الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الوعود البريطانية بإنشاء دولة كوردية مستقلة واحدة أو أكثر (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015
كان الميجر نوئيل أحبّ الممثلين السياسيين البريطانيين وأقربهم إلى قلوب الكورد، لما اتّصف به من وعي وإدراك لعدالة قضيتهم القومية الكوردية، وبقدر ما عمل مخلصاً لأجلها. إلا أن التناقض الواضح بين ما أراده هو، وما أرادته حكومته (بريطانيا)، وما يصبو إليه الكورد في كوردستان، جعل مهمّته عسيرة بل مستحيلة.
وفي الشهر التالي زار آرنولد ولسن، الحاكم المدني العام البريطاني في بغداد بالوكالة، السليمانية، والتقى الشيخ محمود الحفيد مع نحو ستين من زعماء الأكراد من جنوب كوردستان، ومن بينهم رؤساء كبار من كورد كوردستان إيران من مناطق سنه وسقز وهورامان الإيرانية. واجتمع ملياً بالشيخ محمود الحفيد على انفراد، وبحث معه الأوضاع السياسية في كوردستان تركيا، وتأكّد من إصراره على مقاومة الأكراد للأتراك. وبعد حديث طويل وجد إجماعاً فعلياً بين الزعماء الأكراد على عدم قبول عودة العثمانيين الأتراك إلى كوردستان العراق، واتفاقاً عاماً على الحاجة إلى الحماية البريطانية، على أن عدداً منهم كانوا يشكّون في حكمة ترك البريطانيين يديرون شؤون كوردستان العراق، في حين أصرّ آخرون من الكورد على وجوب فصل كوردستان الكوردية عن العراق العربي الجديد وإدارتها من لندن مباشرة لا من بغداد. وواضح أن هؤلاء كانوا يمنّون أنفسهم باستمرار تمتّعهم بتلك الحرية التي مارسوها خلال الحكم العثماني السابق، مستفيدين من المسافة البعيدة بينهم وبين مركز الحكومة في إسطنبول.
واكتشف آرنولد ولسن خلال زيارته السليمانية، وكان ينوي تقليد الشيخ محمود الحفيد الحاكمية العامة على المنطقة الكوردية (السليمانية) وأطرافها من كوردستان، أن الشيخ محمود الحفيد لا يحظى بولاء رؤساء الأكراد في كفري وكركوك؛ فقد قالوا له إن أهالي مدينتيهم لا يرغبون في أن يمتدّ حكم الشيخ محمود الحفيد إليهم، وإن عليه أن يتركهم وشأنهم ليتدبّروا أمرهم وحدهم مع سلطة الاحتلال البريطاني. إلا أن آرنولد ولسن خرج باتفاق مع الزعماء الكورد على خطوط عريضة وقّعه أربعون رئيساً كوردياً، وسلّم جوابه للشيخ محمود الحفيد مؤيّداً النقاط الرئيسة فيه ومثبّتاً سلطة الشيخ محمود الحفيد. وليس بين الوثائق نصّ لهذه الرسالة الجوابية، إلا أن ما ذكره آرنولد ولسن عنها، وما ورد في تقارير غيرترود بيل (المس بيل)، يؤيّدان أنها الأساس الذي رست عليه سلطة الشيخ محمود الحفيد. وفي المقابل سلّم ولسن الشيخ محمود الحفيد تصريحاً بريطانياً جاء فيه:
«أيّ قبيلة كوردية تستوطن أراضي كوردستان الممتدة من الزاب الكبير حتى نهر سيروان (ديالى)، باستثناء القبائل الكوردية في كوردستان الإيرانية، تقبل بإرادتها الحرة حكم الشيخ محمود الحفيد، فلا مانع من أن تفعل ذلك. وإن الشيخ محمود الحفيد يحظى بمساندتنا الأدبية في بسط نفوذه على المناطق الكوردية من كوردستان المذكورة والمنضمّة إليه، نيابةً عن الحكومة البريطانية التي تعهّد الشيخ محمود الحفيد بإطاعة أوامرها».
