الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) وما بعدها (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2010
2. اليهود: أرض البدايات وأرض النهايات وما بينهما القدس في بلاد الشام
يعدّ الرئيس الأمريكي بوش الابن، الذي وصل إلى سدة الرئاسة عام 2001م، أكثر رئيس أمريكي ولعاً بقراءة أسفار العهد القديم ونبوءات أنبياء بني إسرائيل، وفق ما رواه له القس الإنجيلي بيلي غراهام الذي رافق الرئيس عن قرب، وهو ما سيأتي ذكره لاحقاً.
ولكن المسألة التي قادتنا إلى ذكره في وقت مبكر أن الرئيس بوش الابن عثر على خريطة فريدة في مكتبة الكونغرس الأمريكي رُسمت عام 1678م، أي في الثلث الأخير من القرن السابع عشر، وفيها تحديد للأراضي المقدسة التي تحتضنها دول، ومنها دولة بابل (العراق). ولإيمان الرئيس الأمريكي بوش الابن بما وصل إليه المصلح الديني مارتن لوثر في المذهب البروتستانتي، كان لزاماً عليه أن يرسل هذه الخريطة إلى صديقه رئيس الوزراء الإسرائيلي، وكان يومها أرييل شارون، الذي شكره قائلاً: «يمكنني أن أؤكد لكم سيدي الرئيس أن هذه الخريطة ستحصل على موافقة حكومتي من دون مشكلة».
ولكن الموافقة على أي شيء، وأي مشكلة؟ هذا ما ينبغي أن نطرحه في كتابنا هذا، وفي فصله الخامس خاصة الذي يُعنى بدور اليهود في بناء دولة أرض الميعاد ومحاولتهم تقويض دين الإسلام، ويأبى الله ذلك، لقوله تعالى: «يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» (الصف: 8).
في أسفار العهد القديم وفلسفة التوراة، يعتقد اليهود، ومعهم مجموعة المحافظين الجدد في أمريكا الذين عسكروا نصوص التوراة وشحنوها بالانتقام والثأر، أن التاريخ اليهودي يبدأ في بلاد الرافدين، أو ما بين النهرين (Mesopotamia)، فهكذا هي معالم بداياته في الذهنية اليهودية. فمنذ ظهور النبي إبراهيم عليه السلام في أور الكلدانيين (مدينة الناصرية جنوب العراق)، وهجرته إلى منطقة حوران (وادٍ بين السعودية وسورية والعراق) ثم إلى أرض كنعان (في فلسطين)، اعتبروا أنفسهم العبرانيين لأنهم عبروا نهر الفرات في العراق باتجاه القدس.
هذا ما اشتملت عليه كثير من عبارات سفر التكوين كما ورد في التوراة، وهي محاولة واضحة لتعميق جذور العبرانيين التاريخية في عصور قديمة شحّت المصادر التاريخية عن صحتها (18).
اتكأ اليهود على نبوة إبراهيم عليه السلام، واعتبروا ذلك منطلقاً للتاريخ اليهودي. ولكنهم اصطدموا بقرآن الإسلام في مسألة انتماء النبي إبراهيم إلى اليهودية، ولعل ذلك أحد الأسرار التي جعلت اليهودية والمسيحية تركزان على أن قرآن محمد ليس سماوياً وأن محمداً هو من كتبه، إذ ورد في قوله تعالى: «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ»، «مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»، وهو ما لا يتفق مع الاعتقاد التاريخي الذي بنوا عليه ادعاءاتهم كثيراً. إلا أن ما كتبوه وسار عليه جمعهم هو ما وافق عليه شارون وحكومته في خريطة بوش التي تعود إلى القرن السابع عشر، لتأخذ البعد الجغرافي بين أرض ما بين النهرين وبين اليهود. وهو ما يؤكد قناعة اليهود بارتباط الأرض بثلاث مناطق عربية ارتباطاً توراتياً: تقع فلسطين (أرض الميعاد) في أعلى مراتب الاهتمام، ومعها بلاد الشام عموماً، ثم مصر التي خرجوا منها إلى القدس في مرتبة مساوية لما سبقها، وتليها بابل (العراق)، وهي أرض البدايات كما أسلفنا، أي أرض السبي وعذابات بابل.
