الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الوعود البريطانية بإنشاء دولة كوردية مستقلة واحدة أو أكثر (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015

كان القرار بإنشاء دولة كوردية مستقلة (كوردستان) في ولاية الموصل الكوردية جدّياً في بادئ الأمر، وكانت التقارير كلها تقريباً، مع المحادثات والمشاورات التي سبقتها، تنبئ بأن البريطانيين قد عقدوا النية على تشكيل دولة كوردية مستقلة في كوردستان. وبدأت المحاولات فعلاً بمعاهدة سيفر في 10 آب عام 1920م، التي أُجهضت بمعاهدة لوزان في 24 تموز 1923، وبالاهتمام البريطاني المفاجئ بوجوب التمسّك بولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأكثرية الكوردية ضمن دولة العراق العربي الجديد، والتشبّث بعدم خروجها من أيديهم، وضمّها إلى العراق العربي الجديد.

إلا أن الوعد البريطاني للأكراد لم يُنجَز. فإرهاصات بريطانيا وسياستها القلقة المتحوّلة في (ميسوبوتاميا)، أي العراق العربي الجديد الذي كان يشمل ولايتي بغداد والبصرة فقط، دفعت البريطانيين خطوة إثر خطوة إلى التنكّر للأماني الكوردية في التحرّر والاستقلال وتشكيل دولتهم الكوردية المستقلة في كوردستان، أي إلى التملّص من التبعة والنكث بالوعد. وكذلك لم يكن حلفاء البريطانيين من العرب، بعد تسلّمهم السلطة في الإدارة، أكثر منهم استجابة لتلك الوعود للأكراد.

ومما يجب قوله أن الكورد سياسياً لم يكونوا كأمّة مهيّئين للإفادة من الموقف الدولي لما بعد الحرب العالمية الأولى واستغلاله أو التجاوب معه. فقد كانت صعوبة المواصلات والاتصالات بين أرجاء كوردستان تؤدي إلى تفرّق المجتمع الكوردي، وكانت طبيعة العلاقات بين القبائل الكوردية تجعل اتخاذ موقف سياسي موحّد للأكراد مستحيلاً. وعلى العموم كان معظم الشيوخ والأغوات الأكراد في بادئ الأمر مستعدّين للسير مع المحتل البريطاني الجديد ما دام يتّبع أسلوب الإدارة القديم (العثماني) الذي تعوّدوا عليه وصار تقليداً، وكانوا مستفيدين منه، إلا أن خضوع الكورد للحكم العربي كان لقمة لم تستطع معدة الكورد هضمها. فقد كان العرب في العهد العثماني، مثل الأكراد في كوردستان تركيا، أمّة مضطهدة تقف في الدرجة الثانية من المواطنة في الدولة العثمانية. وهؤلاء الكورد، أشقاؤهم الخاضعون الآن لحكومة إسطنبول، يتحدّث رجالهم بجرأة مع رجال الحكم هناك حول حكم ذاتي كوردي في كوردستان تركيا، ويناقشونهم في مطالبهم المشروعة وفي القومية الكوردية.

فُرض على الكورد الحكم العربي المباشر في الوقت الذي برزت فيه طبقة جديدة في المجتمع الكوردي، هي الطبقة المتعلّمة غير القبلية وغير العشائرية في مدن كوردستان، وتنامى الشعور القومي الكوردي، وهبّت رياح التحرّر الوطني من الخارج. تلك الطبقة المثقفة الكوردية التي وقع عليها تاريخياً ونضالياً عبء تعبئة الكورد سياسياً وفكرياً واجتماعياً كشعب كوردي موحّد، لا كقبائل وعشائر كوردية متفرّقة. وشاء سوء حظ الأكراد أن تتخلّى بريطانيا عن فكرة الاستقلال للشعب الكوردي، وأن تحول دون استخدام حق تقرير المصير للشعوب المضطهدة، وفي مقدّمتها الشعب الكوردي، في الوقت نفسه الذي كانت فيه تلك الطبقة المثقفة الكوردية مستعدّة للتعبئة القومية الكوردية العامة. وفي الوقت نفسه أيضاً ثبّت البريطانيون والعرب في بغداد طبقة من رؤساء العشائر والأغوات والشخصيات الكوردية المستفيدة من الوضع القائم، وجعلوا هؤلاء بمثابة وسيط وضمان لإمرار سياستيهما وتأكيد خضوع الكورد لها.

