا بطرس، وهو آثوري جبلي من قبيلة الباز أدّى دوراً كبيراً في قيادة الجيش الآثوري أثناء الحرب العالمية الأولى. وتتلخص فكرته في خلق دولة آثورية عازلة على الحدود التركية–الإيرانية، مع ترك الحرية لمن يفضّل العودة إلى دياره في جبال ولاية حكاري، المنطقة الجغرافية الكوردية. وتأخر تنفيذ هذا المشروع بسبب الثورة العراقية الكبرى عام 1920، ومُني بالفشل التام في تشرين الأول من تلك السنة بسبب ضعف كفاءة آغا بطرس الآثوري ومقاومة الكورد في المناطق الواقعة شمال عقرة. وفي مجرى القتال الذي حصل نهب الآثوريون عدة مناطق يسكنها كورد لم يشاركوا في الأعمال العدائية ضدهم.

بعد هذا لجأت الحكومة البريطانية إلى تجربة خطة جديدة، فقررت توطين الآثوريين عشيرةً بعد أخرى بصورة تهدف إلى توسيع حدودهم نحو الشمال (كوردستان). وما إن جاء عام 1921 حتى كان (7500) شخص منهم قد استقروا بهذه الطريقة، بعضهم في أنحاء زاخو ودهوك والعمادية، وبعضهم الآخر في مناطق برواري بالا وتياري العليا وتياري السفلى التي تقع شمال المناطق الكوردية الأولى بمسافة قليلة. كما التحق عدد كبير منهم بوحدات الليفي (الوحدات العسكرية التي شكّلها البريطانيون من المسيحيين الآثوريين وبعض الكورد).

ووزّعت الحكومة البريطانية أكثر من (1900) بندقية وكميات من العتاد على القبائل الآثورية التي عادت إلى مناطقها الأصلية شمال حدود ولاية الموصل (كوردستان العراق). وفي نيسان 1924 كان عدد من الآثوريين قد استوطنوا في الأراضي الواقعة تحت إدارة العراق وفي المنطقة الواقعة شمالها، وهي الأرض المطالب بها، وقُدّر عددهم بما يلي:

مصدرهم العدد
من إيران 5000
من المنطقة المطالب بها بعدئذ 14000
من الأراضي التركية شمال المنطقة المذكورة 600
المجموع 25000

وقد استوطن (5700) من المجموعة الثانية في الأرض التي طولب بها في مؤتمر إسطنبول، ثم عادوا إلى جنوب خط المعاهدة على إثر الحوادث التي وقعت عام 1924. لقد كانت نية الحكومة البريطانية اتخاذ الخطوات التي تساعد على عودة الآثوريين الذين قدموا من كوردستان إيران إلى أوطانهم. إن العلاقات بين الآثوريين والأهالي المسلمين لم تكن حسنة دائماً بالشكل المنشود، وترى السلطات أن مردّ ذلك افتقار الآثوريين أنفسهم إلى المرونة والكياسة، فهم ذوو أمزجة نارية قتالية وطباع خشنة غير مصقولة. فمثلاً في آب 1923 جرت ملاحاة ومشاجرة في سوق الموصل بين فريق من العرب وجنود آثوريين، وفي الشهر نفسه وقعت تظاهرات عدائية هناك ضد مجموعة من الآثوريين قوامها ثمانمائة شخص قذفت بهم إسطنبول خارج حدودها. وأدى ذلك إلى عصيان خطير لسريتين آثوريتين في حامية كركوك الكوردية. وقد أثارت هذه الحادثة نزاعاً بين جنود آثوريين وتجار مسلمين، فانطلق الجنود في أرجاء مدينة كركوك الكوردية يطلقون النار على كل مسلم يصادفونه، وينهبون ويحطمون المنازل والمخازن، رغم الجهود التي بذلها ضباطهم وضباط صفهم، ووقعت إصابات بعضها قاتل. فلم تجد السلطة بُدّاً من إرسال وحدات عسكرية بريطانية جواً إلى كركوك الكوردية للمحافظة على النظام.

ومن الحريات التي تمتع بها الآثوريون في العراق أن نزاعاتهم كانت تُفضّ بواسطة محكّمين من بني جلدتهم، وكان لرؤسائهم منصب رسمي أو شبه رسمي، ولهم أن يجبوا الأعشار وضريبة الماشية بمساعدة شرطة يختارونها من بين أفراد قبائلهم نفسها. وكان مقدّراً لهذه الحالة أن تتغير بسبب رحيل عدد كبير منهم نتيجة حوادث الحدود التي وقعت في خريف عام 1924. إن الأسرة التي تنحصر فيها السلالة البطريركية هي السلطة الآثورية الوحيدة التي تعترف بها السلطات العراقية والبريطانية.

لقد أبلغ المندوب السامي البريطاني في بغداد اللجنة بنوايا حكومته في حال التسليم للعراق بالحدود المدّعى بها، فقال إن المنطقة التي تقع جنوب الحدود مباشرة ستعاود السكن فيها القبائل الآثورية التي كانت تعيش فيها سابقاً، ولا يسكن هذه المنطقة في الوقت الحاضر غير عشرة آلاف وخمسمائة نسمة، منهم سبعمائة وخمسون من المسيحيين. وأما الآثوريون الذين كانت ديارهم تقع شمال الحدود المقترحة فسوف يتم توطينهم في جوار دهوك والعمادية الكورديتين، في مواضع لا تبعد كثيراً عن الحدود، وبذلك لن يكونوا معرّضين لإغراءات العودة إلى ديارهم الأصلية في الأراضي الكوردية في كوردستان التركية، مسبّبين مشاكل حدود أخرى.

إن المجموع الكلي للآثوريين الذين سيتم توطينهم لن يزيد على عشرين ألفاً بعد عودة آثوريي كوردستان إيران إلى مساكنهم. وبحسب المعلومات المتأخرة يوجد في روسيا عدد كبير من الآشوريين (الآثوريين) الترك قد يبلغ ثلاثين ألفاً تقريباً، يرغبون في العودة إلى ديارهم شريطة ألّا تكون تلك الديار تحت السيطرة التركية.

وقد أعلمت السلطات البريطانية اللجنة أن معاملة الآشوريين (الآثوريين) في المستقبل تتوقف أساساً على القرار الذي سيُتخذ بخصوص الحدود؛ فإن لم تُضم الأراضي التي كان الآثوريون يشغلونها إلى دولة العراق فلا مجال لمنحهم أي نوع من الاستقلال الذاتي، ولن يتم في هذه الحالة توطينهم في مجتمعات آثورية بحتة. وإذا سُحبت الحدود إلى الجنوب بالشكل الذي لا يُلحق بالعراق إلا جزءاً صغيراً من الوطن الآشوري (الآثوري) السابق، فسيكون من المتعذر إيجاد مقاطعات لهم في كوردستان العراق، إذ إن خطة توطينهم مرهونة بقبول الحدود التي اقترحتها الحكومة البريطانية. ولا يستطيع الآثوريون العيش في السهول بسبب الأحوال المناخية حتى لو وُفّرت لهم الأراضي فيها، وستنجم مصاعب أخرى لاختلاف الطبع العربي عن الطبع الآشوري، مما يؤثر في العلاقات بينهما، في حين أن الطبع الآشوري والطبع الكوردي متشابهان.

تدرك اللجنة ضرورة حماية الشعب الآثوري (الآشوري) ومساعدته على العيش في أفضل ما يمكن تأمينه له من أحوال معاشية، ولكن اللجنة لا تشعر بأن التسوية التي اقترحتها الحكومة البريطانية تتفق ومبادئ العدل التي يجب أن تحكم التوطين المطلوب.

