صعوبات وعراقيل أمام تحديد عدد السكان الأكراد في كوردستان

كما ذكرنا في موضع آخر من هذه المحاضرة، توجد صعوبات وعراقيل أمام إعطاء أرقام دقيقة لعدد السكان الأكراد ونسبتهم إلى المجموع الكلي للسكان في كل بلد على حدة، ولا حاجة بنا إلى الإطالة في الشرح لأن السبب واضح للجميع.

إن الحكومات المقسِّمة للمنطقة الجغرافية الكوردية لكوردستان تنكر وجود العنصر الكوردي، فالأتراك يطلقون على الأكراد اسم «أتراك الجبال»، وفي إيران يعدّون الأكراد فرساً، والعرب يعدّون الأكراد عرباً. ولهذا لا توجد أرقام رسمية لعدد الأكراد، بل هناك تقديرات مختلفة من قبل لجان دولية ومستشرقين ورجال علم وباحثين من الدول الشرقية والغربية ومن المنطقة.

إن أكثرية التقديرات، سواء أكانت تقديرات العلماء الأجانب، وفي مقدمتهم المختصون بالدراسات الكوردية (الكوردولوجيون)، أم تقديرات الباحثين الكورد، تكاد تصل إلى رأي متقارب، ولا سيما في السنوات الخمس السابقة. وبشكل عام فإن الآراء متناقضة في هذا الصدد، وسنحاول إعطاء آراء مختلفة، قديمة وحديثة، ولفترات زمنية مختلفة أيضاً.

فالموسوعة الأمريكية تقدر عدد الأكراد بـ1.700.000، أما الموسوعة البريطانية فتعطي الرقم 1.500.000، في حين قدّر «الكتاب الأصفر» الفرنسي عدد الأكراد التابعين آنذاك للإمبراطورية العثمانية، أي ما عدا أكراد إيران، بـ3.012.897. وتقدر الموسوعة السوفيتية لعام 1952 عدد الأكراد بسبعة ملايين على الشكل التالي: 2–3 ملايين في كوردستان تركيا، و2–2.5 مليون في كوردستان إيران، و1.2 مليون في كوردستان العراق، و300 ألف في كوردستان سوريا، و200 ألف في أفغانستان وباكستان، وفي سنة 1939 كان هناك 45.826 كوردياً في الاتحاد السوفيتي. وهذا الرأي كان قريباً من المنطق العلمي قبل أكثر من ثمانين سنة.

ويقع الجغرافي إليزيه ريكلو في خطأ فاحش عندما يقدّر عدد الأكراد بـ1.8 مليون نسمة، منهم 1.3 مليون في القسم الآسيوي الكوردي من تركيا و0.5 مليون في كوردستان إيران، وذلك في كتابه «الأرض والناس»، الجزء التاسع، الصادر عام 1887. وهذا الخطأ كرره الفرنسي فيكتور بيرار الذي قدّر عدد الأكراد بـ1–1.5 مليون في كوردستان تركيا و600–700 ألف في كوردستان إيران. وحسب العقيد الروسي آ. كارتسوف فإن المجموع الكلي للأكراد في كوردستان تركيا وإيران في أواسط القرن التاسع عشر يصل إلى 2.5–3 ملايين.

وبعد الحرب العالمية الأولى بفترة قصيرة قدّرت لجنة عصبة الأمم عدد الأكراد حتى عام 1914 بثلاثة ملايين: 1.5 مليون في كوردستان تركيا، و700 ألف في كوردستان إيران، و500 ألف في كوردستان العراق، و300 ألف في كوردستان سوريا وغيرها من البلدان. ويقول الباحث والمؤلف لازاريف إن هذا العدد قليل إذا حسبنا مئات الألوف من القتلى الأكراد الذين ذهبوا ضحية الحرب، ويضيف لازاريف أنه كان من اللازم تقدير عدد الأكراد قبل الحرب بما لا يقل عن 4 ملايين. وهذا الرقم تقريباً يعطيه القنصل الفرنسي في وان زارزيتسكي، الذي يقدّر الأكراد بـ3 ملايين في كوردستان تركيا، و700 ألف في كوردستان إيران، و300 ألف في كوردستان روسيا.

