الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

تركيا الكمالية وكوردستان الشمالية: الأمن للأمة التركية (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

يقول عصمت إينونو (الكوردي)، الساعد الأيمن لأتاتورك والرجل الذي خلفه مباشرة في رئاسة الجمهورية: «لا يحق لغير الأمة التركية أن تطالب بأي حقوق إثنية أو قومية في هذه البلاد، فما من أمة أخرى أو عنصر عرقي آخر يملك مثل هذا الحق».

تركيا الكمالية هي تركيا في ظل ظهور الجنرال «مصطفى كمال أتاتورك»، الذي شهد معاهدة سيفر عام 1920 وما حملته من احتمال تقسيم تركيا إلى دويلات بعد الحرب العالمية الأولى. كان مصطفى كمال أتاتورك من الأعضاء العسكريين البارزين في حزب الاتحاد والترقي، الذي أعلن الدستور العثماني وأطاح بالسلطان عبد الحميد الثاني عام 1909، وقد عيّنه الحلفاء المنتصرون مفتشاً عاماً للقوات التركية المرابطة في «أرضروم وسيواس» لحفظ النظام بعد عودته منسحباً من سورية. كما أن الظروف التاريخية والسياسية التي مرت بها تركيا قد دفعت السلطان «وحيد الدين» إلى إصدار فرمان بتعيينه والياً على أرضروم، الأمر الذي أكسبه نفوذاً عسكرياً وسياسياً وإدارياً مكّنه من خلق قوة محلية منظمة قادرة على التحرك في وجه قوات الاحتلال الإيطالية والفرنسية والإنكليزية. فقد كانت القضية العاجلة برأيه ليست إحياء الإمبراطورية العثمانية أو استرداد ولاياتها المفقودة، بل إنقاذ تركيا من الخراب والدمار والموت.

تحوّل مصطفى كمال إلى التحرك سراً لإطلاق حركة مقاومة شعبية ضد الاحتلال الأجنبي، وتألفت في العاصمة عدة جمعيات سرية هدفها سرقة الذخائر والأسلحة من المستودعات الخاضعة لإشراف القوات الحليفة وإرسالها إلى الأنصار في الجبال، الذين بدؤوا يشنّون حرب عصابات نشيطة على قوات التحالف.

ربما وجد الصدر الأعظم فريد باشا (المعيّن من قبل الحلفاء) أن هذه الحركة موجهة ضده لإضعافه، ووجد مصطفى كمال أتاتورك أن فريد باشا يريد إرضاء الإنكليز بأي ثمن على حساب الشعب التركي. وكانت فرصة تمناها فريد باشا لإلقاء القبض على الجنرال مصطفى كمال عن طريق الجنرال «كاظم قره بكر»، قائد جيش في ديار بكر، إلا أن الأخير رفض أمر فريد باشا خلال اجتماع عُقد في أرضروم عام 1919، معتقداً أن الشرف العسكري التركي هو ما يجب أن يسمو على الخيانة. واختير الجنرال مصطفى كمال أتاتورك رئيساً للجنة الوطنية، فرفض أي نوع من الحماية أو الوصاية الأجنبية.

أدرك مصطفى كمال أتاتورك عبء المسؤولية في تحرير بلاده، وهناك قوميات ثائرة، مثل القومية الكوردية، تريد الاستقلال في دولة خاصة بها في شرق تركيا. وذلك ما يتعارض مع أحد قرارات مؤتمر أرضروم الذي يقول: «لا يجوز أن تُمنح الأقليات غير العثمانية أي امتيازات أو حقوق تضر بسيادة الأمة التركية أو بكيانها الاجتماعي». ولم يُطلع الكورد عليه، لأن الوقت لم يكن ملائماً لإثارتهم، بل كان الوقت وقت استمالة كل العشائر الكوردية التي راسلها مصطفى كمال للوقوف معه في ساعة الامتحان، حتى بعد معرفتهم أن فريد باشا قد عزل مصطفى كمال من القيادة وجرّده من رتبته العسكرية، بل وحكم عليه بالإعدام.

