الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
تركيا الكمالية وكوردستان الشمالية: الأمن للأمة التركية (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
إن صفة «الخيانة» التي أطلقها الأتراك على الثوار الكورد وزعيم الثورة الشيخ سعيد بيران، وهم في الطريق لتنفيذ أحكام الإعدام بهم، كانت تجانب الحق والحقيقة، وليست من صفة الحاكم المسلم الذي قلب الأحداث رأساً على عقب حين حوّل القومية الكوردية من قومية مدافعة إلى معتدية، وصوّر كفاحهم من أجل الحرية كفاحاً من أجل التحكم بغيرهم. والخيانة التي وصموا بها الكورد مع كل ثورة استخدمها الفرس ضد عشيرة «شكاك» الكوردية وزعيمها «إسماعيل آغا بن محمد آغا» المعروف بـ«سمكو» بعد قيامه بثورة عام 1924 لنيل الاستقلال. ولأجل قلب الغاية المرادة ادّعت سلطات الشاه «رضا خان» أن «سمكو» يريد إزاحة الشاه من السلطة! ثم طاردته السلطات التركية على أراضيها بتنسيق بين أنقرة وطهران. وليس هذا غريباً على دولتين تمارسان عنصرية مقيتة، غريبة التركيب، ضد كل الأقليات والشعوب، وخاصة الشعب الكوردي، الذي لا ينتمي إلى قوميتيهما الفارسية والتركية.
وقد فعلها الأتراك مع العرب، إذ وصفهم القائد التركي «أحمد جمال باشا»، الملقب بجمال السفاح، بالخونة عام 1915، باتهامات تقويض سلطة الأتراك لصالح بريطانيا! وعُدّت عمليات الإعدام التي نفذها جمال السفاح التركي ضد الثوار السوريين المطالبين بالحرية والاستقلال من الأسباب التي عجّلت بقيام الثورة العربية ضد الأتراك وطردهم من جزيرة العرب عام 1916، وتُعرف اليوم بـ«الثورة العربية الكبرى». وربما ما يريده الترك والفرس سياسة ثابتة تجاه الأقليات على أراضيهم، ودول مجاورة ضعيفة، بل هي حالة تهكّم بقيم الإنسان وحريته في الحياة. وقد أراد الله أن يمنحهما الفرصة حين جعل ما حولهما من شعوب تدين بدين الإسلام، وثبّت لهما في القرآن، الذي يضعونه على طاولة وزير العدل والقضاة، قوله تعالى: «إن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً لستَ منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون». ودين الإسلام ليس في سعادة، ووزير العدل التركي «محمود أسعد بك» يقول لناخبيه: «أقول لكم بصراحة: التركي هو السيد والمالك الوحيد في هذه البلاد، وللأتراك غير الأنقياء من حيث الأصل حق واحد، هو أن يكونوا عبيداً وخدماً، فليتذكر هذه الحقيقة الصديق والعدو، ولتعرفها الجبال». وبقي الفرس، من هم من أصل فارسي، يقولونها لغيرهم حتى بعد أن وصلهم الإسلام.
وربما ما نجده مفيداً لمعالجة هذا الخلل الذي استمر مع الزمن أن نقدّم طلباً يفضي إلى مفاتحة منظمة المؤتمر الإسلامي (ومقرها في جدة) لتشكيل «محكمة العدل الإسلامية»، بنسبة عدد السكان المسلمين في كل دولة، للنظر في مطالب الشعوب الإسلامية، لا الكورد وحدهم، وإنما شعب الشيشان (روسيا)، والأقلية المسلمة في (ميانمار)، والكشميريين في (الهند)، والأقلية السنية في (إيران) وغيرهم، «لعزل الدولة الجائرة عن دين الإسلام».
وكذلك الأمر بالقياس والمقدار نفسيهما للجامعة العربية لإيجاد «محكمة العدل العربية»، بعد أن أثقل بعض حكامها بقسوتهم على الشعوب، كما هو الحال في الثورة السورية التي بدأت في 17 آذار 2011، إذ نال الشعبَ السوري من حاكمه العلوي بشار الأسد ضيقُ الحال والحيلة والتهجيرُ والقتلُ الطائفي وأحكامُ الإعدام الصورية، والعراق الذي لا يزال يئنّ من أحكام الإعدام والتهجير، والآلاف من الأبرياء الصبيان في السجون، وفق تصور طائفي مستورد أو حاقد، بعد الغزو الأمريكي له عام 2003. وليس ذلك رداً على ما فعله العلماني أتاتورك في تبنّي القانون المدني السويسري عام 1928، الذي أُلغي بموجبه اعتماد الإسلام ديناً رسمياً للدولة، ورفع الأذان باللغة التركية عام 1932، وإنما لمنع الإبادة الجماعية وإحراق القرى الكوردية وأهلها المسلمين حقاً، وقد مُنعوا حتى من بناء قرية للسكن فيها، أو كما تقول صحيفة «حاكميتي ملي» التركية في العاشر من آب عام 1930 عن الكورد: «إن المنطقة الوحيدة للحكم الذاتي هي وسط أفريقيا أو إحدى صحاريها التي تعيش فيها القرود وأشباه الناس».
وهو ليس أقل من تعبير عنصري قومي على الشعوب الأخرى، طرقه الحكام وليس الهواة من كتّاب الصحف التركية، بحجة الحفاظ على أمن الأمة التركية، ومنها الصحف الشيوعية التي كانت توزَّع في تركيا بصورة سرية منذ عام 1928، وربما هي برمجة شيوعية من الاتحاد السوفيتي لتقويض حكم أتاتورك. ولكن السياسة ومصالحها ستجعل الخصمين اليونان وتركيا يسيران على دفة سياسة واحدة لصالح القوى الغربية لمنع الشيوعية من الوصول إلى الحكم، كما سنرى لاحقاً. والسياسة الدولية التي اختبرها الأتراك والفرس بعد الحرب الثانية جعلت قوميتهم تنحني لقوة الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الشاه محمد رضا بهلوي (1941 – 1979)، وفي عهد رئيس الجمهورية التركي الذي أضحت بلاده عضواً في حلف شمال الأطلسي منذ عام 1952 لخدمة المصالح الغربية لا مصالح المسلمين، بعد أن اختبرهم الغرب، ومنه الولايات المتحدة الأمريكية، خلال الحرب الكورية عام 1950. إنها المفارقة المثيرة، بعد أن وضعا تعاليم القرآن «ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» في خدمة السياسة القومية، وكتاب القومية يُقرأ بأسبقية في مكتبة الملك والسلطان والرئيس.
ورئيس الوزراء التركي «عصمت إينونو» يهب نفسه للشيطان في آب عام 1930 بقوله: «إن الفتنة التي تدور رحاها منذ خمس سنوات في الولايات الشرقية بإغراء وإفساد المقيمين بالخارج قد فقدت نصف قوتها من اليوم». وكان بذلك يشير إلى الحزب الكوردي «خويبون»، أي الاستقلال، الذي قام لتعزيز الوحدة الوطنية الكوردية بعد إخفاق ثورة الشيخ سعيد بيران، وإلى مؤتمره الذي ضم جميع العناصر الكوردية (مندوبي الجمعيات ورؤساء العشائر الكوردية) في باريس بداية عام 1927، ومؤتمر آخر في لبنان في ربيع عام 1927، أقرّ تشكيل قيادة عسكرية وتسليحها، وإنشاء مراكز للتموين ومخازن للأسلحة والعتاد. وفي الجانب السياسي أقرّ المؤتمرون تقوية علاقات الأخوة والصداقة مع شعوب إيران وسورية والعراق، على أساس أن هناك معاهدة انتداب بريطاني - فرنسي على العراق وسورية، وأن ساستهما ليس بيدهم قرار سياسي لمعاونة الكورد مادياً أو للتحدث بكلام عن تقرير المصير.
