الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

القضية الكوردية: نظرة تاريخية (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013

الأكراد شعب أصيل يعيش في المنطقة الكوردية التي عُرفت باسم كوردستان منذ آلاف السنين. وكما هو الحال مع المناطق الأخرى، فقد قُسّمت منطقة كوردستان وأعيد تقسيمها مرات عدة ضد رغبة أبنائها الأكراد، وأُخضع شعبها الكوردي للحكومات والدول التي حكمت المنطقة الكوردية من كوردستان. وكان آخر تقسيم لكوردستان ذلك الذي حصل عام 1923 نتيجة لمعاهدة لوزان (12-24 تموز 1923م)، التي قسّمت المنطقة على الشكل الذي نعيشه الآن. وأصبحت دولة العراق الحديث، التي وُضعت تحت الانتداب البريطاني، تتكون من ثلاث ولايات عثمانية هي: ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وولاية بغداد، وولاية البصرة. وكانت ولاية الموصل (كوردستان العراق)، بعد احتلال بريطانيا العراق في الحرب العالمية الأولى، قد قُسّمت إلى أربع محافظات (ألوية) هي: الموصل بأغلبية عربية عدا دهوك الكوردية، وأربيل والسليمانية وكركوك بأغلبية كوردية (1).

منذ بداية الاحتلال البريطاني للعراق أظهر أكراد السليمانية وأربيل رفضاً واضحاً له، لأسباب مختلفة. وكان السبب في البداية دينياً إسلامياً، إذ إن غالبية القيادات الكوردية العشائرية والقبلية، بل الشعب الكوردي بصورة عامة، كانوا متمسكين بالدين الإسلامي الحنيف، ولذلك لقيت الدعوة إلى الجهاد الإسلامي إلى جانب الدولة العثمانية المسلمة وضد المحتل الغربي استجابة كبيرة. ولما وجدت القيادات العشائرية الكوردية أن القوات العثمانية قد هُزمت، وأن النية متجهة إلى تأسيس دولة عراقية عربية وتقسيم الإمبراطورية العثمانية إلى دول، انتفض الأكراد مطالبين بدولتهم الكوردية كوردستان أسوة بالدول والشعوب الأخرى. ثم كانت هناك المحاولات الرافضة لتنامي قوة السلطة المركزية للدولة، والمحاولات التي مثّلت الاحتجاج الكوردي على عدم منح الأكراد حقوقهم السياسية والثقافية، واللغوية منها خاصة.

والأمر اللافت للنظر في تلك الفترة أنه في الوقت الذي حرصت فيه القيادات العراقية على التفاهم والتقارب مع الشعب الكوردي في كوردستان العراق، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الشعب العراقي مع احتفاظه بخصوصيته الكوردية، كانت الإدارة البريطانية تستخدم الورقة الكوردية في كوردستان العراق أداة للتأثير والضغط على الحكومات العراقية المتعاقبة، وإجبارها على توقيع المعاهدات والاتفاقات الطويلة الأمد مع بريطانيا التي تصب في مصلحة بريطانيا. وبعبارة أخرى، كانت الإدارة البريطانية تحرّض الأكراد من جهة، وعندما تحصل على ما تريد من الحكومة العراقية العربية كانت ترسل القوات المسلحة والقوة الجوية الملكية البريطانية لقصف المناطق الكوردية في كوردستان العراق، ونفي القيادات الكوردية إلى خارج كوردستان العراق أو إلى خارج العراق. وفي الحقيقة فإن الدور الأجنبي السيئ ظل يؤثر في الحركة القومية الكوردية في كوردستان بالأسلوب نفسه، وإن بطرق مختلفة، على طول مسيرة الحركة الكوردية.

عند بداية تشكيل الحكم الوطني في العراق (23 آب 1921) أصرّت الإدارة البريطانية على إبقاء مسألتين معلقتين: المسألة الأولى مصير ولاية الموصل (كوردستان العراق) والمطالبة التركية بها، والمسألة الثانية انضمام ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وهي تتكون من المحافظات (الألوية) الكوردية التالية: الموصل والسليمانية وأربيل وكركوك ودهوك، إلى الدولة العراقية العربية الجديدة بشكل كامل، تحت إدارة ملك عربي هو الملك فيصل الأول بن الشريف حسين. وظلت الإدارة البريطانية آنذاك تروّج أن النفوذ التركي كبير في كوردستان العراق (ولاية الموصل) ذات الأغلبية الكوردية، وأن رغبة الغالبية في ولاية الموصل هي الانضمام إلى الدولة التركية الحديثة، بينما بقي السبب الحقيقي غير المعلن متمثلاً في رفض القيادات الوطنية العراقية الفتية توقيع معاهدة طويلة الأمد مع بريطانيا.