اتهم الجنرال المخلوع والمحكوم عليه بالإعدام مصطفى كمال أتاتورك فريد باشا وحكومته بأنها هي التي شرعت في تقسيم الوطن، مقدّمةً الدعم المادي للحركة الانفصالية في كوردستان. ومما يدل على أن «أتاتورك» عدّ هذه المسألة وطنية وحيوية جداً أنه زار «أنقرة»، وتناول في كلمة ألقاها أمام أعيان المدينة في نهاية أيلول 1919 حدود تركيا، فقال إنها تضم الأراضي التي كانت واقعة فعلاً تحت سيطرة الجيش التركي يوم الهدنة مع بريطانيا في 31 تشرين الأول 1918، وهي تبدأ من مركز ساحلي يقع إلى الجنوب من خليج لواء «الإسكندرونة»، ثم تمر عبر مدينة «أنطاكية» ومنها إلى «حلب»، وعبر ممر سكة الحديد إلى «قطمة» التي تصل إلى نهر الفرات إلى الجنوب من مركز طرابلس، ومنها تنحدر إلى ولاية «دير الزور»، ثم تتجه شرقاً لتضم الموصل وكركوك والسليمانية ضمن الحدود. الأمر الذي أقنع كل تركي يريد لدولته أن تدوم، وأسهم في وصول الصدر الأعظم «علي رضا باشا» بدلاً من فريد باشا الذي عدّه الأتراك خائناً للتراب التركي.

ولعل مما كانت تحمله قلوب الأتراك على المحتلين الأجانب أن الإنكليز، بعد أن استولوا على كوردستان الجنوبية (العراق)، قمعوا الحركة الكوردية فيها (حركة الشيخ محمود الحفيد) من دون أن يعترفوا للكورد بحقوق، لكنهم أيّدوا في الوقت ذاته الحركة الكوردية في تركيا وسيلةً للضغط على الكماليين لدفعهم إلى تقديم تنازلات أخرى.

وبدورهم قدّم القوميون الأتراك الدعم للكورد في نضالهم ضد الإنكليز في كوردستان الجنوبية (العراق)، أي حركة الشيخ محمود الحفيد. وبهذا الشكل لم تشارك الجماهير الكوردية في الحركة المعادية للأتراك، بل جُهّز شباب كورد للدفاع عن الدولة التركية. ووجدها مصطفى كمال أتاتورك فرصة للاجتماع بزعماء عشائر عربية وكوردية وأذربيجانية لمحاربة الأرمن الذين يطالبون بانتداب أمريكي على تركيا، وهي محاولة لتبرئة دول الحلفاء الثلاث (بريطانيا وفرنسا وإيطاليا) من تهمة الاحتلال، بعد أن وطئ جنودها التراب التركي، وكأن الولايات المتحدة الأمريكية محايدة ومهتمة باستقرار الأمن في تركيا، وهو ما رفضه مصطفى كمال دون أن يذكر اسم الانتداب الأمريكي. وكان مما قاله الزعيم التركي مصطفى كمال إنه يقبل بتشكيل «قوة إسلامية» تحت زعامة من تختارونهم للدفاع عن أرض الإسلام والخلافة الإسلامية، وكأن كلامه مبادرة أخرى لسلام تركي - كوردي لتحجيم الدور الأرمني أولاً، ومعاقبة الغزاة اليونانيين ثانياً، حتى بدا للشعب الكوردي في هذه المرحلة أن له الأصدقاء أنفسهم والأعداء أنفسهم الذين يناصبون العداء للشعب التركي. ولذلك أعطى مصطفى كمال وعوداً بشأن الاعتراف بحقوق الكورد القومية كي يحافظوا على سلطتهم في كوردستان، وقد صدّق هذه الوعود عدد من القادة الكورد! وكان في ذهنه أن اللعبة السياسية ممكنة مع بعض دول الحلفاء، وخاصة مع الدولة التي خسرت نفط الموصل غيلةً، والمقصود هنا فرنسا.