وإليك نصّ الوثيقة التي حملت توقيع الزعماء الأربعين من الأكراد:
«من حيث إن حكومة صاحب الجلالة البريطانية قد أعلنت أن هدفها من الحرب العالمية الأولى هو تحرير شعوب الشرق من الحكم العثماني التركي الظالم، ومدّ يد المساعدة لهم لبناء استقلالهم الذاتي، فإن رؤساء كوردستان وممثليها طلبوا من حكومة صاحب الجلالة البريطانية قبولهم تحت الحماية البريطانية أيضاً، وأن تُنشأ صلتهم بالعراق العربي الجديد بحيث لا يُحرم الأكراد من فوائد هذه الشراكة. وهم يرجون من نائب الحاكم المدني البريطاني العام لميسوبوتاميا، التي تشمل ولايتي بغداد والبصرة (العراق العربي الجديد)، وهو آرنولد ولسن، أن يرسل إليهم ممثلاً عنه يحمل معه المساعدات الضرورية لإعانة الشعب الكوردي في كوردستان العراق (ولاية الموصل) تحت الرعاية البريطانية، حتى يترقّى الشعب الكوردي ويسلك طريق التقدّم في مضمار المدنية بسلام. فإذا ما عرضت حكومة صاحب الجلالة البريطانية مساندتها وحمايتها للشعب الكوردي في كوردستان العراق، فإنهم يتعهّدون مقابل ذلك بإطاعة أوامرها والعمل بنصائحها» (4).
ويقول آرنولد ولسن، وكيل الحاكم المدني البريطاني في العراق، إن الشيخ محمود الحفيد سلّمه هذه الوثيقة بنفسه.
ليس في محتوى هاتين الوثيقتين ما يشير إلى مشروع لإقامة حكومة كوردية مستقلة في كوردستان العراق، ولا ما ينمّ عن أن البريطانيين كانوا يحملون فكرة حول إقامة نوع من حكومة أو إدارة كوردية خالصة في كوردستان العراق (ولاية الموصل). والوثيقتان معاً في الواقع لا تقومان مقام اتفاق رسمي بين طرفين متساويين في السيادة والسلطة؛ ومهما اعتبرهما الشيخ محمود الحفيد أو أي مواطن كوردي آخر، فما من شكّ في أن البريطانيين كانوا يعتبرونهما مجرّد ورقتي عمل عموميتي الطابع، ليس فيهما أي التزام، بل هما عرضة للتأويل وذواتا طابع مؤقت، مجرّد اتفاق أُبرم مع زعيم كوردي محلي عظيم القوة والحول لهدف معيّن مرهون بفترة قصيرة. ويُلاحظ أيضاً أن الوثيقتين خاليتان من تحديد جامع مانع للسلطة التي تمتدّ إليها يد الشيخ محمود الحفيد أو تحتويها. كما يُلاحظ في الوثيقة التي ذُيّلت بأربعين توقيعاً لرؤساء عشائر كوردية، ومنها توقيع الشيخ محمود الحفيد، أن أصحابها أضفوا على أنفسهم صفة تمثيل الشعب الكوردي في كوردستان، وأنهم إنما يتكلّمون باسمه، مما يُستنتج منه أن سلطة الشيخ محمود الحفيد مستمدّة من الشعب الكوردي لا من بريطانيا، وأنه في الواقع يرى نفسه كذلك، ولهذا وجب أن تمتدّ سلطته هذه إلى كل كورد ولاية الموصل، فلا تكون قاصرة على الحدود التي رسمها له البريطانيون. إلا أن البريطانيين كانوا يرون عكس ذلك، وأعتقد أن السبب هو عدم تضامن بعض العشائر الكوردية معه في هذا الموقف القومي الكوردي الحساس، وأبوا بإصرار أن يقرّوا للشيخ محمود الحفيد بهذا الادّعاء. بل لم يكتفِ الحاكم المدني البريطاني آرنولد ولسن بتجاهل الادّعاء، وإنما تقصّد فعلاً الإشارة إلى أن سلطة الشيخ محمود الحفيد مستمدّة من الحكومة البريطانية ليس إلا، وقال بصراحة مؤلمة: إن الشيخ محمود الحفيد لا يتمتّع بمساندة البريطانيين إلا بمواصلته تنفيذ أوامرهم بوصفه وكيلاً لهم. وأعتقد أن هذه هي سياسة بريطانيا مع الشخصيات الوطنية بغرض النيل منها.