ففي المقام الأول: إن اعتراض الحكومة التركية الحديثة على تقديم الحكومة البريطانية مطالب إقليمية جديدة بعد مؤتمر لوزان اعتراض وجيه وليس دون أساس، إذ يظهر من وثائق ذلك المؤتمر أن المندوب البريطاني طالب منذ البداية بالحدود الشمالية لولاية الموصل (كوردستان) حدوداً للعراق العربي الجديد، وأي تعديلات ذُكرت إنما هي تعديلات معاهدة سيفر (10 آب 1920)، لكن مواد تلك المعاهدة كانت تقضي بإعادة قضاء العمادية الكوردي إلى تركيا.

وفي رسالة أخرى مؤرخة في السادس والعشرين من كانون الأول 1922 اقترح اللورد كرزون، وزير خارجية بريطانيا، على عصمت باشا إينونو، وزير خارجية تركيا الحديثة، تعيين خبراء لمناقشة تفاصيل الخط الثابت لحدود ولاية الموصل الشمالية الذي ستتضمنه المعاهدة المقبلة حول الحدود بين تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد. ويلوح من هذا أن التفكير لم يكن منصرفاً إلى أبعد من تعديل طفيف يمكن أن تتصدى له لجنة تعيين حدود. على أن مقترحات الحكومة البريطانية كما تقدمت بها في إسطنبول هي أكثر بكثير من مجرد تعديل بسيط، ولذلك يبدو أن ثمة ما يدعو إلى الظن بأن الاقتراح المقدم في إسطنبول يتضمن فتح قضية جديدة، وأن الحكومة التركية الحديثة لديها كل المبررات لرفض البحث فيها.

وهناك اعتراض آخر على الحل الذي اقترحته الحكومة البريطانية يتمثل في الظروف التي دعت الآثوريين إلى رفع السلاح في وجه تركيا الحديثة. وما من شك في أن هذا الشعب الآثوري قام بانتفاضة مسلحة ضد حكومته الشرعية (تركيا) بتحريض من الأجانب، ومن دون أي استفزاز من الحكومة التركية لهم. ومن الثابت أيضاً أن الأحوال المعاشية التي كان يتمتع بها الآثوريون ضمن الإمبراطورية العثمانية أفضل من أحوال المسيحيين الآخرين، إذ كانوا يتمتعون بمدى واسع نوعاً ما من الحكم الذاتي المحلي تحت سلطة البيت البطريركي.

وفي هذه الظروف لن يكون من العدل في شيء أن يُقتطع من تركيا الحديثة جزء يعود إليها بلا نزاع كي يُوطَّن فيه شعب آثوري عمد بصورة مقصودة إلى رفع السلاح ضد سيادتها. ولم يسع اللجنة إلا أن تستنتج أن أفضل حل لمسألة الآثوريين هو قبول العرض الذي قدّمه المندوب التركي في مؤتمر إسطنبول، أعني السماح لهم بالعودة إلى ديارهم الأصلية في ولاية حكاري الكوردية. وفي هذه الحالة نضيف إلى ما أوردناه وجوب استمرار الآثوريين في التمتع بحق الاستقلال الذاتي كالسابق، وأن تُضمن سلامتهم بصدور عفو عام عنهم.

3. حجج سياسية أخرى في ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية – العراق) الكوردية المتنازع عليها

إضافة إلى الحجة الأساسية المستندة إلى رغبات أهالي ولاية الموصل الكوردية، تقدّم الطرفان، بريطانيا وتركيا، باعتبارات سياسية أخرى، كلٌّ دعماً لوجهة نظره.

عرضت الحكومة البريطانية أنها ملتزمة بوعد ثلاثي مصدره اتفاقاتها مع الشعب العربي والملك فيصل الأول من جهة، وحكم الانتداب البريطاني من جهة أخرى. ويمكن إجمال هذه الحجج كما قدّمها ممثلو الحكومة البريطانية فيما يلي:

في أثناء الحرب عقدت الحكومة البريطانية اتفاقاً مع عرب المناطق المعنية يتضمن وعداً بألّا يُعادوا إلى الحكم العثماني التركي.

وفي مؤتمر سان ريمو قبلت الحكومة البريطانية في نيسان 1920 الانتداب على العراق العربي الجديد من عصبة الأمم. وفي خريف عام 1921 طلبت عصبة الأمم من الحكومة البريطانية، قبل أن تتم تسوية الشروط الأخيرة للانتداب، الاستمرار في تولّي الإدارة تمشّياً مع روح مسودة الانتداب التي تم إعدادها، انتظاراً لقرار مجلس عصبة الأمم النهائي. وفي شهر تشرين الأول 1922 أبرمت الحكومة البريطانية معاهدة مع ملك العراق تعهّد فيها الطرفان بعدم اقتطاع أي جزء من العراق أو تأجيره لأي بلاد ثالثة، أو وضع أي أرض من هذا القبيل تحت سيطرتها.

وعلى هذا الأساس ارتبطت الحكومة البريطانية بالوعد الثلاثي؛ فإن فصلت ولاية الموصل (كوردستان العراق) عن بقية الأراضي العراقية المشمولة بالانتداب البريطاني وأعطتها للترك (تركيا الحديثة) تكون قد نكثت بوعدها.

واعترض فتحي بك، ممثل تركيا الحديثة في المباحثات والمفاوضات بشأن ولاية الموصل (كوردستان العراق)، على هذه الحجج في اجتماع مجلس عصبة الأمم في الخامس والعشرين من أيلول 1924، قائلاً إن التعهد الثلاثي الذي أعطته الحكومة البريطانية لا يمكن أن ينهض حجة ضد تركيا الحديثة، لأن تركيا لم تتنازل بموجب أية وثيقة دولية عن حقوقها في ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وإن ذلك سيكون بمثابة التنازل عن أراضي فريق لمصلحة فريق ثالث من دون رضا المالك الشرعي. وأما التعهد الذي أُعطي لعصبة الأمم فيكاد لا يكون ضرورياً أن نوضح أن حدود الأراضي المنتدبة لم تثبّتها العصبة، بل على العكس من ذلك قررت بريطانيا العظمى من تلقاء نفسها مدى سعة تلك الأراضي عند النهاية الشمالية للعراق الجديد.

«إن هذا عمل من طرف واحد لا غير، ولذلك فهو باطل قانوناً من أساسه، وإن تفوّق الحجة التركية واضح إلى الحد الذي لا نرى معه حاجة تدعو إلى تحليل حجج الطرفين». كما أن الإقرار بأن «تركيا تنازلت عن حقوقها» في ولاية الموصل (كوردستان العراق) غير ممكن أيضاً، لأنها أعلنت في عدة مناسبات استعدادها للتنازل عن الأراضي التي يسكنها عرب في ولايتي بغداد والبصرة لا غير. وبصرف النظر عن كون ولاية الموصل (كوردستان) إقليماً كوردياً عند إدخال مسألة الأغلبية السكانية في الموضوع، فواضح أن الحكومة التركية تمسكت دائماً بقولها إن ولاية الموصل (كوردستان) جزء لا يتجزأ من تركيا الحديثة، ولم تتنازل تركيا عن حقوقها لا شرعياً ولا أدبياً لمصلحة أية دولة، وإن أفاد بيان الحكومة التركية بأنها لا تطالب إلا بتلك المناطق التي ترغب في العودة إليها. والواضح والحالة هذه أن الأراضي التي تحتلها القوات البريطانية والعراقية ما زالت تعود وفق القانون إلى تركيا حتى تتنازل عن حقوقها فيها.

وهناك حجة أخرى تقدمت بها الحكومة البريطانية، وهي حق الفتح، ويمكن إجمالها بما يلي:

إن دول الحلفاء أُرغمت على الحرب مع الدولة (الإمبراطورية) العثمانية دون أي استفزاز من جانبها، وهي التي ربحت الحرب، وقد طردت الجيوش البريطانية الجيش التركي من بلاد الرافدين (ميزوبوتاميا)، وهي ولايتا بغداد والبصرة فقط. ومما يدعو إلى العجب أن تملي دولة مغلوبة على الغالبين الأسلوب الذي سيتم بموجبه التصرف بالأراضي التي احتُلّت عسكرياً. وقد كان رد الحكومة التركية الحديثة على هذه الحجة أن حق الفتح لم يعد معترفاً به في القرن العشرين، وهو على كل حال لا يمكن تطبيقه على ولاية الموصل الكوردية التي احتُلّت عنوة بعد هدنة مودروس في 30 تشرين الأول 1918 وبخرق شروطها، كما كانت الحال أيضاً بالنسبة إلى إسطنبول وإزمير وأضنة.

