الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

تاريخ الكورد في عهد صدر الإسلام والعهد الأموي (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

1. موطن الكورد في عهد الإسلام

للحقائق الجغرافية أهمية بالغة في فهم تاريخ الشعوب وتفسير مسار الحضارات، وكل إغفال للجغرافيا هو إغفال للتاريخ نفسه. وقد كان الرئيس الفرنسي شارل ديغول على حق حين قال ذات مرة للرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر: “الجغرافيا هي العامل الثابت في صنع التاريخ”.

لذا من الضروري، ونحن نتحدث عن تاريخ الكورد وكوردستان في عهد الإسلام، أن نعرف مواطن الكورد وكوردستان إبان الفتوحات الإسلامية وفي الفترات التي تلتها. فقد وقعت بلاد الكورد (كوردستان) ضحية التباس حدث قبل الإسلام بقرون، حينما كانت كوردستان موزعة بين الدول الثلاث: فارس وأرمينيا وبيزنطة، ونتيجةً لذلك سُميت في المصادر الإسلامية “عراق العجم” حيناً، وعُدّت قسماً من بلاد فارس وجزءاً من أرمينيا أحياناً. وها هو ذا المقريزي (ت 845هـ) يتحدث عن أحياء الكورد، فيذكر أنهم كانوا يقيمون في فارس، ويقول: “وأحياءُ الكورد تكثر عن الإحصاء، غير أنهم بجميع أحيائهم كانوا مقيمين بفارس، فكانوا يزيدون عن خمسمائة ألف بيت شعر، يخرج من البيت الواحد نحو العشرين”.

ونرى من المفيد توضيح المصطلحات الجغرافية الإدارية لكوردستان الواردة في المصادر العربية خلال العهود الإسلامية، وهي: الجزيرة الكوردية، وبلاد الجبل (إقليم الجبال أو عراق العجم)، وأرمينية، وأذربيجان، وخوزستان، وكرمان، وفارس، وخراسان؛ فهي كثيرة التداول في تلك المصادر، ولها صلة وثيقة بمواطن الكورد (كوردستان).

أ. الجزيرة الكوردية (ميزوبوتاميا) أو ما بين النهرين

الجزيرة الكوردية تسمى “ما بين النهرين”، كما تسمى “ميزوبوتاميا” عند اليونان والرومان، وهي المناطق الواقعة بين نهري دجلة والفرات في كوردستان العراق وسوريا وتركيا، وتمتد من تكريت على دجلة إلى الحديثة وعانة على الفرات جنوباً، ثم تتجه شمالاً إلى منابع دجلة والفرات في المناطق الكوردية في كوردستان تركيا الحالية. هذا ما أجمع عليه أكثر الجغرافيين، ونسب بعضهم إلى هذا الإقليم مدناً وقرى بعيدة عن ضفتي النهرين، كالعمادية وأربيل ومعلثايا والبوازيج. ويتفق الجغرافيون المسلمون القدامى المشهورون على هذا التحديد للجزيرة الكوردية، وقد رسم أبو الفداء (ت 732هـ) حدودها كالآتي:

“والذي يحيط بالجزيرة الكوردية الفرات من حدود الروم، وهو طرف الحد الغربي الجنوبي للجزيرة، فيمتد الحد الجنوبي الغربي مع الفرات من ملطية إلى سميساط، إلى قلعة الروم، إلى البيرة، إلى قُبالة منبج، إلى بالس، إلى الرقة، إلى قرقيسيا، إلى الرحبة، إلى هيت، إلى الأنبار، ومن الأنبار يخرج الفرات عن تحديد منطقة الجزيرة الكوردية، ثم يعطف الحد من الأنبار إلى تكريت وهي على دجلة، إلى السِّن، إلى الحديثة على دجلة، إلى الموصل، إلى جزيرة ابن عمر الكوردية (جزيرة بوتان)، إلى آمد (ديار بكر)، ثم يصير الحد غربياً ممتداً بعد أن يتجاوز آمد إلى حدود بلاد الروم، إلى الفرات عند ملطية من حيث ابتدأنا. فعلى هذا يكون ما يحيط بكوردستان (بلاد الكورد) بعضَ أرمينية وبعضَ الروم غربيَّ الجزيرة، وبعضَ الشام وبعضَ البادية جنوبيَّها، والعراقَ شرقيَّها، وبعضَ أرمينية شماليَّها”.

وخلال الفتوحات العربية الإسلامية وفيما بعدها، قُسمت الجزيرة الكوردية إلى ثلاث مناطق بحسب القبائل العربية التي أتت إليها واستقرت فيها، وهي:

أولاً: ديار ربيعة، ومن مدنها، من الجنوب إلى الشمال: هيت والدالية وماكسين وسنجار والموصل ونصيبين (شمالي القامشلي على الجانب التركي) وكفرتوثى وبرقعيد وبلد وسعرت (إسعرد = سرت).

ثانياً: ديار مُضر، ومن مدنها: الرقة وقرقيسيا (كركميش = قرقميش) على الفرات والخابور بالقرب من الرقة، وحران والرها وسروج.

ثالثاً: ديار بكر، ومن مدنها: آمد وميافارقين وشمشاط (خرتبرت = خربوت = حصن زياد = آلازيغ) وقاليقلا (أرزن الروم) وحصن كيفا (حسنكيف).

ومن الضروري أن نأخذ بالحسبان أن إقليم الجزيرة الكوردية كان ينتقل قبل الإسلام من النفوذ الفارسي إلى النفوذ البيزنطي وبالعكس. وفي الغالب كانت المنطقة الكوردية التي سميت في الإسلام “ديار ربيعة”، والممتدة من شمالي تكريت إلى نصيبين وبلد وسنجار (شنكال) شمالاً بما فيها الموصل، تقع ضمن الممتلكات الفارسية، وكانت المنطقة التي سميت في الإسلام “ديار مُضر” و”ديار بكر”، وجزء من المنطقة التي سُميت “ديار ربيعة” بما فيها رأس عين ودارا وماردين، تقع ضمن الممتلكات البيزنطية.

ب. إقليم الجبال (بلاد الجبل) أو عراق العجم في كوردستان

هي المنطقة التي تقع غربي إيران وشماليها الغربي (كوردستان)، وتفصل العراق العربي عن قلب إيران، وتشكل جبال زاكروس في كوردستان عمودها الفقري. وقد عُرفت الأقسام الجنوبية من جبال زاكروس الكوردية في العصر الأكادي باسم “عِلياتيم” (Eliatim)، ودُوّنت في عهد الملك البابلي حمورابي (1792-1750 ق.م) بصيغة “ماتوم عليتوم” (Matum Elitum)، أي البلاد العليا. وكانت تشمل في العصر البابلي أقاليم: ماراهشي، وأوركيش، وناوار، وكوتيوم، وزاموا، وسيموروم، وأوربيليوم. وذكرها الفرس قديماً باسم “قوهستان”، ويعني “بلاد الجبال” الكوردية، وذكرها العرب في الإسلام بالاسم نفسه: “بلاد الجبل” الكوردية.

وأفاد ابن حوقل (ت بعد 367هـ) وأبو الفداء (ت 732هـ) أن الحد الشرقي لبلاد الجبل صحراء خراسان وفارس وأصبهان وشرقي خوزستان، وحدها الغربي أذربيجان، وحدها الشمالي بلاد الديلم وقزوين والري (قرب طهران حالياً)، وحدها الجنوبي العراق وبعض خوزستان.