وبُحثت أمور أخرى أثناء اللقاء بين الشيخ محمود الحفيد وآرنولد ولسن، وذُكر أن الشيخ محمود الحفيد طلب أن تُناط مسؤوليات الدوائر كلها بضباط بريطانيين، على أن يعاونهم موظفون أكراد، لا عرب، في الإدارات الثانوية، وأن تُناط بهم أيضاً مسؤولية قيادة القوات الكوردية المجنّدة محلياً.
والظاهر من كل هذا أن البريطانيين كانوا، قبل هذا اللقاء، قد توصّلوا إلى صعوبة إقامة «كوردستان جنوبية موحّدة» (كوردستان العراق)، ربما بسبب الحالة البدائية التي يعيشها مواطنوها الكورد، وعدم وجود الطرق والمواصلات بين المدن الكوردية، والنزاعات القبلية بين الأكراد، وفقدان وسائل المواصلات والاتصالات، وشحّة المتعلّمين المثقّفين الكورد لإشغال الوظائف. وتكشف التقارير أن الإدارة البريطانية راحت لفترة من الزمن تداعب فكرة خلق شبكة من الدويلات (إمارات كوردية؟) أو المناطق الإدارية الكوردية بحسب الانتساب العشائري ووفق الحاجات الاقتصادية لكل منطقة على حدة، تمهيداً لضمّ بعضها إلى بعض بعد حين من الزمن، ليُصنع منها وحدة سياسية في وقت لاحق (دولة كوردية أو حكم ذاتي كوردي في كوردستان العراق).
وفي السليمانية، التي باتت فجأة بؤرة الإشعاع القومي الوطني الكوردي بعد هدنة مودروس في 30 تشرين الأول عام 1918م، بفضل الصحافة الناشئة وقدوم عدد كبير من الموظفين العثمانيين الكورد المسرّحين ومثلهم من الضباط الذين التفّوا حول الشيخ محمود الحفيد وسلّموا بقيادته، بدت الإجراءات البريطانية بعيدة كل البعد عن التصريحات الدولية بشأن حقوق الشعوب، ومنها الشعب الكوردي، في تقرير مصيرها، وإزالة العقبات أمام نضالها في سبيل الاستقلال (كوردستان). واهتزّت الثقة عموماً بقيمة هذه التدابير التمهيدية التي قامت على إصرار بريطاني على القبض على كل نواحي الأمور في كوردستان. كما كانت هناك التجربة الأليمة في صدق الوعود البريطانية أثناء الحرب، عندما أقدم الجيش البريطاني على الانسحاب من كوردستان مؤقتاً، وعرّض المتعاونين الكورد معه للانتقام التركي (5). فبدا لهم إخلاء الجنود البريطانيين في عام 1919 من ميسوبوتاميا، التي تشمل ولايتي بغداد والبصرة، وهي العراق العربي الجديد، شيئاً شبيهاً بما حصل في عام 1918.
وفي بريطانيا كانت هناك ضجّة كبرى حول وجود الفرق البريطانية العديدة من الجنود في العراق، وواجهت حكومة لويد جورج، رئيس وزراء بريطانيا، حملة عنيفة تساندها الصحافة الإنكليزية حول النفقات البريطانية الكبيرة والأموال الطائلة التي تُصرف على جيش الاحتلال اللجب، فتقع كلها على عاتق دافع الضريبة البريطاني، فضلاً عن الضرورة التي تقضي بتسريح الجيوش بعد انتهاء الحرب. وكان من أثر ذلك أن أخذت القوات البريطانية تجلو تباعاً، ورُتّب بدلاً من ذلك أن يكون للقوة الجوية البريطانية الحضور العسكري الرئيس في العراق بدلاً من القوات البرية. وتوهّم القوم أن الحكومة البريطانية ستخلي الجو للحكّام العرب الجدد، إن لم يكن لإعادة ولاية الموصل إلى الأتراك.
