الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
القضية الكوردية: نظرة تاريخية (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013
التأييد الدولي للأماني الكوردية في كوردستان
1. معاهدة سيفر (10 آب 1920) ومعاهدة لوزان (24 تموز 1923)
رغم أن معاهدة سيفر التي وُقّعت في 10 آب/أغسطس 1920 ظلت حبراً على ورق، فإنها تُعدّ مع ذلك نقطة تحول خطيرة جداً في تطور القضية الكوردية في المنطقة الجغرافية الكوردية كوردستان، فلأول مرة في التاريخ بحثت وثيقة دبلوماسية دولية، في فرعها الثالث (المواد 62 – 64)، “الاستقلال المحلي للمناطق الجغرافية الكوردية في كوردستان التي تعيش فيها أكثرية كوردية”. واعتباراً من هذا التاريخ أصبح تدويل المسألة الكوردية في كوردستان أمراً مؤكداً. ونحن نأسف، مع البروفيسور مانديلستام المتخصص في قضايا الأقليات القومية، لأن معاهدة لوزان (12-24 تموز 1923) التي حلّت محل معاهدة سيفر (10 آب 1920) “لم تنص إلا على المساواة في الحقوق المدنية والسياسية للأقليات غير المسلمة” (المادة 39 من معاهدة لوزان 1923م) (2).
2. قضية ولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية
بالرغم من أن معاهدة لوزان (24 تموز 1923م) أتت ناقصة وغير عادلة بالنسبة إلى الكورد في كوردستان تركيا، فإنها أدت مع ذلك دوراً مهماً، لأنها وضعت مسألة ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق) على بساط البحث، وأجبرت عصبة الأمم على إجراء تحقيق في هذه المنطقة الكوردية (الشرط الثاني من المادة الثالثة من معاهدة لوزان)، بعد أن وضعت لها في تشرين الأول/أكتوبر 1924 حدوداً مؤقتة سمّتها «خط بروكسل». وقد نص التقرير الذي رفعته لجنة التحقيق الدولية (لجنة تقصي الحقائق) التابعة لعصبة الأمم، المكونة من الكونت تيليكي وفيرسن والكولونيل بولص، إلى هيئة عصبة الأمم في 16 حزيران/يونيو 1925، على وجوب وضع هذه المنطقة الكوردية (ولاية الموصل/كوردستان العراق) تحت وصاية عصبة الأمم مدة خمس وعشرين سنة. كما نص التقرير أيضاً على ضرورة تسليم الشؤون الإدارية والقضائية والتربوية إلى العناصر الكوردية من كوردستان العراق، مع اعتبار اللغة الكوردية لغة رسمية في تلك المنطقة الكوردية (ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية).
وقبل أن يناقَش هذا التقرير في عصبة الأمم اندلعت ثورة كوردية بقيادة الشيخ سعيد بيران في شباط/فبراير ـ آذار/مارس 1925، وأدى ذلك إلى تعزيز وجهة النظر البريطانية، إذ جاءت الثورة بمثابة تكذيب لادعاءات الوفد التركي في مؤتمر لوزان 1923، الذي كان يؤكد باستمرار أن “الأقليات المسلمة راضية تماماً بمصيرها في ظل النظام التركي”.
وعلى كل حال فإن هيئة عصبة الأمم قبلت بتاريخ 16 كانون الأول/ديسمبر 1925 «خط بروكسل» حدوداً فاصلة بين تركيا والعراق، وقررت أيضاً أن تكون الوصاية على العراق مدة خمس وعشرين سنة من قبل بريطانيا، ودعت الحكومة البريطانية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنح السكان الكورد حقوقهم التي نص عليها تقرير لجنة التحقيق الأممية (لجنة تقصي الحقائق) إلى عصبة الأمم. وفي شباط/فبراير 1926 صرّح رئيس الوزراء العراقي عبد المحسن السعدون أمام البرلمان العراقي في بغداد بـ”أنه يجب علينا أن نمنح الشعب الكوردي والأكراد جميع حقوقهم المشروعة والقانونية، ويجب أن يكون الموظفون في منطقتهم الكوردية (كوردستان العراق/ولاية الموصل) من السكان الكورد أنفسهم، كما يجب أن تكون اللغة الكوردية لغتهم الرسمية ويتعلم بها أولادهم في المدارس”.
وكم كان رائعاً لو أننا استطعنا، في عام 1955، أن نشهد أن كورد العراق يتمتعون بالحقوق التي أُقرّت لهم قبل ربع قرن من الزمان!
المسألة الكوردية في كوردستان العراق خلال الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) وبعدها
لئن كانت مبادئ ولسن، الرئيس الأمريكي الأسبق، بخصوص حق تقرير المصير للشعوب المضطهدة لم تستطع أن تؤدي دوراً لمصلحة المسألة الكوردية بُعيد انتهاء الحرب الكونية الأولى (1914-1918م)، فإن الموقف الدولي هو الآخر لم يكن ملائماً للكورد خلال الحرب الكونية الثانية (1939-1945م) وبُعيد انتهائها.
وفي سنة 1943 اندلعت ثورة كوردية جديدة في منطقة بارزان بقيادة شقيق الشيخ أحمد البارزاني، الملا مصطفى البارزاني، بمساعدة الشيخ لطيف الحفيد (نجل الشيخ محمود الحفيد). وقد حاولت السلطات في بغداد تهدئة الثوار الكورد، ولكن دون الاتفاق معهم على شيء حقيقي. وفي عام 1945 أرسلت هيئة كوردية رسالة إلى الهيئة المؤسسة لمنظمة الأمم المتحدة لدى اجتماعها في سان فرانسيسكو، مع مذكرة طويلة وخارطة لكوردستان، شرحت فيها المطالب الوطنية للشعب الكوردي، التي تتلخص في كوردستان حرة ومستقلة. ولم يأتِ التأكيد الذي ورد في هذه المذكرة على أنه لا يمكن للسلم أن يسود في منطقة الشرق الأوسط دون إيجاد حل للمسألة الكوردية في كوردستان عفوياً ولا من غير فائدة؛ ففي آب/أغسطس 1945 أريقت الدماء من جديد في منطقة بارزان، وحوصر الملا مصطفى البارزاني في منطقته مما جعله معرضاً لخطر الاستسلام، فاضطر إلى العبور إلى كوردستان إيران والالتحاق بجمهورية مهاباد الكوردية (أي ساوجبلاغ). وانعقد في تشرين الثاني/نوفمبر من السنة نفسها 1945 مؤتمر كوردي في باكو عاصمة أذربيجان السوفيتية. وفي كوردستان تركيا أيضاً بدأ الكورد بالتحرك. وجراء الأحداث التي وقعت في أذربيجان الإيرانية أُعلنت في 13 كانون الثاني/يناير 1946 جمهورية كوردية في مدينة مهاباد برئاسة القاضي محمد، إلا أن هذه الجمهورية الكوردية لم تدم طويلاً، ففي كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه 1946 أعيدت أذربيجان إلى نطاق الدولة الإيرانية من جديد، وأُلغيت فيما بعد جمهورية مهاباد الكوردية في كوردستان إيران، وكان ثمن ذلك باهظاً، إذ بطشت السلطة الإيرانية بالكورد دون شفقة أو رحمة (3).
واعتباراً من هذا التاريخ برز اتجاهان لدى الشعب الكوردي: فـ”الشباب” أخذوا يفكرون بإمكانية الاعتماد على السوفيت، في حين أن “المعمّرين” كانوا يشمئزون من كل فكرة للتعاون معهم (4). وحول هذه الفترة الزمنية نجد كالمعتاد معلومات موضوعية وداحضة لدى روندو: برنامج القاضي محمد، وجمعية شبيبة كوردستان إيران، والميثاق الشيوعي الذي نُشر في كوردستان العراق (5). ومن المفيد أن نشير إلى الخطاب الذي وجّهه المستر فيليب برايس، النائب عن حزب المحافظين في البرلمان البريطاني، إلى جريدة التايمز اللندنية في 24 نيسان/أبريل 1946، يمدح فيه سياسة السوفيت قائلاً: “إنهم وحدهم الذين عرفوا كيف يجدون حلاً للمسألة الكوردية، إذ يأخذون بنظر الاعتبار الجانب الاقتصادي ويحاربون آفة الفقر لدى العشائر الكوردية”. ويعتقد المستر فيليب برايس أن الحكومة العراقية لو قامت، بدلاً من قصفها الكورد في مناطق بارزان في كوردستان العراق، باستثمار الطاقات والإمكانيات المائية الهائلة الموجودة في تلك الجبال الكوردية الغنية بالزيت الأبيض، لكان بإمكانها الحصول على سلم دائم.
ثم هل يجب أن نؤكد من جديد أن منطقة الشرق الأوسط بأسرها أضحت، نتيجة للحرب الكونية الثانية، تعيش تحت تأثير التضخم والأجور الباهظة التي اضطر الأميركيون إلى دفعها لتغطية الحاجات العسكرية، ثم توقفت فجأة، مما أدخل المنطقة كلها في غليان اجتماعي لم تكن هناك حاجة لانتظار السوفيت ليأتوا فيثيروه (6)؟
إننا في هذه المحاضرة، التي نتوخى منها وضع المسألة السياسية الكوردية في كوردستان في إطارها الصحيح، لا يسعنا أن نخفي عطفنا العميق على الشعب الكوردي. وفي الوقت نفسه لا يسعنا أن ننكر الفوائد الناجمة عن السير وراء التجرد وبناء الروح الوطنية الكوردية الجادة في كوردستان تركيا وكوردستان إيران والبلدان العربية منذ الحرب العالمية وما بعدها حتى الآن.
ونحن نرى أن هذا الواقع الناشئ في البلدان ذات العلاقة بالقضية الكوردية هو حجر العثرة والمشكلة الحقيقية التي تحول دون الاتفاق في هذه البلدان مع الكورد، الذين تطوروا هم أيضاً بدرجة كبيرة منذ اندلاع الثورات الإقطاعية الكوردية في كوردستان وتلك التي سبقتها. إن الكورد يركزون على مطالبهم الوطنية باسم المبادئ والمواثيق المعلنة دولياً، ولذلك فإن تجاهل هذه المطالب الكوردية أو رفضها بالمرة أكثر تعقيداً بكثير مما كان في الماضي، فضلاً عن أن المسألة الكوردية أخذت تحظى، ولو بصورة نظرية أو جزئية، بتأييد دولي. وبناء على هذا فإن المسألة الكوردية في كوردستان يجب النظر إليها قضيةً مطروحة لا علاج لها إلا بمحاولة حلها بطريقة صحيحة وعادلة وقانونية.
إن حدوث تحول سياسي في مفهوم التعاون هو وحده الذي يسمح بالخروج من هذا المأزق. والبادرة الضرورية يجب أن تأتي من جانب الحكومات المعنية، كما أن على الزعماء الكورد أيضاً أن يبرهنوا من جانبهم على أنهم حسنو النية وجديرون بالثقة.
إن الحل الصحيح للمسألة الكوردية سيأتي حتماً، طال موعده أو قصر، وكلما تأخر هذا الحل، الذي يختلف بلا شك من بلد إلى آخر، ظلت الأبواب مشرعة أكثر فأكثر أمام الدسائس (7).
بعد أن بذلت جهدي لأعطي في مؤلفاتي ومحاضراتي ودراساتي فكرة صحيحة عن الكورد وعن المنطقة الجغرافية الكوردية في كوردستان، بالرجوع إلى ماضيهم وتاريخهم، أجدني الآن متردداً في أن أتصدى لبحث أوضاعهم في أيامنا هذه، إذ من الممكن ألا أكون قد توصلت إلى معلومات بشأن كثير من جزئياتها وتفاصيلها.
فبموجب بعض المعلومات يبدو أن تركيا لا تعترف حتى الآن بوجود القومية والشعب الكوردي في كوردستان تركيا بوصفهم أقلية قومية، بل إن اسم الكورد بوصفهم عنصراً متميزاً ما يزال منسوخاً ومحكوماً عليه بالنفي. إن أوضاع الكورد المادية ورفاههم الاقتصادي تسير، على وجه العموم، نحو التحسن، دون أن نستطيع القول مع ذلك إن سياسة الحكومة التركية الرامية إلى تجريدهم من قوميتهم الكوردية ودمجهم بالترك وإخفاء معالمهم الكوردية الخاصة قد لقيت أي نجاح. لقد ظلت الجماهير الكوردية متمسكة بلغتها الكوردية الأم وبآدابها وتقاليدها الاجتماعية والقومية. وفي خارج الأقاليم الكوردية التي ينشأ فيها الكورد ويترعرعون توجد منظمات ثقافية للطلبة والشباب الكورد تعمل في أنقرة وإسطنبول، كما ليس من الغريب أن تجد في المطبوعات التركية مقالات تنتقد الإدارة السيئة لتركيا في الأقاليم الشرقية، أي في كوردستان تركيا (8).
إن هذه العلامات الإيجابية، مهما كانت صغيرة، تستحق الإشارة، رغم أن المسألة الكوردية في كوردستان تركيا ظلت في مجموعها دون حل. ويقال الشيء نفسه بالنسبة إلى كوردستان إيران، حيث ما تزال الاستعانة بالقوة هي المفضلة لدى السلطة الإيرانية بدل البحث عن طرق للتفاهم مع الكورد في كوردستان إيران، كما رأينا في لجوئها إلى العمليات الانتقامية ضد أبناء عشيرة جوانرو الكوردية عام 1950. وبوجه عام فإن المشكلة العشائرية في كوردستان إيران معقدة جداً، وما تزال حتى الآن دون حل.
وهكذا، وكما قال البروفيسور ويليام تومسون، أستاذ اللغة العربية في جامعة هارفرد الأمريكية: “إنه من المؤكد تماماً أن قادة كل من تركيا وإيران نسوا، أو لا يعتقدون، أن درس تجزئة بولونيا قابل للتطبيق على أوضاع بلادهم أيضاً، هذا التقسيم الذي أثار لأول مرة المسألة القومية. إنهم لم يفكروا بعمق في أساس وجودهم الخاص ومبرراته” (9).
وفي كوردستان إيران كانت السمة البارزة لسياسة رضا شاه إزاء العشائر الكوردية، وبخاصة في بداية حكمه، تقوم على تهجير رؤسائها الكورد وإبعادهم ومصادرة أملاكهم وأراضيهم، بالإضافة إلى الإسكان القسري للعشائر الكوردية الرحّل، مع منعها من الانتقال إلى المراعي الطبيعية، وتهجيرها بالكامل إلى المناطق النائية من إيران، كما جرى لعشيرة كلباغي الكوردية. وكانت لهذه الإجراءات نتائج مشؤومة وسيئة على اقتصاد إيران، مما اضطر السلطات الإيرانية إلى التخفيف من تلك القسوة خلال السنوات الأخيرة من حكم رضا شاه. وبعد عزله عام 1941 عادت الأمور إلى نمطها السابق، بعودة الزعماء الكورد المنفيين، ورجوع العشائر الكوردية المهجّرة قسراً إلى موطن آبائها وأجدادها وأماكنها الأصلية في كوردستان إيران. ثم وقعت بعد ذلك، عام 1947، الأحداث المؤلمة نتيجة القمع والبطش الداميين في جمهورية مهاباد الكوردية.
ويبدو الرأي العام الفارسي غير معادٍ للكورد في الوقت الراهن، إذ يقدّرون إمكانياتهم القتالية ويعترفون بمواقفهم الوطنية، إذا ما استنتجنا ذلك من فقرات من مقالة نُشرت في جريدة بختيار الصادرة في طهران عام 1954، جاء فيها: “كان من الضروري أن يصل إلى كوردستان إيران خبراء عسكريون أجانب لم يغفلوا عن الانتباه إلى الأهمية الاستراتيجية والجغرافية للمناطق العشائرية الكوردية في كوردستان إيران، لتسترعي أنظار السلطة المركزية الإيرانية أيضاً إليها. إلا أن التقلبات التي مرت على كوردستان إيران، مع الأسف، منذ الحرب العالمية الثانية تركت آثارها في نمط معيشة هذه العشائر الكوردية وأوضاعها. ومع ذلك فإن علينا أن نظل أوفياء ممتنين لهذه العشائر الكوردية في كوردستان إيران، لأنها لم تفقد وطنيتها وشعورها القومي الكوردي، رغم الجهود التي بذلتها معها العناصر العميلة للأجنبي التي تعمل ضد إنشاء (كوردستان كبرى) تضم قسماً من أراضي كوردستان العراقية وكوردستان الإيرانية وكوردستان التركية وكوردستان سوريا. إن عشائر كوردستان قاومت هذه المؤامرات”.
ولرفع قضية كالقضية الكوردية أمام إحدى هيئات الأمم المتحدة ينبغي أن يتم ذلك بوساطة دولة عضو في هذه المنظمة الدولية. وبذلك لا تختلف هذه الإجراءات كثيراً عن تلك التي كانت تُتّبع في عهد عصبة الأمم، ذلك أن رفع قضية الشعب الكوردي في كوردستان أمام مجلس عصبة الأمم كان من حق الدول الأعضاء في المجلس فقط. أما أبناء الأقليات القومية، وكذلك الدول غير المنتمية إلى ذلك المجلس، فكانوا يتمتعون بحق رفع شكاواهم إليه أو بحق الاستنطاق أمامه، ولم يكن بوسعهم رفع قضيتهم الكوردية بصورة قانونية إلى مجلس عصبة الأمم ومطالبته بالتدخل بشأنها.
يتهم المثقفون الكورد في كوردستان العراق حكومة بغداد بإهمال المصالح الاقتصادية والثقافية لشعبهم الكوردي، ويحددون موقفهم إزاء بغداد بهذه العبارات: “ماذا تعني بغداد بالنسبة لنا؟ مدينة غريبة تتكلم لغة غريبة عنا. نحن الكورد عشنا دوماً في جبالنا الكوردية ومنطقتنا الجغرافية كوردستان. ماذا تعني هذه الحدود التركية والإيرانية لكوردستان ولرعاة المواشي الكورد من أبناء العشائر الكوردية، الذين ينتقلون بحرية منذ آلاف السنين في أرجاء هذه المناطق الكوردية من كوردستان التي يعيشون فيها منذ آلاف السنين، وهي موطنهم الأصلي منذ القدم وأرض الآباء والأجداد؟ كيف يمكننا إفهامهم أنه في الجانب الآخر من جبال كوردستان، حيث يعيش نصف أبناء عشائرهم الكوردية، يُعدّ هؤلاء خارج نطاق الحدود لأنهم عراقيون، بينما يُعدّ الآخرون أكراداً إيرانيين؟”.
وإليك جواب مسعود محمد، المحامي الكوردي الشاب وعضو البرلمان العراقي عام 1954م، عن السؤال الذي وجّهه إليه مراسل صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية: “ماذا يكون رد فعل الكورد في كوردستان العراق إزاء اقتراح الاتحاد السوفيتي (السابق) عليهم تكوين كوردستان الكبرى ضمن الإطار السوفيتي؟”.
“من الصعب الإجابة عن هذا السؤال، ومع ذلك نحن لا نرفض مساعدة أي حكومة كانت من أجل كوردستان حرة” (10).
ويفسر كثيرون إبرام المعاهدة العراقية – التركية (11) باتفاق وجهات النظر بين بغداد وأنقرة بشأن الكورد، بينما تُعدّ الجامعة العربية أقل اهتماماً بهذه المشكلة الكوردية. وفي كوردستان سوريا مثلاً، رغم أن الكورد يحتفظون بخصائصهم الخاصة بهم، فإنهم يسهمون في الحياة السياسية بنشاط، شأنهم شأن العرب، دون أن يطالبوا بنظام خاص بهم.
ويبين تحقيق قام به فيلجيفسكي (1945) الخط البياني لحركة الطبع والنشر الكوردية، فيما عدا الاتحاد السوفياتي، من عام 1913 حتى عام 1934. والمطبوعات غير الدورية تشمل ما يلي: الأعمال العلمية والاجتماعية والأدبية 41 مجلداً، والأعمال التاريخية 22 مجلداً، والقوانين والأديان 14 مجلداً، والأعمال الدينية 13 مجلداً، وكتب علم اللغة وقواعدها 11 مجلداً، والأعمال العسكرية مجلدان.
منشأ المسألة الكوردية في كوردستان
الكورد رابع شعب من شعوب الشرق الأوسط عددياً بعد العرب والفرس والترك، وإحدى القوميات القليلة غير الممثلة في هيئة الأمم المتحدة، فهم محرومون من كيان كوردي مستقل، رغم وجود محاولات موثقة واتفاقات سابقة في هذا الشأن لحصولهم على حقوقهم القومية في منطقة كوردستان.
وهناك اختلاف كبير في تقدير عدد الكورد، سببه أن حكومات المنطقة التي تتقاسمهم أجرت إحصاءاتها السكانية (الديمغرافية) على أساس عنصري، وسعت إلى تقليل عددهم، مما دفع “القوميين الكورد”، جراء سياسة التهميش والإقصاء المزمنة، إلى المبالغة في تقدير عدد الأكراد (12).
منذ القرن السادس عشر الميلادي استأثرت كل من الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية بقسم من الكورد. ونجح العثمانيون في كسب الكورد إلى جانبهم لكون غالبيتهم يدينون بالمذهب السني كالأتراك، وفق آراء بعض الباحثين، في حين أن الفرس شيعة المذهب (13). وقد أتاح هذا للكورد الاحتفاظ بدرجة من “الحكم الذاتي” في الدولة العثمانية تحت إدارة زعمائهم الكورد المحليين، وبقيت كوردستان بؤرة النزاع العنيف بين هاتين الإمبراطوريتين وساحته. وزاد الموقف تعقيداً المشاريع البريطانية والروسية في القرن التاسع عشر الرامية إلى بسط نفوذها في المنطقة الكوردية (كوردستان) (14).
وقد قُضي على عدد من الثورات الكوردية ضد الترك والفرس. وفي القرن التاسع عشر شرع العثمانيون في القضاء على الإمارات الكوردية ذات الحكم الذاتي المحلي، وفرضوا على الأقاليم الكوردية في كوردستان “حكماً مباشراً”. ويجدر بالذكر أن الكورد أعلنوا، خلال ثورة 1880 – 1882 التي تزعمها الشيخ عبيد الله النهري، أنهم شعب كوردي قائم بذاته لا يمتّ لا إلى الترك ولا إلى الفرس بوشيجة عنصرية (15). ويعود سبب ذلك إلى يقظة الروح القومية الكوردية قبيل الحرب العالمية الأولى، ولأسباب أخرى منها: قيام العثمانيين بوضع الكورد تحت حكمهم المباشر منذ القرن التاسع عشر (16)، ورد الفعل الذي أحدثه ذلك في القوى الإقطاعية الكوردية إزاء السلطة المركزية العثمانية، والتطور الاجتماعي والاقتصادي الذي أنعش الشعور بالهوية القومية الكوردية، ومن ذلك قيام روابط أكثر متانة بين المناطق الكوردية في كوردستان نتيجة احتوائها في إطار الإدارة المركزية. ومن الأسباب أيضاً نشوء الحركات القومية عند الشعوب الأخرى التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية، كالعرب واليونانيين والأرمن والبلغار والألبان، وكذلك تأثير المصلحين الأتراك والروس والإيرانيين الذين دعوا إلى إقامة أنظمة حكم دستورية (17).
حاول القوميون الكورد أول الأمر التعاون مع دعاة الإصلاح الترك ومع الدستوريين الفرس، أملاً في الحصول على نوع ما من الحكم المحلي لكوردستان، فلم يظفروا منهم بطائل. فقد كانت هناك شخصيات كوردية بارزة من بين مؤسسي جمعية الاتحاد والترقي، وهي جمعية سرية ترمي إلى إسقاط حكم السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وأدت هذه الشخصيات دوراً بارزاً في نشاط الجمعية منذ قيامها، كما شاركت مشاركة فعالة في فرعها “الجون ترك” (تركيا الفتاة) (18). وأصدر قوميون آخرون عدداً من الجرائد والمجلات، وأسسوا مدارس بعد أن نجحت ثورة “الجون ترك” (تركيا الفتاة) في الانقلاب الذي أطاح بالسلطان العثماني عبد الحميد الثاني. لكن الحرب أعطت الذريعة لتعطيل الجرائد وإغلاق المدارس، إضافة إلى أن “الجون ترك” لم يكونوا يتعاطفون مع تطلعات الشعوب الأخرى التي تضمها الإمبراطورية العثمانية، بل اتبعوا ضدها سياسة قمع وبطش، الأمر الذي ألجأ الكورد إلى نقل نشاطهم ونضالهم إلى خارج تركيا. وحاول الزعماء الكورد بعد الحرب العالمية الأولى أن يضعوا الشعب الكوردي تحت الحماية البريطانية المباشرة، بعد مطالبتهم بالاستقلال التام لكوردستان (19).
أجزاء «القضية الكوردية: نظرة تاريخية» (3 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث