الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
تاريخ الكورد في عهد صدر الإسلام والعهد الأموي (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
ثانياً: المحور الشمالي
كانت الجزيرة هي المدخل إلى غربي كوردستان وشماليها، وقد كلّف الخليفة عمر بن الخطاب القائد عياض بن غنم بفتحها، فانتقل إليها سنة 18هـ ففتحها، ثم سار إلى حران، فوجّه إليها صفوان بن المعطل وحبيب بن مسلمة، وسار هو إلى الرها فحاصرها، فخرج المقاتلون منها وقاتلوا العرب المسلمين، فهزمهم العرب المسلمون حتى ردّوهم إلى المدينة، فطلب أهلها الصلح والأمان، فأجابهم عياض بن غنم إلى ذلك، وكتب لهم كتاباً نسخته: “بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من عياض بن غنم لأسقف الرها. إنكم إن فتحتم لي باب المدينة على أن تؤدوا إليّ عن كل رجل ديناراً ومُدَّي قمح، فأنتم آمنون على أنفسكم وأموالكم وأولادكم ومن تبعكم، وعليكم إرشاد الضال وإصلاح الجسور والطرق ونصيحة المسلمين. شهد الله وكفى بالله شهيداً”.
وفي سنة 19هـ رجع عياض بن غنم إلى حران فحاصرها، إلى أن صالحه أهلها على مثل صلح أهل الرها، وولّى عليها رجلاً، ثم سار إلى سميساط، وكان قد وجّه إليها كلاً من صفوان بن المعطل وحبيب بن مسلمة الفهري، فكانا محاصرَين لها، بعد أن غلبا على بعض قراها وحصونها، فصالح أهل سميساط عياض بن غنم على مثل صلح أهل الرها.
وفي سنة 19هـ أيضاً توجه عياض بن غنم إلى سروج ورأس كيفا (قرب حران، والأرجح أنها حصن كيفا نفسها)، فغلب على أرضها، وصالح أهل حصونها على مثل صلح الرها.
وفي سنة 19هـ وأوائل سنة 20هـ فتح عياض بن غنم آمد (ديار بكر) بغير قتال على مثل صلح الرها، وانطلق إلى ميافارقين وحصن كفرتوثى ونصيبين، ففتحها بغير قتال على مثل صلح الرها، ثم فتح طور عبدين وحصن ماردين ودارا وقردى وبازبدى على مثل ذلك، وأتاه بطريق الزوزان فصالحه عن أرضه على إتاوة معينة.
وفي سنة 20هـ سار عياض بن غنم إلى أرزن الروم (قاليقلا) ففتحها على مثل صلح نصيبين، ودخل الدرب فبلغ بدليس ثم خلاط فصالحوه، وانتهى إلى أطراف أرمينيا. ولما انصرف عياض من خلاط وسار إلى الجزيرة، بعث جيشاً إلى سنجار ففتحها صلحاً، وأسكن فيها قوماً من العرب المسلمين.
ثم وصلت الفتوحات العربية المسلمة إلى ملطية في غربي كوردستان، فقد وجّه عياض بن غنم حبيب بن مسلمة الفهري من شمشاط إلى ملطية ففتحها، ثم امتنعت على العرب المسلمين، فلما أصبح معاوية بن أبي سفيان والياً على الشام والجزيرة وجّه إليها حبيب بن مسلمة، ففتحها عنوةً وجعل فيها حامية عربية مسلمة، واتخذها معاوية مركزاً عسكرياً متقدماً للحملات التي كان العرب المسلمون يشنونها على الأراضي البيزنطية، والمعروفة باسم “الصوائف”.
وفي سنة 24هـ، في خلافة عثمان بن عفان (قُتل سنة 35هـ)، امتنع أهل أذربيجان وأرمينيا عن دفع ما كانوا قد صالحوا عليه الدولة العربية المسلمة من الجزية في عهد عمر بن الخطاب، فغزاها الوليد بن عقبة. وقد علمنا أن الكورد كانوا يسكنون مناطق واسعة من هاتين المنطقتين، وكانوا عرضة لذلك الغزو.