ولم يكن مفكرو اليهود وحدهم في هذا من يروّج لما كتب في أسفار العهد القديم، وإنما مستشرقون يهود وبروتستانت، وكتّاب آخرون متطوعون بعد حركة مارتن لوثر في القرن السادس عشر. وهو ما ذهب إليه الكاتب الأمريكي أرثر روبين عام 1919م في كتابه «بناء أرض إسرائيل» بقوله: «تفرض علينا وجهة النظر التاريخية لليهود ضم كل من مؤاب وعمون القديمتين (شرق نهر الأردن) لأنهما كانتا جزءاً من الدولة اليهودية»، ولهذا طالب أحد أعضاء الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) بضم الأردن نفسه إلى الكيان الإسرائيلي (19). أما عن العراق (بلاد ما بين النهرين) في أسفار العهد القديم، فيذكر الإصحاح الثاني من سفر التكوين (ويطلق عليه سفر الخلق أو الخليقة): «ونهر يخرج من عدن فيسقي الجنان، ومن ثم يفترق فيصير أربعة رؤوس»، اسم أحدها النيل، واسم الثاني جيحان، والثالث دجلة، واسم الرابع الفرات. والعبارة تعني أن نهراً يخرج من جنات عدن التي أسكن الله فيها آدم عليه السلام، ثم يتفرع هذا النهر إلى أربعة أقسام هي النيل في مصر، ونهر جيحان في بلاد الشام، ونهرا دجلة والفرات في العراق (20).
وكانت الإشارة الأخطر والأهم إلى بلاد ما بين النهرين هي ما أظهره سفر التكوين في ما أطلق عليه فكرة أرض الميعاد، التي تمثلت في ذلك الوعد الذي قطعه الرب للنبي إبراهيم عليه السلام، فقد ورد في الإصحاح الخامس عشر، الفقرة (18): «لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات» (21).
سيطر البعد التوراتي على الذهنية الأمريكية بشكل لافت للنظر، واقترب من قمة صناعة القرار الأمريكي متمثلاً في عدد كبير من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية (22)، ومنهم ترومان (1945-1953م) لفترتين رئاسيتين، وترومان ينتمي إلى سلالة يهودية ويؤمن بفكرة البعث اليهودي، وكان يصرح دائماً بأن كتابه المفضل هو التلمود (23).
واللافت أن ترومان وصل إلى الدرجة (33) في المحافل الماسونية. وعشية ظهور دولة إسرائيل عام 1948م، بتواطؤ بريطاني - أمريكي مع بن غوريون (24)، اعترف الرئيس الأمريكي ترومان بالدولة الجديدة بعد وقت قصير من إعلانها، وارتبط بهذا الكيان ارتباطاً عاطفياً مؤثراً أشبه بقصص الفرسان القديمة. فقد قال له الحاخام الإسرائيلي الأكبر عام 1949م: إن الله وضعك في رحم أمك لتكون الأداة لتحقيق إعادة ولادة إسرائيل بعد ألفي سنة، فلم يتحمل قلب ترومان المفعم بالإيمان هذا الإطراء، فانهمرت دموعه تأثراً بتلك الكلمات (25).
إن مثل هذا التفاني من أجل إسرائيل كان محل تقدير من القادة السياسيين في إسرائيل، وهو ما أكد عليه وزير الخارجية موشيه شاريت في خطابه عام 1951م حين قال: «في رأيي أن وجود خمسة ملايين يهودي في أمريكا، والمسؤولية الخاصة التي تحسها إسرائيل نحوهم من ناحية، وتعلقهم الشديد بإسرائيل من ناحية أخرى، يتيح ضماناً بغير حدود لاستمرار تعاطف الولايات المتحدة وصداقتها معنا» (26).
وما كان يعنيه هو حاجة إسرائيل إلى بقاء هؤلاء في الولايات المتحدة الأمريكية لممارسة الضغط على الإدارات الأمريكية لتكون مؤيدة لإسرائيل على الدوام عن طريق مجموعات الضغط (Lobby)، دون الحاجة إلى عودتهم إلى إسرائيل. وهكذا فإن إسرائيل ستحوّل مثل هذا الإعداد إلى أي دولة جديدة قوية إذا ما انهارت الولايات المتحدة مستقبلاً.
