الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) وما بعدها (الجزء الأول)

من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2010

إن مخزون النفط الذي احتضنته أرض الإسلام من إيران حتى المغرب العربي لم يكن يمثل شيئاً لأهلها، بسبب عدم توافر الصناعة اللازمة لاستخدامه، وإن ما تحتاجه آلات الإنارة اليدوية لا يكاد يمثل نسبة تذكر مما تحتاجه الأساطيل البحرية للدولة البريطانية الصليبية الغازية، التي تستخدم مياه العرب في الخليج العربي وباب المندب وقناة السويس ومعبر البحر المتوسط. إلا أن النفط أصبح السلعة التي تتسابق عليها دول أوروبا المسيحية التي خسرت الحرب العالمية الأولى (ألمانيا، النمسا، تركيا، بلغاريا) (1)، إذ باتت الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929م مؤثرة في حياة الشعوب الجرمانية، التي وجدت في معاهدة فرساي عام 1919م نقطة عار لا ينبغي الركون إليها، لا سيما أن منطقتي الألزاس واللورين الألمانيتين ما زالتا تحت سيطرة فرنسا منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى. وهو ما كان يقلق لا أصحاب المذهب البروتستانتي (بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية) فحسب، بل فرنسا أيضاً، التي انتبهت إلى ضعف قواتها العسكرية بالمقارنة مع قوة ألمانيا الهتلرية (2).

1. إفرازات الحرب العالمية الثانية

إن عدم إيلاء الحكومة الإنجليزية الأهمية الكافية لمطالب ألمانيا كان يعود لا إلى اهتمام الحكومة بالشؤون الداخلية وحسب، وإنما إلى أن السياسيين الإنجليز لم يكونوا مقتنعين حتى عام 1936م بأن أدولف هتلر سيعمد إلى انتهاج سياسة توسعية في أوروبا. ومع ذلك أعطت بريطانيا وعداً لفرنسا وبلجيكا بمساعدتهما في حال وقوع اعتداء ألماني مفاجئ عليهما (3). أما الولايات المتحدة الأمريكية، وبوصول الديمقراطيين إلى الحكم بزعامة روزفلت عام 1933م، فقد بات عليهم اتخاذ موقف من تطور الأحداث في أوروبا، إضافة إلى معالجة مضاعفات الأزمة الاقتصادية على المستوى الداخلي. غير أن النظرة السياسية لواشنطن كانت تعتبر بيقين كل مواطن أمريكي يتعاون مع الشيوعية كافراً وخائناً (4)، فيما ألمحت مراراً إلى قلقها من وصول أدولف هتلر إلى سدة الحكم، ومن احتلال اليابان بعض المناطق في الصين أوائل عام 1933م. وفي إيطاليا الكاثوليكية وصل موسوليني إلى سدة الحكم، وبدأ يدعو مواطنيه إلى بناء دولة إيطالية قوية لها دور في السياسة الدولية وفي ما يجري من تحالفات بين هذا الطرف أو ذاك، محذراً من ظهور أي دولة أو تكتل باتجاه دول الدانوب (أوروبا الشرقية).

أعلن موسوليني سياسته الجديدة عام 1934م بقوله: «على إيطاليا أن تبقى مستعدة للحرب، وأن تسعى لأن تصبح أمة محاربة» (5).

أما في الاتحاد السوفيتي الأرثوذكسي، فقد سارعت موسكو إلى توقيع اتفاقية عدم اعتداء مع إيطاليا في أيلول 1933م، وإقامة علاقات دبلوماسية مع الولايات المتحدة الأمريكية أواخر عام 1933م، وميثاق تحالف مع تشيكوسلوفاكيا وفرنسا، القلقة من ألمانيا، عام 1935م (6). وكانت موسكو ترى أن أجواء أوروبا الملبدة بالغيوم أجبرتها على هذه التحالفات، كما أجبرتها على إعادة بناء الجيش السوفيتي ليبلغ عدده 380.000 جندي. ولكن ما يختلف به السوفيت عن باقي دول أوروبا أن بلدهم هو البلد الشيوعي الذي يتزعم الشيوعية الدولية (الكومنترن)، وأن قادته محكومون بما يقرره المكتب السياسي من تحالفات دون تدخل الكنيسة الروسية (7).