والدليل على وجود الكورد بكثافة على تخوم القوقاز أن حبيب بن مسلمة الفهري، وكان يعمل بإمرة عياض بن غنم، دخل أرمينيا حسبما ذكر البلاذري، “وأتى أزدساط، وهي قرية القرمز، وأجاز نهر الأكراد، ونزل مرج دبيل، فسرّب الخيول إليها”. ومن المحال أن يكون ثمة نهر باسم “نهر الأكراد” من غير أن يكون للكورد وجود كثيف هناك. هذا عدا أن في أحداث رحلة الإغريق العشرة آلاف بقيادة إكسنوفان (زينفون) (401-400 ق.م) ما يؤكد وجود الكوردوخ (أسلاف الكورد) بكثافة حتى الضفة الغربية لنهر الرس (آراس = أراكس).
وفي السنة الثالثة من خلافة عثمان بن عفان أعلن الكورد في آمد (ديار بكر) الثورة على السلطة العربية المسلمة، فسار إليهم أبو موسى الأشعري غازياً من البصرة، وأعادهم قسراً إلى سلطة الدولة العربية الإسلامية. وأرسل معاوية بن أبي سفيان، وكان والي الشام آنذاك، حبيب بن مسلمة في أهل الشام لغزو أرمينية، ففتح قاليقلا وخلاط، وسار سلمان بن ربيعة الباهلي إلى أران (شمال غربي أذربيجان، وكانت تعد من أرمينيا)، وصالح أهل البيلقان (قرب باب الأبواب في القوقاز، وكانت تعد من أرمينيا) وأهل برذعة (كبرى مدن أذربيجان)، وقاتل كورد البوشنجان وظفر بهم، وصالح بعضهم على الجزية.
إضاءات
لن نقف الآن عند اختلاف بعض الرواة في تحديد السنة التي فتح فيها العرب المسلمون هذه المدينة أو ذلك الحصن في كوردستان، فهي اختلافات طفيفة لا تأثير لها في رسم الصورة الحقيقية للفتح العربي الإسلامي في كوردستان، لكن ما يلفت الانتباه في سير أحداث تلك الفتوحات أمور أربعة:
الأمر الأول: أن البلاذري فرّق، في سرد أحداث الفتوحات، بين فتح الحواضر (المدن) وفتح الأرياف (الأرض)، فقال تارةً: “وحدثني محمد عن الواقدي، عن عبد الرحمن بن مسلمة، عن فرات بن سلمان، عن ثابت بن الحجاج، قال: فتح عياض بن غنم الرقة وحران والرها ونصيبين وميافارقين وقرقيسيا وقرى الفرات ومدائنها صلحاً، وأرضها عنوة”. وقال تارةً أخرى: “وحدثني محمد عن الواقدي، عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، أن عياضاً افتتح الجزيرة (الكوردية) ومدائنها صلحاً، وأرضها عنوة”.
ولا يذكر البلاذري، ولا غيره من المؤرخين، السبب في كون المدن الرئيسة فُتحت صلحاً، في حين فُتحت الأرياف المشار إليها باسم “الأرض” عنوة. والسبب فيما نرى أن كوردستان غرباً وشمالاً كانت واقعة ضمن النفوذ البيزنطي، وكانت السلطات الحاكمة تتخذ المدن مقرات لها، يقيم فيها موظفوها وجنودها ورجال الدين التابعون لها، وهؤلاء هم الذين بادروا إلى عقد اتفاقيات الصلح مع العرب المسلمين، أما الأرياف فكان أهلها، سواء أكانوا من الكورد أم من غيرهم، يقاومون الفاتحين ولا يستسلمون إلا اضطراراً.
الأمر الثاني: أن جنوبي كوردستان كان بوابة الفتوحات العربية الإسلامية إلى بلاد الشرق، بدءاً من بلاد فارس وانتهاءً بحدود الصين، وكانت مناطق غربي كوردستان وشماليها، في الوقت نفسه، بوابة الفتوحات العربية الإسلامية شمالاً نحو أرمينيا ومناطق القوقاز. ويعرف من له أدنى دراية بطبيعة الحروب قديماً أن المناطق كانت تستمد أهميتها الإستراتيجية، على الصعيد العسكري، من معطيات ثلاثة هي: الموقع المحصن، والعلاقة اللوجستية بالمراكز الرئيسة للسلطة، وتوافر الموارد الاقتصادية والبشرية. والحقيقة أن هذه المعطيات جميعها كانت متحققة في كوردستان بشقيها: الشق الخاضع للدولة الساسانية جنوباً وشرقاً، والشق الخاضع للدولة البيزنطية شمالاً وغرباً.
الأمر الثالث: أن الشعب الكوردي لم تكن له ناقة ولا جمل في الحرب التي دارت في بلاده بين القوى الإقليمية الكبرى الثلاث، ونقصد الإمبراطورية الساسانية والإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية العربية الإسلامية الناشئة. ولم تكن ثمة حكومة كوردية مركزية تنظم الشعب الكوردي لمواجهة الغزو العربي الإسلامي، وتتخذ قرار الحرب والسلم، وإنما كان الكورد خاضعين رغماً عنهم للفرس الساسانيين وللروم البيزنطيين. وعندما كانت السلطات الفارسية والبيزنطية تخسر الحرب أمام العرب المسلمين وترحل هاربة، كانت بلاد الكورد تصبح بين أيدي الفاتحين الجدد من العرب المسلمين، وأقصى ما كان الكورد يفعلونه هو القيام بمقاومات مبعثرة هنا وهناك، ربما تحت ضغط عمليات السلب التي كانت تصاحب الغزو العربي الإسلامي، وأيضاً تحت ضغط الغزو الثقافي الجديد المتمثل في الدين الإسلامي، ذلك الغزو الذي شكّل تهديداً واضحاً للثقافة الزردشتية التي كانت سائدة طوال قرون في المجتمع الكوردي.
الأمر الرابع: أن كوردستان دفعت ثمناً باهظاً، بشرياً واقتصادياً، لما جرى على أرضها من حروب، ولا داعي للهرب من عرض الحقائق كما هي، فالحرب هي الحرب، وكان القتل والسبي والسلب (الغنائم) من الأمور المألوفة في الحروب القديمة. وكانت هذه الممارسات تكثر حينما كان المقاتلون العرب المسلمون يحاربون تحت لواء قائد صعب المراس شديد البطش، مثل خالد بن الوليد. وفي هذا الصدد نذكر ما ذكره ابن حجر العسقلاني: “قال عمر بن الخطاب لأبي بكر الصديق: اكتب إلى خالد بن الوليد ألا يعطي شيئاً إلا بأمرك، فكتب إليه بذلك، فأجابه خالد بن الوليد: إما أن تدعني وعملي، وإلا فشأنك وعملك. فأشار عمر بن الخطاب بعزله، فقال أبو بكر الصديق: فمن يجزي عني جزاء خالد بن الوليد؟”.
ويبدو أن المؤرخين المسلمين القدامى كانوا يعفون أنفسهم أحياناً كثيرة من ذكر الحقائق المتعلقة بأعداد الضحايا، كورداً كانوا أم عرباً، وكانوا أحياناً أخرى يغلّفون تلك الحقائق بصيغ عمومية ضبابية. ودعونا نقرأ الخبرين الآتيين اللذين ذكرهما ابن خلدون، ولا ريب في أنه نقلهما عن المؤرخين المسلمين السابقين:
أ. “اجتمع إلى عمر بن الخطاب جيش من المسلمين، فبعث عليهم سلمة بن قيس الأشجعي، ودفعهم إلى الجهاد على عادته، فلقوا عدواً من الأكراد المشركين، فدعوهم إلى الإسلام والجزية فأبوا، وقاتلهم، وهزموهم، وقتلوا وسبوا، وقسموا الغنائم”.
ب. “غزا عتبة بن فرقد شهرزور والصامغان الكورديتين، ففتحها بعد قتال على الجزية والخراج، وقتل خلقاً من الأكراد”.
إن هذين الخبرين يشتملان على مغالطة وحقيقة.
أما المغالطة فهي وصف الكورد بأنهم مشركون، وسرعان ما ناقض صاحب المعلومة نفسه بقوله: “فدعوهم إلى الإسلام والجزية”. ومعروف في الشرع الإسلامي أن المشرك أمامه خياران فقط: إما الإسلام وإما الحرب، وأن أهل الكتاب (اليهود، والنصارى، والزردشتيين، والصابئة) أمامهم ثلاثة خيارات: إما الإسلام، وإما دفع الجزية، وإما الحرب. فكيف تُقبل الجزية من الكورد إذا كانوا مشركين؟ ثم إنه قد سبق القول إن الكورد كانوا على الأزدائية، وهي عقيدة توحيدية، وأصبحوا زردشتيين في إطار التبعية للدول الفارسية، وظلوا كذلك إلى أن جاء الإسلام. ومعروف أيضاً أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم أمر بمعاملة الزردشتيين في البحرين معاملة أهل الكتاب، مع الأخذ في الاعتبار أن الزردشتيين كانوا يسمون مجوساً، وأن اسم “البحرين” كان يشمل المنطقة الواقعة على الساحل الغربي من الخليج من قطر إلى الكويت.
وأما الحقيقة فهي تشبث الكورد بعقيدتهم وإصرارهم على القتال دفاعاً عنها، شأنهم في ذلك شأن سائر الشعوب، مما أدى إلى تعرضهم للقتل والسبي على أيدي الفاتحين الجدد من المسلمين. حتى إن أحد أبناء نهاوند الكوردية، وهو أبو لؤلؤة الفارسي واسمه فيروز، كان حين يلتقي بسبي نهاوند في المدينة عاصمة الخلافة، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، يمسح بيده على رؤوس الأطفال القادمين في قوافل السبي، ويبكي وهو يقول: “أكل عمر كبدي”. ولعل هذا هو السبب الحقيقي في قيامه بعدئذٍ باغتيال الخليفة عمر بن الخطاب، وليس عدم إنصاف الخليفة له من مولاه المغيرة بن شعبة كما ذكر الرواة.
3. الكورد في العهد الأموي
عانى الخلفاء الأمويون طوال عهدهم من عقدة الافتقار إلى الشرعية الدينية في قيادة الدولة، فالمعروف أنهم حملوا لواء المعارضة ضد الإسلام بقيادة زعيمهم أبي سفيان، وأن أبا سفيان وبعض سادة الأمويين لم يدخلوا الإسلام إلا عندما خسروا كل أساليبهم وأسلحتهم في معارضته. ولذا جعل بنو أمية الخلافة الإسلامية ملكاً عضوضاً كما قيل، أي متوارثاً، وابتكروا إستراتيجية تتوافق مع موقعهم في خريطة المرجعيات الإسلامية ومع طموحاتهم السياسية، وأقاموا إستراتيجيتهم تلك على أساسين اثنين: العصبية القبلية والعصبية العربية.
فمن ناحية، أشعل الحكام الأمويون نار العصبية بين العرب العدنانيين (عرب الشمال) والعرب القحطانيين (عرب الجنوب)، بل تجاوزوا ذلك إلى إشعال العصبية بين قبائل قيس وقبائل ربيعة من العدنانيين أنفسهم. ومن ناحية أخرى، أحدثوا شرخاً بين العرب والعجم (الشعوب غير العربية)، وأوجدوا مستويين من المواطنة في المجتمع: مواطن من الدرجة الأولى هو العربي، ومواطن من الدرجة الثانية هو العجمي (المولى)، غير آبهين بالمبدأ الذي سنّه القرآن: “إنما المؤمنون إخوة”.
ولم يكتفِ الحكام الأمويون بذلك، وإنما مارسوا اضطهاداً اقتصادياً أيضاً، فكان قُصارى همّ معظم خلفائهم جمع الأموال باسم الجزية، حتى إنهم كانوا يمتعضون عندما يُقبل الموالي (العجم) على الإسلام فتسقط عنهم الجزية نتيجة لذلك، فأمروا ولاتهم، في بلاد فارس خاصة، أن يجمعوا بين أخذ الجزية والزكاة من الموالي إذا اعتنقوا الإسلام. ولم يتوقف هذا الخرق الصريح للشريعة الإسلامية إلا في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ) الذي لم يدم حكمه سوى سنتين تقريباً.
ونتيجةً لهذه السياسة القائمة على العصبية، والهادفة إلى الحفاظ على مصالح الطبقة الحاكمة، كان من الطبيعي ألا يرضى الكورد عن الحكم الأموي، مثل سائر الشعوب في الدولة الإسلامية، وأن ينحازوا إلى كل من يرفع لواء الثورة ضده. ومثال ذلك خروج فروة بن نوفل الأشجعي ومعه خمسمئة من الخوارج في نواحي شهرزور الكوردية، فوجّه إليه المغيرة بن شعبة والي العراق جيشاً، فلقوه بشهرزور وقتلوه، وكذلك خروج مطرف بن المغيرة بن شعبة في مناطق حلوان على الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق.
وفي خضم الثورة الشيعية التي قادها المختار بن أبي عبيد الثقفي ضد الحكم الأموي، وبعد الانتصار على عبيد الله بن زياد حاكم العراق من قبل الأمويين، أرسل إبراهيم بن الأشتر النخعي، وهو أبرز قواد المختار، عماله إلى البلاد، فأرسل أخاه عبد الرحمن إلى حران والرها وشمشاط، كما أرسل عمير بن الحباب السلمي إلى كفرتوثى وطور عبدين.
والملاحظ أيضاً أن الخلفاء الأمويين كانوا يدركون أهمية الموقع الإستراتيجي لكوردستان والمناطق المتاخمة لها جنوباً وشمالاً، ونجد أن الخليفة عبد الملك بن مروان ولّى على الجزيرة الكوردية وأرمينيا أخاه محمداً (والد مروان بن محمد، الخليفة الأموي الأخير). وفي سنة 91هـ عزل الخليفة الوليد بن عبد الملك عمه محمداً، وولّى مكانه أخاه مسلمة بن عبد الملك. وكانت مناطق شمالي كوردستان موزعة في الخريطة السياسية بين الجزيرة الكوردية جنوباً وأرمينية شمالاً، وكانت عادة الخلفاء ألا يولّوا على المناطق الإستراتيجية إلا أمراء من الأسرة المالكة، أو ولاة ممن يثقون بهم كل الثقة.
وقد انضم بعض الكورد، في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، إلى ثورة عبد الرحمن بن الأشعث سنة 83هـ، فغضب عليهم الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق، وانتقم منهم شر انتقام، وأقام فيهم مذابح شنيعة. وفي سنة 86هـ بلغ الحجاجَ أن الكورد ثاروا في إقليم فارس وغلبوا عليه، فأرسل إليهم جيشاً لإخضاعهم قسراً. والأرجح أن المقصود بـ”فارس” هنا جنوب غربي إيران، ويُفهم من هذا الخبر أمران: أولهما كثرة عدد الكورد في فارس والمناطق المجاورة لها، وثانيهما عدم خضوع الكورد خضوعاً كاملاً للحكم العربي الأموي، وإصرارهم على الثورة كلما سنحت لهم الفرصة.
وفي سنة 129هـ وقف بعض الكورد مع مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، ضد منافسه الأموي سليمان بن هشام بن عبد الملك الذي خرج عليه في كوردستان. وكان مروان بن محمد كوردي الأم، ورث منها عينيه الزرقاوين وشكله الوسيم، وقد وُلد في كوردستان وفيها نشأ، وكان والياً عليها وعلى أرمينيا قبل أن يصبح خليفة.
أجزاء «تاريخ الكورد في عهد صدر الإسلام والعهد الأموي» (3 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)