وفي هذا الحنين الأمريكي لقيام الدولة الإسرائيلية، نجد الأستاذ محمد أحمد الراشد (عراقي) يقول في محاضرة بعنوان «النظام العالمي الجديد» إن عجوزاً يهودية (عراقية) دقت باب بيته بعد الإعلان عن قيام دولة إسرائيل عام 1948م وهي تبكي وتقول: «إن هذه الدولة، إسرائيل، وجدت لذبح اليهود، وإن عمرها سيكون ستة وسبعين عاماً»، كما تعرف ذلك من التوراة. وإذا ما أخذنا تصريح رئيس وزراء اليهود مناحيم بيغن، الوارد في كتاب «الأصولية اليهودية» للكاتب إيان لوستيك، على أثر الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982م، إذ قال: ستنعم إسرائيل بما نصت عليه التوراة من سلام الأربعين سنة. والمسلم لا يكذّب بما جاء في التوراة، كما أنه لا يصدقه بسبب التحريف الذي أصابه. إلا أن ربط قصة العجوز اليهودية بتصريحات مناحيم بيغن قد جعل للرقم (76) إمكانية وضع خاص في التوراة (27).
خططت بريطانيا (الإمبراطورية) لخلق دولة إسرائيل على أرض فلسطين لتكون حاجزاً بين سورية ومصر والأردن وعمقها العراق (28)، وهي الشعوب التي لعبت دوراً مؤثراً في تهيئة المقاتلين خلال فترة الحروب الصليبية (1095-1193م). إلا أن ذلك لا يعني تخلي بريطانيا الماكرة عن حمايتها لإسرائيل، أو أنها تمنع عنها السلاح وآخر ما ظهر من تطورات فن الحرب، رغم تخليها عن لعب الدور الرئيسي لصالح الدولة القوية الولايات المتحدة الأمريكية، التي وجدت أن العدوان على مصر في حرب السويس عام 1956م، الذي اشتركت فيه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل (29)، قد يقرّب جمال عبد الناصر من السوفيت أولاً، وأنها بحاجة إلى كسب الود العربي القومي في دول الخليج النفطية والمملكة العربية السعودية ثانياً. فضغطت إدارة الرئيس الأمريكي أيزنهاور بقوة على الدول الثلاث (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) لتسحب قواتها من صحراء سيناء في تموز 1957م، وخاصة القوات الإسرائيلية، مقابل دخول قوات طوارئ إلى صحراء سيناء للفصل بين القوات الإسرائيلية والمصرية.
حرب عام 1967
إن رد الفعل في مصر وزعيمها جمال عبد الناصر يكاد يختلف كلياً عن رد فعل الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، فالدولتان الكبيرتان كانتا تنظران إلى مصالحهما كلٌّ بمعزل عن الآخر. فالسوفيت يريدون سريان النفوذ الشيوعي في دول عرب المشرق عن طريق نفوذ جمال عبد الناصر، رغم اختلافه الشديد مع إلحادية الحزب الشيوعي. أما الولايات المتحدة الأمريكية، ذات النفوذ العسكري والاقتصادي، فإن مصالحها تنطوي على منع جمال عبد الناصر من الارتماء في أحضان موسكو، وألا يندفع في بلورة إنشاء حركة عدم الانحياز مع تيتو (يوغسلافيا) وسوكارنو (إندونيسيا) ونهرو (الهند) عام 1961م، وهم يعارضون في الإجمال سياسة واشنطن الموالية لإسرائيل. كما يهم واشنطن انسياب النفط عبر مضيق هرمز في عنق الخليج العربي، وعبر قناة السويس الخاضعة لسيطرة مصر جمال عبد الناصر.