خطأ سياسي فرنسي

لم يكن تركيز مصطفى كمال في علاقاته الخارجية منصبّاً على روسيا الاشتراكية (الشيوعية) لمعاونته ضد الحلفاء، وخاصة الإنكليز الذين استحوذوا على نفط الموصل وكركوك، وهي أرض تركية كما حددها أتاتورك أمام أعيان أنقرة في نهاية أيلول عام 1919، بل اتجه إلى تصفية الخلاف مع فرنسا الحليفة لبريطانيا.

كان الوجود العسكري الفرنسي في جنوب غرب تركيا، وفي قبضة الفرنسيين مدن أضنة وكيليكيا ومدخل جبال طوروس ومناجم فحم «دونجولدات» منذ بداية عام 1919. وكانت مشاركة الكورد في مفارز الأنصار التركية فعالة ضد الفرنسيين، وخاصة في «كيليكيا» التي يسكنها الكورد والمتاخمة للولايات الكوردية. وبتوجيه من الجنرال مصطفى كمال طرد الأكراد الفرنسيين من منطقتي «أورفة» و«مرعش» في نهاية عام 1919، قبل أن تتمكن قوات الكماليين من السيطرة على ولاية كيليكيا تماماً. وأصبح الموقف السياسي يتطلب تنظيم العلاقة بين الكماليين وفرنسا، خاصة أن المنطقة التي استردها الكورد من أنصار مصطفى كمال أتاتورك تضم أعداداً ضخمة من الكورد. وربما كان في ذهن «ريمون بوانكاريه»، رئيس الوزراء الفرنسي بداية عام 1922، أن الإنكليز ورئيس وزرائهم «لويد جورج» قد أخذوا نفط ولاية الموصل بطريقة ماكرة، خلافاً لاتفاقية سايكس - بيكو عام 1916، ودفع ثمنها رئيس الوزراء الفرنسي السابق كليمنصو عام 1919 الذي استقال. ولم تكن تلك في عقل الساسة الفرنسيين «السياسة المثلى»، ولا هي السياسة التي أعطت الكورد المسلمين الفرصة لشن حرب عصابات ضد الفرنسيين، وثورة شعبية يقودها مصطفى كمال أتاتورك لطرد اليونانيين خارج البلاد. وفي المنظور السياسي فإن الدولة التركية عادت دولة حتى من دون ولاياتها العربية التي فقدتها أثناء الحرب، وهو ما تطلّب عقد معاهدة صلح تركية - فرنسية منفردة سُمّيت معاهدة «فرانكلين بويون»، وقّعها المفوض الفرنسي فرانكلين بويون في أنقرة في العشرين من تشرين الأول عام 1921.

شكّلت المعاهدة التي صاغ بنودها أتاتورك نقطة مهمة على طريق سقوط معاهدة سيفر في الشرق الأوسط، لأنها دلّت على انهيار جبهة دول التحالف المعادية لتركيا، وخاصة فرنسا التي تخلّت عن معاهدة سيفر واعترفت بحكومة أنقرة. كما حددت بصورة نهائية الحدود التركية - السورية، لتكون أنطاكية لتركيا والإسكندرونة لسورية، وتُسحب الوحدات الفرنسية من كيليكيا. وفيها تمتعت تركيا بحق نقل المعدات العسكرية عبر خط سكة حديد بغداد المار في الأراضي السورية بين منطقة «چوبان بك» و«نصيبين» داخل الأراضي التركية.

وقد يسأل سائل: ما تأثير معاهدة فرانكلين - بويون على المسألة الكوردية؟ والواقع أنها أبعدت إحدى دول الحلفاء الأساسية في معاهدة سيفر (فرنسا)، التي كانت تعوّل عليها بريطانيا لخلق دولتين كوردية وأرمنية على التراب التركي. كما أن توقيع المعاهدة قد حرّر قطعات تركية لمواجهة الخصم المباشر اليونان، وغير المباشر بريطانيا وقطعاتها في ولاية الموصل. وفي آن واحد أصبحت لتركيا، لأول مرة بعد الحرب، إمكانية تحسين مواقعها العسكرية على حدود كوردستان الجنوبية.