وقدّرت بعض المصادر الكوردية وغير الكوردية في تلك الفترة عدد الأكراد بحوالي عشرة ملايين نسمة، فقد قدّرت المذكرة الكوردية المقدمة إلى مؤتمر سان فرانسيسكو عددهم بـ8.5 ملايين على النحو التالي:

الدولة المساحة الإجمالية بالكيلومتر المربع المساحة الكوردية بالكيلومتر المربع والنسبة المئوية العدد الإجمالي للسكان عدد السكان الأكراد والنسبة المئوية
تركيا 760.000 220.000 (29%) 16.200.000 4.000.000 (25%)
إيران 1.600.000 190.000 (12%) 15.000.000 3.500.000 (23%)
العراق 300.000 105.900 (29%) 3.500.000 1.000.000 (28%)

إن هذا العدد قريب من الحقيقة، ولو أضيف إليه عدد أكراد سوريا وأكراد الاتحاد السوفيتي وأكراد الدول الأخرى لكان العدد الإجمالي للأكراد آنذاك قد وصل إلى 9 ملايين نسمة. وهذا العدد بالذات يعطيه الدكتور بله ج. شيركو نفسه في كتابه المطبوع عام 1930 حيث يقول: «على أنه يمكن أن يقال إن العدد الصحيح والأقرب إلى الحقيقة هو تسعة ملايين».

ويجب الإشارة إلى أن أكثرية المصادر، ومنها الرسمية، تعتمد على معلومات غير مؤكدة، وقد يعطي بعضها أرقاماً تقريبية قريبة من الصواب. فالمشكلة أن الحكومات المقسِّمة لكوردستان تنكر وجود شعب كوردي، إلى جانب أن كثيرين من الأكراد لم يقرّوا بقوميتهم الكوردية أمام لجنة عصبة الأمم آنذاك وغيرها من اللجان، خوفاً من بطش الأتراك والحكومات الأخرى وظلمها. فمثلاً سجّل الإحصاء الرسمي في تركيا لعام 1955 أنه من أصل 24 مليون نسمة في تركيا لا يتكلم الكوردية إلا 1.5 مليون، وواضح أن الأكثرية الباقية لم تتجرأ على الإدلاء بمعرفتها بلغة الأم. ومع انتعاش الحركة الكوردية، ولا سيما في كوردستان الجنوبية (العراق)، تهرّب الإحصاء الرسمي التركي من ذكر كلمة الكورد.

ولكي نصل إلى تقدير منطقي لعدد السكان الأكراد سنورد عدة آراء متناقضة لكتّاب وباحثين مختلفين في السنوات الستين الأخيرة.

إن ديرك كينان يتردد في إعطاء رقم، ولكنه حسب التقديرات يقدّر عدد الأكراد بين 5 و6 ملايين نسمة: 1.2 مليون في العراق، و1.4 مليون في بلاد فارس، و2.5 مليون في تركيا، و250.000 في سوريا، وبين 60.000 و100.000 في القفقاس السوفيتية.

ولو قارنّا بين التقديرات السابقة للحرب العالمية الأولى وتقديرات السيد ديرك كينان هذه، وحسبنا نسبة زيادة السكان في تلك البلدان خلال أكثر من 50 سنة، لوجدنا أن المؤلف يقع في خطأ كبير، فكان عليه أن يعطي تقديراً أكبر من السابق لا العكس.

ويقدّر السيد فان بروينسن عدد الأكراد على الشكل التالي: 7.5 مليون في كوردستان تركيا، و2–2.5 مليون في كوردستان العراق، و3.5 مليون في كوردستان إيران، و500 ألف في كوردستان سوريا، ومن 60.000 إلى 100.000 في الاتحاد السوفيتي، ويحدد جدوله للتقديرات السكانية لعام 1975 على الشكل التالي:

الدولة المجموع الكلي الأكراد النسبة
تركيا 40.2 مليون 7.5 مليون 19%
العراق 10.5 مليون 2–2.5 مليون 23%
إيران 43 مليون 3.5 مليون 10%
المجموع 13.5–14 مليون كوردي

ونجد الفرق الشاسع بين الرأيين. ومن الآراء العربية نذكر رأي كاظم حيدر الذي يكتب أن الأكراد على كل حال، إن لم يزيدوا على الخمسة ملايين، فهم ليسوا أقل من هذا بكثير، ومن الجدير بالذكر أن هناك 45000 كوردي يعيشون في الاتحاد السوفيتي بين أرمينيا وباكو ويريفان.

وقدّر محمود الدرة تعداد الأكراد بحوالي خمسة ملايين وثلاثة أرباع المليون (5.725.000)، توزيعهم كالآتي:

الدولة عدد الأكراد
في تركيا 2.640.000
في إيران 1.760.000
في العراق 1.050.000
في باقي الدول 275.000
المجموع 5.725.000

نلاحظ أن آراء الكتّاب الثلاثة متقاربة، وهذه الآراء بعيدة عن المنطق، لأنهم انطلقوا عموماً من منطلق حاقد مناهض للقضية الكوردية.