وكان الأحرى بالمؤتمرين أن يمارسوا الحرية السياسية من أوسع أبوابها لكسب مناصرين من داخل المجتمع التركي صاحب العلاقة بالقضية، إذ إن المعلومات التي تصل إلى الجنرال إحسان نوري باشا، المعيّن من قبل مؤتمر «خويبون» قائداً أعلى للقوات الكوردية، من رموز تركية تشارك في صنع القرار، يمكن أن تقلل كثيراً من هدر الدماء الكوردية في أي اشتباك قادم. كما أن ظهور جمعية تركية واحدة في أنقرة أو إسطنبول تدعو إلى حل سلمي لقضية الأكراد يُعدّ نصراً سياسياً كبيراً، لأن المحصلة ستكون وبالاً على القيادة التركية إذا ما اعتقلت رموزها أو نفذت حكم الإعدام بهم. وهو ما لم يدركه الكورد في مؤتمرهم، فقاد إلى نتيجة معكوسة، إذ فاتحت الخارجية التركية حكومات الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا لإغلاق فروع حزب «خويبون» في لبنان وسورية، معلنة أن الحكومة التركية مستعدة للعفو عنهم، ولكن دون التفاوض مع مجموعة تقول إنها تمثل الكورد في تركيا. وسحب البدرخانيون أبناءهم المؤسسين للحزب، وهم رمز قوته، كاميران وجلادت بك، عام 1929، بعد أن تيقنوا ارتباط أعضاء الحزب الجديد بجهات أجنبية أخرى. وقد تكون الخارجية التركية قد روّجت بطريق خفي لارتباطهم بـ«موسكو» بغية إثارة حفيظة واشنطن وباريس ولندن.
وكان على الجنرال إحسان نوري باشا أن يستفيق من غفلته، ودرس ثورة الشيخ سعيد بيران لا يزال ماثلاً في الأذهان، وأن يعطي المشورة الناصعة للثوار الكورد وهم يتجمعون في جبل آرارات بين عامي 1928 و1929، بأن القوات التركية تتعقبهم، وأن هناك عمليات خرق تركي في صفوف الحزب والثوار الكورد. وقد استثمرتها حكومة أنقرة في الدعوة إلى التفاوض مع حكومة «آرارات»، وأرفقت بالعفو عن الثوار إسناد منصب رفيع للجنرال إحسان نوري باشا مقابل تسليم الثوار أسلحتهم. فردّ الجنرال الكوردي إحسان نوري بأن الشرط الوحيد لوقف نزيف الدم هو الاعتراف بحقوق الكورد القومية. وهو ما دفع الحكومة التركية إلى تقسيم تركيا إلى أربع مناطق عسكرية سُمّيت «المناطق المفتشية العامة» لإدارة العمليات ضد الكورد عام 1928، وكانت على النحو التالي:
- المنطقة الأولى: مقرها ديار بكر، وتشرف على العمليات في بتليس ووان وحكاري وموش وماردين وأورفة، وأُسندت قيادتها إلى الجنرال «إبراهيم تالي»، ومن بعده سيواس وهبي، وعابدين أوزمن، وعوني دوغمان.
- المنطقة الثانية: مقرها تراقيا.
- المنطقة الثالثة: مقرها أرضروم.
- المنطقة الرابعة: مقرها «الأزيك»، وتمتد دائرة نفوذها إلى الولايتين الكورديتين «ديرسم» و«بنكول».
إن الطريقة التي مارستها السلطات التركية منذ زمن مع الكورد الثائرين هي أن تجد تجمعاً للثوار في منطقة محدودة المعالم، لا متفرقين يشنّون حرب عصابات في مناطق جبلية وعرة، وهو ما كان على القائد الكوردي الجنرال إحسان نوري باشا أن يدركه لتفادي المدفعية والطائرات التركية التي كثيراً ما تلحق إصابات بالشبان الثوار الكورد. ولكن ما جذب الجنرال الكوردي وأوقعه في مصيدة القتل أنه وجّه نداءً إلى عصبة الأمم، وهو أمر صحيح، ودعا أكراد العراق وسورية إلى التجمع في آرارات بدعوى أن جميع الأمم الأخرى نالت استقلالها. وجاء ذلك بعد حادث عرضي غنم منه الكورد (60) بندقية و(24) آلية عسكرية، وأسقطوا (12) طائرة، وأسروا ألف عسكري تركي. وهي في المنظور الاستراتيجي للدولة التركية لا تعني شيئاً كبيراً، بل أتاحت للخارجية التركية أن تُشعر أصحاب القرار (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا) بأن مجموعات كوردية خارجة عن القانون ومتخفية في الجبال قامت بأعمال تمرد، وهو ما تضمنه ميثاق «سعد آباد» عام 1937 ضد الكورد لاحقاً، وبأن من حق الدولة التركية حماية مواطنيها من قطاع الطرق الذين لم يستجيبوا للعفو العام. فكان ذلك المبرر الكبير لأن يقوم الجنرال التركي كمال الدين سامي بحرق كل قرى الثوار الكورد في ولاية حكاري وشمزينان ووان وجالديران عام 1930.
ودلّ التصرف التركي على وجود علاقات خفية بين المحتل البريطاني للعراق وشاه إيران «رضا خان» في منتصف عام 1931 لإسناد الجيش التركي، فقد سمحت الحكومة الإيرانية هذه المرة للقوات التركية باجتياز خط الحدود والوصول إلى مؤخرة الثوار الكورد، فقطعت خطوط اتصال المجموعات الكوردية المنسحبة على محور بازركان - يارمكايا - إيبيك - دونبات - كيري، وتعرضت الأخيرة لقصف الطائرات التركية بعد أن أجبرتها السلطات الإيرانية على المرور والتجمع، وهو ما تريده قيادة الجيش التركي، دون أن يأخذ القائد الكوردي الجنرال إحسان نوري باشا ذلك بالحسبان. فأدى ذلك إلى انتكاسة جديدة للكورد، جاءت بتزامن مقروء مع اتفاقية وقّعها رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد مع المندوب السامي البريطاني «فرانسيس همفريز» سُمّيت معاهدة عام 1930، وفيها لا يحق للحكومة العراقية ولا للملك فيصل الأول ممارسة أي سياسة مع الدول أو استيراد السلاح والذخيرة إلا بموافقة بريطانيا، وأنجزت بريطانيا مثلها مع مصر عام 1936. وبذلك تكون بريطانيا قد عبّدت الطريق إلى جعل معظم دول منطقة الشرق الأوسط رهن سياستها، دون إعاقة أو تأثير من عصبة الأمم لمناقشة أي سياسة تخص الكورد بمعزل عن بريطانيا الإمبراطورية، وهي تواجه ثورة الشيخ «أحمد البارزاني» عام 1932 بالطائرات، قبل أن تتعاون القوات البرية العراقية والتركية وتجبرها على الاستسلام.
وبذلك تكون بريطانيا قد وصلت إلى نهاية الخط الذي لا يتيح للثورة الكوردية أن تمارس عملها بحرية على أراضي كوردستان الجنوبية والشمالية والشرقية، حتى وإن استعدت لها مدة سبع سنوات، وأقصد ثورة ديرسم عام 1937. وقد رسمت لندن معالم الطريق إلى ميثاق سعد آباد، هذا الميثاق الذي تم التوقيع عليه في قصر سعد آباد في طهران في الثامن من تموز عام 1937، وجاء في المادة السابعة منه: «يتعهد كل من الفرقاء المتعاقدين، كلٌّ داخل حدوده (العراق، إيران، تركيا، أفغانستان)، بعدم إعطاء مجال لتأليف العصابات المسلحة والجمعيات أو كل ترتيب غايته قلب المؤسسات القائمة، أو قيامها بأعمال لغرض الإخلال بالنظام والأمن العام في أي قسم من بلاد الفريق الآخر، سواء أكان في منطقة الحدود أم في غيرها، أو الإخلال بنظام الحكم السائد في بلاد الفريق الآخر». وشارك في توقيع الميثاق وزراء خارجية إيران والعراق وتركيا وأفغانستان.
ومن هذا النص يظهر بوضوح تأثير السياسة البريطانية على الحكومات الثلاث المجاورة (تركيا وإيران والعراق)، لكي تنظر إلى كفاح الشعب الكوردي على أنه من أعمال العصابات وقطاع الطرق التي ينبغي التصدي لها، بدلاً من الاستجابة لها وفق مبادئ عصبة الأمم. وذلك ما هيّأ للحكومة التركية المبرر لتحويل ولاية «ديرسم» إلى ولاية ذات تنظيم خاص اسمها «تونجلي» في السادس من حزيران عام 1936. وواقع الأمر أن الثوار الكورد تجمعوا في هذه المنطقة وجوارها بحدود (20,000) مقاتل، الأمر الذي دفع الجنرال التركي «عبد الله ألب دوغان» إلى إبلاغ زعيم الثورة «سيد رضا» بأن القانون التركي لا يعطي هذا الحق للكورد. ولأجل حل المشكلة سلمياً أرسل سيد رضا ابنه «إبراهيم» لإجراء حوار مع القائد التركي، الذي استدرجه إلى قرية «دشت» وقتله بوحشية.
وربما لهذا السبب، وهو عمل بربري في نتائجه، طالب كورد منطقة ديرسم بإخلاء المنطقة من الجيش والجندرمة، وإلغاء الأعمال الإنشائية (الطرق والجسور)، وإعادة الأراضي المصادرة، ونظام جديد للضرائب. وكلها، وإن كانت مطالب وجيهة، فإن الإخلال بأي منها سيدفع الطرفين إلى الحرب. ولعل ما زاد الأمر تعقيداً وصعّب حلّه ما طلبه الكورد لاحقاً من الحكومة أن تسمح لهم بحمل السلاح وتمنحهم الحكم الذاتي، وجاء في النداء الكوردي أنهم يختلفون عن الأتراك من حيث الجنس واللغة والتاريخ والثقافة. وفي هذا كتب العقيد البريطاني «الفينسون» في مقال «المسألة الكوردية»: «قام الأتراك بعمليات ضد المتمردين الكورد عام 1937». وجاء هذا الكلام بعد توقيع ميثاق سعد آباد عام 1937. فيما أبلغ وزير الداخلية التركي «جلال بك» الحكومة بأن القضية الكوردية لا وجود لها من اليوم، وقال: «إن الأشقياء الكورد جرى تلقيحهم بلقاح الحضارة عن طريق القوة».
وصل سيد رضا إلى أرزنجان بناءً على دعوة من القائد التركي لإجراء حوار، وكأنه لم يستفد من درس ولده قبل عام، فاعتُقل على الفور في الخامس من أيلول عام 1937، وحُكم عليه وعلى أحد عشر من الثوار بالإعدام في الثامن عشر من تشرين الثاني عام 1937. وكان قائد الثورة، وهو في الخامسة والسبعين من عمره، قد توهّم هو الآخر، شأنه شأن السابقين من زعماء الثورات الكوردية، قصة «الضيافة التركية»! وقال: «سأُعدم الآن وأكون في صف واحد مع شهداء النضال في سبيل كوردستان. لقد خسرت ديرسم، إلا أن الكورد وكوردستان سوف يعيشان، وسيثأر الشباب الكوردي، والخزي والعار للطغاة». والطغاة هذه المرة ليسوا أصحاب الملابس الخاصة الذين يحملون السلاح، فهؤلاء ليسوا إلا منفذين لأوامر الحكومة، بل الطغاة هم ساسة بريطانيا الذين باعوا الشعب الكوردي بكامله بثمن النفط، وهندسوا عضوية أفغانستان في ميثاق سعد آباد لحفظ أمن حدود إيران الشرقية، ولتصدير عقيدة الإسلام إلى الجمهوريات السوفيتية الإسلامية على حدود أفغانستان الشمالية لاحقاً.
وساسة بريطانيا هم من حطّوا من قدر الإسلام في الدولة العثمانية المسلمة، وأشاعوا الفتنة بين المسلمين الترك والكورد والأرمن، وهم من استخدموه لتقويض الدولة السوفيتية تحت لعبة مكافحة الشيوعية الملحدة في أواخر عام 1979، كما سنرى لاحقاً.
ولكن، والقول للكورد الذين أوهنتهم بريطانيا وتركيا في كل الثورات لنيل الاستقلال، فإن المخرج هو أن نذهب إلى النضال الذي يدعمه السوفييت، وهو ما يعني تبنّي الشيوعية أساساً لجمع كل الكورد في كوردستان الكبرى، وهو ما يُغضب بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، وهم على أبواب الحرب العالمية الثانية.
أجزاء «تركيا الكمالية وكوردستان الشمالية: الأمن للأمة التركية» (3 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)