الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

تركيا الكمالية وكوردستان الشمالية: الأمن للأمة التركية (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

خداع الكماليين للكورد وبطشهم بهم (1925 – 1939م)

قاتل الكورد مع الأتراك وهزموا الجيش اليوناني عام 1922 بفضل دين الإسلام الذي آمنوا واهتدوا به تماماً. وبغض النظر عن ولاءات بعضهم للدولة العثمانية أو الإيرانية، أو عن علاقات الصداقة الخادعة مع المحتل الأجنبي، فإن علماء الدين وشيوخ العشائر الكوردية الذين يستمعون إلى آيات القرآن، وفيها نصرة لدين الإسلام، لا يريدون خيبة لتاريخهم وشرفهم أمام الأمم الأخرى، ولا خيبة نهائية لهم أمام الله. وكان على الأتراك وقائدهم مصطفى كمال أتاتورك أن يحتكموا إلى قول الله في الفئة الباغية ومقاتلتها، لا أن تعيش الأسرة التركية بأمان ويُهدر دم القومية الكوردية المسلمة، بعد أن قوي عوده على عدوه اليوناني، وكان أحد مصادر هذه القوة بعد الله هم الكورد.

وهو ما يرتّب على المسلمين تبعات، لا في محاسبة المرتد عن دين الله، وإنما في عزله دون علاقة حتى يرجع عن غيّه، كما سنأتي عليه لاحقاً.

اضطر الكورد إلى هجر لغة الحوار مع الترك والتحول إلى النضال المسلح للدفاع عن كيانهم ووجودهم، وذلك حين نقلت السلطات التركية زعماء الكورد المخلصين لقوميتهم وهجّرتهم من أرضهم إلى جهات أخرى، وأطلقت عليهم اسم «أتراك الجبال»، وأصدرت القوانين ذات الطابع الدستوري، إذ نصت المادة (88) من الدستور التركي على «أن جميع سكان تركيا، بغض النظر عن ديانتهم وقومياتهم، أتراك». وفسّرت الصحافة التركية هذه المادة فقالت بصريح العبارة: «إنه يجب على غير الأتراك إما أن يندمجوا في المجتمع التركي أو يرحلوا». ولم يقل لهم أحد: هل شاركت كل مكونات المجتمع التركي في إعداد الدستور التركي، أم إن نخبة من حزب الاتحاد والترقي (العنصري) هي التي صاغت فقراته؟ ثم إلى أين يرحلون؟ والكورد قد سكنوا هذه الأرض قبل نزول عشيرة «عثمان غازي بن أرطغرل بك» من جبال زاكروس عام 1299 لتأسيس إمارة عثمانية، ولم يكن مصطفى كمال قد وُلد بعد. وكان عليه أن يقرأ التاريخ الإسلامي جيداً قبل أن يطلب من الجمعية الوطنية إلغاء نظام الخلافة الإسلامية عام 1924، وفصل الدين عن الدولة، مخاطباً النواب: «بأي ثمن يجب صون الجمهورية المهددة وجعلها تقوم على أسس علمية؛ فالخليفة ومخلفات آل عثمان يجب أن يذهبوا، والمحاكم الدينية القديمة يجب استبدال قوانينها بقوانين عصرية، ومدارس حكومية غير دينية».

وقد يكون ما أراده أتاتورك سلمياً لتحديث الدولة التركية، غير أن ما يثير الجدل في موضوع غلق المدارس الدينية أن شيخ الطريقة الصوفية الثائر عبيد الله النهري، قبل أربعة عقود من الزمن، أي في عام 1883، قد أثار حفيظة الحكومة العثمانية عندما وصفها بالكافرة. وما يعنينا من أمر مصطفى كمال أن إجراءه بشأن المدارس الدينية قد أخذه الثوار الكورد على أنه انقلاب على دين الإسلام، وأن الثورة عليه جائزة شرعاً بعد إلغاء نظام الخلافة الإسلامية. فعمل الكورد على إنشاء جمعيات سرية عدة في مدن حلب وأرضروم وديار بكر وجبل ديرسم، وهي مدن ذات أغلبية كوردية، لتوزيع الأسلحة والذخائر على المجموعات المؤيدة للثورة في مناطق أخرى. وبرز من بين زعماء الجمعيات السرية الشيخ سعيد بيران، الذي أصبح فيما بعد زعيماً للثورة الكوردية عام 1925.

