الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

جدول أعمال مؤتمر القاهرة 1921 (الجزء الثاني)

من محاضرات «مؤتمر القاهرة 1921 والقضية الكوردية» – 2013

مؤتمر القاهرة

عُقد مؤتمر القاهرة في 12–24 آذار 1921، وحضره أربعون خبيراً في شؤون الشرق الأوسط، منهم وزير المستعمرات البريطاني ونستن تشرشل، والمندوب السامي البريطاني في العراق السير برسي كوكس، وسكرتيرة الدائرة الشرقية كَرترود بيل (مس بيل)، والقائد العام للقوات البريطانية في العراق السير إيلمر هالدين، والميجر نوئيل، والمفوض العام في فارس (إيران)، والمقيم في الخليج، والحاكم العام للصومال، والمقيم في عدن، والقائد العام للقوات البريطانية في فلسطين. لكن لم يُدعَ إلى المؤتمر في القاهرة شخص كوردي واحد. أما وزير الدفاع العراقي الكوردي الفريق الركن جعفر العسكري، فإنه وإن كان من أعضاء الوفد العراقي (الحكومة العراقية)، لم يكن من أعضاء المؤتمر الأصليين في القاهرة. ولم يطّلع الأكراد على ما جاء فيه حول المستقبل المدخر لهم في جنوب كوردستان (ولاية الموصل) الكوردية إلا بعد مرور زمن طويل، على ما قاله الأستاذ المؤرخ جرجيس فتح الله.

عقد المؤتمر، برئاسة ونستن تشرشل وزير المستعمرات، ما بين أربعين وأربع وخمسين جلسة خلال مدته البالغة اثني عشر يوماً (12–24 آذار 1921).

قدّم ونستن تشرشل إلى اللجنة السياسية، التي كان يترأسها هو بالذات، مذكرة دائرة الشرق الأوسط حول مستقبل كوردستان للدراسة وإعطاء الرأي. وكانت هذه اللجنة السياسية، عدا رئيسها ونستن تشرشل، تضم السير برسي كوكس، ومس بيل، والعقيد ت. إ. لورنس، والميجر هربرت يونكَ، والميجر بانكوك سكرتير اللجنة السياسية الخاصة بكوردستان، والميجر نوئيل العضو الاستشاري.

استرسل الأستاذ جرجيس فتح الله مفصلاً في ذكر ما يتعلق بكوردستان في مؤتمر القاهرة، وكذلك بعض الكتّاب الآخرين مثل صلاح الخرسان ومحمد طاهر محمد والدكتور بلة شيركو، مع الإشارة إلى أن إهمال بعض المؤرخين الآخرين لهذا الموضوع المهم الخاص بمستقبل كوردستان كان عمداً. وقد تضمنت صفحات كتاب «يقظة الكورد» (ص 235–245) للأستاذ جرجيس فتح الله معلومات موثقة دقيقة جداً في هذا الموضوع وفي معاهدة سيفر 1920، لم يظفر بمعظمها القراء الأكراد. ويُعلم منها أن المعرقل الأول لتوصيات ونستن تشرشل بإقامة دولة كوردية مستقلة وعدم ربط كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) بالعراق العربي كان المندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس، بتذبذب فكره وسياسته ومماطلته، مع بعض من حوله من البريطانيين مثل ويلسن والمخادعة مس بيل.

ثم إن الأستاذ جرجيس فتح الله (ص 245–252) ألقى باللائمة على مقاومة الأكراد للسلطة البريطانية في 1922 واستنجادهم بقوات تركية (قوات العقيد أوزدمير)، وجعلها سبباً من أسباب عدم تنفيذ مقررات مؤتمر القاهرة في آذار 1921 وتوصياته بشأن المسألة الكوردية. لكن الأستاذ جرجيس فتح الله لم يرجع إلى بداية نشوء هذه المقاومة وأسبابها منذ سنة 1920 بل وما قبلها أيضاً، وهي المقاومة التي استمرت حتى إعادة الشيخ محمود الحفيد من الهند في نهاية أيلول 1922. فقد كانت سياسة السلطة البريطانية في العراق الجديد ضد الكورد، لذلك قطعت أملهم بها في منحهم حقوقهم القومية الكوردية المشروعة المستقلة في كوردستان، مع عدم إفهام الشعب الكوردي توصيات مؤتمر القاهرة وونستن تشرشل، بالإضافة إلى إخفاق معاهدة سيفر عام 1920. لقد كانت لتلك المقاومة الكوردية أهدافها الداعية إلى إعادة الشيخ محمود الحفيد من منفاه في الهند وتلبية مطالبه القومية للشعب الكوردي في كوردستان، وليس إعادة السلطة التركية إلى كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) (7).

ذكر الأستاذ جرجيس فتح الله أنه جاء في المذكرة التي قدمتها دائرة الشرق الأوسط إلى اللجنة السياسية في مؤتمر القاهرة (آذار 1921) ما يلي:

«رأينا القويّ أنّ المناطق الكوردية الخالصة القوام (ولاية الموصل – كوردستان العراق) يجب ألا تدخل في الدولة العربية العراقية التي ستقام في ميسوبوتاميا (العراق الحديث – ولايتي بغداد والبصرة فقط)، بل يجب العمل من جانب حكومة صاحب الجلالة، وبقدر المستطاع، على تشجيع مبدأ الوحدة الكوردية، ورعاية الهوية القومية للأكراد في كوردستان (ولاية الموصل). إنّ امتداد المنطقة الكوردية التي ستتيح لحكومة صاحب الجلالة المجال والقدرة على مواصلة هذه السياسة سيعتمد بحكم الضرورة على الشروط النهائية لتسوية سلمية مع تركيا. ومهما بلغت هذه المنطقة الكوردية من مساحة، فاعتقادنا أن سيطرة حكومة صاحب الجلالة ستسهل بوجود نوع ما من نظام كوردي مركزي يُلحق به مشاور سياسي بريطاني، على أن يكون هذا المشاور السياسي البريطاني مرتبطاً بالمندوب السامي البريطاني في ميسوبوتاميا – أي العراق/بغداد – ومن خلاله ستكون صلته بحكومة جلالته».

في اجتماع اللجنة في القاهرة يوم 15 آذار 1921 تحدث السير برسي كوكس حول محتويات مذكرة دائرة الشرق الأوسط، فقال إنّ الكورد في ولاية الموصل (كوردستان العراق) هم أغلبية (وهذا اعتراف ضمني من البريطانيين بالشعب الكوردي في ولاية الموصل) في منطقتي كركوك والسليمانية والمناطق الشمالية من ولاية الموصل، التي تؤلف جزءاً لا يتجزأ من العراق. فاعترض هربرت يونكَ، واقترح إقامة دولة كوردية مستقلة فوراً ومن دون تأخير في ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وأن توضع تحت الوصاية المباشرة للمندوب السامي البريطاني في العراق، لا أن تكون جزءاً من العراق العربي الجديد أو ضمن مسؤولية حكومته. وأيّده الميجر نوئيل في ذلك.

وكان من رأي ونستن تشرشل، وزير المستعمرات البريطاني، أنه يفضل حكماً ذاتياً كاملاً (Home Rule) لكوردستان الجنوبية، أي كوردستان العراق (ولاية الموصل)، فقد يكون من المفيد خلق دولة كوردية مستقلة عازلة بين الضغوط التركية من الخارج وقيام حركة عراقية معادية لبريطانيا من الداخل. وأعرب ونستن تشرشل عن موافقته على ما أبداه كلٌّ من هربرت يونكَ والميجر نوئيل من رأي. وعقّب بقوله إنّ حكومة عربية في العراق مستقبلاً، ومن ورائها جيش عربي، ستتجاهل طموحات الشعب الكوردي وأمانيه في ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وستضطهده بوصفه أقلية كوردية. وأضاف محذراً: إن لم يُتَح للشعب الكوردي في ولاية الموصل (كوردستان العراق) المجال ليحكم نفسه بنفسه، وأُجبر على الإلحاق بالدولة العربية الجديدة (العراق العربي الجديد)، فإن أي أمير شريفي (نسبة إلى شريف مكة، ويقصد هنا فيصلاً)، مهما بدا ديمقراطياً ومتسماً بروح الحياد، ما إن يجد نفسه في موضع قوة حتى لا يبعد أن يقف في سبيل الطموح القومي للشعب الكوردي ومصالح الكورد في كوردستان العراق بوصفهم أقلية عنصرية كوردية. ولذلك يبدو ألا سبيل، توفيقاً للمصلحة البريطانية، إلا إقامة دولة كوردية مستقلة في ولاية الموصل (كوردستان العراق) عازلة (Buffer State) بين العراق الجديد وتركيا الحديثة.

وختمت اللجنة في القاهرة اجتماعها بتبنّي توصية هربرت يونكَ في إبقاء جنوب كوردستان (ولاية الموصل) منفصلاً عن العراق العربي الجديد، وساند هذا الاقتراح كلٌّ من ونستن تشرشل والميجر نوئيل والعقيد لورنس، وهم الأغلبية، وعارضه السير برسي كوكس وكَيرترود بيل (مس بيل)، ولم يؤخذ رأي السكرتير بابكوك ولم يتدخل في المناقشة. إلا أن الأكثرية وضعت قيداً احترازياً مجاملةً للسير برسي كوكس، هو «أن يبقى هذا القرار غير معمول به حتى يتيسر الوقت (بعد ثلاث سنين؟) ليتهيأ للكورد في كوردستان (ولاية الموصل) رأي تمثيلي قد يحبذ أو لا يحبذ الانضمام إلى العراق العربي الجديد».

واستقر الأمر في الأول من أيار 1921 على هذا: فالأغلبية حبذت، أو أرادت في الواقع، أن يكون جنوب كوردستان (ولاية الموصل) منفصلاً عن العراق العربي الجديد، على أن توضع مسؤوليته على عاتق المندوب السامي البريطاني في العراق. وساندت دائرة الشرق الأوسط في وزارة المستعمرات ووزيرها ونستن تشرشل هذا الأمر مساندة قوية.

إلا أن سياسة مضادة تصيب المرء بالدوار حقاً قُدّر لها أن تطفو على السطح خلال الأشهر القلائل التالية من عام 1921، جرى خلالها تمييع قرار الأكثرية في مؤتمر القاهرة (آذار 1921)، بل تجميده ثم تصفيته، وتفضيل خطة السير برسي كوكس في الأخير وتطبيقها بكل الكوارث التي نجمت عنها. وكان السير برسي كوكس صاحب الدور الرئيس في ذلك، بمساندة كَيرترود بيل (مس بيل) السكرتيرة الشرقية للمندوب السامي البريطاني في العراق العربي الجديد ومعاونتها.

قيل إن برسي كوكس كان واقعاً في أسر الافتراض بأن العراقيين القوميين العرب لا يريدون أصلاً كوردستان مستقلة، وتحت تأثير فكرة الصعوبة التي سيواجهها في إيجاد زعيم كوردي طيّع ممتثل للأوامر البريطانية إلى حد مناسب لإنشاء هذا الكيان الكوردي المستقل (الدولة الكوردية المستقلة – كوردستان). وربما كان مأتى سياسته هذه الإصرار العربي على أنه لا يمكن إقامة دولة عربية جيدة (العراق) من ولايتي بغداد والبصرة فقط.

وإلى جانب هذا القرار اتُّخذ قرار ترشيح الأمير فيصل بن الشريف حسين لعرش العراق العربي الجديد، وكان قد وصل إلى ميناء البصرة في العشرين من حزيران 1921، وفي 23 آب 1921 توّج ملكاً بعد استفتاء (شكلي ومسيطر عليه من قبل المندوب السامي البريطاني في العراق) كسب فيه 96 بالمائة من مجموع الأصوات الكليّ. وأغضى المندوب السامي البريطاني عن امتناع السليمانية وكركوك ورفضهما المشاركة في الاستفتاء (وهذا لا يجوز)، إذ كانت هناك مخاوف، وشاع قلق عظيم في المناطق الكوردية (كوردستان العراق) حول مستقبل السيادة العربية على حكومة بغداد.

وبسبب هذا، ولأجل التظاهر المبدئي بأن المندوب السامي البريطاني يمهّد فعلاً لتطبيق قرار مؤتمر القاهرة (آذار 1921)، أصدر في السادس من أيار 1921، بعد عودته من مؤتمر القاهرة، تصريحاً نبّه فيه الضبّاط السياسيين البريطانيين في كلٍّ من الموصل وكركوك والسليمانية وأربيل، أي المناطق ذات الأكثرية الكوردية، إلى ما سيجري العمل به، إلا أنه كان في الواقع تمهيداً للشروع في خطته التي تؤدي أخيراً إلى إلحاق كوردستان بالعراق العربي الجديد.

وفي ص 242 من كتاب «يقظة الكورد»: أرسل ونستن تشرشل وزير المستعمرات البريطاني برقية إلى السير برسي كوكس في 25 أيار 1921 موصياً فيها بألا تدخل كركوك الكوردية في العراق العربي الجديد، مؤكداً رأيه السالف المستولي على خياله الخصب: «دولة كوردية في كوردستان (ولاية الموصل) عازلة تتألف إثنولوجياً (عرقياً) من عناصر كوردية غير عربية».

ثم انثنى ونستن تشرشل وزير المستعمرات البريطاني ليصدر عدة تعليمات وأوامر إلى دائرة الشرق الأوسط العائدة لوزارة المستعمرات، منها وجوب عودة الميجر نوئيل إلى كوردستان، ومنها التمسك بقرار مؤتمر القاهرة (آذار 1921)، ومنها وجوب إعادة الشيخ محمود الحفيد إلى السليمانية.

ولم يكن السير برسي كوكس مسروراً بهذا (عودة الشيخ محمود الحفيد). وبدأت الخلافات الجانبية بين وجهتي النظر صغيرة تتعلق بكيفية التطبيق، إلا أنها انزاحت في الأخير لتغدو سبيلين متناقضين في تطبيق القرار: أحدهما يؤدي إلى خلق كيان كوردي (الدولة الكوردية في كوردستان – ولاية الموصل) ذي حكم ذاتي منفصل عن العراق العربي الجديد، والآخر يبيّت نيّةً واضحة لضمّ جنوب كوردستان إلى الدولة العراقية العربية الجديدة.

في التاسع من حزيران 1921 عاد ونستن تشرشل ليؤكد لزوم الإفادة من خدمات الميجر نوئيل، وتعلُّق ذلك بقضية الشيخ محمود الحفيد المبعد إلى الهند، فقد طلب تشرشل إطلاق سراحه منذ الحادي عشر من نيسان 1921، وتعمد برسي كوكس الإبطاء دون الالتفات إلى سخط ونستن تشرشل، الذي أصبح الآن مدركاً إلى أي حدّ كان المندوب السامي البريطاني يعارض عودة الرجلين (الشيخ محمود الحفيد والميجر نوئيل)، مستفيداً من غيابهما عن الميدان للعمل حثيثاً على دمج المناطق الكوردية في جنوب كوردستان بالدولة العراقية العربية. فلم يُجب عن مطالب تشرشل واستفساراته إلا بعد شهرين تقريباً (في 8 حزيران 1921)، وإذ ذاك كانت السياسة الإدارية التي اتخذها برسي كوكس قد نفذت عميقاً في تربة كوردستان.

واسترسل الأستاذ جرجيس فتح الله في كتابه في معلومات وحقائق عمّا بعد مؤتمر القاهرة (آذار 1921) أيضاً، كانت خافية على الأكراد وعلى معظم مؤرخيهم وكتّابهم، يتضح منها موقف ونستن تشرشل المشرّف وبعد نظره الصائب في مستقبل الأكراد، كما يتضح منها أن السبب الرئيس لمأساة الكورد كان السير برسي كوكس الذي أصرّ على ربط كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) بالعراق العربي، فغدر بالشعب الكوردي وظلمه وسلّمه إلى الويلات العربية (بغداد والبصرة) في العراق، وإلى الدفن والقتل الجماعي للشعب الكوردي في عمليات الأنفال وفي المقابر الجماعية وغيرها لاحقاً عام 1988.

حاول برسي كوكس إقناع ونستن تشرشل ودائرة الشرق الأوسط بخطته الجهنمية، و«استخدم عللاً وأسباباً» لإقناعهما. وأجابه ونستن تشرشل «مؤكداً أنه ما يزال يفضل الأخذ بسياسة إقامة دولة كوردية عازلة بين العرب والترك، كما تقرر في مؤتمر القاهرة في آذار 1921». إلا أن برسي كوكس بدأ الآن يُغري معظم المناطق الكوردية من كوردستان بالتعاون على إمرار سياسته، وجعل النظام العراقي يمتدّ إلى أقسام ومناطق كوردية هي كركوك وأربيل، في حين بقيت السليمانية تحت حكم البريطانيين المباشر، وبذل «كل جهد» في سبيل «تطوير الإدارة الوطنية على خطوط اعتيادية»، متصدياً لما تبقى في لندن من شعور بالواجب واحترام التعهدات للكورد (الشعب الكوردي في كوردستان)، وظلّ يدور حول ونستن تشرشل ويناور، حتى كتب إليه ونستن تشرشل في الأخير:

«إن الحكم العربي في العراق يجب أن يقتصر على الأرض العربية فقط، وتحديداً ولايتي بغداد والبصرة».

لكن برسي كوكس كان بوسعه الآن أن يقول له إن معظم الكورد (الشعب الكوردي في ولاية الموصل – كوردستان العراق) قد استُشيروا في 6 أيار 1921 فاختاروا عدم الانفصال عن العراق الجديد، وإنه من الصعب تجاهل رغبتهم، فضلاً عن أن القوميين العرب صاروا الآن يعتمدون على بناء عراق عربي تدخل فيه ولاية الموصل (كوردستان العراق ذات الأغلبية الكوردية)، وأن خيبة مبتغاهم الآن تعني المخاطرة بانفجار شديد مثلما حصل في ثورة عام 1920.

وعاد تشرشل يذكّر برسي كوكس بأن اعتماده خطة اشتراك الكورد في كوردستان العراق في المجلس التأسيسي (البرلمان العراقي)، المنوي عقده لوضع دستور الدولة العراقية الجديدة، يجب أن يحترم مبدأ أن الكورد (الشعب الكوردي في ولاية الموصل – كوردستان العراق) يجب ألا يوضعوا تحت حكم العرب ضدّ رغبتهم.

وفي الأخير كشف برسي كوكس عن أوراقه حين لم يعد مجال للمداورة والمناورة، فوضع الأمر أمام وزارة المستعمرات البريطانية بالشكل التالي: «في مؤتمر القاهرة 1921 كان هناك خياران: أن تُجعل المنطقة الكوردية، كوردستان العراق (ولاية الموصل)، جزءاً من العراق العربي الجديد، أو أن تُشجَّع المنطقة الكوردية (ولاية الموصل – كوردستان العراق) على حكم ذاتي منفصل»، أو دولة كوردية مستقلة في كوردستان. ثم انتهى إلى القول إنه «بعد موازنة الآراء والمشاورة مع أولي الرأي، يرى أن يُصار إلى الخيار الأول»، ثم استتلى قائلاً إنه لن يتخذ أي خطوة في أيٍّ من السبيلين إلا بعد أن يتلقى جواباً صريحاً من وزارة المستعمرات البريطانية «كيلا يكون هناك سوء فهم».

كان برسي كوكس يريد أن يسمع من ونستن تشرشل رأياً واضحاً فيما استدرجه إليه، أي أن يصير بالنتيجة إلى تأييد الحل الأول، أو على الأقل أن يكتشف في ردّ فعله أي ضعف أو ميل إليه قد يطلق يده في سلوك سياسة الاندماج (دمج المنطقة الكوردية بالعراق الجديد) التي يفضلها وهو عاقد العزم عليها.

وبتوالي التقارير وتعدد المراسلات ارتأى ونستن تشرشل عقد اجتماع لدائرة الشرق الأوسط في السادس والعشرين من حزيران 1921 يضم ممثلين عن سائر الوزارات ذات العلاقة، وانضم إليهم كلٌّ من الميجر سون، الذي لم يكن قد أُبعد عن السليمانية بعد، ومعاون الضابط السياسي للواء (محافظة) كركوك النقيب ستيفن لونكَريك، وكان إذ ذاك في لندن. وفيه رُفض معظم تقارير برسي كوكس ومقترحاته باعتبارها مخالفة لما تم التوصل إليه في مؤتمر القاهرة (آذار 1921)، وأُعطي التفضيل لثاني الخيارين، وأيد هذا المنحى كلٌّ من الميجر سون والنقيب لونكَريك. وكتبت الدائرة السياسية للشرق الأوسط ردها مشيرة إلى هذين بعبارة تشبه التوبيخ:

«إن الدائرة السياسية للشرق الأوسط تظن أن ليس بين مشاوري برسي كوكس من يستطيع أن يتكلم عن ثقة أو خبرة بقدر ما يملكه الميجر سون والنقيب لونكَريك من خبرة وكفاءات».

وانحصرت المكاتبات بين برسي كوكس وونستن تشرشل لبقية العام 1921 وبداية العام 1922 في النقطة المركزية: هل يجب على بريطانيا مساندة قيام كوردستان أوتونوميّة (دولة كوردية لا مركزية أو مستقلة)، أو أن تُضم المنطقة الكوردية التي أطلقنا عليها مصطلح «جنوب كوردستان»، أي ولاية الموصل، إلى العراق العربي الجديد؟

ولم ينجح برسي كوكس آخر المطاف في صرف وزارة المستعمرات البريطانية عن قرار مؤتمر القاهرة وصرف نظرها عن تطبيقه نهائياً إلا بالضرب على وتر ونستن تشرشل الحساس، وتر الضرورة الإستراتيجية للإمبراطورية البريطانية، والتفكير في استحداث إدارة «أنكَلو كوردية» عن بُعد خشية جرح مشاعر القوميين الكورد المرهفة، وبالانتهاء إلى أن «أفضل السياسة هو اعتبار الكورد أقلية عراقية، لكن مع منحهم فرصة إعادة النظر في قرارهم بعد ثلاث سنين». وبقي الميجر سون يعارض هذه السياسة، وأعلن رأيه في نهاية العام بكل صراحة: لا خضوع للسليمانية لحكم عربي إلا أن يكون مؤقتاً وتمهيداً لخلق دولة كوردية مستقلة قريباً، فأُقيل فوراً من منصبه. وكان مثل زميليه النقيب ليز والميجر نوئيل، وربما أقدم على ما أقدم عليه بدافع شبيه بعاطفة الأبوة، وبظنّه أن هذا هو خير ما يمكن تقديمه للشعب الكوردي.

لكن دار المندوب السامي البريطاني، ومن ورائها حكومة بغداد، بقيت مستعدة للاعتراف بالهوية الكوردية شريطة أن تكون ضمن الوحدة العراقية. غير أن برسي كوكس أراد أن يكسو ذلك التدبير صفة الديمقراطية، فقرر ضرورة «استشارة» الكورد في كوردستان رسمياً في السادس من أيار 1922 «للظفر بدليل على الرغبة الحقيقية للمجموعة الكوردية (The Kurdish Communities): هل هم راغبون في البقاء ضمن الحكومة العراقية؟» (8).

لو شاء الكورد إبراز الهوية القومية المتمثلة في الحكم الذاتي، فتلك كانت اللحظة الحاسمة. فما وصفه برسي كوكس باستفتاء أو «استشارة الجماعات الكوردية» لم يكن، كما قلنا، غير استشارات جماعية علنية لنخبة من الوجهاء والشخصيات الكوردية المنتقاة محلياً، ومن الأغوات ورؤساء العشائر الكوردية، وكان معظمهم يعرفون من أين تهبّ ريح السياسة البريطانية في ميسوبوتاميا (العراق الجديد)، وقليل منهم من شعر بالاستعداد لتحديها والوقوف في وجهها. بل حتى لو افترضنا وجود الرغبة لدى هؤلاء الصدور والأعيان الكورد في إقامة جبهة موحدة، فلن يجدوا فرصة لتوحيد قواهم الكوردية ورصّها في جبهة، لذلك كانت أجوبتهم ذات طابع محليّ ضيق. ورفض السليمانيون (أهالي السليمانية) أي نوع من الضم إلى الحكومة العراقية العربية، إلا أنهم كانوا وحيدين في وقفتهم؛ ففي ذلك الحين لم يكن التثقيف القومي الكوردي قد وصل إلى الجذور.

تبيّن من خلال الوثائق التي ذكرها الأستاذ جرجيس فتح الله أن المندوب السامي البريطاني في العراق برسي كوكس ونائبه ويلسن هما المسؤولان عن إلحاق كوردستان الجنوبية بالعراق العربي الجديد، وأن قسطاً، بل القسط الأكبر، من إثم الجرائم التي نتجت عن ذلك وارتكبت ضد الشعب الكوردي في كوردستان إلى الآن يقع على عاتق هذين السياسيين البريطانيين وعلى من ساندهما من الخبيثين والمخادعين (مس بيل وإدموندز). وقد كتب البريطاني دافيد كورن بحثاً مفصلاً بهذا الخصوص بعنوان «رجلان أقحما الأكراد في كوردستان (ولاية الموصل) بالعراق العربي الجديد – مناورات برسي كوكس – ويلسن» (9)، بيّن فيه أن برسي كوكس وويلسن هما اللذان ألحقا كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) بالعراق العربي الجديد. وأخيراً، كان يهمني جداً معرفة الذين كانوا سبب الإلحاق، ولم أكن أعلم بذلك، كغيري من معظم كتّاب الكورد، قبل أن أطّلع على هذه الحقائق (جرجيس فتح الله).


أجزاء «جدول أعمال مؤتمر القاهرة 1921» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←