حاول الملك فيصل الأول أن يتحقق من هذا الأمر، فأرسل وزير الداخلية آنذاك (رئيس الوزراء فيما بعد) عبد المحسن السعدون إلى السليمانية في 29 أيار/مايو 1923، فكتب إليه قائلاً: في اليوم الأول لزيارتي التقيت وجوه السليمانية وتجارها، الذين أخبروني بأنهم “مستعدون لحلف يمين الولاء لجلالتكم والانضمام إلى الدولة العراقية العربية الفتية، وإنهم مستعدون لإرسال المضبطات التي تؤيد ذلك (أي تأييد الملك وولايته على العراق والمناطق الكوردية من كوردستان العراق) إلى بغداد أسوة بالأجزاء الأخرى من العراق. واتفقنا على فعل ذلك في اليوم التالي”. كما أكد عبد المحسن السعدون، وزير الداخلية ثم رئيس وزراء العراق، للملك “أن الخطر التركي غير موجود في السليمانية”، وأن الغالبية العظمى ممن التقى بهم من أكراد السليمانية ترفض أن تكون كوردستان العراق جزءاً من الدولة التركية الحديثة التي عانوا منها الكثير. ثم يقول له: “ولما اجتمعنا في اليوم التالي رفض الجميع توقيع المضبطات، وقالوا بالحرف الواحد: بما أننا لا نزال لا نعرف كيف نميز بين الخير والشر، فإننا نوكل أمورنا إلى المندوب السامي البريطاني لكي يقرر لنا ما هو مفيد وصالح للشعب الكوردي في كوردستان العراق”.

المهم أنه بعد أن وافق مجلس النواب العراقي على المعاهدة العراقية – البريطانية بغالبية (37) عضواً ورفض (24) وامتناع (8) وتغيب الأغلبية الباقية، انضمت محافظة السليمانية إلى الدولة العراقية العربية، وصدر قرار من مجلس عصبة الأمم بحل مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق) المتنازع عليها مع تركيا بضمها إلى العراق العربي، علماً بأن غالبية سكان ولاية الموصل العثمانية، وهم من الأكراد، كانت قد صوّتت إلى جانب البقاء ضمن الدولة العراقية العربية الجديدة في الاستفتاء الذي أجرته اللجنة التابعة لعصبة الأمم، التي نظرت في النزاع بين العراق وتركيا حول هذه الولاية، على أن يحصل الأكراد على حقوقهم القومية (حق تقرير المصير) ضمن العراق دستورياً. وسُوّيت المشكلات الحدودية العراقية مع تركيا بصورة نهائية عام 1925 (خط بروكسل). وكان قد صدر قبل ذلك، عام 1922، بيان عراقي – بريطاني مشترك يعطي الأكراد الحق في تشكيل حكومة كوردية مستقلة لهم في كوردستان العراق، وأن يرسلوا من يمثلهم إلى بغداد، إلا أن هذا الاتفاق لم يُطبّق بسبب تقاطعه مع المصالح البريطانية في المنطقة في ذلك الوقت.

وبحلول عام 1930 طُرحت مسألة انضمام العراق إلى عصبة الأمم دولةً مستقلة، واستوجب الأمر توقيع معاهدة جديدة بين العراق وبريطانيا عام 1930، اعترضت المعارضة العراقية على بعض بنودها. وفي الوقت نفسه أثيرت اعتراضات كوردية كثيرة حول الحقوق الثقافية الكوردية في كوردستان العراق، وتصاعد الأمر حتى وصل إلى حد الانتفاضة الطلابية في السليمانية في 6 أيلول/سبتمبر 1930، وعاد الشيخ محمود الحفيد إلى الساحة ليعلن ثورة كوردية أخرى ضد ما وُصف بالإهمال الواضح للحقوق القومية والثقافية للشعب الكوردي، وعدم إدراج هذه الحقوق أو الضمانات الكوردية المطلوبة في طلب العراق الانضمام إلى عصبة الأمم. وبعد أن وُقّعت المعاهدة الجديدة بين بريطانيا والحكومة العراقية عام 1930، وانضم العراق إلى عصبة الأمم عام 1932، انطلقت طائرات القوة الجوية الملكية البريطانية لتفتك بمدينة السليمانية وبالمناطق الكوردية الأخرى في كوردستان العراق، وتُخمد ما أطلقت عليه “تمرداً كوردياً آخر”.

إن ما قيل أعلاه قد تكرر مرات ومرات في حقبة الحكم الملكي، ولا سيما في الفترة بين 1939 و1946، حين وقفت القيادات العسكرية والمدنية الوطنية العراقية ضد الدخول في الحرب العالمية الثانية إلى جانب بريطانيا، بل وصل الأمر إلى التمرد على القيادة والوجود البريطاني، وإلى الحرب الدامية التي جرت بين الجيش العراقي الفتي والقوات البريطانية في مايس 1941 (حركة رشيد عالي الكيلاني)، والتي انتهت باحتلال بريطانيا العراق مرة ثانية. لكن ذلك يجب ألا يُفهم منه أن الحركة الوطنية القومية الكوردية كانت تأتمر بالأوامر البريطانية، وأنها كانت تظهر فقط عندما تطلب بريطانيا منها ذلك، كما يحلو للبعض القول.

لقد كان الشعور الوطني الكوردي في العراق، شأنه شأن الشعور الوطني العربي، رافضاً للسياسة البريطانية، ورافضاً لتهميش دور الأحزاب الوطنية في العراق، ورافضاً لعدم فسح المجال للأحزاب المعارضة في المشاركة السياسية في حكم العراق. وإن تخفيف الضغط عن هذه الحركات في بعض الأحيان، أو زيادته في أحيان أخرى إلى حدود لا تطاق، كان يؤدي إلى إشعال فتيل ثورات شعبية ومسلحة لا يمكن الاستهانة بدوافعها الوطنية والقومية الصادقة. وإن القسوة التي مورست فيما بعد من قبل القوات البريطانية والحكومات العراقية المتعاقبة لدليل على التعارض الكبير بين قوة الاحتلال والحكومات العراقية المتعاقبة الموالية له من جهة، وهذه الحركات من جهة أخرى. علماً بأن الحركة الوطنية العراقية آنذاك، التي كانت ممثلة بالحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي وحركة الضباط الأحرار، كانت كلها حركات عمل فيها العرب والأكراد معاً دون تمييز أو تفريق بينهم.

من المعلوم أن كوردستان، وهي الأرض التي يسكنها الشعب الكوردي، مقسّمة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى بين أربعة بلدان هي، بحسب نسبة حصة كل منها: تركيا وإيران والعراق وسوريا، إضافة إلى وجود أقليات كوردية في أرمينيا وجورجيا وأذربيجان وتركمانستان وبعض البلدان الأخرى. ومن المعلوم أيضاً أن للشعب الكوردي في البلدان المذكورة مشكلات سياسية مع الأنظمة القائمة فيها، وهي مشكلات مطروحة منذ أمد بعيد بدرجات متفاوتة من الشدة والضعف، وتختلف في كل من هذه البلدان بسبب تطور الأحداث فيها وظروف الشعب الكوردي نفسه وتداخل العوامل الخارجية. ففي السنين الأولى التي أعقبت الحرب العالمية الأولى كانت المشكلة الكوردية في كوردستان مطروحة بحدة في كل من العراق وتركيا، وبدرجة أقل في إيران، بينما لم تكن لها معالم ظاهرة في سوريا.

وبالنسبة إلى العراق، فللمشكلة الكوردية جذور بعيدة. فقبل أن تؤسَّس الدولة العراقية المؤقتة في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 1920، وقبل أن يدخل الإنكليز منطقة السليمانية، وُجدت فيها إدارة محلية بقيادة الشيخ محمود الحفيد، تعامل معها الإنكليز حقيقةً قائمة واعترفوا بها، ثم اعتبروها (حكومة السليمانية الكوردية - كوردستان العراق) معادية فحاربوها، وأسروا الشيخ محمود الحفيد وسجنوه، ثم عادوا فأطلقوا سراحه وأعادوه حكمداراً أو ملكاً على كوردستان العراق، ليرتدّوا عنه ثانية ويقضوا على إدارته نهائياً. وفي منطقة بارزان وبهدينان عموماً كانت هناك انتفاضات وثورات كوردية ضد الدولة العثمانية، قاد بعضها شيوخ بارزان، ومنهم الشيخ أحمد البارزاني، وقاد غيرهم بعضها الآخر. وقد استمرت هذه الحركات الكوردية في كوردستان إلى ما بعد تأسيس الحكومة العراقية العربية الجديدة وتتويج الأمير فيصل ملكاً على العراق في 23 آب 1921، ولم تستطع الحكومة العراقية المرتبطة بالإنكليز القضاء عليها إلا في أواسط الأربعينيات، بعد انسحاب البارزانيين بقيادة الملا مصطفى البارزاني، الزعيم الثائر الكوردي، إلى كوردستان إيران، ومنها إلى الاتحاد السوفيتي.

وعلى الصعيد القانوني، كان قد وُضع حدٌّ للمشكلة الكوردية في كوردستان العراق باتفاق الإنكليز مع السلطات العراقية العربية على تلبية بعض الحقوق الثقافية والإدارية الكوردية، التي تجسد قسم منها في قانون اللغات المحلية. ولكن هذه الحقوق لم تجد طريقها إلى الواقع العملي بشكل تام يوماً ما، فقد أهملتها الحكومات العراقية المتعاقبة، وغضّ الإنكليز النظر عن الموضوع تماماً بعد أن استتبّت لهم الأمور في العراق. أما على المستوى السياسي فقد ظلت المشكلة الكوردية حية من خلال ظهور العديد من الأحزاب والجمعيات والمنظمات السياسية والثقافية الكوردية السرية في كوردستان العراق وفي أوساط الشعب الكوردي، للتبشير بحقوق هذا الشعب والمطالبة بها. وكانت هذه الأحزاب الكوردية تعمل في بغداد وكوردستان العراق على السواء، وكان أهمها الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وقبله حزب هيوا (أي الأمل)، إضافة إلى الأحزاب الماركسية المتعددة التي رفعت راية المطالبة بحقوق الشعب الكوردي إلى حد استقلال كوردستان العراق.

وبعد ثورة 14 تموز 1958 وجدت السلطات العراقية الجديدة أن من الضروري الإشارة في برامجها إلى القضية الكوردية، فاعتُرف في أول دستور مؤقت للعراق الجمهوري بأن العرب والكورد شركاء في هذا الوطن. وجرى الاعتراف الفعلي بمشروعية القضية الكوردية والثورات الكوردية من خلال إعادة الاعتبار إلى الضباط الأربعة المشتركين في ثورة بارزان، الذين أعدمتهم السلطات العراقية في صيف 1947، وإلى سائر الذين سُجنوا لاشتراكهم في الثورات الكوردية، وبإعادة الملا مصطفى البارزاني والبارزانيين معززين مكرمين إلى العراق، وإعمار منطقتهم في كوردستان العراق، وتخصيص رواتب ومساعدات لهم، وتعيين المؤهلين منهم في الوظائف الحكومية. كما صدرت الصحف والمجلات الكوردية، واعتُرف قانونياً بالحزب الديمقراطي الكوردستاني وبالمنظمات والاتحادات الثقافية الكوردية، وتم تأسيس مديرية عامة للتراث الكوردي، وفُتح قسم كوردي في كلية الآداب بجامعة بغداد، وأُعطيت الإذاعة الكوردية أهمية أكبر بكثير من ذي قبل.

إلا أن الأمور لم تظل جارية على هذا المنوال حتى النهاية، فقد اتخذت سلطات ثورة 14 تموز 1958 سمة دكتاتورية عسكرية فردية، وأطلقت اليد للعناصر الرجعية المرتبطة بالعهد الملكي المباد، ومن خلاله بالاستعمار الأنكلو أمريكي، للتضييق على الديمقراطية ومحاربة مختلف القوى السياسية. وقد كان نصيب الشعب الكوردي من هذه الإجراءات التعسفية كبيراً. كما كانت الأوساط الإيرانية الرجعية الحاكمة، المرتبطة بالاستعمار العالمي بقيادة الاستعمار الأمريكي، تجد مصلحتها في تعميق التناقضات القائمة في المجتمع العراقي والهوة الموجودة بين القوى السياسية، وبالأخص بين الشعب الكوردي وسلطات ثورة 14 تموز 1958. وقد وجدت هذه الأوساط في تصرفات السلطة الدكتاتورية (عبد الكريم قاسم) مجالاً رحباً للتغلغل في الوسط الكوردي، ودفع الأوساط السياسية الكوردية أكثر فأكثر إلى مصادمة السلطة في بغداد، التي لم تكن تفهم المصالح الوطنية العليا ولا تقدّرها التقدير الصحيح، ولم تكن تجد الطريق السليم لمعالجة مشكلات البلاد بالاعتماد على الشعب العراقي وقواه السياسية الوطنية.