ووجدت إسرائيل أن مهادنة الرئيس الأمريكي أيزنهاور لمصر جمال عبد الناصر، ومن بعده الرئيس جون كينيدي الذي اغتيل عام 1963م، قد تغيرت في زمن الرئيس ليندون جونسون (1963-1969م)، الذي قال في خطاب أمام جمعية بناي بريث اليهودية: «إن اليهود الذين نجوا من المذبحة الكبرى يستحقون أمتهم الخاصة، وإن لهم الحق في أن يعيشوا بسلام مع جيرانهم»، واعتبر أن هذا الوطن لليهود يتوافق مع تعاليم الكتاب المقدس، «ولذلك فهو مقدر من الله… هذه المعتقدات الأخلاقية والدينية جعلت التزامي بسلامة إسرائيل لا يتزعزع» (30). وهو ما يعني أن تضع واشنطن ما لديها من قوة سلاحها الجوي والبري وسلاحها الاقتصادي في خدمة أمن إسرائيل، الأمر الذي دفع أجهزة المخابرات الأمريكية إلى التعاون مع المخابرات الإسرائيلية في تهريب طائرة ميغ-21 روسية الصنع، مجهولة المواصفات الفنية، من العراق إلى إسرائيل عام 1966م، وهي العمود الرئيسي لسلاح الجو في مصر وسورية المجاورتين لإسرائيل. وكان الاعتقاد السائد في واشنطن وتل أبيب، ولندن بصفة خاصة، وفي حلف شمال الأطلسي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، أن كسب إسرائيل للحرب القادمة مع العرب المسلمين سيدفع قادتهم إلى طرق أبواب الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لإجبار إسرائيل على سحب قواتها من أي أراضٍ عربية محتلة.
وهذا لا يتناقض مع توجهات البابا بولس السادس في إجراء حوار مع رجال دين مسلمين، وتحديداً من جامعة الأزهر في مصر، إذ قال في الثامن والعشرين من تشرين الأول عام 1965م، في المقطع رقم (3) من إعلانه: «إن الكنيسة تنظر إلى المسلمين بعين التقدير، فهم يعبدون الله الواحد الحي القيوم، الرحيم القدير، خالق السماء والأرض، والذي تكلم إلى الناس؛ وهم يجتهدون في خضوعهم لأوامر الله من صميم قلوبهم دون تردد، تماماً كما كان يخضع لله إبراهيم الذي يحرص دين الإسلام على الارتباط به» (31). وهو ما رفضته تعاليم اليهود كما جاء في أسفار العهد القديم، ورفضته رموز الكنيسة البروتستانتية في واشنطن ولندن، ولكنه في ظروف الاستعداد للحرب قد يكون مطلوباً ومروّضاً للعرب المسلمين وقادتهم، بأن يجدوا نوعاً من التقارب بين الإسلام والمسيحية. وهو ما أكمله البيان في المقطع رقم (3) بقوله: «ومع أنهم (أي المسلمين) لا يقرون بيسوع كإله، لكنهم يوقرونه باعتباره نبياً.
كما أنهم يكرمون أمه مريم العذراء، وأحياناً يستغيثون بها في تضرعهم. وبالإضافة إلى ذلك، فهم ينتظرون يوم الحساب والثواب من الله بعد بعث الأموات. وأخيراً إنهم يقدرون الحياة الأخلاقية، ويعبدون الله خاصة عن طريق الصلاة والزكاة والصوم».
ويضيف البابا بولس السادس: «وبما أنه حصلت على مر القرون حالات ليست بالقليلة من النزاع والقتال بين المسيحيين والمسلمين، فإن هذا السينودس (المجمع) المقدس يحث الجميع على نسيان الماضي والعمل بإخلاص من أجل التفاهم المتبادل، وحفظ وتعزيز مصلحة العدالة الاجتماعية والخير الأخلاقي والسلام والحرية من أجل جميع البشر» (32).
إن مثل هذا الإعلان الذي أصدره البابا بولس السادس لم يكن ليُلزم التوجهات السياسية لدول أوروبا المسيحية، وهو بالتأكيد لا يلزم لندن وواشنطن، ولا يلزم تل أبيب وحاخامات اليهود الذين عرفوا ما كتب في قرآن الإسلام من علوّ لإسرائيل في الأرض مرتين. وقد استعد جهاز الموساد (المخابرات الإسرائيلية) الذي زوّد قواتهم العسكرية وسلاحهم الجوي بأكثر التفاصيل أهمية عن القواعد الجوية في مصر وسورية والأردن، والأهداف الحيوية والاقتصادية المطلوب تدميرها.
وفي غفلة من الاستعداد العربي، وقد أخذت لغة العواطف تطوف على ألسنة الشارع العربي بضرورة تدمير إسرائيل، طلبت القيادة المصرية في شهر أيار 1967م من قوات الطوارئ الدولية الرحيل عن صحراء سيناء وقطاع غزة، وأغلقت مضائق تيران المؤدية إلى خليج العقبة، وذلك إثر توتر على الحدود الإسرائيلية - السورية.
ثم قاد جمال عبد الناصر مصر إلى تشكيل قيادة عسكرية لقيادة جيوش الأردن وسورية ومصر بقيادة الفريق علي علي عامر. إلا أن إسرائيل استبقت أي استعدادات عربية أخرى، فقام سلاح الجو الإسرائيلي في الخامس من حزيران 1967م بتدمير القواعد الجوية العربية، وخاصة في مصر التي كان سلاحها الجوي، بين مدمَّر وعاجز عن الطيران، في وضع لا يحسد عليه، وهو ما مهّد لقواتها البرية الاندفاع عبر صحراء سيناء لتدمير فرق الجيش المصري والاستيلاء على الضفة الشرقية لقناة السويس.
ابتهجت دوائر الغرب بنصر إسرائيل الكبير، وأُطلق على هذه الحرب «حرب الأيام الستة»، في إشارة إلى تفوق إسرائيل على كل جيرانها من العرب، فصارت هضبة الجولان السورية المهمة تعبوياً بيدهم، وكذلك الضفة الغربية من الأردن (33).
ويذكر كثير من المحللين، ومنهم علماء الدين، أن ما أنجزته إسرائيل من نصر على ثلاث دول عربية في غضون أسبوع واحد هو العلو الكبير الأول الذي ورد في القرآن الكريم: «وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً» (الإسراء: 4، 5).
وعليه فإن الفساد الأول كان قبل نزول الآيات الكريمة (أي قبل الإسلام)، حين دُمّرت الدولة اليهودية بعد انقسامها، مرة في الشمال عام (722 ق.م)، ومرة دولة يهوذا عام (586 ق.م) على يد نبوخذ نصر ملك بابل في جنوب العراق.
أما الفساد الثاني فكان عام 1948م عندما احتل اليهود أجزاء من فلسطين وأعلنوا قيام دولتهم. ونعتقد أن هذه الأراضي المقدسة هي التي أشارت إليها الخريطة المرسومة عام 1678م التي أرسلها الرئيس الأمريكي بوش الابن إلى صديقه أرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل عام 2002م، ولكن بدون أرض بابل في ذلك الوقت، وعليها الانتظار لقادم الأيام.
ساد اعتقاد كبير في دوائر صنع القرار في واشنطن وتل أبيب بأن إسرائيل، التي أصبحت أقوى من جيرانها العرب بانتصاراتها السابقة وسخاء واشنطن معها، لم تعد هدفاً ملائماً لأي هجوم عربي جديد (34).
الأمر الذي دفع الرئيس المصري أنور السادات إلى التخطيط للحرب بعد وقت قصير من توليه السلطة إثر وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970م. إلا أن الرئيس محمد أنور السادات، وهو يتذاكر مع الرئيس السوري حافظ الأسد في التهيؤ للحرب القادمة، كانت في نفسه تجربة مرّة، إذ سمع عام 1970م بسقوط اثنتي عشرة طائرة ميغ-21 سورية مقابل طائرة إسرائيلية واحدة في اشتباك جوي في سماء مدينة اللاذقية (مسقط رأس الرئيس السوري حافظ الأسد) (35).
وهو ما أخذه الرئيس محمد أنور السادات على السوفيت في عدم تجهيز العرب بمقاتلات متطورة، ولكن ليس قبل البحث مع القادة السوفيت، وبدا عليه أن ينذر الجيش المصري الذي تحرك في الرابع والعشرين والخامس والعشرين من شهر أيلول 1970م لاتخاذ مواضع دفاعية على ضفة قناة السويس الغربية.
أجزاء «الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) وما بعدها» (3 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث