الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

القضية الكوردية: نظرة تاريخية (الجزء الثالث)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013

الدولة العراقية العربية الجديدة (23 آب 1921) وردود الفعل الكوردية في كوردستان العراق

كان استحداث دولة العراق الجديد حصيلة الاتفاق المعروف باتفاق سايكس – بيكو – سازانوف (20). وفي البدء استقرت نية بريطانيا على الاحتفاظ بولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية، التي كانت منطقة كوردستان العراق برمتها تقع ضمن حدودها، بما فيها منطقة كركوك الكوردية الغنية بآبار النفط. وكان تمزق الإمبراطورية العثمانية بسبب هزيمتها الساحقة في الحرب العالمية الأولى قد أتاح للبريطانيين الاستيلاء على ولايتي البصرة وبغداد، على أن ضم ولاية الموصل بأغلبيتها الكوردية (كوردستان العراق) لتكون جزءاً من دولة العراق العربي الجديد لم يتقرر إلا بسبب وجود النفط فيها. لكن البريطانيين لم يتمّوا احتلال ولاية الموصل (كوردستان العراق) (21) إلا بعد توقيع اتفاقية الهدنة في مودروس (Mudros) في الثلاثين من تشرين الأول/أكتوبر 1918م. والواقع أنه لم يكن احتلالاً كاملاً، لأن الحركة القومية الكوردية التي كان يتزعمها الشيخ محمود الحفيد ظلت تحتفظ بالسليمانية وأطرافها ردحاً من الزمن. وقد تولى الجيش البريطاني عام 1919 القضاء على حركة الشيخ محمود الحفيد إلى حين، وألحق إدارة منطقة السليمانية بالمندوب السامي البريطاني مباشرة. وقد عبّرت هذه الحركة الكوردية عن رفض الكورد الخضوع للترك مرة أخرى، أو الانضواء تحت لواء دولة جديدة هي العراق العربي، بديلاً عن الاستقلال الذاتي لكوردستان العراق الذي كانوا يطمحون إليه جزءاً من حقهم في تقرير المصير.

وفي مجرى عملية تشكيل الدولة العراقية العربية الجديدة (23 آب 1921) دعا البريطانيون الأمير فيصل، وهو الملك الهاشمي السابق الذي تولى عرش سورية ثم طرده الفرنسيون من دمشق في تموز/يوليو 1920، ليكون ملكاً على عرش العراق العربي.

افترضت المادة 64 من معاهدة سيفر (10 آب 1920م) اتحاداً طوعياً لسكان ولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأكثرية الكوردية، لذلك كان على البريطانيين في حينه أن يجروا استفتاء لمعرفة رأي أهل البلاد الكوردية المعنيين. وقد قاطع الكورد في كوردستان العراق أولاً الاستفتاء الذي جرى في ولاية الموصل على أساس منح حق التصويت لمالكي العقارات وذوي المقدرة المالية، إذ كانوا يعتقدون أنه استفتاء صوري مزيف لا يعكس الرأي العام الحقيقي للشعب الكوردي في كوردستان العراق، وإنما لجأ إليه البريطانيون ذريعةً لفرض هيمنتهم. ثم أجروا استفتاءً صورياً ثانياً مثله ليفضي إلى تنصيب الأمير فيصل ملكاً على سائر العراق. وقد أدرك الملك فيصل، حال تسلمه منصبه، أن الحاجة تدعو إلى توطيد حكمه فعلياً، وذلك بضم ولاية الموصل (كوردستان العراق)، التي كانت بريطانيا آنذاك تحكمها حكماً مباشراً، إلى العراق العربي، ولم تكن هناك حدود عراقية كوردية معروفة. ولا سيما أن الملك كان سني المذهب في حين أن معظم رعاياه في ولايتي البصرة وبغداد على المذهب الشيعي، فكان ضم ولاية الموصل ذات الأكثرية الكوردية السنية المذهب إلى العراق العربي ضرورياً لإحلال نوع من الموازنة الطائفية.