حتى تطور الأمر أخيراً إلى حدوث انتفاضة مسلحة ووقوع مصادمات بين الثوار الكورد والقوات العسكرية الحكومية، فتكونت فصائل كوردية مسلحة (البيشمركة) كان قوامها في البداية من العناصر الإقطاعية المتضررة من قانون الإصلاح الزراعي ومن انتفاضات الفلاحين المساندين له، المكتوين على مرّ القرون بنار النظام الإقطاعي. ومن الجانب العراقي، واستناداً إلى سياسة السلطة الدكتاتورية، قامت العناصر الرجعية في الجيش بالإغارة على قرى الفلاحين وتدمير بيوتهم ومزارعهم، مما اضطر الكثيرين من هؤلاء الكورد إلى الالتحاق بالثورة الكوردية وتوسيع مداها.

وكان العديد من العناصر الرجعية، المتضررة أو الخائفة بفعل الصراع الاجتماعي الذي برز إلى الوجود بعد الثورة العراقية في 14 تموز 1958، قد وجدوا طريقهم إلى داخل الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بل احتلوا مواقع بارزة فيه، فبات يتشكل بصورة أوضح من ذي قبل من جناحين: يميني يمثل الفئات الرجعية، ووطني يمثل العناصر القومية المؤمنة بوحدة نضال الشعب العراقي بعربه وكورده وأقلياته. أقول: وجد هذا الحزب نفسه في خضم الحدث الجديد، ورأى أن قيادة الطموحات السياسية للشعب الكوردي ستخرج من يديه وستقع لا محالة في أيدي العناصر الإقطاعية والرجعية إن لم يبادر إلى أخذ زمام الأمر بيديه، فتدخل في الموضوع، وسرعان ما استطاع السيطرة على مجريات الأمور، ولا سيما بعد الإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم في 8 شباط 1963، حين وجد العديد من العناصر الكوردية أن غاية مهمة من غاياتهم قد تحققت بزوال عبد الكريم قاسم، وتصوروا أن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه قبل 14 تموز 1958، فتركوا تمردهم والتحقوا بالحكومة العراقية الجديدة. وهكذا أتيح للقيادة الحزبية التقليدية للحزب الديمقراطي الكوردستاني أن تأخذ زمام الحركة بيدها.

وفي سنوات الثورة الكوردية المسلحة في عهد عبد الكريم قاسم قامت العناصر والأحزاب الوطنية العراقية بنشاط كبير من أجل إحلال السلم في كوردستان العراق، وإجبار النظام العراقي على التخلي عن النهج العسكري والاعتراف للشعب الكوردي بحقوقه القومية، ولكن تلك النضالات كلها ظلت دون نتيجة إيجابية، بسبب سياسة السلطة العراقية من جهة، وموقف اللامبالاة إزاءها من قبل قيادات الثورة الكوردية المسلحة من جهة أخرى.

ومع أن السلطات التي قامت على أنقاض حكومة عبد الكريم قاسم في 8 شباط 1963 طرحت مشروع اللامركزية، ودخلت في مفاوضات مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني لإنهاء القضية الكوردية، فإن القتال سرعان ما استؤنف في حزيران 1963 بضراوة أشد لتباعد مواقف الطرفين المتصارعين، وظل مستمراً إلى ما بعد انقلاب 18 تشرين الثاني 1963 الذي أتى بعبد السلام عارف وجماعته إلى الحكم، فتوقف القتال من جديد وصدر بيان بذلك في أوائل عام 1964. وعلى إثره انشق الحزب الديمقراطي الكوردستاني على نفسه إلى جناحين: أحدهما بقيادة الزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني، والآخر بقيادة المحامي إبراهيم أحمد وصهره جلال الطالباني. غير أن بيان شباط 1964 لم يدم هو الآخر ولم تُنفّذ بنوده تماماً، إذ سرعان ما استؤنف القتال مجدداً في حزيران 1965، ووقعت معارك ومصادمات عديدة وجد الطرفان على إثرها أن السلم أولى وأفضل، فتم التوصل إلى اتفاقية 29 حزيران 1966 بين حكومة الدكتور عبد الرحمن البزاز وقيادة الملا مصطفى البارزاني. ونُفّذ بعض بنود الاتفاقية، فصدرت جريدة التآخي في بغداد، وأُطلق سراح سجناء الحركة الكوردية، وأعيد مفصولوها إلى العمل، إلا أن جوهر القضية، وهو المسألة القومية الكوردية، ظل بعيداً عن المساس به، وأعتقد أن السبب هو خروج الدكتور عبد الرحمن البزاز من رئاسة الوزراء. فعاد القتال مجدداً بعد حين، ليستمر حتى صدور بيان الحادي عشر من آذار 1970.


أجزاء «القضية الكوردية: نظرة تاريخية» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث

الجزء الثاني ←