ورداً على هذه الحجة الأخيرة أشارت الحكومة البريطانية، أولاً، إلى أن خط هدنة مودروس لا مكان له في التسوية السلمية الختامية، وثانياً، إلى أن شروط هدنة مودروس خوّلت جيوش الحلفاء حق احتلال نقاط سوقية (استراتيجية) تقع وراء خط الهدنة إذا نشأ موقف يهدد سلامة الحلفاء، وقد احتُلّت مدينة الموصل طبقاً لهذه الشروط. ولا نجد ضرورة لفحص هذه الآراء المتعارضة فيما يتعلق بالخرق المزعوم لشروط هدنة مودروس، وتكفي الإشارة إلى أن احتلال الموصل وكل مدن بلاد الرافدين (ميزوبوتاميا)، التي تشمل ولايتي بغداد والبصرة فقط، التي كانت فيها حاميات عثمانية تركية، مسموح به بموجب المادة السادسة عشرة من اتفاق هدنة مودروس في 30 تشرين الأول 1918.

وأما الحجة المستندة إلى حق الفتح فهي على أية حال عرضة للأخذ والرد والنقاش، لأن الوضع السياسي بعد معاهدة سيفر (10 آب 1920) بمدة شهد تغييراً مفاجئاً، حتى قامت الضرورة لعقد مؤتمر جديد لإعادة صياغة كل ما أُنجز في سيفر (1920). وهذا التغيير في الموقف هو نتيجة النجاح العسكري التركي الذي خلق وضعاً عسكرياً جديداً لكل المناطق التي عادت أو كادت تعود إلى تركيا الحديثة، مع أنه أُنجز في ميادين حروب متعددة، وهذا واضح تماماً من طبيعة القضايا التي بُحثت في مؤتمر لوزان.

وعرضت تركيا الحديثة، في مجال اعتراضها على حجة حق الفتح، حجة تحقيق السلم واستقراره. وقد عُرضت هذه الحجة في مؤتمر لوزان، وردّدها فتحي بك، ممثل تركيا، في مؤتمر إسطنبول، معرباً في الوقت نفسه عن أمله في إيجاد تسوية لقضية ولاية الموصل الكوردية تمهّد الطريق إلى سلام ثابت وطيد بين تركيا الحديثة وبريطانيا العظمى، وصرّح بأن «فوائد السلام الوطيد في الشرق تنطوي على أعظم الأهمية».

وأوضح أن الفوائد التي ستنجم عن سلام وطيد تنطوي على أهمية عظيمة، وإذا أُريد للسلم أن يكون دائماً وأن يمهّد لعلاقات طيبة فمن الجوهري ألّا يشعر أي طرف بالضغينة تجاه الطرف الآخر أو بأن حقه مهضوم. وانطلاقاً من هذه الأهمية يجب ألّا تُحرم دولة العراق العربي الجديد، التي اعترفت تركيا الحديثة بوجودها اعترافاً واقعياً، من الموارد الضرورية لتطورها. وإذا ما اقتُطع جزء من ولاية حكاري التركية فإن حقوق الولاية ستُنتهك وتُهضم، ولو أُعطي لواء ديالى لتركيا فسوف يحيق الخطر باستقلال العراق العربي الجديد. ولو سلّمنا بأن نظرية السلام الوطيد كما عرضتها تركيا تقود إلى تسوية ما، فالنتيجة هي أن تركيا الحديثة ستحرم العراق العربي الجديد من تطوير موارده.


أجزاء «الحجج السياسية بشأن ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) ذات الأغلبية الكوردية» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث (هذا الجزء)

→ الجزء الثاني