الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
جدول أعمال مؤتمر القاهرة 1921 (الجزء الأول)
من محاضرات «مؤتمر القاهرة 1921 والقضية الكوردية» – 2013
ضم جدول أعمال مؤتمر القاهرة، المنعقد في 12–24 آذار 1921، الموضوعات الآتية:
أ- العراق العربي الجديد
ضم جدول أعمال المؤتمر، خطوةً أولى، انتخاب حاكم عربي مع مراعاة علاقاته مع حكومة صاحب الجلالة (بريطانيا) في ظل الانتداب، أساساً تمهيدياً لترسيخ ظروف دائمة للبلد، على أن ينفذ هذا القرار مجلس الدولة في العراق العربي الجديد (البرلمان). وهذه هي الخطوة الأولى التي يجب أن يحققها المندوب السامي البريطاني في العراق السير برسي كوكس، ويمكنه بعد ذلك أن يعطي التعليمات المباشرة للخطوات اللاحقة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن يكون الأمير فيصل بن الشريف حسين هو الحاكم (الملك) في العراق العربي الجديد. وحالما يعطي المجلس (البرلمان العراقي) موافقته، يجب دعوة الأمير فيصل فوراً ليتوجه إلى العراق الجديد، مع إدراك أهمية أن تحصل الحكومة البريطانية، قبل طرح اسمه أمام مجلس الدولة (النواب)، على قبول مؤقت لمسودة الانتداب البريطاني على العراق لتنسيق العلاقة بين الطرفين.
نستشف من هذا أن بريطانيا أرادت مجيء الأمير فيصل إلى دفة الحكم في العراق العربي الجديد، مع ضمان خطوات وصوله إلى العرش ملكاً على العراق، من أجل تحقيق مصالحها الإستراتيجية في المنطقة. ولن يتم ذلك إلا بقبول الملك فيصل الأول الانتداب البريطاني على العراق الجديد، وبأن يقبل بمعاهدة بريطانية عراقية تحمل شروط الانتداب البريطاني وإن اختلفت التسمية.
وبشأن العلاقات الخارجية للعراق الجديد في ظل الانتداب البريطاني، فقد توجب على الحكومة البريطانية السيطرة على العلاقات الخارجية للعراق الجديد، وتحمّل مسؤولية الدفاع عنه ضد أي عدوان خارجي: من جهة البحر، أو من الجهة الفرنسية السورية، أو من تركيا، ومن إيران، ومن المحمرة، ومن جهة كوردستان، ومن الصحراء الغربية.
وبشأن الترتيبات الإدارية في العراق الجديد، أخذت الحكومة البريطانية على عاتقها تشغيل الموظفين البريطانيين في العراق الجديد، وهم ينقسمون بدورهم إلى مجموعتين:
أ. ضباط السياسة البريطانية: ويتألفون من المندوب السامي البريطاني وهيئة ضباطه الشخصيين، ومن مستشاري الوزراء العرب (العراقيين)، ومراقبي الحامية العسكرية ومساعديهم، الذين سيكونون تحت أوامر المندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس.
ب. الموظفون البريطانيون في الحكومة العراقية الجديدة: سيكون الموظفون البريطانيون المدنيون من غير هيئة المراقبة المذكورة في (أ) أعلاه موظفين في العراق الجديد على نحو نهائي في العمل والاستخدام، وَفق شروط يُتفق عليها مع المندوب السامي البريطاني.
أما الحامية العسكرية البريطانية الدائمة في العراق الجديد، فقد أُخذت بالاعتبار مناقشتها للسنوات (1922–1923) و(1923–1924) و(1924–1925)، وستتألف من قوات بريطانية وهندية ومحلية، مع حجم المساعدات التي تقدم إليها، آخذين بنظر الاعتبار على نحو مفترض أعداد القوات وتركيبها وتوزيعها، ومسألة المواقع المعينة للقوات الجوية، وأنظمة الدفاع وغيرها.
ولغرض التخفيضات العسكرية البريطانية السريعة، يجب دراسة الأعباء العسكرية الحالية موقعاً بموقع، ووحدة بوحدة، ومجموعة بمجموعة، وطرح المقترحات بشأن التخفيض السريع لأعداد القوات، وإعداد تقرير قبل انتهاء المؤتمر. ويؤمل أن يستطيع ثلث الجنود الحاليين مغادرة العراق قبل حلول الجو الحار، والثلث الآخر مباشرة بعد انتهاء الجو الحار، مع دراسة إمكانية النقل البحري لهذه الوحدات.
وبشأن منطقة كوردستان العراق (ولاية الموصل)، فقد ضم جدول أعمال مؤتمر القاهرة في آذار 1921 اقتراحاً بعدم إلحاق المناطق الكوردية (ولاية الموصل) بدولة العراق العربي الجديد في الوقت الحاضر، على أن تعزز الحكومة البريطانية أسس الوحدة الكوردية بالقدر الممكن، وأن تُوسَّع المنطقة الكوردية (ولاية الموصل)، أي كوردستان العراق، ويكون بالإمكان تنفيذ هذه الخطة عن طريق مستشار بريطاني في كوردستان يعمل تحت أوامر المندوب السامي البريطاني في بغداد.
نستنتج مما ذكر أعلاه أن الحكومة البريطانية أرادت التعامل مع كوردستان العراق (ولاية الموصل) مباشرة من خلال المندوب السامي البريطاني في العراق السير برسي كوكس، وإبقاء المنطقة الكوردية (ولاية الموصل) منفصلة عن العراق العربي الجديد، لتحقيق مصالحها الاستعمارية وإحكام سيطرتها على مناطق العراق كافة. وهذا يؤكد السياسة الاستعمارية البريطانية في كوردستان العراق (ولاية الموصل).
أوصت اللجنة السياسية في مؤتمر القاهرة في آذار 1921، قبل الإعلان عن تنصيب حاكم عربي على عرش العراق الجديد، بأن يُصدر المندوب السامي البريطاني إعلان العفو العام عن مرتكبي «الجرائم السياسية» من شعب العراق منذ ابتداء الاحتلال العسكري للبلاد، والمقصود ثوار ثورة العشرين.
وتعقيباً على ما ورد ذكره، فإن بريطانيا عدّت الثوار الوطنيين (ثورة العشرين) الذين وقفوا ضد الاحتلال والهيمنة البريطانية مجرمين سياسيين، وهذا تجنٍّ كبير على رجال الحركة الوطنية العراقية الذين وقفوا ضد الاحتلال والانتداب البريطاني على العراق، وكانوا ثواراً بكل معنى الكلمة.
أما بالنسبة إلى موضوع اللاجئين الآثوريين والأرمن في كوردستان العراق، فقد كانت بريطانيا ملتزمة أخلاقياً بوجودهم في كوردستان العراق (ولاية الموصل)، لكن يجب العمل الحاسم على تمكين اللاجئين من العودة إلى أوطانهم، وأن تصبح إعالتهم من المسؤولية المدنية وتنخفض إلى أقل حد ممكن.
ب- فلسطين
إن الحكومة البريطانية مسؤولة، خارج بنود الانتداب، عن إقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين، كما أن بريطانيا ملزمة مع شريف مكة حسين بن علي، بضمانات منذ عام 1915، بإقرار دعم استقلال العرب في البلاد العربية دون الإساءة للمصالح الفرنسية في دمشق، على ألا تُعامَل فلسطين وشرق الأردن على الأساس نفسه، ويُقدَّم لهذين الإقليمين الدعم الاقتصادي على نحو منفرد.
ج- شرق الأردن
تتعهد الحكومة البريطانية بإقامة حكم عربي في شرق الأردن تحت حكم حاكم عربي مقبول. وكما في العراق العربي الجديد، تأخذ الحكومة البريطانية على عاتقها السيطرة على العلاقات الخارجية وحماية الإقليم (شرق الأردن) من أي هجوم خارجي. ويتم تشغيل الموظفين البريطانيين في شرق الأردن ضمن مجموعتين كما في العراق العربي الجديد.
د- الجزيرة العربية
يتبنى المؤتمر الخطوط الرئيسة للمذكرة الخاصة بالإعانات المالية المقدمة للشريف حسين بن علي وعبد العزيز آل سعود، التي أعدها الكولونيل كورنواليس في السادس عشر من كانون الأول 1920. ولا يرى المؤتمر ضرورة لأن تتحمل الحكومة البريطانية مسؤولية تتطلب إرسال ضباط بريطانيين إلى إقليم الجزيرة العربية لتخطيط الحدود أو حسم الخلافات المحلية، بل يقترح أن تُفرض سيطرة المندوب السامي البريطاني في الخليج العربي على المناطق الساحلية والعلاقات مع عبد العزيز آل سعود.
هـ- عدن والأرض الصومالية البريطانية
من الحكمة إقامة علاقات ودية مع الإمام يحيى بن حميد الدين، مع إمكانية دمج عدن والصومال تحت إدارة واحدة، وهذا يعني تخلي حكومة الهند عن إدارة عدن، ويحتم انفصال الأعمال المدنية عن العسكرية المترابطة في عدن في جهة واحدة، والعمل على تعيين موظف مدني في الأرض الصومالية يكون اتصاله مباشراً مع وزارة المستعمرات البريطانية في كل المسائل السياسية المتعلقة بالمنطقة الواقعة خلف ساحل عدن والأقاليم المجاورة لها، بحيث يكون هذا الموظف بمثابة المندوب السامي البريطاني (1).
عقد مؤتمر القاهرة
في الأول من آذار 1921 غادر وزير المستعمرات ونستن تشرشل لندن متوجهاً إلى القاهرة، يرافقه الماريشال الطيار هيو ترينشارد رئيس هيئة الطيران الجوي، وموظفو الإدارة من قسم الشرق الأوسط، والجنرال ديب رادكليف مدير العمليات العسكرية، ومن قسم المالية المستر كروسلاند والسير جورج بارستو.
وخلال الرحلة من مرسيليا إلى الإسكندرية حصلت موافقة وزير المستعمرات البريطاني ونستن تشرشل على جدول أعمال مؤتمر القاهرة، وأُعدت تفاصيل جدول الأعمال للمناقشات الأولى حول العراق الجديد، وكُلّف السير ولتر كونكريف، القائد الأعلى للقوات المسلحة في مصر وفلسطين، برئاسة اللجنة العسكرية والمالية (2).
أما الوفد القادم من العراق العربي الجديد لحضور مؤتمر القاهرة فكان برئاسة السير برسي كوكس، ومعه الجنرال هالدين قائد القوات البريطانية في العراق، والآنسة كيرترود بيل (مس بيل) السكرتيرة الشرقية البريطانية، والجنرال أتكنسن المشرف على الأعمال وشبكات الطرق، والسير سلاتير المشرف المالي، ومن أركان حرب الحملة البريطانية في العراق الكولونيل فريث والكولونيل ستيوارت، وآمر جناح القوة الجوية الملكية في العراق السير برنت، ومستشار وزارة الدفاع في العراق الميجر أيدي. وقد حضر وزيران عراقيان بصفة عضوين استشاريين، هما وزير الدفاع جعفر باشا العسكري (الكوردي الأصل)، ووزير المالية ساسون حسقيل أفندي (اليهودي الأصل) (3).
حدد جدول الأعمال يوم السبت الثاني عشر من آذار 1921 موعداً للاجتماع الأول الذي سيترأسه وزير المستعمرات ونستن تشرشل، وتُشكَّل فيه لجنة عسكرية مالية لدراسة المسائل العسكرية والمالية، تعتمد على الحقائق والبيانات التي سيجري العمل في ضوئها. كما تشكلت لجنة سياسية لمناقشة البنود التي تضمنها جدول الأعمال السياسي (4).
عُقدت الجلسة الأولى برئاسة ونستن تشرشل وزير المستعمرات البريطاني، وبعد أن أوضح الرئيس هدفه من الدعوة إلى المؤتمر والخطوط العامة لجدول الأعمال، انتظم المؤتمر في لجنتين: الأولى اللجنة العسكرية والمالية، والثانية اللجنة السياسية. وكُلّف السير بادكوك بمهمة سكرتارية مؤتمر القاهرة، فأخذ على عاتقه التدوين الكامل والدقيق لأربع وخمسين جلسة عقدت بين الثاني عشر والرابع والعشرين من آذار/مارس 1921.
وبتواصل أعمال المؤتمر، نوقش جدول الأعمال الرئيس للعراق من قبل اللجنة السياسية التي ترأسها وزير المستعمرات ونستن تشرشل، واللجنة العسكرية والمالية التي ترأسها ولتر كونكريف القائد الأعلى للقوات المسلحة البريطانية في مصر وفلسطين. واجتمعت اللجنتان معاً هيئةً واحدة برئاسة رئيس المؤتمر ونستن تشرشل، بعد أن عُدّت المقترحات السياسية والعسكرية متساوية في الأهمية، وتقرر اعتماد التوصيات التفصيلية، كما حُددت قرارات نهائية بشأن المسائل المطروحة (5).
وبشأن التوصيات التفصيلية، تقرر خفض التعهدات العسكرية البريطانية في العراق الجديد فوراً، إذ لا يمكن للمصلحة المحلية أن تقف في طريق تطبيق برنامج تخفيض أعداد جيش الاحتلال البريطاني. وسيأخذ المؤتمر بالاعتبار أي تخفيض على أساس ربع القوات الموجودة، على أن يجري قبل ارتفاع حرارة الجو في العراق. وعُدّت الافتراضات التالية أساساً لمناقشتهم:
إحكام السيطرة على المنطقة في ظل الانتداب.
تقليص الالتزامات العسكرية خارج ولايات البصرة وبغداد والموصل (كوردستان العراق) وخطوط المواصلات بين هذه المراكز إلى أقل حد ممكن.
عدم تمركز الضباط السياسيين البريطانيين في أماكن خارج خطوط المواصلات الرئيسة.
الاحتفاظ بأقل عدد ممكن من القوات البريطانية في هذه المراكز.
تجنيد القوات العربية وتنظيمها، مع إمكانية تجنيد اللاجئين الآثوريين.
التخلي عن المخازن العسكرية والذخائر للحكومة العراقية الجديدة (6).
أجزاء «جدول أعمال مؤتمر القاهرة 1921» (3 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث