الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

تاريخ الكورد في عهد صدر الإسلام والعهد الأموي (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

2. الكورد في صدر الإسلام

الكورد والعرب قبل الإسلام

خسر الكورد استقلالهم القومي والسياسي منذ سقوط دولة ميديا الكوردية (الإمبراطورية الميدية) سنة 550 ق.م على أيدي الفرس الأخمينيين، فأصبح الكورد تابعين للفرس أولاً، ثم للإسكندر المقدوني والدولة السلوقية اليونانية من سنة 330 ق.م، ثم للدولة الأشكانية (البرثية) الفارسية من سنة 250 ق.م، ثم للدولة الساسانية الفارسية من سنة 226م. وكانت الأجزاء الشمالية والغربية من كوردستان تقع أحياناً تحت سلطة الأرمن والرومان. وعند ظهور الإسلام كان ثلثا كوردستان تقريباً تابعَين للدولة الساسانية الفارسية، في حين كان الثلث الباقي تابعاً للدولة البيزنطية (الرومية).

ولا نعلم تفاصيل علاقة الكورد بالعرب قبل الإسلام. فالمعروف أن الوجود العربي في العراق (حسب تكوينه السياسي الحديث) كان يصل إلى الحيرة (قرب الكوفة) وإلى تخوم الشاطئ الغربي لنهر الفرات، أي أن العرب كانوا يتنقلون في غرب العراق حيث الصحراء. أما بلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا) جنوباً وشمالاً فكانت موطن الشعوب القديمة من سومريين ونبط (لعلهم الصابئة) وأكاديين وبابليين وآشوريين وكلدان، إضافةً إلى الفرس والكورد. وأما مناطق شرقي دجلة فكانت مواطن الكورد خاصةً، ولذا سماها العرب “عراق العجم” لكثرة الكورد فيها.

وباعتبار أن الدولة الحاكمة في العراق كانت ساسانية فارسية، فلا نعتقد أنه كانت ثمة علاقات بين العرب والكورد من حيث هما شعبان مستقلان، فالعلاقات العسكرية والاقتصادية والثقافية كانت تتم في إطار سياسات الدولة الساسانية. ولا نستبعد أن تكون ثمة بعض العلاقات بين أفراد من العرب والكورد، باعتبار أنهم كانوا جميعاً من التبعية الساسانية الفارسية.

الصحابي جابان الكوردي

الدليل على وجود العلاقات الفردية أن الكتب الخاصة برجال الحديث النبوي تذكر تابعياً اسمه ميمون الكوردي. وجاء في كتاب (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) للحافظ الذهبي (ت 748هـ) أن كنية ميمون الكوردي هي أبو بصير، وذكر كل من الحافظ الذهبي والحافظ المزي تابعياً آخر اسمه ميمون بن جابان، وكنيته أبو الحكم، روى عن أبي رافع الصائغ عن أبي هريرة مرفوعاً: “الجراد من صيد البحر”.

وقد روى ميمون الكوردي عن أبي عثمان النهدي، وعن أبيه عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وروى عنه جماعة، منهم الزاهد الشهير مالك بن دينار، وعدّه أبو داود من الثقات. وقال أحمد بن حنبل في مسنده: “حدثنا يزيد، حدثنا ديلم، حدثنا ميمون الكوردي، عن أبي عثمان، سمع عمر بن الخطاب يخطب، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان”.

وقال اليماني بشأن ميمون الكوردي: “لم يُعزَ ولم أعثر عليه، ووالد ميمون الكوردي لا يكاد يعرف، وقد ذُكر في (أسد الغابة) و(الإصابة) باسم جابان، ولم يذكروا له شيئاً. وسأل مالك بن دينار ميموناً الكوردي أن يحدّث عن أبيه الذي أدرك النبي وسمع منه، فقال: كان أبي لا يحدثنا عن النبي مخافة أن يزيد أو ينقص”.

لم تُذكر السنة التي توفي فيها التابعي ميمون الكوردي، لكن المصادر تشير إلى أن مالك بن دينار الذي روى عنه عاش في البصرة وتوفي سنة 123 أو 127 أو 130هـ. وإذا أخذنا بالحسبان أن متوسط عمر كل جيل يتراوح بين 35 و40 سنة، فذلك يعني أن ميمون الكوردي كان في الغالب حياً في العقد الأخير من القرن الأول الهجري.

ومهما يكن، فإن ما يهمنا هو جابان والد ميمون. فقد جاء في (أسد الغابة) لابن الأثير، وفي (تجريد أسماء الصحابة) للحافظ الذهبي، وفي (روح المعاني) للآلوسي، اسم صحابي يدعى جابان أبو ميمون، سمع من النبي محمد حديثاً يفيد أن أي رجل تزوج امرأة وهو ينوي ألا يعطيها الصَّداق لقي الله عز وجل وهو زانٍ. أما في كتاب (الإصابة في تمييز الصحابة) لابن حجر العسقلاني فجاء الخبر عنه كما يأتي: “جابان والد ميمون: روى ابن منده، من طريق أبي سعيد مولى بني هاشم، عن أبي خالد: سمعت ميمون بن جابان الصردي، عن أبيه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة، حتى بلغ عشراً، يقول: من تزوج امرأة وهو ينوي ألا يعطيها الصَّداق، لقي الله وهو زانٍ”.

ولم يذكر ياقوت الحموي في (معجم البلدان) بلداً أو قرية باسم “صرد”، ولم ترد النسبة إلى هذا الاسم في كتاب (الأنساب) للسمعاني (ت 562هـ)، ولا في كتاب (اللباب في تهذيب الأنساب) لابن الأثير عز الدين (ت 630هـ)، لكن ورد في (معجم البلدان) اسم “سردروذ”، وهي من قرى همذان، وقد تكون النسبة “صردي” محوّرة من “سردي” نسبةً إلى سردروذ. وإذا صح ذلك فالأرجح أن جابان الصردي هو والد ميمون الكوردي، لأن همذان تقع في إقليم الجبال، وهي بلاد الكورد، بل هي عاصمة الميديين الكورد القديمة أكباتانا.

وسواء أكان جابان الصردي والد ميمون أم لا، فإن هذه الأخبار تقودنا إلى الحقائق الآتية:

  • أولها: كوردية جابان، فقد نصت المصادر على كوردية ابنه ميمون.
  • ثانيها: أن جابان كان من الصحابة، وأنه كان شديد الورع إلى درجة أنه كان يتحرج في رواية الأحاديث عن النبي محمد مخافة السهو أو الخطأ.
  • ثالثها: أن سماعه من النبي محمد كان متكرراً، أي أنه كان يلتقيه مراراً، وإلا فلماذا يطالب الناس ابنه ميموناً بأن يروي لهم ما سمعه من أبيه عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟
  • رابعها: أن الكورد منذ فجر الدعوة الإسلامية كانوا شعباً قائماً برأسه معروفاً باسمه، ولذا لم يُقل “ميمون الفارسي” كما قيل عن سلمان “سلمان الفارسي”، بل قيل: ميمون الكوردي.

نستنتج مما سبق أن جابان كان مقيماً في الغالب في المدينة، حيث أقام النبي محمد بعد الهجرة، ولعله كان من أهل مكة فهاجر إلى المدينة بعد إسلامه. فالمعروف أن جاليات فارسية ورومية وصابئية وحبشية كانت تقيم في مكة لأغراض تجارية أو تبشيرية أو سياسية، وقد يكون جابان أحد أفراد تلك الجاليات، على أن نأخذ بالاعتبار أن الكورد كانوا في الغالب من التبعية الفارسية سياسياً وثقافياً.

ويحتمل أن يكون جابان قد وقع في الأسر خلال الحروب الفارسية البيزنطية، ثم بيع في أسواق النخاسة، وانتهى به الأمر إلى مكة أو المدينة، باعتبارهما مركزين تجاريين بين العراق وبلاد الشام من ناحية، وبين اليمن، بوابة شبه الجزيرة العربية على إفريقيا وجنوبي آسيا، من ناحية أخرى. وعلى أية حال لم يكن جابان حديث عهد بالحجاز، وإلا فكيف أجاد اللغة العربية فهماً وتحدثاً إلى درجة أنه كان يفهم بدقة ما يسمعه من النبي محمد، وينقل ما سمعه إلى الآخرين بدقة؟

الفتح الإسلامي العربي لكوردستان

بدأت العلاقة المباشرة بين الكورد والعرب خلال الغزوات العربية الإسلامية، واقتضى الواقع الجيوبوليتيكي حينذاك أن يغزو العرب المسلمون كوردستان عبر محورين، بصورة متواكبة تقريباً، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (اغتيل سنة 23هـ):

  1. محور جنوبي: اشتمل على مناطق جنوبي كوردستان التي كانت تابعة للحكم الساساني الفارسي.
  2. محور شمالي: اشتمل على الأجزاء الشرقية من غربي كوردستان، وامتد فيما بعد إلى شمالي كوردستان الذي كان تحت النفوذ البيزنطي.

أولاً: المحور الجنوبي

كان الخليفة عمر بن الخطاب قد عيّن سعد بن أبي وقاص قائداً على جبهة فارس، وكان تقهقر الجيش الفارسي إلى داخل بلاد فارس عبر كوردستان هو الذي جرّ الهجوم العربي المسلم على بلاد الكورد. فبعد هزيمة الفرس أمام العرب المسلمين في معركة القادسية، فرّ الملك الفارسي يزدجرد الثالث من المدائن ومضى إلى حلوان (ألوان = ألوند = درتنك = زهاو) في جنوبي كوردستان، واتخذها مركزاً للقيادة الفارسية، ووجّه الجيش الفارسي إلى مدينة جلولاء الكوردية (قرب كركوك) لإيقاف الزحف العربي المسلم المتصاعد.

وبعد أن فتح العرب المسلمون المدائن، أرسل سعد بن أبي وقاص جيشاً بقيادة ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى جلولاء في أواخر سنة 16هـ، ودارت معركة شرسة بين الفريقين، وحلّت الهزيمة بالجيش الفارسي، واضطر الملك الفارسي يزدجرد الثالث إلى مغادرة حلوان سنة 19هـ والتراجع شرقاً. وشرع العرب المسلمون يهاجمون الحاميات الفارسية في كوردستان، فتوجهوا بقيادة جرير بن عبد الله البجلي إلى البندنيجين (مندلي)، فطلب أهلها الكورد الأمان على أداء الجزية والخراج، فأمّنهم جرير بن عبد الله البجلي، ثم توجه إلى خانقين.

وكانت المرحلة الثانية في عملية الغزو أن العرب المسلمين رغبوا في القضاء على القيادة الفارسية ممثلة في الملك يزدجرد الثالث ومرازبته، فأرسل سعد بن أبي وقاص جيشاً إلى حلوان بقيادة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وضم إليه جرير بن عبد الله البجلي. ولما اقترب الجيش العربي المسلم منها هرب ملك الفرس يزدجرد الثالث إلى ناحية أصبهان (أصفهان). وبعد أن فُتحت حلوان الكوردية صلحاً، ترك فيها هاشم بن عتبة جرير بن عبد الله البجلي وعزرة بن قيس مع بعض الجند، وتوجه بباقي الجيش إلى الدينور فلم يفتحها، فتوجه إلى قرماسين (كرمنشاه) ففتحها صلحاً على مثل ما فُتحت عليه حلوان الكوردية، ثم عاد إلى حلوان فأقام فيها، وهذا يعني أن هذه المدينة الكوردية أصبحت المقر المتقدم للقيادة العربية المسلمة على جبهة فارس.

وفي سنة 19هـ أو سنة 20هـ حشد ملك الفرس يزدجرد الثالث جيشاً فارسياً كبيراً بقيادة مردانشاه ذي الحاجب لوقف الغزو العربي المسلم، واتخذ القائد الفارسي مردانشاه ذو الحاجب المدينة الكوردستانية نهاوند مركزاً للقيادة الفارسية، وفيها جرت المفاوضات بينه وبين المغيرة بن شعبة. وبعد فشل المفاوضات دارت معركة حامية بين الفريقين، وكان النعمان بن مقرن المزني قائد الجيش العربي المسلم، ورغم مصرع النعمان حقق العرب المسلمون النصر على الجيش الفارسي.

وتولى حذيفة بن اليمان قيادة الجيش العربي المسلم بعد مصرع النعمان بن مقرن المزني، فحاصر نهاوند الكوردية، وكانت مركزاً للقيادة الفارسية، فكان أهلها الكورد يخرجون لقتال العرب المسلمين، لكنهم اضطروا إلى الاستسلام أخيراً. وفتح العرب المسلمون نهاوند صلحاً، وصالحهم حذيفة بن اليمان على الخراج والجزية، وعلى أن يكون أهل المدينة الكورد آمنين، وتكون أموالهم ومزارعهم ومنازلهم آمنة. وفي البداية كانت الأموال المُجباة من نهاوند وتوابعها تُنفق على مصالح الكوفة، وكان ما يُجبى من الدينور وتوابعها من نصيب البصرة، ثم أصبح الأمر بالعكس، فسميت نهاوند “ماه البصرة” والدينور “ماه الكوفة”.

وبعد فتح نهاوند الكوردية توجه أبو موسى الأشعري، وكان قد جاء بالمدد في معركة نهاوند، إلى الدينور، وهي مدينة كوردستانية تقع في صميم إقليم الجبال، وهي “دار الأكراد” كما قال اليعقوبي في كتابه (البلدان). وحاصر أبو موسى الأشعري المدينة خمسة أيام، ولما عجز أهلها الكورد عن الدفاع عنها رضوا بدفع الجزية والخراج، وسألوا الأمان على أنفسهم وأولادهم وأموالهم، فأجابهم أبو موسى الأشعري إلى ذلك، وترك فيها والياً عليهم.

وتوجه أبو موسى الأشعري بعدئذٍ إلى مدينة ماسبذان، فلم يقاتله أهلها، ثم انتقل إلى مدينة سيروان (ذكرها ياقوت الحموي باسم سيرواند، وأنها تابعة لهمذان)، فصالحه أهلها على مثل صلح أهل الدينور، على أن يؤدوا الجزية والخراج. ومن سيروان راح أبو موسى الأشعري يبث السرايا إلى الصيمرة، وهي مدينة منطقة مهرجانقذق، وإلى المناطق المجاورة، فأخضعها جميعها للسلطة العربية المسلمة، وهي كلها مناطق من جنوبي كوردستان.

وفي أواخر سنة 23هـ وجّه المغيرة بن شعبة، والي عمر بن الخطاب على الكوفة، جرير بن عبد الله البجلي إلى همذان (أكباتانا، عاصمة الميديين الكورد سابقاً)، فقاتله أهلها، حتى إن جريراً خسر إحدى عينيه في حصارها جرّاء سهم أصيب به. وبما أن القيادة الفارسية كانت قد تراجعت شرقاً، وكانت الحاميات الفارسية الباقية سرعان ما تسقط، أصبح من السهل على الجيش العربي المسلم المنظم والمعبأ عقائدياً أن يتغلب على الجماهير الكوردية وغير الكوردية المفتقرة إلى عنصر التنظيم والتعبئة والدعم اللوجستي، وهذا ما حدث في همذان، فقد فتحها العرب المسلمون على مثل صلح نهاوند.

وتؤكد الحقائق التاريخية أن مناطق جنوبي كوردستان كانت الساحة الإستراتيجية الأكثر أهمية في الصراع العربي المسلم الساساني، وثمة دليلان واضحان جداً على ما نقول:

  • الدليل الأول: أن القيادة الفارسية العليا اتخذت جنوب كوردستان مقراً لها أكثر من مرة، بعد أن خسرت مواقعها في وسط العراق، وقد دارت على أرض جنوبي كوردستان أشد المعارك ضراوة بين الفريقين العربي المسلم والفارسي (جلولاء، حلوان، نهاوند، الدينور، همذان).
  • الدليل الثاني: أن العرب المسلمين، بعد أن أحكموا سيطرتهم على جنوبي كوردستان، تمكنوا من الاندفاع داخل العمق الفارسي على ثلاثة محاور: جنوباً نحو الأهواز (خوزستان)، وشرقاً نحو أصفهان وقاشان وقم، وشمالاً نحو أذربيجان.

وفي سنة 21هـ وجّه عمر بن الخطاب القائد عزرة بن قيس من حلوان إلى شهرزور الكوردية، ففتحها بعد حرب دامية سقط فيها قتلى كثيرون من الطرفين. وبين سنتي 18 و23هـ كان الكورد يشتركون مع الفرس في الدفاع عن مدينتي فسا (بسا) ودارابجرد ضد الجيش العربي المسلم بقيادة سارية بن زنيم الكناني، كما أسهموا في الدفاع عن الأهواز (خوزستان) ضد الجيش العربي المسلم بقيادة أبي موسى الأشعري، لكن العرب المسلمين حققوا النصر، ونتيجة لذلك لحقت بالكورد المدافعين خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.


أجزاء «تاريخ الكورد في عهد صدر الإسلام والعهد الأموي» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←