ومن الآراء الكوردية نذكر رأي صلاح الدين سعد الله الذي يعطي الجدول التالي:

الدولة نفوس الأكراد
تركيا 4 ملايين
إيران 2.500.000
العراق 1.500.000
سوريا 400.000
الاتحاد السوفيتي 100.000
المجموع 8.500.000

أما الدكتور عبد الرحمن قاسملو فيعطي الأرقام التالية: في كوردستان تركيا 4.600.000، وفي كوردستان إيران 3.000.000، وفي كوردستان العراق 1.400.000، وفي كوردستان سوريا 400.000، وهناك ما يزيد على المليون يقيمون في مختلف المناطق خارج كوردستان، منهم 300.000 في إيران في أقاليم خراسان وقوجان ودركز وحوالي قزوين، و200.000 في أفغانستان في منطقة غوريان التابعة لإقليم هرات قرب الحدود الفاصلة بين إيران وأفغانستان، وكذلك في بلوشستان في إقليم سرحد، وقرب أنقرة وفي بغداد وفي دمشق، ويعني ذلك أن المجموع الكلي للأكراد يناهز 10.450.000 نسمة. والمؤلف يعتمد على المصادر الروسية لأواخر الخمسينيات وعلى المجموعة الإحصائية العراقية لعام 1958، وكل هذه التقديرات تعود إلى ثلاثة عقود من الزمن، مما يفرغها من قيمتها العلمية، فهي لا تعبّر بشكل صحيح عن العدد الحالي.

ومن المصادر السوفيتية الحديثة نذكر عدة آراء: فالسيد بوريس فاسيليفيتش أندريانوف يعطي الأرقام التالية لعام 1978، أي قبل أربعين سنة (أي بالنسبة إلى تاريخ تأليف الكتاب عام 1987): في تركيا 4.1 مليون، وفي إيران 3.2 مليون، وفي العراق 2.3 مليون، وفي سوريا 500 ألف، أي 10 ملايين.

أما سولومون إيليتش بروك فيعطي الأرقام التالية: يشكل الأكراد 10.6% من مجموع سكان تركيا البالغ 47.279 مليون نسمة، ويقطنون بشكل مكثف في شرق تركيا وشمالها وجنوبها الشرقي، أي في ما يعرف بكوردستان تركيا. وهم يشكلون أكثرية السكان في ولايات حكاري ووان وبتليس وسعرت وماردين وأورفة وديار بكر وبينغول وموش وآكري وتونجلي، وفي هذه المناطق أكثرية القرويين أكراد، مع وجود قلة من الأتراك من الموظفين والعسكريين. وهناك قسم من الأكراد في المناطق المركزية من تركيا: في شرق سيواس، وجنوب أماسيا، وقرب أنقرة، وفي قهرمان مرعش وكير شهير، وقد نزح الأكراد إلى هذه المناطق الداخلية مجبرين وقسراً من قبل الحكومة التركية في الربع الأول من القرن العشرين، بهدف العمل المنظم من أجل صهرهم (تتريكهم).

إن عدداً من المصادر الأجنبية والسوفيتية يقدّر عدد الأكراد في كوردستان تركيا بـ10 ملايين وأكثر، ويرى بروك أن هذه التقديرات مرتفعة جداً، ففي كوردستان تركيا (11 ولاية شرقية) وصل عدد السكان بشكل عام في عام 1983 إلى أقل من 5 ملايين، علماً أنه يسكن فيها إلى جانب الأكراد العرب، والأتراك في المدن، وحتى لو حسبنا أن 1.5 مليون كوردي يعيشون خارج كوردستان تركيا فإن عددهم الكلي لا يزيد على خمسة ملايين. ولا نستطيع أن نشاطر بروك وجهة نظره هذه، لأن المؤلف لا يذكر كل الولايات الكوردية، معتبراً بعضها تركية. ونحن نضيف إلى قائمته الولايات التالية: أرضروم، وألازيغ، وملاطية، وغازي عنتاب، وأرزنجان، وكراكوس، وآدي يمان، وهاتاي، وقارس. كما أننا نعدّ سيواس وقهرمان مرعش كورديتين، بعكس ما يقوله المؤلف.

ويقدّر بروك عدد الأكراد في كوردستان العراق بـ2.780 مليون، أي بنسبة 19% من أصل 14.654 مليون، أما في كوردستان إيران فيقدّره بـ3.800 مليون، أي 9.1% من مجموع السكان البالغ 41.640 مليون، وفي كوردستان سوريا يقدّر عدد الأكراد بـ600 ألف نسمة. وعلى كل حال فالكتاب على ما يظهر يعتمد المصادر الرسمية للحكومة العراقية بالنسبة إلى أكراد كوردستان العراق، أما بالنسبة إلى الجزأين الآخرين فتقديراته غير منطقية، ولا سيما ما يتعلق بكوردستان إيران.

وعلى كل حال فإن تقديرات بروك، الذي يقدّر العدد الإجمالي للأكراد في الأجزاء الأربعة بـ12 مليون نسمة، تُعدّ رأياً جديداً بين غير المختصين من الاستشراق السوفيتي. وإذا أضفنا إلى هذا العدد أكراد الاتحاد السوفيتي ولبنان وأفغانستان وباكستان وغيرها لارتفع إلى أكثر من 13 مليوناً.

ويعطي كتاب «دول الشرق: الوضع اللغوي والسياسة اللغوية» تقريباً العدد نفسه، فالكتاب يقدّر عدد الأكراد في كوردستان العراق لعام 1970 بـ2.300.000 نسمة، أي 18.60%. وفي كوردستان إيران يقدّرهم بـ3.2 مليون، ويقدّر اللور بـ1.5 مليون، وهذا يعني أن عدد أكراد إيران يصل إلى 4.7 مليون نسمة. وفي كوردستان تركيا يشكل الأكراد نسبة 9.5% في أواسط سنة 1978 من مجموع 47.3 مليون، وفي كوردستان سوريا 500 ألف لعام 1980 من أصل 11.1 مليون.

وفي الكتاب نفسه يعطي روسلان تسابولوف، المختص باللغة الكوردية في معهد الاستشراق السوفيتي، في مقالته المعنونة «الوضع اللغوي للغة الكوردية في المنطقة»، رقماً أكبر بمرتين من التقديرات السابقة، فهو يقول إن الأكراد يشكلون النسب التالية: في كوردستان تركيا 21.5% (من أصل 47.3 مليون)، وفي كوردستان إيران 18.3% (من أصل 11 مليون). وعلى هذا التقدير يبلغ عدد الأكراد في كوردستان تركيا 10.1695 مليون، وفي كوردستان إيران 7.7775 مليون نسمة، وفي كوردستان العراق 3.850 مليون نسمة، وأخيراً في كوردستان سوريا 990 ألفاً. إذن فالعدد الإجمالي للأكراد القاطنين في كوردستان وحدها، ما عدا الأكراد في الدول الأخرى، كان يقدّر في ذلك الوقت بـ22.787 مليون نسمة.

والمستشرق السوفيتي البارز المختص بالمسألة القومية في الشرق الأوسط وبالقضية الكوردية، الدكتور ميخائيل لازاريف، يقدّر عدد الأكراد اليوم بأكثر من 20 مليون نسمة، يعيش 85% منهم حالياً على أرض كوردستان، ويعطي النسب التالية: في كوردستان تركيا 23.8%، وفي كوردستان إيران 16%، وفي كوردستان العراق 28%، وفي كوردستان سوريا 11%، أي في تركيا 14 مليوناً، وفي إيران 6.20 مليون، وفي العراق 3.20 مليون، وفي سوريا 700 ألف.

وقريباً من هذا العدد يعطي البروفيسور السوفيتي الجورجي والمستشرق ألبرت منتاشفيلي، الذي يقدّر عدد السكان الأكراد بحوالي 18 مليون نسمة. إن اختلاف الرأي بين هاتين المجموعتين يعود برأينا إلى أن المجموعة الأولى ليست مطلعة على الوضع الكوردي بشكل كافٍ وتستخدم غالباً المصادر الرسمية، بعكس المجموعة الثانية التي تعرف المشكلة عن كثب، وهي تدخل ضمن اختصاصاتها، وكل عالم أدرى بعلمه ومشكلته من الآخرين.

وبرأينا فإن عدد السكان الأكراد يبلغ حوالي 30 مليون نسمة (لعام 1987)، وذلك على النحو التالي:

الدولة العدد الإجمالي للسكان لعام 1983 عدد الأكراد النسبة المئوية
تركيا 47.279 مليون 14.183.700 30%
إيران 41.640 مليون 7.495.200 18%
العراق 14.654 مليون 4.103.120 28%
سوريا 9.814 مليون 1.275.820 13%
المجموع 27.057.840

أجزاء «توزيع السكان الأكراد في المنطقة الجغرافية لكوردستان» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←