وتشتمل بلاد الجبل الكوردية على: حلوان (ألوان = هالمان = هاورامان = زهاو)، وأربل (أربيل)، وشهرزور، وسهرورد، وزنجان (أقصى مدن الجبال شمالاً)، وقصر شيرين، وقرميسين (كرمنشاه)، والدينور، وهمذان (وسط بلاد الجبال الكوردية، ومن نواحيها نهاوند وبروجرد، وقم في أقصى شرقي بلاد الجبل)، وأصبهان (في أقصى جنوب شرقي بلاد الجبل الكوردية)، واللور (الكورد الفيلية) (في أقصى جنوبي بلاد الجبل)، وجبل دنباوند (في أقصى شمال شرقي بلاد الجبل). وكانت بلاد الجبل الكوردية تتبع إدارياً الكوفة والبصرة.

وحينما خص ياقوت الحموي (ت 626هـ) اللور بالوصف قال: “اللور (الكورد) كورة واسعة بين خوزستان وأصبهان. والمعروف أن اللور (الكورد)، وهم اللر أيضاً، جيل يسكنون هذا الموضع. وذكر الإصطخري قال: اللور (الكورد) في بلد خصيب، الغالب عليه الجبال، وكان من خوزستان، إلا أنه أفرد في أعمال الجبل لاتصاله به”.

وقال ياقوت الحموي في مادة (اللر): “وهو جيل من الأكراد في جبال بين أصبهان وخوزستان، وتلك النواحي تعرف بهم، فيقال: بلاد اللر، ويقال: لرستان، ويقال لها: اللور (الكورد) أيضاً”.

وقال ابن حوقل: “واللُّر (الكورد) بلد بذاته خصب، والغالب عليه هواء الجبل، وكان من خوزستان فضم إلى أعمال الجبل الكوردية، وله بادية وإقليم ورساتيق، والغالب عليه الأكراد”.

وكانت بلاد الجبل الكوردية تسمى قديماً بلاد البهلويين، روى الإدريسي ذلك قائلاً: “وبلاد البهلويين هي بلاد الجبل الكوردية”. وذكر ابن خرداذبه أن بلاد البهلويين تشمل “الري وأصبهان وهمذان والدينور ومهرجانقذق وماسبذان وقزوين، وقزوين ثغر الديلم، وزنجان والبير والطيلسان والديلم”. وقال الهمذاني في معرض حديثه عن بلاد الجبل الكوردية: “ويسمى هذا الصقع من بلاد البهلويين، وهي همذان وماسبذان ومهرجانقذق، وهي الصيمرة، وقُم وماه البصرة وماه الكوفة وقرميسين وما ينسب إلى الجبل”.

ويتضح من أسماء المدن والمناطق التي ذكرها كل من ابن خرداذبه والهمذاني أن المناطق الكوردية كانت تشكل العمود الفقري لبلاد البهلويين، وبالتدقيق في المناطق الكوردية التي كانت تقيم فيها القبائل الميدية الكوردية يتضح أن بلاد البهلويين كانت موطن الميديين (الكورد)، وكانت جزءاً صميماً من ميديا الصغرى خاصة. فهل البهلويون هم الكورد؟

نعم، البهلويون فرع كبير من الكورد، وبقي اسم هذا الفرع في اسم “فيلي”، مع الأخذ في الحسبان أن الصيغة الأصلية لكلمة بهلوي هي “پهلوي” (Pahlavic)، وهي كلمة آريانية مشتقة من “پهلو” (Pahlav)، بمعنى “مدينة”، واستعملت في الكوردية بصيغة “پالو” أيضاً، وتعني كلمة “پهلوي”: متحضر، مدني، مثقف. وكانت لغة مؤسس الدولة الساسانية أردشير بابكان “پهلوية” أصلاً، وقد أكد ابن البلخي في كتابه (مجمع الأنساب) انتماء أردشير بابكان إلى قبيلة شبانكاره (شوانكاره) الكوردية الضخمة التي كانت تقيم في إقليم فارس، وذكر الدكتور جمال رشيد أحمد أن أحفاد هذه القبيلة الكوردية ما زالوا يقيمون في نواحي كالون عبدو بإقليم فارس، ويتكلمون بإحدى اللهجات الكوردية الجنوبية المتأثرة بالفارسية.

إضافةً إلى ما سبق، فإن كلمة “بهلوان” تعني بالكوردية “بطل”، وكلمة “كورد” تعني بالفارسية القديمة: بطل، شجاع، باسل. وكان الكتاب الزردشتي “أفستا” قد شُرح في كتاب سمي “دين كورد” بالحروف البهلوية، وهذا دليل آخر على العلاقة الوثيقة بين “كورد” و”بهلوي”، وأنهما اسمان لمسمى واحد.

ولنعد إلى الحديث عن إقليم الجبال الكوردية، فقد قال القزويني: “الجبال ناحية مشهورة يقال لها قهستان، شرقيها مفازة خراسان وفارس، وغربها أذربيجان، وشمالها بحر الخزر، وجنوبها العراق وخوزستان، وهي أطيب النواحي هواءً وماءً وتربة، وأهلها أصح الناس مزاجاً وأحسنهم صورة”.

ومرةً أخرى يتأكد لنا أن بلاد الجبل (إقليم الجبال الكوردية) كانت تشتمل على قسم كبير من بلاد الكورد (كوردستان) في غربي إيران حالياً، وعلى جنوبي كوردستان. وقد بيّن ابن حوقل ذلك في الخريطة التي رسمها، فبعد أن ذكر مدن بلاد الجبال ونواحيها، ذكر أوصافها والمسافات فيما بينها، وقال: “والغالب على هذه المدن الكوردية المذكورة والنواحي الموصوفة الجبال الشاهقة العالية والأوعار الصعبة المنيعة. وهذه الجبال الكوردية مسكونة ومأهولة بالأكراد الحميدية واللارية والهذبانية وغيرهم من أكراد شهرزور وسهرورد”. وإلى يومنا هذا تطلق إيران على معظم تلك المناطق الكوردية رسمياً اسم كوردستان، ومدينتها الكبرى هي كرمنشاه (قرميسين).

ج. أرمينيا وأذربيجان

جمع ابن حوقل في القول بين أرمينية وأذربيجان والران، ورسم حدود هذه البلاد في خريطة واحدة، وقال: “والذي يحيط به مما يلي المشرق فالجبال والديلم وغربي بحر الخزر، والذي يحيط به مما يلي المغرب حدود الأرمن واللان وشيء من حدود الجزيرة الكوردية، والذي يحيط به من جهة الشمال فاللان وجبال القبق، والذي يحيط به من الجنوب حدود العراق وشيء من حدود الجزيرة الكوردية”.

وذكر أبو الفداء أن أرمينية تتألف من ثلاثة أقسام:

  • القسم الأول: يشمل قاليقلا وخلاط وشمشاط.
  • القسم الثاني: يشمل خرزان (جورجيا)، بما فيها تفليس (عاصمة جمهورية جورجيا)، ومدينة باب اللان.
  • القسم الثالث: يشمل برذعة، وهي كبرى مدن أران، ويشمل أيضاً البيلقان وباب الأبواب.

ونقل أبو الفداء من كتاب (المشترك) لياقوت الحموي أن “أرمينية اسم لأربع قطع فيها بلاد متصلة: الأولى من بيلقان إلى شروان وما بين ذلك، والثانية تفليس، وهي خرزان، وباب فيروزقباذ، والكُر، والثالثة السفرجان والدبيل ونشوى، والرابعة قرب حصن زياد، وهو المسمى خرتبرت (خربوط)، وخلاط وأرزن الروم وما بين ذلك”.