يقول آرنولد ولسن، الحاكم المدني العام البريطاني في بغداد بالوكالة:
«ما من شكّ في أن الكورد يحقدون علينا، فقد وضعناهم مرة أخرى في حيرة، وأسلمناهم فريسة للشكوك والظنون؛ فقد بدا لهم أن التأكيدات التي أعطاها للكورد بسخاء ضباط سياسيون بريطانيون لا يشعرون بالمسؤولية ليست أهلاً للاعتماد. شجّعناهم على أعدائهم الترك ثم تركناهم في العراء … ومنهم زعماء عشيرة الهماوند الكوردية بنوع خاص، الذين لم يغفروا لنا، وظلّوا يناصبوننا العداء سنوات طويلة بعدها. قالوا: ها هم، بعد أن فتحوا ميسوبوتاميا (ولايتي بغداد والبصرة، العراق العربي الجديد)، بادروا إلى إعادة جنودهم إلى بلادهم في عام 1919 … قال ذلك تجّار ومسافرون عائدون إلى السليمانية من البصرة وبغداد، كانوا يتحدّثون عن أفواج من الجنود البريطانيين يرحلون يومياً بالسفن والقطارات. وخامر الشكُّ رؤوسَ الكثيرين منهم في أننا (بريطانيا) سننسحب من كوردستان (ولاية الموصل) ونترك سكانها الكورد لمصيرهم المجهول أو لدسائس الأدعياء بالسلطة، وقد رسخت هذه الفكرة في نفوس الكورد وأصبحت حقيقة لدى أمراء الكورد فيها».
وهناك سبب آخر للشكّ والتوتّر لدى الكورد، هو مسألة اللاجئين الآثوريين الذين جاؤوا من منطقتي حكاري وأورمية الكورديتين، والذين طردهم كورد برادوست من منطقة العمادية أثناء الحرب. ففي ربيع العام 1919 شكّلت السلطات البريطانية من هؤلاء الآثوريين الذين ضمّهم معسكر بعقوبة فوجين من قوة (الليفي)، صارت بريطانيا تستخدمهما في إجراء عمليات تأديبية وتمشيط بعض المناطق الكوردية (كوردستان) بغية توطين اللاجئين الآثوريين فيها. وأثار مخاوفَ الكورد حديثُ الحلفاء بحماسة وجدّية حول منح المسيحيين (الآثوريين) حق تقرير المصير، والحديث حول إنزال العقاب بمن ارتكب جرائم حرب بحقّهم من القبائل الكوردية التي تعاونت مع العثمانيين الترك في مذابح الأرمن. ولم تحاول الإدارة البريطانية حتى أيار عام 1919 تبديد تلك الشائعات، إلى أن تبيّن لها أن الوضع يهدّد بالانفجار، وربما بثورة كوردية خطيرة ضدّها، وعندها أصدرت بياناً تنفي فيه تلك الشائعات، مؤكدة أنها لن تحاسب الكورد المتّهمين بذلك.
