الأكراد خارج كوردستان

يعيش منذ القدم أعداد كبيرة من الأكراد خارج كوردستان، فمثلاً «هناك 320 ألف كوردي يعيشون في الاتحاد السوفيتي، وفي لبنان يعيش 70 ألف كوردي، وهناك 360 ألفاً في الهند في مقاطعة السند (حسب الإحصائيات القديمة)، وفي جمهورية الصين الشعبية في محافظات شنسي وكانسو ونينغشيا»، وهناك 30 ألف نسمة في أفغانستان، إذ «إن اللغة الكوردية (واللهجة الكرمانجية) منتشرة على رقعة غير كبيرة على طول الحدود الأفغانية الإيرانية، وأيضاً في غوريان (محافظة هرات)». وإلى جانب ذلك هناك جاليات من الأكراد تعيش في بلغاريا (ولهم قراهم الخاصة)، وأكثر من 20 ألفاً في باكستان، وفي اليمن والأردن ومصر وفلسطين.

ونلاحظ أن التقديرات الأخيرة تكاد تصل إلى رأي مشترك، فالاستشراق السوفيتي في السنوات الخمس الأخيرة يعطي رأياً مخالفاً كلياً لآراء الخمسينيات، وهذا الرأي يأخذ به الباحثون الكورد والأحزاب الكوردية والكوردستانية وبعض العلماء الغربيين المختصين بالقضية الكوردية.

عدد سكان العراق بموجب إحصاء عام 1957م

بلغ عدد سكان العراق ستة ملايين ونصف المليون نسمة بموجب إحصاء 1957، ويشكل المسلمون الأكثرية الساحقة منهم، ويأتي الكورد من الناحية القومية في المرتبة الثانية بعد العرب. وإضافة إلى القوميتين الرئيسيتين العربية والكوردية تعيش في العراق أقليات قومية كالتركمان والآثوريين المسيحيين والآشوريين.

وكتب ليث الزبيدي عن الأحوال الاجتماعية في العراق يقول:

«يبلغ عدد سكان العراق حسب إحصاء 1957 ستة ملايين ونصف المليون نسمة، والأغلبية الساحقة منهم ذات أصل عربي، إذ يؤلفون 80% من مجموع السكان، وعدد نفوسهم (5.018.962) نسمة موزعين على جميع محافظات القطر الأربع عشرة في حينها، أما نفوس الأكراد فبلغت (1.042.774) نسمة موزعين على المحافظات الشمالية الأربع». وبلغت نفوس الأقليات (236.806) نسمة.

لم يجرِ في العراق حتى الآن إحصاء نزيه، ومع ذلك يبقى إحصاء عام 1957 أفضل إحصاء جرى حتى الآن، وقد اعتُمد أساساً لحل الخلافات بين قيادة الثورة الكوردية والحكومة العراقية على كركوك والمناطق المختلف عليها، لدى التوقيع على اتفاقية 11 آذار 1970.

وأكبر الظن أن ليث الزبيدي لم يطّلع على السجلات الأصلية لإحصاء عام 1957م، بل اطّلع على السجلات التي زوّرها النظام العراقي السابق بعد اتفاقية 11 آذار عام 1970م، لكي يغيّر الواقع القومي والتاريخي للكورد في كركوك وبعض المناطق الكوردية التابعة لمحافظتي الموصل وديالى.

إن الكورد يشكلون حالياً 27% من مجموع سكان العراق، وإذا ما توفرت الأجواء الطبيعية لإجراء إحصاء نزيه فلا شك لديّ في أن نسبة الكورد ستكون أكثر من ذلك.

سياسة الحكومات العراقية تجاه كوردستان

أهمل النظام الملكي العربي العراقي منطقة كوردستان إهمالاً شبه تام، وأعاق تقدم الشعب الكوردي في كوردستان العراق، ومارس بحقه سياسة اضطهادية عنصرية. وإضافة إلى قمعه انتفاضات الشعب الكوردي لجأ إلى وسائل أخرى في غاية الخطورة لمحاربة تطلعات الشعب الكوردي، فقد اشترك في ميثاق سعد آباد عام 1937، ثم عقد الاتفاقية التركية العراقية عام 1946، وبعد ذلك ميثاق بغداد المشؤوم (حلف بغداد 1955م).

ومما لا شك فيه أن تلك المواثيق والاتفاقيات كانت تستهدف بالدرجة الأولى تضييق الخناق على الحركة التحررية الكوردية من كل جانب والقضاء عليها بشكل جماعي.

ولم يقتصر النظام العراقي المتعاقب في محاربته للشعب الكوردي في كوردستان العراق على الوسائل العسكرية فحسب، بل استخدم وسائل أخرى أخطر، وهي اتباع سياسة مقصودة أدت إلى حرمان الشعب الكوردي في كوردستان من التعليم، وارتفاع نسبة الأمية، وتفشي الأمراض بين أبنائه، وإلى إهمال المنطقة الكوردية (كوردستان) من حيث توفير الخدمات الصحية وإقامة المشاريع الزراعية والاقتصادية وغيرها.

أهمل النظام الملكي العربي العراقي شعب كوردستان، واحتضن فئة من الإقطاعيين الكورد ومنحهم امتيازات كثيرة، وسمح لهم باستغلال الفلاحين الكورد شر استغلال.

كما أهمل النظام العراقي المتعاقب تطبيق قانون اللغات المحلية إلا في أماكن قليلة، ومنع استعمال اللغة الكوردية لغة رسمية في الدوائر، وحدّ من قبول الطلبة الكورد في الكليات، ولا سيما الكليات العسكرية وكليات الشرطة، وسار على سياسة التفرقة العنصرية في التعيين في الوظائف الحكومية، ولا سيما في مراكز الوزارات والجيش والشرطة، ومنع الشعب الكوردي من إصدار أية جريدة سياسية كوردية مهما كان اتجاهها. وقد أدت هذه السياسة العنصرية المقصودة إلى تأخر الشعب الكوردي عن ركب التقدم أسوة بالآخرين.

صحيح أن بعض الكورد وصلوا إلى مراكز عليا في الحكومة، إلا أن هؤلاء لم يصلوا إليها بصفتهم ممثلين للشعب الكوردي، بل أفراداً موالين لبريطانيا وللبلاط الملكي، وكان هؤلاء ملكيين أكثر من الملك، ولم يقدموا أية خدمة لشعبهم الكوردي.

إن الشعب الكوردي لم يكن يتمتع بحقوقه القومية الكوردية في ظل العهد الملكي في العراق الجديد، إلا أنني للحقيقة أقول إنه ذاق من العذاب والتهجير والتعريب والقتل الجماعي في ظل العهد الجمهوري أضعاف ما ذاقه في ظل العهد الملكي.


أجزاء «توزيع السكان الأكراد في المنطقة الجغرافية لكوردستان» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث (هذا الجزء)

→ الجزء الثاني