اعترضت بريطانيا بشدة على معاهدة فرانكلين - بويون، وشكّك وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل في صحة الأخبار، لكنه رأى في الوقت ذاته إمكانية إقدام الفرنسيين على مثل هذا الإجراء غير الودّي، وعلّله بأن الفرنسيين يقومون بخطوات لضمان مصالحهم على حساب بريطانيا، فهم الذين اغتاظوا من تنصيب الأمير فيصل بن الشريف حسين ملكاً على العراق عام 1921 بعد أن طرده الفرنسيون من سورية، ويرغبون في خلق المشاكل أمامه وأمام بريطانيا. فيما أشار وزير الخارجية البريطاني «كيرزون» بشأن المعاهدة إلى أنه كان ينبغي استشارة بريطانيا في هذه المسائل، وتلقى تطمينات من الحكومة الفرنسية بأن المعاهدة لن تلحق ضرراً ببريطانيا. فيما كتب الصحفي الفرنسي الشهير «أوغست غوفين» عن المعاهدة في صحيفة «جورنال دي ديبا» في كانون الثاني عام 1922، والاستياء بادٍ عليه، أن الحكومة الفرنسية خانت الثوار الكورد في صراعهم ضد السلطة التركية، وهي التي أكدت لهم فيما مضى أنها لن تنسحب من الأراضي التي أُعطيت لفرنسا حسب معاهدة سيفر، قائلاً: «وإليكم ما ينبغي أن يرفع من نفوذ فرنسا في الشرق! إننا لا نعرف أمثلة شبيهة لهذه الدناءة في تاريخها كله، إذ يقوم السادة “بريان” وفرانكلين - بويون وصحبهما بإعطاء العدة العسكرية الفرنسية لاستعباد أولئك الذين عملت فرنسا على حمايتهم منذ غابر الأزمنة. إن فرنسا في الشرق ليست ضحية لدسائس غربية، بل ضحية لأخطاء رعاياها الصالحين». ويقيناً كان الصحفي «غوفين» يشير في قوله إلى الكورد والأرمن، مع الخشية من أن ينعكس ذلك الخطأ السياسي الفرنسي على علاقات المودة البريطانية الفرنسية تجاه ألمانيا التي تريد أن تثأر بعد هزيمتها في الحرب. فيما وجد أتاتورك أن تراجع فرنسا عن عدائها لتركيا المهزومة في الحرب هو أحد الإنجازات لاستكمال بناء الدولة التركية العصرية.

أمل الدولة الكوردية في شخص أتاتورك!

لم يبقَ للسلطان العثماني محمد السادس بين عامي 1918 و1921 أي دور قومي يقوم به إلا اسمه، بعد أن فقد أكثر مناطق الأناضول الشرقية من يده. ومع اضطراب الوضع الناشئ عن هزيمة الأتراك في الحرب، وظهور معاهدة سيفر عام 1920 لتقسيم التراب التركي بين دولة أرمنية وأخرى كوردية، جاء كلام الجنرال مصطفى كمال أتاتورك حين وصف معاهدة سيفر بأنها حكم بالإعدام على تركيا، واتهم كل من قبلها بالخيانة، ومنهم الصدر الأعظم توفيق باشا. وأصبح الميثاق الوطني الذي أقره البرلمان العثماني في كانون الثاني عام 1920 راية النضال التحرري لكل المجموعات العرقية، بما فيها الكورد والعرب والأذربيجانيون، لتحرير الوطن من الغرباء. وكان الكورد في حيرة من أمرهم حين عمل الأتراك بمهارة على تصوير اتفاقية «سيفر» بأنها لا تساوي الحبر الذي كُتبت به، وكانت القبائل الكوردية في سائر أنحاء الدولة التركية تستجيب لنداء البقاء في كنف السلطان العثماني الذي هو خليفة المسلمين.

وفي إشارة إلى المادتين 62 و64 من معاهدة سيفر، الجائرة بحق تركيا من وجهة النظر التركية، يقول مصطفى كمال أتاتورك للعقلاء من الأتراك والكورد: هل إن بريطانيا وفرنسا مهتمتان إلى هذا الحد بضمان حق تقرير المصير للشعب الكوردي المسلم؟ أم إن في ذهنهما الحيلولة دون اتساع الأثر الذي تركته الثورة الشيوعية في روسيا عام 1917، فهما تسعيان إلى إقامة دولة متخلفة إقطاعية على التراب التركي لتكون عازلة بين الشيوعية وبين العراق وإيران النفطيين، ومن خلفهما إمارات النفط على الخليج العربي؟

وإذا كانت بريطانيا متعطشة لحق تقرير مصير الشعب الكوردي في إنشاء دولة كوردية له، فإن معاهدة سيفر لم تتطرق إلى المناطق الكوردية التابعة لإيران (كوردستان الشرقية)، كما لم تُشر إلى الجزء الكوردي من سورية، بل اقتصرت على كوردستان الشمالية (تركيا) لأنها المهزومة في الحرب. ولم ينتبه الزعماء القبليون، ومنهم الكورد، حين استجابوا لإغراءات بريطانيا ووعودها لهم بالدعم والتأييد على أساس الاستقلال والحرية للشعب الكوردي، إلى أنها لم تكن إلا دولة وهمية غامضة كتبتها الأقلام الأجنبية عن قصد في وزارة الخارجية البريطانية لإبقاء هيمنتها على نفط إيران تحت حكم الشاه «رضا خان» الصديق لهم.

إن ما جال في عقول رموز الكورد من سياسة عام 1921 قد يصعب حل كل رموزه دفعة واحدة مع ساسة بريطانيا، إلا تلك المرأة الكوردية «فاطمة خانم» التي كانت تسكن في ضواحي مدينة أنقرة، وقد فهمت أن الأجنبي (غير المسلم) لا يخلص لدين الإسلام، ولا يريد للشعوب المسلمة خيراً. ذلك ما نقله الكاتب الروسي «غ. أستاخوف» حين قال إن هذه المرأة الكوردية قادت مفرزة كوردية ضمت عدة مئات من المقاتلين الكورد، وكانت ترتدي بزة عسكرية رجالية، وتميزت بالأساليب الرجالية دفاعاً عن تركيا المسلمة ضد اليونانيين. وأكد عدد من المؤلفين أن الكورد حاربوا ضد اليونانيين على قدم المساواة مع الأتراك، وأن مثل هذه الوقائع معروفة فعلاً. ويتحدث المؤلف الفرنسي «بول جانتيرون» عن مشاركة الكورد النشيطة في الحرب إلى جانب الكماليين ضد اليونانيين، ويرى أن من الجائز أن يكون الجندي المجهول المرسوم على النصب التذكاري، الذي استشهد بالقرب من مدينة «دوملو بينار»، منتمياً إلى العرق الكوردي. ولم ينكر ذلك الأتراك، ومنهم مصطفى كمال باشا نفسه و«عصمت إينونو» وفتحي بك وحسين عوني بك، الذي أشار في خطاب له في المجلس الوطني التركي الكبير إلى «أن حق التكلم من فوق هذه المنصة هو للأمتين التركية والكوردية». كما قال وزير الدفاع التركي عند إلقاء خطابه على قبر الجندي المجهول: «إن أغلب الظن أن هذا الجندي كوردي». فيما صرّح القائد التركي كاظم قره بكر بأن قتال الأرمن جرى بجيش مؤلف في معظمه من الكورد، في وقت كانت فرنسا تعاون الأرمن في ذلك القتال!

ولم تكن المقاتلة الكوردية «فاطمة خانم» لتكذب على من حولها في آب عام 1922، وهي تمجّد «الهجوم العظيم» الذي أطلقه مصطفى كمال باشا ضد اليونانيين وامتد على جبهات «إزنيك» إلى أفيون قره حصار، وقد قاتلت إلى جانب الأتراك في معارك سقاريا وأفيون قره حصار وإينونو، وهي المعارك الكبرى التي نتج عنها الانتصار النهائي على اليونانيين عام 1922.

وربما كان ما أحدثه هذا اليوم العظيم للأتراك هو ما جلب الأمير زيد، شقيق الملك فيصل الأول ملك العراق، لزيارة الموصل في تشرين الثاني عام 1922 لتحسين العلاقات بين العرب والكورد. وقد وصلت المعلومات إلى بغداد، عن طريق المحتل البريطاني، بأن لدى مصطفى كمال أتاتورك النية في ضم كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) إلى تركيا عن طريق الثوار الكورد، وليس بالضرورة بالعودة إلى الحرب. وهو ما عملت عليه الاستخبارات البريطانية في مدن «سيواس» و«ملاطية» ومنطقة جبل «ديرسم» في تركيا التي تسكنها غالبية كوردية، وخاصة الكورد الشيعة (القزلباشية) (أصحاب العمائم الحمراء) أو ما يطلق عليهم (العلي اللهية)، لإثارتهم ضد حكومة أتاتورك. فقد كان البريطانيون معنيين باستغلال الكورد ضد الكماليين وتجهيز أعداد منهم لخدمة الاستخبارات البريطانية، ما دامت الاتهامات المتبادلة بين الحكومتين التركية والبريطانية حول عائدية ولاية الموصل مستمرة.

وقد يكون من أبرز الرموز العسكرية التي كسبها البريطانيون لمتابعة نشاطات الكماليين الفريق «بكر صدقي»، الضابط الكوردي، كما ورد في كتاب «موسوعة الأحزاب العراقية» للدكتور حسن لطيف الزبيدي، وهو بذلك لم يجانب الحقيقة، بعد أن روّجت الاستخبارات الفرنسية، ربما عن طريق الهفوة، أن رجالاً عدة يتابعون أي نشاط معادٍ لبريطانيا في زاخو (على الحدود التركية الحالية) وتلعفر (شمال غرب مدينة الموصل) ومنطقة البوكمال (على نهر الفرات) وديار بكر (داخل تركيا). ومثل هذه الأعمال تلجأ إليها كل دولة تجد مصالحها في خطر، كما عمل البريطانيون في غزوهم للعراق عام 2003، إذ كانت قوة (SAS) البريطانية وقوة الدلتا الأمريكية تنفذان حرباً سرية داخل العراق ضد تنظيم القاعدة الإرهابي. وليس ذلك ما يسرّ الكورد، وبالتأكيد لا يسرّهم أن تخسر تركيا الحرب مع اليونان عام 1922 لتولد دولة كوردية مستقلة. وما يهمنا نحن الكورد هو لو أن الجنرال مصطفى كمال باشا أخذ بقضية المرأة الكوردية «فاطمة خانم» وهي تردّ أعداء الإسلام بسيفها لحماية التراب التركي من التقسيم، وقبل الأتراك عن طيب خاطر دولة كوردية مستقلة على تراب الكورد الذي عاشوا عليه قبل ظهور الأتراك فيه وقبل ولادة المسيح عليه السلام؛ فتركيا العثمانية (الإمبراطورية) خسرت في سنوات الحرب الأربع كل الولايات العربية، وهاجر اليهود إلى فلسطين لتأسيس دولة مستقلة برعاية بريطانية، دون أن يكون للأمة الكوردية «فرمان عثماني أو تركي» بالاستقلال وهي على أرضها!


أجزاء «تركيا الكمالية وكوردستان الشمالية: الأمن للأمة التركية» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث

الجزء الثاني ←