ومن مدن أرمينية: وان، وبدليس، وملازجرد (ملاذكرد)، وخلاط (أخلاط)، وبركري (شرقي خلاط)، وموش، وأرزنجان، وأرجيش، ونشوى (نخجوان)، ودوين (وإليها ينسب الأيوبيون في أغلب الروايات). وقد مرّ أن الجغرافي ابن حوقل قد جمع بين أرمينيا وأذربيجان في الاصطلاح، بل إنه أطلق مصطلح أرمينيا على قسم كبير من أذربيجان نفسها، إذ قال: “وأكبر هذه النواحي أذربيجان، وأكبر مدنها أردبيل، ويلي أردبيل في الكِبر المراغة، ويلي المراغة في الكِبر أُرمية، وفي ضمن أرمية ومضاف إلى عملها أشنة، وهي أيضاً مدينة كثيرة الشجر والخضر والخيرات والفواكه والخَصب والأعناب، والمياه الجارية متوفرة القسم غزيرة القسط من سائر ما خصت به أرمية والمراغة من رفق باديتها والتفاف الخيرات بها من جهة أكرادها الهذبانية، وبها يصيفون، وإياها ينتجعون، وبها جميع ما يملكون ويدخرون”.

والملاحظ هنا أمران:

أ. توزع الكورد في أذربيجان الإدارية قديماً.

ب. اشتمال أرمينية الإدارية على أجزاء من أقصى شمال كوردستان حالياً، مثل وان وبدليس وموش وأرزنجان.

ولمصطلح “أرمينية” في كتب التراث الإسلامي دلالة إدارية أوسع بكثير من الدلالة الإثنية، شأنه في ذلك شأن فارس. وتعود هذه الدلالة إلى ما كانت عليه كوردستان قبل الإسلام، فقد مرّ أنها كانت تتوزع بين ثلاث دول، هي: فارس في الشرق، وأرمينيا في الشمال، وبيزنطة في الغرب، ومرّ أيضاً أن ملوك أرمينيا في أدوار القوة كانوا يبسطون نفوذهم على المناطق الشمالية والغربية من كوردستان. أضف إلى ذلك أن الفرس (الأخمينيين والبارثيين والساسانيين) كانوا يجمعون بين أرمينيا والأجزاء الشمالية والغربية من كوردستان، ويسمونها إدارياً “أرمينيا”.

ولما فتح العرب المسلمون كوردستان وفارس وأرمينيا أبقوا على معظم النظم الإدارية السابقة، بل إنهم أبقوا على النظم النقدية المعمول بها وعلى لغات الدواوين أيضاً، إلى أن ألغاها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (ت 86هـ). وكان العاملون في تلك الدواوين من أبناء البلاد المفتوحة، أي من تبعية النظم الإدارية السابقة في فارس وأرمينيا، فكان من الطبيعي أن تنتقل التسميات الإدارية المعتمدة في فارس وأرمينيا قبل الإسلام إلى السجلات الإدارية في العهد الإسلامي، وأن يعتمدها المؤرخون والجغرافيون حينذاك كما هي.

وفي التاريخ أمثلة كثيرة على غياب الدلالة الإثنية لمنطقة ما في مرحلة ما، وغلبة الدلالة السياسية الإدارية. ولنأخذ على سبيل المثال دولة إيران، فهي تكوين سياسي إداري في الدرجة الأولى، إذ تتألف من خمسة أقاليم، هي: بلوشستان في الجنوب الشرقي، وفارس في الجنوب والوسط والشرق، وأذربيجان في الشمال، وكوردستان في الشمال الغربي، وعربستان (الأهواز) في الجنوب الغربي. ومثال ذلك أيضاً باكستان وأفغانستان والعراق وتركيا ودول أخرى كثيرة.

د. العراق (ميزوبوتاميا) أو بلاد ما بين النهرين

ذكر ابن حوقل أن العراق العربي يمتد في الطول من حد تكريت شمالاً إلى عبادان على بحر فارس (الخليج العربي) جنوباً، ويمتد عرضاً من القادسية (قرب الكوفة) غرباً إلى حلوان (على تخوم إقليم الجبال الكوردية) شرقاً. ويُفهم مما ذكره ابن حوقل وغيره من الجغرافيين أن مناطق جنوبي كوردستان لم تكن معدودة من العراق قديماً، وأن مصطلح “عراق العجم”، الذي يراد به إقليم كوردستان (في كوردستان العراق)، مصطلح إداري ظهر في الفتوحات الإسلامية للتمييز بين الجزء الذي يسكنه العرب من العراق والجزء الذي يسكنه الكورد.