وكان الميجر نوئيل (E. W. C. Noel)، الضابط السياسي البريطاني في كوردستان، ذا خبرة نادرة وإرادة حديدية وحيوية لا تُضارع. لم يضيّع وقتاً، بل قام بجولة واسعة حملته إلى راوندوز وحلبجة ورانية وكويسنجق، ونصّب ضباطاً سياسيين بريطانيين في تلك القصبات الكوردية، وأودع زعماء القبائل الكوردية فيها مهمّة حكم قبائلهم، على أن يكونوا مسؤولين أمام السلطات البريطانية عن طريق الشيخ محمود الحفيد: بعضهم بوصفهم موظفين (مديري نواحٍ وقائمقامين)، وبعضهم بمنحهم مخصّصات مقطوعة بحكم رئاستهم العشائرية، وبعضهم بشراء سكينتهم (ذممهم) ومحافظتهم على الأمن ضمن مناطقهم الكوردية والعشائرية بمنح وهبات نقدية، جرياً على سياسة اتُّبعت مع قبائل البلوش والبشتون في أفغانستان. وهذا الأسلوب في الحكم يمتّ بصلة كبيرة إلى تجارب الحكم البريطاني في الهند (وشراء الذمم) وفي بلاد أخرى تخضع للنفوذ البريطاني. فقد بدت طبيعة الواجبات والتعهّدات التي ربطت كونفدرالية جنوب كوردستان (ولاية الموصل)، سواء ما كان منها ضمن نفوذ الشيخ محمود الحفيد أو خارجه، أشبه بعلاقة «السيادة والاعتماد» التي وُجدت مع الإمارات الهندية شبه المستقلة محلياً، المعروفة بـ«دويلات المعاهدة» (Treaty States)، أي مبدأ الحكم غير المباشر المنسوب إلى لوغارد (Lugard)، الذي طُبّق في نيجيريا بعد تطبيقه في الهند، وقد خرج منه ذلك النظام الذي عُرف في تاريخ الاستعمار البريطاني بنظام ساندمان – بروس (Sandeman – Bruce) أو النظام المليكي (Maliki).
سُمّي نظام ساندمان – بروس نسبةً إلى واضعه السير روبرت ساندمان، أحد رجال الاستعمار البريطاني في الهند البريطانية ومنفّذي «سياسة التقدّم إلى الأمام» (The Forward Policy)، التي كانت تعمل على إدخال المنطقة الجبلية الموحشة شمال الهند البريطانية المعروفة ببلوشستان ضمن الإمبراطورية الهندية. وكان الغرض المزدوج من هذه السياسة: من جهة، حماية سكان الحدود في منطقة السند من غارات الجبليين العتاة الذين يجدون الحصانة دائماً في معاقلهم الجبلية الوعرة؛ ومن جهة أخرى، تقوية أسباب الدفاع عن الهند من غزو محتمل. ويقضي نظام ساندمان، الذي كان يهدف إلى مدّ السيادة البريطانية وبسطها على بلوشستان، بإسداء العون المالي للنظام العشائري هناك في شخص رئيسه الأعلى. فهو والحالة هذه يعتمد على شخص واحد، كما أنه غير مضمون الولاء من دون دفع مخصّصات أو مساعدات مالية له، وكان أشبه بعقد مقايضة يمكن أن يستغلّه المستفيد بالانتقال من جانب إلى آخر، وبالعصيان والتمرّد والامتناع عن القيام بخدمة ما، كحراسة قافلة أو طريق تجاري، أو تأمين شِعب أو خانق جبلي، أو تطبيق قرار لمجلس القبيلة الأفغانية (الجرگه Jirga). وقد حالف الفشل هذا النظام عندما أقدم بروس، صديق ساندمان وشريكه، على تجربته في قبائل المحسود الأفغانية، وهي أكثر «ديمقراطية» من غيرها، ورؤساؤها الذين يُطلق على كلٍّ منهم اسم «مَلِك» لا يملكون من السلطة ما يملكه مثلاً زعماء آخرون في بلوشستان لقبائل البراهوي والبلوش. وكان بروس يأمل أن ينجح «المَلِك» منهم في السيطرة على قبيلته نظير المخصّصات المدفوعة، ففشل. وهناك سبب آخر، هو أنه طبّق هذا النظام قبل أن يتسنّى له السيطرة على مواقع المحسود عسكرياً، كما فعل رفيقه ساندمان في بلوشستان. ثم إن قبائل المحسود، بعكس البلوش، كانوا دوماً يخضعون لسلطة الزعماء الدينيين المرهوبي الجانب، وهم الذين يأمرونهم بحمل السلاح ضد البريطانيين تعاطفاً مع الأفغان إخوانهم في المذهب.
وهناك مشابهة بين هذه القبائل الأفغانية والقبائل الكوردية؛ فالكورد، كعشيرة المحسود، عشقوا حريتهم وقوميتهم الكوردية وتمسّكوا بها، ونازعوا كلّ من حاول إخضاعهم لإرادته. وهم مثلهم كذلك يحترمون رؤساءهم الروحانيين، حتى قبل احتلال هؤلاء مقام زعماء القبائل التقليديين والأغوات في القرن التاسع عشر (6).