وبقي الحاكم في ديار العرب المسلمين في حالة انفصام عن شعبه الذي اجتاحته القوة العسكرية للدول الصليبية، وخاصة بريطانيا وفرنسا. وأثبت هذا الحاكم العربي وغيره أنهم يمارسون السلطة بالنيابة عن غيرهم، ويكرسون تبعيتهم للأجنبي. وهم بعملهم المهادن والخانع لم يقدموا أي إنجاز علمي أو صناعي لشعوبهم، رغم ما حباهم الله من ثروة وزخم حضاري، بل إن القلة العلمية من العرب المسلمين باتت تساهم في تطوير تكنولوجيا الغرب الصليبي الذي انتشرت مستعمراته بالقوة العسكرية قبل أن تبدأ الحرب العالمية الثانية.

أما في روما، حيث الفاتيكان مقر البابا، فرغم الوجود التاريخي للفاتيكان لم يكن ظهوره بالشكل المستقل المتعارف عليه معروفاً حتى السابع من حزيران عام 1929م، وهي الفترة التي شهدت فيها أوروبا الصليبية استعدادات عسكرية غير مسبوقة لتصفية حسابات الحرب الأولى.

ويظهر من تتبع الأحداث أن دور بابا الفاتيكان السياسي أصبح محدوداً، وقد سبق له أن تدخل بحل توفيقي بين ساسة ألمانيا وإسبانيا حول جزر كارولين (في أرخبيل المحيط الهادئ) عام 1885م، عبر الكرسي الرسولي للفاتيكان الذي يديره وزير الخارجية (8). فيما كان البابا نفسه رائداً في مقاومة الشيوعية والاتحاد السوفيتي، باعتباره العدو الأول لأوروبا المسيحية. غير أن الأحداث التي تلت الحرب العالمية الأولى كشفت أن ألمانيا أدولف هتلر، وهي دولة مسيحية، قد اقترحت في الثالث عشر من تشرين الأول عام 1940م (بعد مرور سنة على بدء الحرب العالمية الثانية في أيلول 1939م) إجراء مفاوضات بين برلين وموسكو الشيوعية، فقام وزير الخارجية السوفيتي مولوتوف بزيارة برلين بعد شهر ليجتمع مع نظيره وزير الخارجية الألماني فون ريبنتروب، كما التقى بهتلر الذي عرض عليه دخول الاتحاد السوفيتي في جبهة المحور المكونة من (برلين - روما - طوكيو)، مقابل القبول بالمقترح الألماني الذي قسّم العالم إلى أربع مناطق نفوذ:

  • الأولى: تشمل أوروبا الوسطى والجنوبية وإفريقيا الوسطى، وتكون من حصة ألمانيا.
  • الثانية: تشمل يوغسلافيا وإفريقيا الشمالية والشرقية، وتُعطى لإيطاليا.
  • الثالثة: تشمل بلدان الشرق الأقصى، وتكون من حصة اليابان.
  • الرابعة: تشمل مناطق الخليج العربي وإيران وربما الهند، وتكون من نصيب الاتحاد السوفيتي.

أما المضائق (الدردنيل والبسفور)، فبسبب موقعها الاستراتيجي تبقى تحت السيادة التركية، مع الاعتراف للاتحاد السوفيتي بحقه في عبورها، ومنع سفن الدول غير الواقعة على البحر الأسود من عبورها (9).

وافق الرئيس السوفيتي جوزيف ستالين على ما عرضه أدولف هتلر على وزير خارجيته مولوتوف، غير أن موسكو فسّرت الأمر بأن ألمانيا ستكون لها اليد العليا على معظم دول أوروبا ومناجم الذهب في إفريقيا الوسطى، ثم لا تلبث جبهة المحور (برلين - روما - طوكيو) أن تحارب الشيوعية بعد كسب الحرب ضد بريطانيا. ولذلك أرادت موسكو التحقق من صدق نية أدولف هتلر.

واقترحت بالمقابل إنشاء قاعدة عسكرية سوفيتية في المضائق، وأن تتنازل اليابان عن بعض الامتيازات الاقتصادية في جزر سخالين اليابانية، وإطلاق يد روسيا في فنلندا، أما المطلب الرابع فقد رأت موسكو فيه أهمية الإشراف على بلغاريا باعتبارها مجالاً حيوياً لأمن الدولة السوفيتية. فغضب أدولف هتلر وغيّر رأيه، معتقداً أن أطماع موسكو في أوروبا أكبر من أطماعه (10).

وقررت المجر ورومانيا وبلغاريا الانضمام إلى جبهة المحور ما بين عامي 1940 و1941م، وبذلك اعتقد هتلر أن نجاحه في احتلال فرنسا عام 1940م، وقصف لندن بالطائرات والصواريخ، سيجعله حراً في مهاجمة السوفيت (مجاله الحيوي الكبير).

غير أن ما لم يكن في حساب هتلر هو التبدل الذي غيّر ميزان الحرب، عندما اشتركت الولايات المتحدة في الحرب عام 1941م إلى جانب الحلفاء (بريطانيا وفرنسا)، ومهاجمة أدولف هتلر لروسيا في العام نفسه 1941م، مما وفّر لبريطانيا البروتستانتية حليفاً شيوعياً هو موسكو، وحليفاً بروتستانتياً قوياً هو واشنطن (11).

انتهت انتصارات دول المحور عام 1942م بعد أن توقف الزحف الألماني في الشرق على أثر معركة ستالينغراد في كانون الأول 1942م، وبعد معركة العلمين في شمال إفريقيا التي أوقفت زحف القائد الألماني رومل نحو مصر (12).

وفي صيف 1942م أوقف الزحف الياباني في بحر المرجان (جزء من المحيط الهادئ الجنوبي) (13). وعند انتهاء الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) بانتصار الحلفاء، أصبح مجلس الأمن الدولي يمثل الدول المنتصرة في الحرب.

وكان اليهود في دول أوروبا المسيحية سعداء بما حلّ بالمسيحيين من خسائر مادية ومعنوية أضعفتهم، نظراً لما لاقوه من شظف العيش والازدراء والمهانة لقرون من الزمن. غير أن رئيس الوكالة اليهودية الذي سبق بن غوريون كان يتحدث دوماً مع السلطات البريطانية في فلسطين عن الوقت المناسب لإعلان الدولة اليهودية (إسرائيل) بعد الحرب العالمية الثانية.

ويرى الكثير من المحللين لمجريات الحرب أنه لو شارك السوفيت دول المحور وكسبوا الحرب، لأمكن القول إن كل دول الخليج العربية النفطية كانت اليوم في أحضان الشيوعية، وإن أموال النفط واستثماراته الكبيرة كانت ستفعل فعلها في تطوير جمهوريات الاتحاد السوفيتي، فضلاً عن أن اليابان وإيطاليا وألمانيا (الكاثوليكية) كانت ستكون أعمدة مجلس الأمن. وهذا لم يكن ليعطي اليهود الفرصة للهجرة إلى فلسطين، أو لتأسيس دولة يهودية، أو للكلام عن «أرض الميعاد»، بل كانوا سيظلون مشردين في أصقاع أرض مهجورة غير مسكونة حتى بوجود اليهود الروس.

كان الخلاف العقائدي بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية محور اهتمام الدول المنتصرة في الحرب.

ويظهر في مناقشات الرئيس الأمريكي روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل قبل عقد مؤتمر يالطا عام 1945م أنهما كانا يبحثان عن موقف لا يضع الشيوعيين في موقع الصدارة في العالم، وربما كان من سوء حظ الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية وبابا الفاتيكان أن يكون الجيش الأحمر الشيوعي طرفاً في دخول برلين عاصمة ألمانيا المسيحية عام 1945م، وليس الجيش الأمريكي أو البريطاني.

وهذا يعني أن تحالفهما في فترة الحرب وقتالهما في جبهة واحدة ما كان إلا بسبب كرههما للعدو المشترك (ألمانيا)، وهو كره كان أقوى من الخلاف القائم بينهما. ومع زوال العدو المشترك تمزقت تلك الوحدة الظاهرية التي خلقها النصر، فعاد الخلاف من جديد، وتجلى ذلك في التسابق على استمالة الدول الحديثة الاستقلال (14).

وكانت باكورة ما عمله الاتحاد السوفيتي في عدائه لبريطانيا عندما راقب التقارب الفرنسي - الإنجليزي في شباط 1946م، الذي جاء على أثر خلافات نشبت بين ونستون تشرشل (بريطانيا) وديغول (فرنسا)، وخسارة تشرشل في الانتخابات ومجيء أتلي إلى رئاسة الوزارة البريطانية، وذلك بسبب أن الحكومتين السورية واللبنانية تقدمتا بشكوى إلى مجلس الأمن تطالبان فيها بالانسحاب الفوري للجيوش الحليفة (الفرنسية والبريطانية) من أراضيهما (15).

وللضرورة الأيديولوجية التي يراها الحزب الشيوعي السوفيتي لنشر أفكاره في بلاد عرب المشرق، التواقة إلى التخلص من بريطانيا، دعم السوفيت موقف سورية ولبنان.

ولقطع الطريق على نوايا السوفيت في نشر الشيوعية، قررت بريطانيا وفرنسا جلاء قواتهما نهاية عام 1946م، وبذلك تكون سورية ولبنان أول دولتين عربيتين تتخلصان من الاحتلال الأجنبي بعد الحرب العالمية الثانية، دون بقية الدول الأخرى: مصر والعراق والأردن والسودان ودول المغرب العربي (16).

وفي شبه القارة الهندية، وجدت بريطانيا، التي استعمرت شعبها منذ عام 1857م، أن عليها فك الاشتباك بين الهندوس والمسلمين، وقد طلبت بريطانيا عام 1942م من زعماء حزب المؤتمر بقيادة نهرو انتظار انتهاء الحرب قبل إجراء الانتخابات، التي حصل فيها حزب نهرو على (209) مقاعد في الجمعية التأسيسية الهندية في تموز 1946م، ونال حزب الرابطة الإسلامية (حزب محمد علي جناح) (75) مقعداً.

ونتيجة لتباين وجهتي النظر بين الحزبين، رفض محمد علي جناح الاشتراك في الحكومة المؤقتة، وقامت المظاهرات التي تحولت بمرور الوقت إلى مظاهرات دموية من أجل إنشاء الدولة الباكستانية الإسلامية، حتى كان الثالث من حزيران عام 1947م، فاتفق الطرفان على ما يلي:

  1. دمج معظم الإمارات في الدولة الهندية.
  2. جلاء القوات الإنجليزية عن البلاد في حد أقصاه منتصف آب عام 1947م.
  3. إعلان قيام دولتين: باكستان والهند.
  4. إنهاء تبعية الهند للإمبراطورية الإنجليزية، وإلغاء منصب نائب الملك البريطاني، وإعطاء نائب الملك لقب الحاكم العام على الهند فقط، والإبقاء على وظائفه حتى نهاية آذار من عام 1948م.

أما في باكستان، فقد أعلنت الرابطة الإسلامية تعيين محمد علي جناح حاكماً عاماً على باكستان في تموز 1947م، ولكن مشكلة كشمير بين البلدين بقيت على حالها، وقد خاضت الدولتان أربع حروب بسببها (17).

كان سخاء الإمبراطورية البريطانية كبيراً وهي تُخرج جيوشها من سورية ولبنان وشبه القارة الهندية وإيران خلال سنتين من انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولكن سخاءها كان بالمقابل أكبر حين حان وقت تنفيذ وعد بلفور بإنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين عام 1948م، تتوسط شعوب العراق وبلاد الشام ومصر التي شاركت صلاح الدين الأيوبي بفعالية في الحروب الصليبية.


أجزاء «الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) وما بعدها» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث

الجزء الثاني ←