إن نية تشتيت الكورد وتدميرهم شعباً تدل عليها بوضوح العبارة التي وردت في القانون التركي، وتنص «على أن الأشخاص الذين يتكلمون لغة وطنية خاصة غير اللغة التركية يُمنعون من تأسيس أي قرى جديدة أو أحياء أو تجمعات سكانية، ويُحظر عليهم الانتفاع من احتكار أي مهنة أو فرع من فروع الأعمال». وهذا القانون الذي فُصّل بشكل أساسي ضد الكورد والأرمن يعني «حكم الإعدام»، ولا نجده أقل قسوة من معاهدة سيفر عام 1920، التي قال عنها مصطفى كمال إنها حكم إعدام بحق تركيا. وقديماً سمعنا الحكمة من أجدادنا: «إن كنت لا تستطيع رفع الظلم فأخبر عنه الجميع على الأقل»، وقد عبّر الكورد عن دفع الظلم بالثورة المسلحة، وبأن الثورة وحدها تستطيع ضمان حقوق الكورد القومية قبل الجلوس على طاولة الحوار السياسي في النهاية. واتُّخذ قرار بدئها في الحادي والعشرين من شهر آذار عام 1925، يوم عيد نوروز، العيد القومي للكورد كما هو عيد الإيرانيين والأفغان.

كان الجانب التركي يتصرف في هذه الثورة وكأن معلومات متواصلة تصله عن حركة الثورة الكوردية ورموزها وأماكن تجمعهم في المنطقة الواقعة بين بتليس وديار بكر.

فيما عمدت لجنة القيادة العسكرية للثورة الكوردية، بقيادة الجنرال «إحسان نوري باشا» و«خالد بك الجبرائيلي»، إلى أخذ التدابير الأمنية عند إخطار العشائر الكوردية المسلحة والقوات الخاصة الكوردية ممن تدربوا ومارسوا حرب العصابات في مناطق أرضروم وديرسم ومدينة كينجو، التي أصبحت عاصمة الثورة، مع الأخذ بنظر الاعتبار ضمان تأييد السلطات المحلية ورجال الدين ذوي النفوذ. ويظهر وجه الغرابة في تصرف حكومة مصطفى كمال في أنهم منعوا الكورد من استخدام الدين للتثوير ضد الترك، في حين استخدمه أتاتورك في الحرب ضد اليونانيين، بل شرّعوا قانوناً أقره المجلس الوطني التركي يسوّغ توجيه تهمة الخيانة العظمى لكل من يستخدم الدين لإثارة الشعور الشعبي، سواء بالكلام أو النشر. واحتار قادة الحركة الكوردية ورجال الدين المسلمون في الطريقة التي يحبذها الأتراك لنيل الكورد حق الاستقلال، وهم أمة محجوزة في الجبال، لا يحق لها أن تبني قرى لإسكان أطفالها ونسائها وكبار السن، ولا يحق لها أن تتكلم بلغتها، ولا أن تلبس زيها القومي، ولا أن تمارس مهنة. وفوق ذلك يدعو الكوردي (المقنّع الولاء) رئيس الحكومة «عصمت إينونو» الشعب التركي إلى إعلان الجهاد ضد الحركة الثورية الكوردية، مدعياً أنها تعرّض كيان الدولة التركية للخطر. ولكن إينونو لم يقل لنا أي نوع من الجهاد هو: هل هو الجهاد الإسلامي ضد الكورد المسلمين؟ أم هو الجهاد الطوراني الذي يراد منه قتل كل من يتكلم اللغة الكوردية لتبقى الأمة التركية عالية بين الأمم، كما تقول كتب التلمود اليهودية عن شعب الله المختار؟! أم المقصود الجهاد ضد الإنكليز الذين يساندون الكورد ويموّلونهم بالمال والأسلحة، كما روّج له الكماليون لتضليل الرأي العام، والرأي التركي خاصة، وتحريض الأتراك ضد الكورد؟ وفي أثناء حماسة حكومة «عصمت إينونو» الكوردي لتأليب الناس ضد الكورد، اصطدم قسم من رجال الشيخ سعيد بيران بمفرزة عسكرية تركية في بلدة بيران في السابع من آذار 1925، فأسفر ذلك عن مقتل عدد من الجنود الأتراك وأسر آخرين.