أدى ترسيخ سلطة مصطفى كمال أتاتورك العسكرية في تركيا الحديثة عام 1922 إلى إثارة تركيا قضية عائدية ولاية الموصل (كوردستان العراق) على بساط البحث مجدداً، وبدأت حملة تحريض وإثارة للاضطرابات في كوردستان العراق، إلى جانب تحركات عسكرية أرغمت القوات البريطانية في النتيجة على الانسحاب من مدينة السليمانية في أيلول/سبتمبر 1922. واستخدم البريطانيون لوقف الزحف التركي الشيخ محمود الحفيد، وكان الزعيم الكوردي الوحيد صاحب النفوذ الكافي للإمساك بزمام الحال والتصدي للتهديدات التركية، فضلاً عن اختزال نفقات قد تتكبدها بريطانيا جراء حملة عسكرية تهدف إلى استعادة ما استولى عليه الأتراك في كوردستان العراق.

بادر الشيخ محمود الحفيد فور عودته إلى السليمانية في تشرين الأول/أكتوبر 1922 إلى تشكيل حكومة كوردية في كوردستان العراق (السليمانية)، وأعلن نفسه حكمداراً (حاكماً) لكوردستان (22)، وشكّل إدارة بسيطة، وأصدر جريدة كوردية باسم (روزي كوردستان) أي (يوم كوردستان) (23).

هذه الإجراءات الكوردية التي اتخذها الشيخ محمود الحفيد في كوردستان العراق أفزعت البريطانيين واستفزتهم، وأدت إلى تردّي العلاقات بين الطرفين، فحاول الشيخ محمود الحفيد استثمار لعبة استعداء القوتين المتنازعتين إحداهما على الأخرى تعزيزاً لمركزه.

في ذلك الحين كان الجانب البريطاني جاداً في تنفيذ منطوق التصريح العراقي – البريطاني المشترك الصادر في 22 كانون الأول/ديسمبر 1922، الذي اعترف بحق الشعب الكوردي في حكم محلي كوردي في كوردستان العراق ضمن إطار الدولة العراقية العربية الجديدة. ولأهمية هذا التصريح ننقل فيما يلي نصه: “تعترف حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومة العراقية بحق الكورد الذين يعيشون داخل حدود العراق (ولاية الموصل/كوردستان العراق) في إقامة حكومة كوردية ضمن هذه الحدود، وتأمل الحكومتان أن العناصر الكوردية المختلفة ستتوصل بأسرع ما يمكن إلى اتفاق فيما بينها حول شكل الحكومة الكوردية التي ترغب في إقامتها، وحول الحدود التي ترغب أن تمتد إليها ضمن المنطقة الجغرافية الكوردية في كوردستان العراق، وأن يرسلوا ممثلين ذوي صلاحيات إلى بغداد للمداولة في العلاقات الاقتصادية والسياسية مع حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومة العراقية العربية”.

أدى فشل مؤتمر لوزان الأول في شباط/فبراير 1923 بالبريطانيين إلى تغيير سياستهم، فاتهموا الشيخ محمود الحفيد بإثارة الفتن والقلاقل وبإقامة علاقات مع الشيعة الثائرين في الجنوب (ثورة العشرين)، وسيّروا حملة ضده، فانسحب من السليمانية في الرابع من آذار/مارس 1923 واعتصم في جبال كوردستان مع فئات من أتباعه مواصلاً النضال الكوردي. وشن البريطانيون هجوماً بغية الحيلولة دون اتصال الشيخ محمود الحفيد بالترك، الذين كانوا قد انسحبوا من راوندوز من غير قتال، وأُرغم الشيخ محمود الحفيد بعد هذا على اللجوء إلى كوردستان إيران.

بعد التوقيع على معاهدة لوزان في 24 تموز/يوليو 1923، ووفقاً لإحدى موادها، أرسل مجلس عصبة الأمم لجنة تحقيق دولية (لجنة تقصي الحقائق الأممية) (24) إلى ولاية الموصل ذات الأكثرية الكوردية (كوردستان العراق). وبقيت اللجنة فترة استغرقت ثلاثة أشهر، أي من كانون الأول/ديسمبر حتى آذار/مارس 1925، وقد أكدت لجنة التحقيق الدولية في نتائج تحقيقها سيادة اللغة الكوردية والهوية الكوردية لسكان ولاية الموصل (كوردستان العراق) بصورة لا يتطرق إليها شك.

وأخيراً، صدر قرار مجلس عصبة الأمم في 16 كانون الثاني/يناير 1926 لصالح ضم ولاية الموصل ذات الأكثرية الكوردية (كوردستان العراق) إلى العراق العربي الجديد، وتثبيت خط الحدود الدولية بين تركيا ودولة العراق المستحدثة، وهو الخط المعروف بـ«خط بروكسل». وجاء في توصيات لجنة تقصي الحقائق الأممية بخصوص شكل الإدارة في هذا الإقليم الكوردي (كوردستان العراق) ما مفاده نوع من الحكم المحلي (الذاتي) والإقرار بحقوق القومية الكوردية فيه (25).

إن التطبيق العملي الوحيد لهذه التوصيات كان مجرد إصدار حكومة بغداد قانون اللغات المحلية عام 1926، الذي أتاح للكورد القاطنين في ألوية السليمانية وأربيل وكركوك الدراسة الابتدائية باللغة الكوردية وطبع الكتب الدراسية الخاصة بهم باللغة الكوردية.

في عام 1925 شنت الحكومة العراقية حملة ضد اللاجئين الكورد من أتباع الشيخ محمود الحفيد في كوردستان إيران لدى القبائل الكوردية الصديقة هناك، وفي عام 1926 جرت عمليات مشابهة بالتعاون مع قوات إيرانية كان مآلها الفشل الذريع.

وأغار سلاح الجو الملكي البريطاني (RAF) للمرة الثانية على مواقع الشيخ محمود الحفيد ليرغمه على التفاوض مع الموفد البريطاني السير كيناهان كورنواليس (Sir Kinahan Cornwallis) في خريف عام 1926، إلا أن المفاوضات لم تسفر عن أي اتفاق (26).

رفضت كوردستان العراق منذ البداية الخضوع لإدارة عربية الصبغة، رغم وعود الحكومة العراقية بجعل اللغة الكوردية لغة رسمية وتعيين موظفين كورد لإدارة المنطقة الكوردية (ولاية الموصل/كوردستان العراق). ومع هذا انبثقت عدة جمعيات ثقافية كوردية في العامين 1926-1927، وحققت نجاحاً وإقبالاً يُعزى بالدرجة الأولى إلى اتجاهها السياسي الكوردي المتزايد.

أما المعاهدة البريطانية – العراقية التي أُبرمت عام 1930، وحددت فيها الحكومة البريطانية أجلاً لإنهاء انتدابها على العراق، فلم تُشر بشيء إلى الحقوق القومية الكوردية، الأمر الذي دعا وجهاء مدينة السليمانية إلى رفع مذكرات إلى عصبة الأمم تطالب بتنفيذ قرار مجلس العصبة المؤرخ في كانون الثاني/يناير 1926. وفي السادس من أيلول/سبتمبر 1930 اشتد التوتر واندلعت تظاهرات كوردية كبيرة في السليمانية، فتح الجنود فيها النار على المتجمهرين الكورد فسقط بضع عشرات من القتلى. واستغلت الحكومة العراقية أحداث الشغب فاعتمدت خطة لاعتقال القوميين الكورد. ورأى الشيخ محمود الحفيد أن يواصل الضغط على عصبة الأمم دبلوماسياً بتنظيم حملة عرائض، رافقتها حملة لاحتلال قصبة بنجوين، ولكن لم يسعفه الحظ فرُدّ على أعقابه.

لم تبدأ عمليات القمع الحكومي إلا بعد أن رفض مجلس عصبة الأمم النظر في الشكاوى الكوردية. وفي نيسان/أبريل 1931 مُنيت قوات الشيخ محمود الحفيد بهزيمة كبيرة، فاضطر إلى عبور الحدود إلى كوردستان إيران، ثم ما لبث أن سلّم نفسه مرغماً لحكومة بغداد، التي أبعدته إلى مدينة الناصرية ووضعته تحت الإقامة الجبرية في داره، ثم نقلته بعد فترة إلى بغداد.

الكورد في العصر الحديث

بعد اندحار الأتراك في فيينا عام 1683 وجّهوا اهتمامهم إلى حدودهم الشرقية، فشرعوا يتدخلون تدريجياً في شؤون المشيخات والإمارات الكوردية في كوردستان العثمانية. وما إن حلّت سنة 1830 حتى أخذوا يقيمون مراكز عسكرية حقيقية في كوردستان، الأمر الذي أدى إلى إثارة مقاومة خاصة لدى الكورد، ما لبثت أن اشتدت عنفاً وتجلّت في انتفاضاتهم وثوراتهم الهادفة إلى نيل استقلال كوردستان، وظلت تلك الانتفاضات والثورات الكوردية تتعاقب حتى نهاية القرن التاسع عشر.

وكان من أشجع من قاتلوا الأتراك الأمير محمد باشا، الملقب بـ”ميري رواندوز”، الذي استنفر قواته وأنشأ في رواندوز صناعة للأسلحة، كالخناجر والبنادق بل حتى المدافع، فصُنع نيّف ومئتا مدفع ما يزال عدد منها محفوظاً في رواندوز وفي متحف بغداد (27). وقد جنّد الأمير محمد باشا جيشاً يزيد تعداده على ثلاثين ألف رجل، ثم أعلن استقلال البلاد (كوردستان) عام 1826. وكان هذا الرجل باسلاً، أحرز عدداً من الانتصارات المرموقة في غضون فترة وجيزة جداً، فاحتل أقاليم مثل الموصل وماردين وجزيرة ابن عمر، وامتدت سيطرته من بغداد حتى الحدود العراقية السورية والعراقية الإيرانية القائمة في الوقت الحاضر. وأقام أمير رواندوز الصلة مع إبراهيم باشا، ابن خديوي مصر محمد علي باشا ذي الأصل الكوردي، الذي كان يحارب الأتراك، وذلك بغية القيام بعمليات مشتركة ضد الإمبراطورية العثمانية. ولما علم السلطان العثماني بذلك أرسل جيشاً جراراً لمحاربة محمد باشا أمير رواندوز، بيد أن تلك الحملة لم تجد قتالاً، إذ ما لبث أمير رواندوز أن استسلم من تلقاء نفسه للسلطان العثماني وسافر إلى القسطنطينية، وذلك نتيجة لتأثير عالم ديني (ملا) رأى أن في محاربة الخليفة العثماني المسلم إثماً كبيراً. وأثناء عودته اغتيل أمير رواندوز محمد باشا غدراً على يد مرتزقة أتراك في طرابزون.

وتزعّم بدرخان، أمير الجزيرة الكوردية (بوتان)، حركة المقاومة القوية التالية. وبحلول عام 1842 كان قد أنشأ وحدة إقليمية تضم كل المنطقة الكوردية الواقعة بين بحيرتي وان وأورمية شمالاً، والموصل ورواندوز جنوباً. غير أن الأتراك أفلحوا في إثارة السكان المسيحيين ضده، فامتنعوا عن تأدية الضرائب له، فعاقبهم بدرخان على ذلك عقاباً شديداً. وحينذاك قدمت بريطانيا وفرنسا طلباً ملحاً إلى السلطان العثماني تدعوانه فيه إلى حماية أرواح المسيحيين. وبعد ذلك تعرض بدرخان للهزيمة والأسر نتيجة لخيانة أحد أقربائه، ابن عمه يزدانشير.

وكانت أعظم الانتفاضات الكوردية في هذه الفترة تلك التي اندلعت أثناء الحرب الروسية التركية (1853 – 1856) تحت قيادة البطل الوطني يزدانشير ابن عم بدرخان. وقد اندلعت الانتفاضة في منطقتي هكاري وبوتان من كوردستان تركيا ثم انتشرت على عجل، وما إن مضى وقت قصير حتى استطاع يزدانشير أن يحرر كل المنطقة الكوردية من كوردستان الممتدة بين بحيرة وان وبغداد. ومن أبرز خصائص تلك الانتفاضة الكوردية التي قادها يزدانشير أن السكان المسيحيين قدموا لها العون النشيط وأسهموا في القتال. “وما إن حلّ كانون الثاني 1855 حتى بلغ تعداد قوات يزدانشير ثلاثين ألفاً، ثم ارتفع في شباط إلى ستين ألفاً، ثم بلغ بعدئذ مئة ألف، من بينهم يونانيون وعرب” (28). وحاول يزدانشير أن يتعاون مع الجيش الروسي في محاربة الأتراك، إلا أنه لسوء الحظ لم يفلح.

ودامت انتفاضة يزدانشير عامين، ثم إن بريطانيا، التي أرسلت قواتها لمعاونة تركيا، أفلحت عن طريق مبعوثها نمرود رسام، القنصل البريطاني في الموصل، في إقناع يزدانشير بالتصالح مع السلطان العثماني. وقد ركن يزدانشير هو الآخر إلى الوعود التي قُطعت له واقتنع بها، فسافر إلى القسطنطينية، وهكذا انتهت الانتفاضة والثورة الكوردية. إلا أنها تركت آثاراً عميقة في المراحل التالية لنضال الشعب الكوردي، وما فتئ اسم يزدانشير يُردَّد بالتمجيد في الفولكلور الكوردي حتى يومنا هذا.

والانتفاضة الكوردية المهمة الأخرى هي تلك التي قادها الشيخ عبيد الله الشمزيناني، وقد اندلعت عام 1880. وقد أفاد الشيخ عبيد الله الشمزيناني من سلطته فوحّد القبائل الكوردية، وحرر كل المنطقة الواقعة حول بحيرة وان، وكان يدرك كل الإدراك أنه لن يفلح في الوصول إلى غايته دون توحيد الكورد، وفي الوقت ذاته اتبع سياسة ودية تجاه الأقليات القومية. فحين أشير عليه عام 1885 أن يُعمل في السكان المسيحيين تقتيلاً أجاب قائلاً: “إن الأتراك يريدون أن يضربوا بنا المسيحيين، وحين يُقضى على المسيحيين سيوجه الأتراك اضطهادهم إلينا” (29).

وفي هذه المرة أيضاً أدى عملاء المستعمرين البريطانيين دورهم المشؤوم. وقد قال الشيخ عبيد الله الشمزيناني في خطبة ألقاها في ناوتشيا، مشيراً إلى القنصل البريطاني في وان: “… لم أُعِر كلمات الأجنبي اهتماماً. فرأيي أننا، وقد تعرّض زعماء الكورد لمهاجمة الحكومة الإيرانية، لا يسعنا أن نفوّت هذه الفرصة التي سنحت لنا لانتزاع كل المناطق الكوردية التي يقطنها الكورد في كوردستان إيران وكوردستان تركيا، فنضعها تحت حكمنا وننشئ إمارة كوردية مستقلة في كوردستان” (30).

ويجدر بالذكر أن الحكومتين الإيرانية والتركية، بعد أن علمتا بنوايا الشيخ عبيد الله الشمزيناني، تعاونتا على إخماد هذه الانتفاضة الكوردية المهمة في كوردستان بقواتهما المشتركة.

وعقب هذه الانتفاضة أخذ الباب العالي ينتهج سياسة أكثر “مرونة” تجاه الكورد، فأُسّست عام 1892 مدارس للقبائل الكوردية عُرفت بـ”عشيرت مكتبلري”، تهدف إلى تدريب جنود المستقبل في كتائب الميليشيا الكوردية التي سميت بالحميدية، نسبة إلى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني الذي كان يحكم آنذاك. وكان الأتراك العثمانيون بحاجة إلى تلك الكتائب الحميدية الكوردية في حربهم مع روسيا، إلا أنهم استخدموها في إبادة الأرمن. ولم تؤدِّ الكتائب الحميدية دوراً مهماً في الحرب نفسها، إلا أن الكورد ظلوا إلى جانب الأتراك لوجود هذه الكتائب. لكن العثمانيين الأتراك لم يثقوا بالكتائب الحميدية الكوردية، فقد نص النظام الصادر عام 1895 على أنه: “يُمنع أفراد الكتائب الحميدية من ارتداء البزات العسكرية وحمل السلاح خارج فترات التدريب. وفي خارج فترات التدريب يمكن استدعاء أفراد الكتائب إلى المحاكم الاعتيادية” (31).

المصادر

  1. أعدّ الورقة الأولية الدكتور سعد ناجي جواد، وناقشتها لجنة مؤلفة من الإخوة (حسب التسلسل الأبجدي): د. خليل الحديثي، د. خير الدين حسيب، د. سعد ناجي جواد، د. عبد الحسين شعبان، د. وميض نظمي، وأدخلت تعديلات عليها، فأصبحت بهذا الشكل النهائي بموافقة إجماعية. كما نوقشت في الندوة موضوع الكتاب، وقد تُرجم كثير من الأفكار الواردة في هذه الدراسة إلى نصوص قانونية في مشروع الدستور البديل المنشور في كتاب برنامج لمستقبل العراق بعد إنهاء الاحتلال، ص259-277.

  2. مانديلستام، حماية الأقليات، نشرة أكاديمية القانون الدولي، 1925 (باللغة الفرنسية).

  3. راجع مقالة آرشي روزفلت بعنوان “الجمهورية الكوردية في مهاباد” المنشورة في مجلة الشرق الأوسط، عدد نيسان/أبريل 1947.

  4. جريدة لوموند الباريسية، عدد 8 أيار/مايو 1946.

  5. راجع روندو في مجلة أرض الإسلام، القسم الثاني، 1946 (باللغة الفرنسية).

  6. مجلة الإيكونوميست، حقل الشرق الأوسط، عدد 3 آب/أغسطس 1946.

  7. راجع المقال عن الكورد في الجزء الرابع من القاموس الدبلوماسي المنشور من قبل الأكاديمية الدبلوماسية الدولية (باللغة الفرنسية).

  8. لمن يبغي مزيداً من الاطلاع على وضع الكورد السيئ في كوردستان تركيا، يراجع مؤلَّف الكاتب التركي إسماعيل بيشكجي بعنوان: كوردستان مستعمرة دولية، المترجم إلى العربية من قبل زهير عبد الملك، دار APEC للطباعة والنشر، السويد، 1998، مع تعليق على الكتاب في جريدة الحياة ليوم 4/7/1999 (المترجم).

  9. ويليام تومسون، القومية والإسلام، معهد الشرق الأوسط، واشنطن 1925.

  10. جريدة “نيويورك تايمز”، العدد الصادر بتاريخ 7 تموز/يوليو 1954.

  11. في عام 1947 (المترجم).

  12. في عام 1925 قدّر مسؤولو عصبة الأمم عن طريق المقارنة عدد الأكراد في العالم بخمسة ملايين نسمة، يعيش نصفهم في تركيا، ومليون ونصف في إيران، وسبعمائة وخمسون ألفاً في العراق، وخمسمائة ألف في سوريا. وبعد عشرين سنة تقريباً قدّم بعض الشخصيات الكوردية “خارطتهم” إلى مؤتمر سان فرانسيسكو، وقالوا إن عددهم بلغ عشرة ملايين نسمة. لكن المؤرخ ويليام لين ويسترمان، الذي تعامل بحذر مع هذه المسألة، نشر دراسة عن الأكراد في العدد الرابع والعشرين من مجلة Foreign Affairs الأمريكية الصادر في تموز/يوليو 1946، قدّر فيها عدد الأكراد بخمسة ملايين وأربعمائة وتسعة عشر ألفاً فقط، يعيشون في كوردستان كل من إيران وتركيا، أما في كوردستان العراق فقد قدّرهم بسبعمائة ألف وأربعمائة وتسعة عشر، وفي الاتحاد السوفيتي بـ125 ألفاً، وفي كوردستان سوريا بـ200 ألف. وفي عام 1970 قدّر مارتن فان بروينسن، وهو أحد المراجع الموثوقة في الشؤون الكوردية، عدد الأكراد بـ9.5 مليون نسمة في كوردستان تركيا، وما بين 5 – 6 ملايين في كوردستان إيران، وما بين 3 – 4 ملايين في كوردستان العراق، ومليون في كوردستان سوريا، وما بين ستين ومائة ألف في الاتحاد السوفيتي. وفي عام 1992 قدّر ديفيد ماكدول في كتابه: The Kurds, A Nation Denied, Minority Rights Publications, London, p. 10، عدد الكورد في العالم بما بين 30 – 35 مليون نسمة تقريباً: يعيش 12.8 مليون منهم في كوردستان تركيا، ويمثلون حوالي 19% من إجمالي سكان تركيا المقدّر بحوالي 57 مليون نسمة، و5 ملايين منهم في كوردستان العراق، أي ما يعادل 23% من إجمالي عدد سكانه المقدّر بحوالي 18 مليون شخص، و7 ملايين منهم في كوردستان إيران، حيث يمثلون 12% من إجمالي عدد سكانها المقدّر بـ55 مليون نسمة، ومليون منهم في كوردستان سوريا، حيث يمثلون 10% من إجمالي عدد سكانها المقدّر بـ12.5 مليون نسمة، ونصف مليون منهم في الاتحاد السوفيتي السابق، وسبعمائة ألف في أوربا الغربية وأمريكا الشمالية.