وفي كوردستان العراق التي سيطر عليها البريطانيون كانت هناك وقتذاك دعاية تركية دينية قوية وذكية وحاذقة، حوّلت قطاعات من الشعب الكوردي في كوردستان العراق إلى الخندق المعادي للبريطانيين؛ فهذه دولة إسلامية (تركيا) تستعديهم على البريطانيين بتحريض من رجال دين يُجلّون قدرهم ويحترمون رأيهم.
ومن المفارقات الطريفة أن نذكر هنا أن بروس، الذي نشر كتابه قبل عشرين عاماً من الاحتلال البريطاني لجنوب كوردستان، كان قد قرأ ما دوّنه اللورد كرزون (وزير خارجية بريطانيا الأسبق) دفاعاً عن الكورد، وشجبه تهمة القسوة وطبيعة التمرّد فيهم وعدم أهليتهم للثقة، تلك التي يلصقها بهم أعداؤهم ومبغضوهم الشوفينيون، في كتابه «فارس والقضية الفارسية» (Persia and the Persian Question). فبعد أن اقتبس بروس دفاع اللورد كرزون عن الكورد علّق قائلاً: «لو أننا أبدلنا اسم المحسود وزيري باسم الكورد، فإن شرحنا سيكون منطبقاً عليهم تماماً» (7).
إلا أنه كان مخطئاً هنا، فإن الانحلال السريع لهذا النظام القبلي والعشائري الذي طُبّق في إدارة جنوب كوردستان، وانهياره في النهاية، كان دليلاً على استحالة تطبيقه في كوردستان. وقد يُجادَل في إمكانية نجاحه لو وُجدت للبريطانيين قوة عسكرية مرابطة لفرضه، أو لو استمرّ الشيخ محمود الحفيد في التعاون معهم. والبريطانيون إنما حاولوا تطبيق هذا النظام بديلاً عن اضطرارهم إلى وضع قوات عسكرية بريطانية دائمة، بإقامتهم حكماً محلياً على رأسه زعيم ذو صفة دينية، وكانوا يريدون بهذا التدبير اقتصاداً في النفقات وتقليلاً لعدد الحاميات البريطانية، وقد بدؤوا يسرّحون جنودهم. بل إن تعاونهم مع الشيخ محمود الحفيد كان يعني بحدّ ذاته فشل النظام، فمجرّد الاعتماد على شخص واحد معناه أن النظام الذي أرادوا تطبيقه محروم من النجاح. ترى كم كان هذا يتعارض مع النية في إقامة حكم مدني عصري في كوردستان المستقلة أو (الأوتونومية)؟ وهو ما كان الميجر نوئيل يعمل له بنية خالصة ودأب، دون أن يرى بُعد الشُّقّة والخلاف بين هذا الهدف وبين النظام الذي طلبت منه القيادة البريطانية تطبيقه على كوردستان.
المصادر
من تقرير للضابط السياسي، ص 10، FO 371/4192. P.O.A.