وكان الشعب الكوردي يومئذٍ، بحكم الظروف والواقع القائم، أقلّ حظاً من الشعوب الأخرى في الجامعة العثمانية، مثل العرب والأرمن، في ما يتعلّق بضغط الرأي العام الذي تمثّله الصحافة ووسائل الإعلام والأحزاب السياسية الجماهيرية. فهو شعب حُرم من العلم، إذ لم ينعم ببركة القراءة والكتابة إلا أقلّ من نصف بالمئة من سكانه، بسبب ظروفهم وعزلتهم في المناطق الجبلية من كوردستان، وعدم وجود الطرق والاتصالات بالعالم الخارجي. أما تلك الجمعيات والأحزاب الكوردية التي لهج بذكرها مؤرّخو الكورد ومتحمّسوهم، فلم تكن في الحقيقة غير مجموعات من شخصيات بارزة متنفّذة لا يتجاوز عددها أصابع اليدين، لا تجد لصوتها سامعاً لو شاءت الصراخ في الشارع، أو لو أُتيح لأفرادها اعتلاء المنابر، بسبب عدم توحّدهم، وهذا يعود إلى عزلتهم في المناطق الجبلية الوعرة في كوردستان.

وكثيراً ما يضخّم الكتّاب الكورد أدوار هذه التشكيلات الكوردية، التي لم تكن في الواقع إلا منظومات ضيقة جداً لا تملك قاعدة شعبية، وإنما تستمدّ حياتها وتأثيرها من شخصيات مؤسّسيها في ظرف ومكان معيّنين. ففي مطلع العام 1920 ميّز المؤرّخون في كوردستان، إلى جانب (النادي الكوردي)، خمسة أحزاب أو جمعيات قومية كوردية تعمل لتحرير كوردستان، أهمّها: (العصبة الكوردية المركزية) التي أسّسها أمين عالي بك، والحزب الديمقراطي الكوردي وأبرز من فيه ممدوح سليم بك، وجمعية (هيفي – الأمل) الكوردية الطلابية، وجمعية نشر المعارف الشعبية، وأخيراً حزب الاستقلال الكوردي. وهناك جمعيات وأحزاب أخرى لم تعش طويلاً. وقد قصرت تلك الجمعيات جُلّ اهتمامها على ترجمة الآمال السياسية الكوردية في مذكرات وبيانات ولقاءات، وانحصر نشاطها في المجتمعات الحضرية، وتركت المناطق الآهلة بالكورد في الجبال الوعرة من كوردستان، فكان نشاطها، بل تأثيرها، يكاد يكون محدوداً في المجتمعات القبلية والعشائرية الكوردية على مستوى القواعد. إلا أنها نجحت إلى حدّ ما في تجنيد بعض رؤساء العشائر والأغوات للقضية الكوردية. وبقيت القضية الكوردية الكرة التي تتقاذفها أرجل اللاعبين في ملاعب السياسة الدولية، ولا سيما في مؤتمر (فرساي) في باريس عام 1919م.

وينعكس التحوّل المتدرّج وعدم الثبات في السياسة البريطانية إزاء قضية تحرّر الشعب الكوردي في كوردستان في أمرين: أولهما التعامل مع حكم الشيخ محمود الحفيد، وثانيهما معالجة قضية ولاية الموصل ذات الأكثرية الكوردية.

لقد ساد غموض وتذبذب دام أكثر من ست سنوات قبل تسوية قضية ولاية الموصل (كوردستان العراق)، التي حكمت بدورها على مصير ثورة الشيخ محمود الحفيد. وقد تزايد هذا الغموض واستفحل بفعل عدة عوامل، منها محاولة الأتراك الإخلال باستقرار جنوب كوردستان (كوردستان العراق)، وقد بدأت فور جلاء القوات التركية عنها واعتماد (خط بروكسل) حدوداً مؤقتة؛ ومنها عدم استقرار (الوايت هول) على رأي في استحداث دولة كوردية عازلة، أو ضمّ جنوب كوردستان (ولاية الموصل) إلى الدولة الجديدة. واللوم كله يقع على البريطانيين لا على أحد غيرهم. وقد رأينا فيما سلف أن البريطانيين تسلّموا ولاية الموصل (كوردستان العراق) من فرنسا وفقاً للصفقة بينهما، إلا أن (الوايت هول) بقي زهاء سنتين حائراً فيما يصنع بها، حتى استقرّ رأيه النهائي في أيلول عام 1920. وأصبح سنجق السليمانية، الذي بدا فوراً بؤرة الإشعاع القومي الكوردي، جزءاً من ولاية الموصل الكوردية.

وفي نيسان عام 1920 قرّرت الحكومة البريطانية فجأة، وعندما لم يعد في وسعها التأخير، أن تكون ولاية الموصل (كوردستان العراق) ضمن الدولة العراقية العربية الجديدة. بل إنه حتى ذلك التاريخ لم يكن مؤكداً أن تكون ولاية الموصل (كوردستان العراق) ضمن النفوذ البريطاني على ولايتي بغداد والبصرة العربيتين بكيان كوردي، كما أكّد البريطانيون للكورد أن فكرة حق تقرير المصير للشعب الكوردي ستسير في سبيلها دون اعتراض. إلا أنه لم يبدُ من البريطانيين ما يشير إلى كيفية تطبيق هذا المبدأ: أيكون في ظلّ الانتداب البريطاني بانفصال كوردي عن بقية العراق العربي الجديد، أم بضمّ الكورد إلى العراق العربي الجديد بشرط ضمانات للكورد في كوردستان العراق (ولاية الموصل)؟ (1)

إلا أن الأمر الجوهري الذي كان يشغل بال السلطة المحتلة (بريطانيا) بعد هدنة مودروس في 30 تشرين الأول عام 1918 هو استتباب الأمن والنظام، وإزالة آثار المجاعة التي اكتسحت كوردستان خلال السنتين الأخيرتين من الحرب العالمية الأولى، وإحلال نوع من الثقة الاقتصادية في المنطقة التي شملها القحط. وتحقيقاً لهذه الغاية انتُدب الميجر نوئيل في تشرين الثاني عام 1918 ليقوم بزيارة تفقّد للمنطقة الواقعة بين الزاب الأسفل ونهر سيروان (ديالى)، وحُدّدت مهمته على النحو الآتي:

«… ستكون مهمتك الاتفاق مع الرؤساء المحليين الأكراد على تدابير لحفظ الأمن في المناطق التي لم يبلغها بعدُ الاحتلال العسكري (البريطاني) … ويجب أن توضح لهؤلاء الزعماء الأكراد أن التدابير التي ستتخذها إنما هي بداعي الضرورة الحالية، وهي معرّضة دائماً لإعادة النظر … وإنك كذلك مخوَّل بتعيين الشيخ محمود الحفيد ممثلاً لنا في السليمانية إن وجدت ذلك مناسباً، ولك أن تقوم بتعيينات مماثلة أخرى في جمجمال وحلبجة (مناطق عائدة إلى السليمانية) وغيرها كلما وجدت ذلك مناسباً … وعليك أن تبيّن لأولئك الرؤساء القبليين الكورد الذين سترتبط معهم بعلاقات أنه ليس في النية أبداً أن تُفرض عليهم إدارة أجنبية غريبة لا تتفق وتقاليدهم الاجتماعية أو رغباتهم الكوردية أو شعورهم القومي الكوردي في كوردستان. ويجب أن يُشجَّع زعماء القبائل الكوردية على تأليف اتحادات (كونفدراليات) لإدارة شؤونهم المحلية تحت نظارة الضباط السياسيين البريطانيين هناك في كوردستان» (2).

وعلى ضوء هذه التعليمات باشر الميجر نوئيل عمله بهمّة ونشاط غير عاديين، وثبّت الشيخ محمود الحفيد في مركز السليمانية حكمداراً، علماً بأن الشيخ محمود الحفيد كان يباشر هذا العمل قبل وصوله. وكان الشيخ محمود الحفيد قبل ذلك بوقت قد طلب، ببرقية بعث بها إلى المندوب السامي البريطاني في بغداد، أن تُستثنى كوردستان من قائمة الشعوب التي تُحكم مباشرة من قبل البريطانيين، أي استقلال كوردستان. ولا ندري أكان طلبه هذا مدفوعاً بنية إطلاق يده حرّة في معالجة الأمور في كوردستان دون تدخّل من سلطات الاحتلال البريطاني (3).

المصادر

  1. على إثر الاتفاق الأولي بين لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا وكليمنصو رئيس وزراء فرنسا حول ضمّ جنوب كوردستان (ولاية الموصل) ذات الأغلبية الكوردية إلى النفوذ البريطاني وإخراجها من دائرة النفوذ الفرنسي، تمّ التنازل عنها رسمياً عند توقيع اتفاقية سان ريمو (المدينة الإيطالية) في الخامس والعشرين من نيسان 1920، لقاء تعهّد لويد جورج، وباقتراح منه، بمنح فرنسا 25 بالمئة من أسهم امتياز استثمار النفط في بلاد ما بين النهرين، وهي حصة ألمانيا في (الشركة التركية الألمانية البريطانية) التي حصلت على الامتياز من السلطان العثماني قبل نشوب الحرب. كما نصّت اتفاقية سان ريمو في نيسان 1920 على تقسيم الانتدابات، فاستأثرت فرنسا بالانتداب على سورية ولبنان، وأُنيط انتداب فلسطين والعراق ببريطانيا، لكن بقي مسكوتاً عن ولاية الموصل (كوردستان العراق) نظراً للادّعاء التركي. وأُعلنت نصوص اتفاق سان ريمو في اليوم التالي، إلا أنها لم تُعلن في العراق إلا بعد أسبوع. وفي الواقع إن هذا الحلّ كان قد جرى الاتفاق عليه بين الدولتين العظميين (بريطانيا وفرنسا) في مداولات خاصة سبقت مؤتمر سان ريمو في نيسان 1920، وأقبل الطرفان إلى المؤتمر جاهزين للتوقيع ليس إلا. ويبدو ذلك واضحاً من البيان الذي ألقاه لويد جورج، رئيس وزراء بريطانيا، في مجلس العموم البريطاني قبل التوقيع على المعاهدة بشهر واحد (25 آذار 1920)، ردّاً على الحملة البرلمانية البريطانية المطالبة بالجلاء عن العراق الجديد، باعتبار النفقات التي تُصرف هناك عبئاً لا مبرّر له على دافع الضريبة البريطاني، ليس فيها ما يعوّضه عنها. قال رئيس الحكومة البريطانية لويد جورج: «ربما تخلّينا عن البلاد (العراقية) كلها، لكني لا أفهم الحكمة في انسحابنا من الجزء الأهمّ من العراق الذي يبشّر بالخير العميم لبريطانيا. فولاية الموصل ذات موارد عظيمة، لأن فيها رواسب نفطية غنية، ولعلّها أغنى الموارد الطبيعية في العالم … ماذا سيحصل لو خرجنا منها؟ إن لم نتولَّ أمرها بأنفسنا فربما حلّت دولة أخرى (تركيا الحديثة) محلّنا واستفادت من تلك الخيرات الموجودة فيها. وما لم تضطلع دولة من الدول بهذه المسؤولية في بلاد ما بين النهرين (ولايتي بغداد والبصرة) فقد تبقى على حالها من التأخّر أو تزداد تأخّراً. وبعد النفقات الباهظة التي أنفقناها في سبيل تحرير تلك البلاد (ولايتي بغداد والبصرة) من نير الترك، أترانا سنعرّضها للفوضى والقلاقل مرة أخرى؟ إذا حرمتموهم من هذا (ولاية الموصل)، إذ أنكرتم عليهم الحكومة العربية المركزية الوحيدة، فعليكم أن تخلقوا لهم حكومة أخرى في مكانها (الكورد أنفسهم). لقد استُطلع رأي أهالي ولاية الموصل ذات الجالية الكوردية الكبيرة واستُفتوا، وفي ظنّي أنهم يرغبون في بقاء الحكم البريطاني بلا استثناء. ولو تخلّينا نحن عن مسؤولية تقدّمهم والأخذ بأيديهم لكان ذلك منا عملاً أخرق لا ندري كيف نبرّره. إن الأكراد يختلفون عن العرب والترك، فيجب أخذ رأيهم في شكل الحكومة المستقلة التي يفضّلونها. ونحن لا نقوم بحكم البلاد بموظفين مدنيين بريطانيين ونسنّ لهم قوانين تجري هذا المجرى. كلا، نحن نريد أن يحكم الأكراد أنفسهم بأنفسهم، ويجب أن تكون لهم المشورة والنصح والتوصية والمساعدة على إدارة دفّة الحكم في كوردستان … إلا أن الحكم في العراق الجديد يجب أن يكون عربياً، وعلينا احترام الوعد الرسمي الذي قطعناه لحلفائنا في تشرين الثاني 1918 للأكراد والعرب. لقد أجمع العرب على كرههم العودة إلى حكم الترك، وهم متّفقون على رغبتهم في حكم بريطاني … ليس من حقّنا أن نتكلّم عن العراق الجديد كما لو كنّا منتدبين عليه فعلاً حتى يتمّ عقد معاهدة صلح مع تركيا. وعندما يتمّ ذلك بصورة نهائية، وتوضع مسألة من ستكون الدولة المنتدبة على العراق الجديد، فسنطالب حتماً بأن نكون نحن تلك الدولة المنتدبة على العراق الجديد، بما فيه ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، بل بإعطائهم حقوقهم القومية والمشروعة من العراق الجديد». ولا شيء في هذا يدلّ على نيّة في خلق كيان كوردي سياسي مستقل ومنفصل عن بقية العراق الجديد.

  2. تُراجع الوثيقة FO 371/4192، سياسي، ص 9، من المرجع السالف: وقائع الأمور (Precis of Affairs)، ونصّها يختلف عن النص الكامل الذي ورد في كتاب ولسن، الولاءات، ج2، ص 127–128، وهذا هو النص: «… وفي السليمانية، التي تلقّينا دعوة إليها من الشيخ محمود الحفيد، كانت هناك وحدات تركية ما لبثت أن انسحبت منها بموجب شروط هدنة مودروس 1918. وبعثتُ بالميجر نوئيل ليكتب لي تقريراً عن الحالة، فاستُقبل استقبالاً حماسياً عند وصوله إلى السليمانية في منتصف شهر تشرين الثاني 1918، وقد زوّدته بهذه التعليمات: “أنت الآن الضابط السياسي البريطاني لسنجق (لواء) كركوك منذ الأول من شهر تشرين الثاني 1918، وهذا اللواء يقع بين الزاب الأسفل ونهر سيروان (ديالى) حتى الحدود التركية الفارسية (إيران) شرقاً، وهو جزء من ولاية الموصل، ومصيرها النهائي مدار اهتمام حكومة جلالته. وهذا الإقليم في الحال الحاضر يُعتبر ضمن منطقة الاحتلال العسكري البريطاني وبإدارتنا، وسيكون تعاملك مع زعماء القوم (الأكراد) هناك بهذه الصفة وعلى هذا الأساس. وأرجو ألّا يغيب عن بالك أن الإدارة البريطانية قد ترسل قوات عسكرية ترابط في السليمانية بشكل دائم، وربما إلى أماكن غيرها تقع شرق حدودنا الحالية. وعليك أن تتّخذ الإجراءات اللازمة بالتعاون مع الزعماء المحليين الكورد للمحافظة على الأمن والنظام في المنطقة الكوردية، ولا سيما في المواضع الخارجة عن حدود احتلالنا العسكري. وعليك أيضاً أن تقضي على نشاط عملاء العدو، وتؤمّن ما تحتاجه قواتنا البريطانية من أرزاق، وقد خوّلتك إنفاق المبالغ الضرورية في حدود ما خُوّلت به. وليكن معلوماً لك وللرؤساء المحليين الأكراد أن التدابير التي ستتّخذها بريطانيا هي بدافع الضرورة، ولذلك ستكون مؤقتة وعرضة لإعادة النظر ببيان آخر. ولقد خوّلتك أيضاً تعيين الشيخ محمود الحفيد ممثلاً لنا في السليمانية، ولك أن تجري تعيينات مماثلة في كلٍّ من جمجمال وحلبجة وغيرها حيثما وجدت ذلك مناسباً. وعليك أن توضح للرؤساء الذين تتّصل بهم أن حكومة جلالته (البريطانية) لا تنوي فرض نوع من الإدارة لا يتّفق وعاداتهم ورغباتهم الكوردية. ويجب عليك تشجيع رؤساء القبائل الكوردية على تشكيل اتحادات لغرض الفصل في نزاعاتهم القبلية تحت رعاية الضباط السياسيين البريطانيين ومشورتهم. وعليهم أن يواصلوا دفع الضرائب القانونية المستحقة عليهم بموجب القوانين العثمانية التركية السابقة. ولك أن تتصرّف في هذا الأمر بداعي الضرورة، وبقدر ما يتعلّق الأمر بالأمن في المنطقة (كوردستان)”».

  3. البرقية محفوظة في تقرير مرفوع من الإدارة في ميسوبوتاميا إلى وزارة الهند (المستعمرات)، برقم FO 371/3407.


أجزاء «الوعود البريطانية بإنشاء دولة كوردية مستقلة واحدة أو أكثر» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث

الجزء الثاني ←