  13. على إثر معركة جالديران عام 1514 اتبع السلطان العثماني المنتصر سليم ياووز (أي الصارم) إزاء الكورد سياسة تسامح اختلفت تماماً عن النهج الذي سلكه الشاه الفارسي إسماعيل الصفوي، فيُذكر مثلاً أن الأخير زجّ في السجن زعماء الكورد الذين جاؤوه مؤكدين له ولاءهم، ولم يكتفِ بذلك بل فرض عليهم حكاماً أذريين من الشيعة (راجع مينورسكي، مادة الكورد في دائرة المعارف الإسلامية)، في حين أبدى السلطان العثماني قسطاً وافراً من التسامح وبعد النظر في تعامله مع الكورد، وأناط برجل الدولة القدير إدريس البدليسي مسألة تنظيم أمور كوردستان المحلية وقضية تمثيلها في النظام العثماني. انظر: أمين زكي، تاريخ الكورد وكوردستان (القاهرة، 1939)، ص184 - 189.

  14. Hassan Arfa: The Kurds: A Historical and Political Study (London: Oxford University Press 1966), P. 34. حسن أرفع، الكورد، دراسة تاريخية وسياسية (لندن، مطبعة جامعة أكسفورد، 1966) ص 34. كذلك انظر: Robert Olson: The Emergence of Kurdish Nationalism and the Sheikh Said Rebellion, 1880 – 1925 (Austin: University of Texas Press) PP. 1 – 7, 13؛ Wilson, Sir Arnold, A Clash of Loyalties, Vol. One 1914/1917 (London 1931) PP 158 – 160. السير أرنولد ويلسن، تصادم الولاءات (لندن، 1931)، ص 158 - 160.

  15. Derek Kinnane, The Kurds and Kurdistan (London: Oxford University Press, 1964), p 14. ديريك كينان، الكورد وكوردستان (لندن: مطبعة جامعة أكسفورد، 1964) ص 14. كذلك انظر: جليلي جليل، انتفاضة الأكراد 1880 (موسكو، 1966). وانظر أيضاً: Robert Olson: The Emergence of Kurdish Nationalism and the Sheikh Said Rebellion, 1880 – 1925 (Austin: University of Texas Press, 1989).

  16. بدأ السلطان محمود الثاني (1808 – 1839) بإجراءات القضاء على النظام شبه الوراثي ووضع كوردستان تحت الحكم المركزي المباشر، وحذا خلفاؤه حذوه، ولا سيما عندما أصدر السلطان عبد المجيد الأول (1839 – 1861) التنظيمات الخيرية، أو ما يسمى بخط همايون، في أول سنة من حكمه، بغية نقل الإمبراطورية إلى العصر الحديث.

  17. Safrastian: Kurds and Kurdistan (London, Harvill Press 1948) p. 49. أرشاك سافراستيان، الكورد وكوردستان (لندن: مطبعة هارفيل، 1948) ص 49. كذلك راجع: باسيل نيكيتين، الأكراد (بيروت: دار الراوي، 1958) ص 47.

  18. في أول مؤتمر عقده “الجون ترك” (تركيا الفتاة) في باريس عام 1902 مثّل الكورد فيه “الأمير عبد الرحمن بدرخان” و”حكمت بابان”، وهما قوميان كورديان بارزان، كما حضره الشيخ عبد القادر النهري (ابن عبيد الله النهري)، وقد اتُّهم هذا بمشاركته في “المؤامرة الفاشلة” التي استهدفت إسقاط السلطان فأُحبطت، ونُفي الشيخ عبد القادر النهري بسببها (راجع: ي. رامساور، الجون ترك، مطبعة جامعة برنستن، 1957، ص 26). ومهما يكن من أمر فإن تعصب “الجون ترك” (تركيا الفتاة) إزاء القوميات الأخرى حثّ الكورد على الاستقلال بأمور نضالهم، فقاموا بتأسيس أول جمعية (نادٍ) كوردية عُرفت باسم “كوردستان تعالي وترقي جمعيتي” في العاصمة إسطنبول، وأصدروا جريدة باسم “كوردستان” إثر نجاح الانقلاب عام 1908 وعودة العمل بالدستور.

  19. انظر: جلال الطالباني، كوردستان والحركة القومية (بيروت، دار الطليعة، 1971)، ص95 - 97.

  20. كان يمثل بريطانيا السير مارك سايكس، أما جورج بيكو فكان يمثل فرنسا، وقد حاز التقسيم فيما بعد موافقة روسيا بتوقيع وزير خارجيتها سازانوف عليه. إن معظم المؤرخين يغفلون الدور الروسي في صياغة هذا الاتفاق السري، فبعد أن كشفت ثورة أكتوبر الروسية 1917 نصوص الاتفاقية السرية ودعت إلى الدبلوماسية العلنية أُغفل الدور الروسي، وبقيت المعاهدة تُعرف باسم المسؤولَين الفرنسي والبريطاني فحسب.

  21. David McDowall: A Modern History of the Kurds (London, 1997), p. 23.

  22. بعد معركة دربندي بازيان عام 1919 عُثر على الشيخ محمود الحفيد بين الجرحى، فأُسر وسيق إلى محكمة عسكرية بريطانية قضت بإعدامه، إلا أن القائد العام للقوات المسلحة البريطانية الفريق ماكون أبدل الحكم بالحبس المؤبد ثم بالإبعاد، وأُرسل إلى الهند. وفي أيلول/سبتمبر 1922 أُرسل إلى الكويت، ثم نُقل إلى بغداد بعد أسبوعين، ومنها إلى كوردستان. انظر كذلك: Wilson: A Clash of Loyalties, Vol. One (London 1930) p. 138-139. وانظر: أدموندز، كرد وترك وعرب (بغداد، مطبعة التايمس، 1971)، ترجمة جرجيس فتح الله.

  23. صدر العدد الأول من جريدة (كوردستان)، التي تُعدّ الجريدة الأولى في تاريخ الصحافة الكوردية، بتاريخ 22 نيسان 1898 في القاهرة، وتلته الأعداد (2، 3، 4، 5). واطّلع مركز السلطنة العثمانية على الجريدة الكوردية فأوجسوا منها خيفة، وسرى في كيان السلطنة ما يشبه الزلزلة. وكانت مصر حينذاك خاضعة للحكم البريطاني، وبحكم العلاقة المصلحية طلب السلطان عبد الحميد الثاني من الحاكم البريطاني إغلاق الجريدة وتسليم مؤسسها للسلطات العثمانية. فتسربت أخبار المشيئة السلطانية إلى آذان مسؤولي الجريدة، فغادروا القاهرة إلى سويسرا، وفي جنيف استأنفت (كوردستان) صدورها، فصدر منها (14) عدداً متوالياً. ثم لاحقها الحصار العثماني إلى جنيف، فغادرتها سراً إلى القاهرة مرة أخرى، حيث صدرت منها أربعة أعداد، ومن القاهرة إلى بريطانيا لتصدر ستة أعداد أخرى، ومن بريطانيا إلى جنيف لتكمل دورتها بالعددين الأخيرين (30-31)، ثم أُغلقت عام 1902.

  24. كانت هذه اللجنة مؤلفة من السويدي (A.F Virsen) الذي أصبح رئيساً للجنة، وعضوية العقيد (Count Paul Talekey و Siyor Roddoio) الإيطالي و Horas De poutalee السويسري، كما مثّل الجانب التركي الجنرال جواد باشا المفتش العام في جبهة الجزيرة، وكامل بك، وناظم نفطجي، وفتاح بك العطار.

  25. تقرير عن الإدارة في العراق، نيسان/أبريل 1922 – آذار/مارس 1925، ص38.

  26. أدموندز، المرجع السابق، ص315-316.

  27. علاء الدين سجادي، “الثورات الكوردية”، بغداد 1959 (بالكوردية)، ص 65. (شورشه كاني كورد وه كورد وكومارى عراق، به غدا، 1959، 364 ل – ح. ف).

  28. ب. أ. أفيريانوف، الكورد في الحروب بين روسيا وتركيا وإيران في القرن التاسع عشر، تفليس، 1900، ص148 – 149، بالروسية.

  29. ب. نيكيتين، “الكورد …”، ص 189.

  30. B. Nikitine, Les Afchares d’Urmiah, Journal Asiatique, Jan – Mars 1929, P. 100.

  31. M. Fany, La Nation Kurde et son Evolution Sociale, Paris 1933.


أجزاء «القضية الكوردية: نظرة تاريخية» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث (هذا الجزء)

→ الجزء الثاني