أرنولد ولسن، المندوب البريطاني في العراق: المرجع السالف، ج2، ص 86: «إن القرار بإخلاء كركوك تمّ بعد أيام من وصول رسالة الشيخ محمود الحفيد، وإنه اضطرّ إلى إخبار الكورد بأن الجيش البريطاني سينسحب من مدينة كركوك وأنحائها “بسبب حرارة الجو!” على أنهم سيعودون وشيكاً». ثم يستطرد: «قبلتُ اقتراح الشيخ محمود الحفيد بأن يكون ممثلاً لنا لو استطاع ذلك، وخوّلته فعلاً إصدار بيان للجمهور بهذا، برسالة بعثت بها إليه موقّعة من الحاكم المدني العام البريطاني (برسي كوكس أو ولسن) تتضمّن تعيينه ممثلاً لبريطانيا في السليمانية وسائر المنطقة، في الوقت نفسه الذي شُرع فيه بتشكيل وحدات من الليفي الكوردي في خانقين، ومثيلتها في حلبجة، وكان الأمل أن تسند حكم الشيخ محمود الحفيد». لم يصدر هذا البيان، وعاد الأتراك يحتلّون كركوك في 24 من أيار 1918 حال خروج البريطانيين منها، ثم أرسلوا في الوقت نفسه قوة إلى السليمانية فاحتلّتها، وأعلنت الأحكام العرفية، وأُلقي القبض على الشيخ محمود الحفيد وعدد من الشخصيات الكوردية الوطنية المؤيدة له، وحوكم بعضهم وفُرضت غرامات على بعضهم. وكلّ من شارك في حركة الشيخ محمود الحفيد أصيب بضرر وخسارة، وباتوا موضع سخرية وتندّر، بل أصابهم الخجل وطُعنت كراماتهم، كما ذكرت غيرترود بيل (المس بيل) [تقرير عن الإدارة – المرجع السالف، ص 48]. وتستطرد: «كان مصدر عجب شديد أن الأتراك، على غير عادتهم أو المتوقّع منهم، لم يعمدوا إلى القسوة المعروفة عنهم، فقد عُومل الثائرون الكورد معاملة رقيقة كريمة، والظاهر أنهم كانوا يخشون انتفاضة عشائرية كاسحة، فعافوا الإجراءات الانتقامية، ولم يلحقوا أذى بالشيخ محمود الحفيد، بل أطلقوا سراحه بعد فترة قصيرة وأذنوا له بالعودة إلى السليمانية. وتبدّلت سياستهم تماماً: فالأرزاق التي كانوا يحصلون عليها من الأهالي يُدفع ثمنها نقداً، ومرتّبات الليفي الكوردي كانت تُدفع بانتظام. وأثّر هذا الانقلاب (في سياسة بريطانيا تجاه الشعب والحركات الثورية الكوردية) كثيراً في مزاج الكورد، حتى إن عدداً منهم تطوّعوا للحرب إلى جانب الأتراك». ولم يكن انسحاب البريطانيين من كوردستان (كركوك) «بسبب حرارة الجو» كما قال أرنولد ولسن، وإنما كان بسبب تدهور الموقف العسكري للحلفاء فيما وراء القفقاس، والافتراض بأن يُعهد إلى القوات المتواجدة في ميسوبوتاميا (العراق الجديد) بواجبات إضافية في ميادين أخرى. إلا أن انسحابهم سدّد ضربة موجعة إلى سمعتهم، بقوا يعانون آثارها، على حدّ تعبير غيرترود بيل (المس بيل)، إلى ما بعد نهاية الحرب وانتصارهم، وكما كان متوقّعاً استغلّ الترك هذا استغلالاً كبيراً. ويصرّ أرنولد ولسن على أنه فوجئ تماماً بالانسحاب البريطاني من كركوك، ولم تكن لديه أية فكرة عنه، حتى إن الضابط السياسي المعيّن هناك (الميجر ريدر بولارد) كان كلّ ما يعلمه من الجهات العسكرية أن احتلال مدينة كركوك ليس دائماً. وتستطرد غيرترود بيل (المس بيل): «كان التأثير آنياً وفورياً، فقد بقيت الجهود البريطانية لتشكيل قوة كوردية محلية تعاني العقم طوال الصيف ولا تلقى صدى، في حين نجح الترك في تطويع قوة كبيرة من الخيالة الكورد وضمّهم إلى قواتهم التي تعمل في إيران».
جرجيس فتح الله، مبحثان على هامش ثورة الشيخ عبيد الله النهري.