هـ. خوزستان

يحد خوزستان شرقاً إقليم فارس، وشمالاً إقليم الجبال الكوردية، وغرباً العراق، وجنوباً بحر فارس (الخليج العربي). وذكر أبو الفداء أن خوزستان إقليم واسع بين البصرة وفارس، ومن نواحي خوزستان بلاد اللور الكوردية، وهي بلاد خصبة تغلب عليها الجبال. ونقل أبو الفداء من (كتاب الأطوال) لابن حوقل أن: “جبل اللور هو بين تستر وأصبهان، وامتداد هذا الجبل طولاً نحو ستة أيام، وفيه خلق عظيم من الأكراد، وبه ملوك لهم. ومن اللباب: لور (الكورد) هي من رستاق خوزستان”. وقال أبو الفداء: “في ظني أنها جبال يقال لها لورستان، منها عمار بن محمد اللوري، الذي يروي حكاية الجوزة والموزة والسلسلة بالتبسم والضحك”.

ومن مدن خوزستان: جنديسابور، وهرمز، وعسكر مكرم، وسوق الأربعاء، والسوس، وتستر، وقرقوب، والباسيان، ودورق، وديرا، وآسك، ورام هرمز، وإيذج.

و. فارس (العجم، إيران)

ثمة تداخل دلالي بين ثلاث تسميات هي: “فارس” و”العجم” و”إيران”.

أما “إيران” فاسم استحدثه الشاه رضا بهلوي في النصف الأول من القرن العشرين، وأطلقه على الدولة التي ورثها القاجاريون عن الصفويين، والأصل في هذا الاسم هو “آريان”، أي موطن الآريين.

وأما “بلاد فارس” فاسم شائع في المصادر العربية الإسلامية، ويراد به في الغالب البلاد الواقعة بين عراق العجم (كوردستان الجنوبية) غرباً وأفغانستان شرقاً، والنسبة إليه “فارسي”. ولم يكن اسم “فارس” بهذا الإطلاق قديماً، وإنما كان اسماً لمنطقة جنوب غربي إيران فقط، وكانت تسمى “بارسيا” أو “بارسوا”، باعتبار أن الفرس استقروا فيها إبان الدفعة الأخيرة من الهجرات الآرية، وأسسوا فيها بعدئذ عاصمتهم برسوبوليس (إصطخر). وهذا ما اعتمده ابن حوقل في كتابه (صورة الأرض) حينما تحدث عن فارس، وكان محقاً في ذلك، فقد قال: “أما فارس فالذي يحيط بها مما يلي المشرق حدود كرمان، ومما يلي المغرب كور خوزستان، ومما يلي الشمال المفازة التي بين فارس وخراسان وبعض حدود أصبهان، ومن الجنوب بحرها، وشيراز واسطة فارس”.

وأما “عجم” فاسم الأسرة الفارسية الأخمينية التي حكمت فارس وميديا الكوردية منذ سنة 550 ق.م، نسبةً إلى مؤسسها الأول هاخمانيش. يقول أرشاك سافراستيان: “يبدو لي أن اللفظة العِرقية «عجم» مشتقة من الاسم الشخصي أخمينيش (Akhmanish أو Hakhamanish)، الجد الأسطوري لمؤسس السلالة الأخمينية الفارسية، ويقول داريوس الكبير (521-485 ق.م) في نقش بهستون إن أجداده الثمانية كانوا ينحدرون من عِرق ملكي، وأولهم وأعظمهم هو أخماني (أخمين)”. وأطلق العرب قبل الإسلام على الفرس اسم “عجم”، ثم صار يُطلق في العهود الإسلامية على جميع الشعوب غير العربية.

وقال ابن حوقل في أثناء حديثه عن الزموم (المناطق أو القبائل) في فارس: “وأما زمومها فهي أيضاً خمسة، منها زم شهريار، يعرف بزم المازنجان، والمازنجان قيل من الأكراد في حدود أصبهان. فأما أحياء الأكراد فإنها تكثر عن الإحصاء، يزيدون على خمس مئة ألف بيت شعر”.

وأضاف ابن حوقل قائلاً: “فأما زمومها (أي مناطقها) فإن لكل زم منها قرى ومدناً مجتمعة، قد ضمن خراج كل ناحية رئيس من الأكراد، وأُلزم إصلاح أحوال ناحيته وتنفيذ القوافل، وحفظ الطرق، والقيام بأحوال السلطان إذا عرضت بناحيته، وهي كالممالك”.

ولم يكتفِ ابن حوقل بذكر زموم الكورد، وإنما انتقل إلى ذكر أسماء أحيائهم في فارس على نحو مفصل، فقال: “وأما أحياء الأكراد بفارس فإن منهم الكرمانية والرامانية ومدين وحي محمد بن بشير والبقيلية والبنداذ مهرية وحي محمد بن إسحاق والصباحية والإسحاقية والأذركانية والسهركية والطماذهنية والزيادية والشهروية والبنداذقية والخسروية والزنجية والصفرية والشهيارية والمهركية والمباركية والاستامهرية والشاهوية والفراتية والسلمونية والصيرية والأزاددختية والمطلبية والممالية واللارية والبرازدختية والشاهكانية والجليلية”.

وذكر ابن حوقل بعد ذلك كثرة أعداد الكورد في فارس قائلاً: “وهؤلاء المشهورون من أحيائهم، ولا يمكن تقصيهم إلا من ديوان الصدقات، ويزيدون على خمسمائة ألف بيت، ويخرج من الحي الواحد ألف فارس، وأكثر وأقل، ينتجعون في الشتاء والصيف المراعي والمصائف والمشاتي، إلا القليل منهم، ولهم من العدة والبأس والقوة بالرجال والدواب والكراع ما يستصعب على السلطان أمرهم إذا أراد تحيّفهم وتهضّمهم”.

وعاد ابن حوقل ثانيةً إلى وصف حال الكورد في فارس فقال: “وهم أصحاب أغنام ورمك، والإبل فيهم قليلة، وليس للأكراد خيل عتاق إلا ما عند المازنجان المقيمين بحدود أصبهان، وإنما دوابهم براذين وشهاري، وهم على حُسن حالٍ ويسار، ومذاهبهم في النقلة والنجعة مذاهب العرب، ويقال إنهم يزيدون على مائة حي، وإنما ذكرت منهم نيفاً وثلاثين حياً”.

وقال ابن البلخي (ت 510هـ): “كان الأكراد في قديم الزمان يعيشون في خمسة زموم (مناطق) على النحو الآتي: زم جيلويه، وزم الديوان، وزم اللوالجان، وزم الكاريان، وزم البازنجان. وإنما قوة جيش فارس ناجمة عن وجود هؤلاء الأكراد الأشداء جداً في صفوفه مع خيلهم وأسلحتهم ودوابهم”.

وذكر ابن البلخي كورد شبانكاره (شوانكاره) في فارس، فقال: “لم يكن للشبانكاريين في قديم الزمان صيت في فارس، فقد كانوا قوماً يشتغلون بالرعي وجمع الحطب والعمل بالأجرة اليومية، إلا أنه في عهد الضعف الذي ساد أواخر حكم الديلم ظهر فضلويه، فقوّى شوكتهم، ثم أخذوا في الزيادة إلى أن أصبحوا جميعاً جنوداً حملة للسلاح، ويمتلكون الإقطاعات”.

لسنا الآن بصدد معرفة أسباب تحامل ابن البلخي على الكورد والنيل منهم، تارةً بتهوين أمرهم على أنهم بين راعٍ وأجير وأنهم حديثو نعمة في فارس، وتارةً أخرى بتقليل عددهم إلى درجة أنه لم يبقَ منهم سوى رجل واحد، إذ يقول: “وكانوا قد قتلوا في الحروب في صدر الإسلام، وتاهوا في البلاد، ولم يبقَ منهم أحد سوى رجل واحد يدعى مَلَك، وما يزال نسله باقياً حتى اليوم. وأما الأكراد الموجودون الآن في فارس فهم مجموعة كان عضد الدولة قد جاء بهم من حدود أصفهان، وظلت أعقابهم في هذه البلاد”.

المهم أن ابن البلخي قد أكد كثرة عدد الكورد في فارس قبل الفتوحات الإسلامية، وأنهم واجهوا تلك الفتوحات بقوة، فأصبحوا عرضة للتقتيل والتنكيل والتشريد، كما أنه لم ينكر أن الكورد كانوا قوة فاعلة في بلاد فارس، وكان لهم تأثير بالغ في الأحداث السياسية هناك.

ز. كرمان (ضمن منطقة كوردستان)

تقع كرمان في جنوب شرقي إيران حالياً، وقد وصفها ابن حوقل بقوله: “وأما كرمان فشرقيها أرض مكران ومفازة ما بين مكران والبحر من وراء البلوص، وغربيها أرض فارس، وشماليها مفازة خراسان وسجستان، وجنوبيها بحر فارس”.

وذكر ابن حوقل وجود الكورد في كرمان بجبال القفص، فقال: “ومن مشاهير جبالها المنيعة جبال القفص، فهي جبال جنوبيها البحر وشماليها حدود جيرفت والروذبار وقوهستان، ويقال إنها سبعة أجيال، ولكل جيل رئيس منهم، وهم صنف من الأكراد وحي من أحيائهم، ويكونون على ما قاله أهل نواحيهم نحو عشرة آلاف رجل مستظهرين ممتنعين”.

ح. خراسان

تقع منطقة خراسان في شرقي فارس وشمالي سجستان، وهي بلاد واسعة، ويتوزع معظمها حالياً بين إيران وأفغانستان، ومن مدنها الشهيرة مرو ونيسابور وبلخ، ومن مناطقها الفسيحة قوهستان، وتقع في غربيها. وذكر ابن حوقل وجود الكورد في مناطق خراسان بأعداد محدودة، فقال: “أندُخْد مدينة صغيرة في مفازة، لها سبع قرى وبيوت للأكراد من أرباب الأغنام، ولهم إبل. وقوهستان ناحية بخراسان على مفازة فارس، وليس بها مدينة بهذا الاسم، وقصبتها قاين، وفي أضعاف هذه المدن والقرى التي بقوهستان مفاوز يسكنها الأكراد وأصحاب السوائم من الإبل والغنم”.

يتبين لنا مما سبق أن القسم الأكبر من إقليم الجزيرة الكوردية وإقليم الجبال الكوردية يتطابق مع بلاد الكورد (كوردستان) حالياً، وأن المعطيات الجغرافية الديموغرافية التي مرّ ذكرها دليل واضح على أن الكورد كانوا يقيمون في بلادهم قبل الإسلام، ولم يأتوا إليها مهاجرين من مناطق أخرى كما يزعم أصحاب الذهنيات الإمبراطورية من القومويين الفرس والترك والعرب. وهي دليل واضح أيضاً على أن مواطن الكورد (كوردستان) كانت تمتد إلى داخل إقليم خوزستان (الأهواز) وإقليم فارس وبعض مناطق أرمينيا وأذربيجان، وأن للكورد حضوراً في كل من إقليم كرمان وإقليم خراسان.


أجزاء «تاريخ الكورد في عهد صدر الإسلام والعهد الأموي» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث

الجزء الثاني ←