إن ظهور (20,000) مقاتل كوردي يحملون السلاح في بلدة «تالا» شمال ديار بكر قد ألهب مشاعر البقية للاشتراك في الثورة، كما دفع أكثر من (100,000) شخص من الشركس والعرب والأرمن الموجودين في منطقة الثورة (جنوب شرق تركيا) إلى التعاطف مع الثوار الكورد ضد الظلم القومي التركي، وساعد على نجاح مجرى حركة الثورة في مرحلتها الأولى التي امتدت من 7 إلى 26 آذار عام 1925، وهي تحمل شعارات «عاش الاستقلال» و«عاشت كوردستان»، بعد أن دخل أكثر من (10,000) مقاتل كوردي منطقة «كينجو» عاصمة الثورة الكوردية. الأمر الذي دفع الحكومة التركية إلى تكليف القائد التركي «كمال الدين سامي باشا» بالقضاء على الثوار بقوة بلغت زهاء (70,000) جندي تركي، فهاجم معاقل الثورة الكوردية في كينجو وديار بكر و«كاب كجور» وبدليس وديرسم وأرضروم، وأسفر ذلك عن فقدان الكورد (150) مقاتلاً. ورُصدت مكافأة مالية قدرها ألف ليرة ذهبية لكل من يقبض على الشيخ سعيد بيران. وفي أواسط نيسان 1925 حوصرت قوات الثورة الكوردية، وقُتلت أعداد كبيرة من الكورد في وادي كينجو، وأُلقي القبض على قائد الثورة الشيخ سعيد بيران وستة وعشرين آخرين من الثوار الكورد.

إن ما ينبغي على شباب الكورد وزعماء الأحزاب الكوردية أن يتذكروه في حواراتهم عن القضية الكوردية واستقلالها هو أن الثورة الكوردية التي قادها الشيخ سعيد بيران قد ولدت بعد الحرب العالمية الأولى، وأن اللاعبين الكبار من أصحاب القرار ليسوا شاه إيران، ولا التركي مصطفى كمال أتاتورك، ويقيناً ليس ملك العراق فيصل الأول، بل هم بريطانيا وفرنسا ومعهما الولايات المتحدة الأمريكية بقدر معين. وإذا أمعنّا بعيداً في الرؤية، فإن بريطانيا التي اشتكت كثيراً من محاولات أتاتورك فرض واقع في ولاية الموصل وضمها إلى الدولة التركية - ولا تزال - هي نفسها التي أوعزت إلى الشاه الإيراني عام 1975، الصديق والخادم لسياستها، ألّا يقدّم معونة للثورة الكوردية بقيادة الملا مصطفى البارزاني، بل أن يعمل على إرهاق الثوار الكورد بالقتل والسجن، وحصر مجموعاتهم المسلحة المقدّرة بـ(1000) مقاتل تحت قيادة «خالد بك» على مشارف بلدة «خيتس»، مما قاد إلى مقتل شمس الدين نجل «حسنانلي خالد بك»، وعباس الدين نجل الشيخ سعيد بيران، ورئيس عشيرة «زركان» كريم على يد القوات الإيرانية، قبل أن يلجأ الآخرون إلى الزعيم الكوردي الإيراني إسماعيل آغا الشكاك الملقب «سمكو».

أما فرنسا، التي ارتكبت خطأً سياسياً فادحاً (من وجهة نظر كوردية وبريطانية) في تعاملها مع كمال أتاتورك وفق معاهدة فرانكلين - بويون عام 1921، فقد كانت مسؤولة لا عن إهدار الدم الكوردي فحسب، بل عن فشل الثورة الكوردية أيضاً. ولكنها أكثر أخلاقاً وشرفاً من بريطانيا الإمبراطورية، فهي تعترف بأنها غير معنية بسياسة عداء مستمر مع الأتراك، وبأن بريطانيا تمارس لعبة سياسية مزدوجة محترفة، كما فعلت مع روسيا القيصرية حول خانات آسيا الوسطى الإسلامية (خيوة، مرو، بخارى، خوقند) منذ منتصف القرن الثامن عشر، وهي ليست صنعة فرنسية في ذلك الوقت. والدولتان بريطانيا وفرنسا تعرفان مغزى المنشور الذي وزعته قيادة الجيش التركي لإشعال نار الفتنة القومية بين الأتراك والكورد والأرمن والآثوريين، وفيه أن زعيم الثورة الكوردي الشيخ سعيد بيران تعاون مع الأرمن والآثوريين بهدف إنشاء كوردستان مستقلة، وهو ما يعني لاحقاً أن الكورد سيدعمون دولة أرمنية على التراب التركي ويدمرون الديانة الإسلامية فيها، وفق الفتنة البريطانية: «فرّق تسد»!

بقيت الثورة الكوردية، شأنها شأن سابقاتها، بلا منظّرين ومنظّمين سياسيين يسمعون صدى السياسة الإقليمية والدولية المؤثرة في صنع القرار السياسي، ومن ذلك واقع مملكة العراق المحتل، الذي غاب عنه القرار السياسي المستقل منذ أفول الخلافة العباسية عام 1258 وحتى انقلاب تموز 1958، أي سبعة قرون من الزمن. فيما تشبثت دولتا إيران وتركيا بعنصرية قومية على حساب الشعب الكوردي حتى الحرب العالمية الأولى وما بعدها. إن المصالح البريطانية والفرنسية والأمريكية مع دول النفط في الشرق الأوسط أقوى بكثير من التفكير في إيجاد كوردستان مسلمة وموحدة.

ولا يجوز غض النظر عن محاكم الاستقلال التي أنشأها مصطفى كمال في المناطق الشرقية التركية في نيسان عام 1925 لمحاكمة رموز الثورة الكوردية، وكأنها شأن داخلي لا يجوز التدخل فيه! وقد قضت هذه المحاكم بإعدام (91) مجاهداً كوردياً أمام المسجد الكبير في «ديار بكر» (جنوب تركيا) في السابع والعشرين من شهر أيار 1925. وكان منهم الشيخ «عبد القادر بن عبيد الله الشمزيني»، الذي خاطب جلاديه: «أيها الجلادون، لنا الشرف في أن نصعد أعمدة المشانق في سبيل حرية بلادنا كوردستان، وإنكم بإعدامنا لا تكسبون سوى غضب الله والشعب الكوردي، كما أنكم تشدّون من العزيمة على النضال في سبيل الاستقلال، فلتحيا كوردستان». وحقيقة الأمر أن السلطات التركية أرادت إرهاب الكورد في كل الولايات الجنوبية الشرقية، من «حكاري إلى ديار بكر وماردين وأورفة»، فأجبرت العديد من الأطفال والنساء وكبار السن من الكورد على الهجرة من بلادهم إلى سورية وإيران والعراق، أو الاعتصام برؤوس الجبال. والمجاهد «عبد القادر بن عبيد الله الشمزيني» لم يشارك مشاركة نشيطة في ثورة الشيخ سعيد بيران. وقد ردد الشيخ عبد القادر نفسه قبل تنفيذ حكم الإعدام به في التاسع والعشرين من حزيران عام 1925: «إن على كل كوردي شريف أن يناضل في سبيل تحرير بلاده كوردستان المغتصبة من ظلمكم الذي لا يطاق». وكان من بين الذين صدرت ضدهم أحكام الإعدام ثلاثة إخوة هم الأمراء «جلادت» و«ثريا» و«كاميران» أبناء بدرخان، قبل أن يهربوا من السجن إلى خارج تركيا. وقد دلّ ذلك على أن الثورة الكوردية ثورة شبابية، ولا خشية عليها ما دام الشباب الكوردي مؤمناً بها.

وإذا كان يتعذر على بعضهم، وهم كثير من العرب والمسلمين، الاحتكام إلى ما يقوله الكورد في تركيا عن بربرية المحاكم التركية، فهناك وصف ممثل قيادة أركان الجيش الروسي عام 1926، إذ يقول إن السلطات التركية انتقمت من الكورد انتقاماً وحشياً. ودفع ذلك الكاتب «آرمسترونغ» إلى القول: «أصبحت كوردستان خالية بالحديد والنار، بعد أن قتلت الشيوخ والنساء والأطفال خلال عامي 1925 – 1926، وفيها دمرت القوات التركية مئات القرى والمنازل، وطردت وقتلت الآلاف من السكان الأبرياء». لتوصف عند أهل الرأي بالبشاعة التي أرادها أتاتورك وساعده الأيمن، الكوردي الأصل عصمت إينونو، القائل: «لا يحق لغير الأمة التركية أن تطالب بأي حقوق إثنية أو قومية، فما من أمة أخرى أو عنصر عرقي آخر يملك هذا الحق». ونقول: بماذا اختلف أتاتورك «المسلم»، الذي أنشأ المحاكم العسكرية الخاصة المسماة «محاكم الاستقلال»، عن «محاكم التفتيش» الإسبانية في القرن الخامس عشر لمحاكمة المشعوذين بالدين المسيحي، وقد أخرجوا الموتى من القبور وأجلسوهم على كراسي الاتهام لمحاكمتهم مرة أخرى؟! ولم يكن دين الإسلام الذي وصل تركيا في القرن التاسع الميلادي ليتيح لحكامها ممارسة القتل، وقد خلق الله الإنسان الكوردي والتركي والعربي وغيرهم في أحسن تقويم.


أجزاء «تركيا الكمالية وكوردستان الشمالية: الأمن للأمة التركية» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←