ريتشارد بروس: سياسة التقدّم إلى الأمام ونتائجها، أو خمسة وثلاثون عاماً من العمل بين القبائل في الحدود الشمالية الغربية من الهند – Richard I. Bruce: The Forward Policy and Its Results, or Thirty-Five Years’ Work amongst the Tribes on Our North-Western Frontier of India، ط. لندن، 1900، ص 170–171. إن الفكرة التي كوّنها عدد من الضباط السياسيين البريطانيين عن المجتمع القبلي الكوردي بعد وصولهم كوردستان هي التي دفعتهم مبدئياً إلى تبنّي نظام ساندمان – بروس لمعالجة الإدارة في كوردستان، ويمكن إعطاء صورة لهذه الفكرة من تقرير بريطاني ورد فيه انطباع لأحد الضباط السياسيين البريطانيين البارزين، وإليك هو: «عقلية الكوردي هي عقلية صبي مدرسة، لكن ليس من دون قسوة صبي المدرسة المتأصّلة، فهو يتطلّب الضرب يوماً وقطعة حلوى يوماً. والإفراط في الشدّة أو الإفراط في التدليل يجعلان منه شخصاً صعب القيادة، وهو كالصبي يكذب دائماً إنقاذاً لنفسه» [W. R. Hay: Notes on Rowanduz, December 1919، دبليو. آر. هاي: ملاحظات عن رواندوز، FO 371/5068]. ودونك رأياً آخر في تقرير رسمي: «والأغوات الكورد يمكن تقسيمهم إلى آغا طيب وآغا سيئ، وهؤلاء هم علّة المساوئ والشرور، والضرورة توجب وضع حدّ لتصرّفاتهم بكل السبل الميسورة. إن الطمع والطموح الشخصي لرؤساء القبائل والأغوات هو الذي يدفع الأغوات المسيئين، وهم الذين يخاصمون الحكومة، وبكسر شوكتهم نحمي أنفسنا ونقدّم خدمة للكورد عموماً. ولحسن الحظ أن الأغوات الطيبين، الراغبين في العيش بسلام والحريصين على مصالح فلاحيهم وعيشهم بأمن ورخاء، ليسوا قلّة، وحيثما وُجدوا علينا أن نستفيد منهم وأن نبذل كل جهد لإشراكهم في الحكم والإدارة» [Precis of Affairs in Southern Kurdistan: Review of Civil Administration Report for Sulaimaniya Division 1914–1920] (مجمل الشؤون في جنوب كوردستان: تقرير استعراض الإدارة المدنية لقسم السليمانية 1914–1920). وعنصر الخطأ هنا يكمن في إغفال ذلك الصراع الدائم بين القبائل الكوردية المتنافسة، وبين أغوات القبيلة الكوردية الواحدة، وقلّما اتفقوا داخل القبيلة الواحدة، ولا سيما عند قيام الضابط السياسي باختيار واحد من بينهم ليخصّه بالتفضيل ويركن إلى آرائه، فيلجأ منافسه إلى اتخاذ موقف عدائي من الحكومة، تماماً مثلما كان الموظفون العثمانيون يفعلون في الماضي. فالنقيب هاي مثلاً، صاحب الفكرة القاسية، وقع في الأحبولة نفسها عندما أهمل اختيار الأعلى أو الكبير من بين أغوات خوشناو ليكون المقرّب منه وموضع الكلمة عنده، مفضّلاً عليه آغا آخر، فأطلق غوائل النقمة على حكومته داخل أسرة ميران، وهو حادث ما زال مصدر خلاف بينهم، وهم يذكرونه حتى الآن. ولم يكن مدعاة للعجب والحالة هذه أنه، كما ذكر التقرير الذي اقتبسنا منه الآن، في الوقت الذي كانت السياسة فيه واضحة، وهي أن منفّذيها (الضباط السياسيين البريطانيين) قد أُودعت إليهم مهمة التمهيد لأرضية إقامة حكومة مستقلة في جنوب كوردستان تحت الرعاية البريطانية (ص 14 من التقرير)، بدا وكأن هناك تصميماً فعلياً على إخضاع الكورد إلى «محاسن» النظام البريطاني (الساندماني) وفوائده، سواء أرغبوا أم كرهوا. ومن هنا، في رأيي، ظهرت أعمال العنف التي أتينا على ذكرها في كلٍّ من العمادية وبارزان والزيبار، وليس ببعيد أيضاً في السليمانية في 1919.
أجزاء «الوعود البريطانية بإنشاء دولة كوردية مستقلة واحدة أو أكثر» (3 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث