الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
جغرافية كوردستان وحدودها منذ القدم (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
إن الوصول إلى الغاية من البحث السياسي لا يتم بسهولة إلا باستعراض التاريخ السياسي للكورد قبل الحرب العالمية الأولى، وما تضمنه من أحداث واضطرابات إقليمية ودولية.
عاشت كوردستان حياة منعزلة في تاريخها الطويل، ولم تكن تملك حرية التفاعل مع العالم الخارجي من حولها، كما أنها لم تعرف في تاريخها كله شكل الدولة الكوردية الواحدة، ولم ينعم الكورد بوطن كوردي موحد. لقد شكلت طبيعة أرض كوردستان الجغرافية المعوّق الأساسي في هذا كله، لأن جبالها العالية ووديانها السحيقة وأنهارها الكبيرة حالت دون اتصال أجزائها بعضها ببعض. وإذا كان هذا الوضع الجغرافي الطبيعي لكوردستان قد نجح في عزل البلاد الكوردية عما حولها فترة طويلة، فإنه لم يستطع أن يمنع المطامع الخارجية ولا الغزوات المتلاحقة التي توجهت ضدها على مدى تاريخها الطويل؛ وذلك لأن الوضع الجغرافي والسياسي لكوردستان كان سبباً مباشراً لما تعاقب عليها من احتلال واختراق على مدى ذلك التاريخ. فقد غزا الأرمن والرومان حدود كوردستان وتوغلوا في بعض أجزائها، ثم لم تلبث أن خضعت بمجملها لحكم الآشوريين في القرن الرابع قبل الميلاد.
وعندما زالت الإمبراطورية الآشورية على يد الميديين (الإمبراطورية الكوردية) بالاشتراك مع البابليين عام 612 ق.م، توزعت أملاكها بين الشريكين (الميديين الكورد والبابليين)؛ فقد نالت إمبراطورية بابل سوريا وفلسطين وجنوب بلاد ما بين النهرين (العراق العربي، والعراق العجمي أي كوردستان الحالية)، بينما حصلت الإمبراطورية الميدية الكوردية على الأجزاء المتبقية، وهي القسم الأكبر من إيران، وشمال بلاد ما بين النهرين (كوردستان العراق الحالية)، وكيليكيا وأرمينيا. وكانت كوردستان في ذلك الوقت جزءاً من أرمينيا. ثم قضى كورش الفارسي على الإمبراطورية الميدية الكوردية، وأقام الإمبراطورية الفارسية، أي الدولة الأخمينية التي حكمت شعوب الشرق الأدنى والشرق الأوسط بما فيها الشعب الكوردي.
واستمر ذلك الوضع حتى عام 331 ق.م، حين داهم الإسكندر المقدوني الإمبراطورية الفارسية الأخمينية وقضى عليها، فأصبحت الدولة الأخمينية، ومنها أرمينيا وكوردستان، ضمن إمبراطوريته. وبعد وفاة الإسكندر المقدوني عام 323 ق.م عمد قادته إلى قتل زوجته روكسانا الكوردية الأصل، كما قتلوا ابنها، واقتسموا إمبراطوريته الواسعة فيما بينهم، فكانت كوردستان من نصيب القائد المقدوني سلوقس.
ولم يلبث أورونت والي أرمينيا أن استقل بهذه المقاطعة، وأعلن نفسه ملكاً عليها بما فيها كوردستان، وهي المملكة الكبرى التي امتدت عبر بلاد ما بين النهرين وشمال سوريا وفينيقيا (لبنان)، إلى أن داهمها الرومان فقضوا عليها واحتلوا أرمينيا نفسها، ثم رحلوا عنها فعادت إلى حدودها القديمة متخلية عن كوردستان لأهلها من الشعب الكوردي.
واستمر الكورد يحكمون أنفسهم بعد ذلك على شكل إمارات وإقطاعيات كوردية مستقلة طوال القرنين التاليين، حتى عام 226م، حين أعلن أردشير الساساني استقلال بلاده عن بارثيا (إيران)، وقضى على إمبراطورها الأرمني أردوان، وأعلن نفسه ملكاً عليها مؤسساً بذلك الإمبراطورية الساسانية. ثم مدّ رقعة بلاده واستولى على أرمينيا نفسها وعلى كوردستان، وبذلك عادت كوردستان إلى حكم الجار الفارسي من جديد، واعتنقت ديانته الزرادشتية.
وقد تميزت العلاقات الكوردية الفارسية في تلك الفترة بالقوة، حيث تمتع الكورد باستقلال نسبي في إدارة شؤونهم الذاتية، وبلغ التآلف بين الفرس والكورد حدّ أنهما صارا كشعب واحد. واستمر الشعبان الفارسي والكوردي على هذا الحال حتى سقوط الإمبراطورية الساسانية أمام الفتح العربي الإسلامي عام 640م.
وفي الفترة ما بين القرنين السابع والرابع عشر الميلاديين شهدت كوردستان عدداً من الإمارات الكوردية المستقلة، أشهرها الأسرة السالارية في أذربيجان (300–420هـ)، والأسرة الحسنوية في همذان (320–405هـ)، والدولة المروانية (الدوستكية) في كوردستان الشمالية (تركيا الحالية) (350–476هـ)، وأسرة بني عنّاز (380–510هـ).
وقامت في المنطقة الكوردية الواقعة ما بين الجزيرة ودرسيم تسع إمارات كوردية استمرت في الحكم فترة طويلة، وهي: إمارة الجزيرة، وخيزان، وبدليس، وشيروان، وصاصون، والسويدية، والبازوكيين، ومردة سي، ودرسيم. كما تعرضت كوردستان للغزوات الإسلامية الشرقية، فاستولى عليها السلاجقة الأتراك، ثم جابهت بعد ذلك الغزو المغولي. وفي القرن الثالث عشر خاض الكورد معركتهم الحاسمة ضد تيمورلنك عام 1400م قرب العمادية، فأوقفوا زحفه.
وقد عادت فارس بعد ثمانية قرون من الفتح العربي الإسلامي لتصبح دولة صفوية مستقلة على يد الشاه إسماعيل الأول الصفوي، ودامت على مدى مائتين وخمسين عاماً (1501–1723م). وقد اتخذ الصفويون هذا الاسم نسبة إلى جدهم صفي الدين، وهو من متصوفة الشيعة، وقد ادعى أنه ينتسب إلى الإمام علي، ولأنه كان تقياً ورعاً التف الناس من حوله.
لقد استولى الصفويون الفرس على الحكم في فارس في فترة اتسمت فيها فارس بالضعف. فقد خاض مؤسس الدولة الصفوية إسماعيل الصفوي الأول (1501–1524م) سلسلة من الحروب المتوالية لإخضاع الدويلات العديدة التي قامت إثر غزو المغول بقيادة تيمورلنك للمنطقة، كما قضى على دويلات التركمان، وأصبح سيد فارس بلا منازع، واختار مدينة تبريز عاصمة لملكه، وأعلن نفسه «الشاه»، وهو لقب ملوك فارس. وكان دين الدولة الرسمي هو الإسلام، ولكن إسماعيل الصفوي جعل المذهب الشيعي مذهب الدولة الفارسية الصفوية، ومنذ ذلك الوقت أصبحت فارس شيعية. ثم أخذ إسماعيل الصفوي يوسع ملكه إلى أن بلغ جيحون والخليج، ومن أفغانستان إلى الفرات، ولم يبق أمامه منافس سوى الدولة العثمانية السنية (الأتراك).
ولا أساس لما يتردد في كثير من المراجع الحديثة من أن الشاه إسماعيل الصفوي أقام دولة «قومية» في إيران مدفوعاً بدافع وطني، فالحديث عن دولة قومية في تلك الفترة أمر سابق لأوانه. ويؤكد المؤرخ الإيراني نصر الله فلسفي أن الذي دفع الشاه إسماعيل الصفوي وأتباعه إلى السيطرة على إيران وإقامة الدولة الصفوية لم يكن «الشعور الوطني والرغبة في إحياء قوة إيران»، بل كونه حفيد حسن الطويل (آق قوينلو) من ناحية والدته، ومن ثم عدّ نفسه الوارث الحقيقي لتلك الأسرة التركية (أسرة حسن الطويل، آق قوينلو).
إن إسماعيل الصفوي كان بلا شك فارسياً أصولياً، غلبت عليه النزعة القومية الفارسية الصفوية المتطرفة في تأويلها الفارسي المتعصب، فأعاد إلى بلاده فارس هويتها التاريخية، متخطياً جميع التطورات المتعاقبة بعد الإسلام، ومعيداً تاريخ الأكاسرة الأوائل، ومحيياً تراثهم، ومنحرفاً بفارس عن إسلامها السني الأصولي الذي اعتنقته منذ الفتح العربي الإسلامي، فجعل لها هوية إسلامية شيعية.
وفي أعقاب هذه التغيرات لم تنقطع الصراعات المذهبية، فقد هاجمت الدولة الصفوية عراق العجم (كوردستان) والعراق العربي، واستولت على بغداد والعتبات المقدسة عام 1508م، بعد أن جعلت من الأحلام والمطامع المذهبية سياسة ثابتة لها يتوارثها حكام فارس ويستخدمونها لغايات سياسية أبعد، حتى اندمج المذهب الشيعي بالقومية في فارس. وقد لعبت هذه الخطوات بلا شك دورها في تحريك مشاعر أهل السنة على امتداد أرضهم، بمن فيهم العرب والكورد.
ولكن ظهور العثمانيين على مسرح التاريخ في الوقت نفسه أدى إلى أن يتبوأ العثمانيون دوراً حاسماً في المستقبل السياسي للعالم الإسلامي، إذ لم تكن هناك قوة فعالة يمكنها الوقوف في وجه الصفوية وفارس ومواجهة توسعها المذهبي الشيعي الذي بدأ يخل بأوضاع المنطقة. فالعراق العربي لم يكن في تاريخه كله أعجمياً، ولم يكن معظم سكانه شيعة، بل كانوا عرباً، وكان فيهم السنة والشيعة.
استولى السلطان العثماني سليمان القانوني على بغداد عام 1534م، وكان السلطان سليم الأول (ياووز سليم) قد بدأ زحفه معلناً أن احتلال فارس للعراق العربي وعراق العجم (كوردستان) وأرمينيا خرق لحدود الدولة العثمانية منذ عام 1508م، أي قبل تحرك السلطان بنحو ست سنوات. وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1514 و1850م لم يثبت الكورد على حالة واحدة في علاقتهم مع الدولتين العثمانية والفارسية، فكان عدد من الأمراء الكورد يستعينون بالفرس إذا اصطدموا بالعثمانيين، وبالعكس.
وكان الشاه الفارسي يتحين الفرصة للعودة إلى العراق العربي، وقد واتته الفرصة عام 1623م، فأصبح الشغل الشاغل للسلطان العثماني استعادة العراق العربي، إلى أن تمكن السلطان العثماني مراد الرابع من استعادته عام 1638م، مستعيناً بالكورد لتحقيق غايته. وعُقدت نتيجة لهذه الحروب معاهدة ثنائية فارسية–عثمانية عُرفت باسم «معاهدة زهاب» عام 1639م، وبموجب أحكامها قُسّمت كوردستان لأول مرة في تاريخها، وما زالت مقسمة حتى اليوم، وأصبح الشعب الكوردي يعيش بموجبها حالتين وتحت سلطتين، حالة فارسية وأخرى عثمانية، على النحو الآتي:
- أصبحت أراضي كوردستان إيران (الكلهور وأردلان) بكاملها خاضعة لفارس.
- أما أراضي عشائر المكري الواقعة على الحدود الجديدة فقد انقسمت إلى قسمين؛ فبلاد شهرزور الكوردية بقيت تابعة للعثمانيين، بينما تأجل البت في وضع المناطق الكوردية الأخرى الواقعة إلى شرقها، مثل سقز وزهاب ودرنه وجنوب كرمنشاه، إذ اتفق الجانبان على ترك أمر تسوية وضعها لاتفاقية مقبلة.
- وبقيت بقية المناطق المجاورة لهذه الأراضي الكوردية على وضعها الإداري السابق، وأصبحت ولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية وما حولها باشوية، وكذلك شهرزور الكوردية، واستقلتا (ولاية الموصل وشهرزور) عن باشوية بغداد، بينما حافظت بقية إمارات الكورد على حالتها السابقة شبه المستقلة.
ولكن وقع حادث لم يكن في الحسبان، ألا وهو غزو الأفغان لفارس عام 1722م واحتلالهم لها، وبالطبع أُلغيت الاتفاقية السابقة (معاهدة زهاب لعام 1639م). واستطاع العثمانيون الاستيلاء على إمارة أردلان الكوردية التابعة للفرس، وواصلوا تقدمهم وتدخلهم شرقاً فاحتلوا أصفهان، مما استوجب تسوية سريعة بين العثمانيين والأفغان، فعُقدت معاهدة للصلح بينهم عام 1728م، أصبحت بموجبها الأقسام الكوردية الغربية من فارس تابعة للسلطة العثمانية.
واستمرت هذه الأوضاع حتى اعتلى عرش فارس نادر شاه، وهو القائد العسكري الذي استطاع طرد الأفغان، وحاول استعادة الأراضي الفارسية–الكوردية من العثمانيين، ولكنه فشل في ذلك. إلا أن العثمانيين أعادوها عام 1731م، مفضلين إبقاء كوردستان مقسمة بين دولتين، العثمانية والفارسية، على أن تظل موحدة في ظل إحداهما، وبذلك أُحييت معاهدة زهاب لعام 1639م.
وعندما بسط العثمانيون نفوذهم على المناطق الكوردية في العراق العجمي (كوردستان العراق) عوملت العشائر الكوردية معاملة حسنة، ولا سيما العشائر الموجودة على الحدود العراقية–الفارسية. وقد حاول ولاة العراق العربي أن يحسنوا علاقاتهم بالأغوات والخانات الكورد، ولكن النزاعات العائلية والعشائرية الكوردية كثيراً ما أدت إلى انقسام أفراد العائلة الكوردية الواحدة، ولجوء بعضهم إلى فارس وبعضهم الآخر إلى إسطنبول، مما خلق الكثير من المشاكل للولاة. يضاف إلى ذلك أن معاهدة زهاب لعام 1639م تركت بعض المناطق الكوردية الحدودية دون تحديد واضح، فضلاً عن طبيعة المنطقة الجبلية المنيعة، والأطماع الفارسية في كوردستان العراق.
ومن الطبيعي أن تكون مشاركة الكورد إلى جانب هذا الطرف أو ذاك من العوامل الداخلية الانقسامية التي أثرت في مستقبل كوردستان، كما كانت لها نتائج وتأثيرات سلبية في أوضاع الكورد وكيانهم من عدة نواحٍ، أهمها ما يلي:
- زيادة تفتيت كوردستان إلى إمارات وإقطاعيات تتقاتل فيما بينها، وتنمو فيها الشخصية القبلية والحس العشائري على حساب الشخصية القومية والمشاعر الوطنية.
- تقوية نظام الإقطاع تبعاً لما كان مطبقاً من نظم إقطاعية أوتوقراطية في الدولتين الغاصبتين الحاكمتين الفارسية والعثمانية، وتكريس الواقع الاقتصادي الرعوي المتطابق مع حالة الانكماش والعزلة وأشكال التخلف القديم.
- توزّع ولاء الشعب الكوردي، وإضعاف الإحساس العام لديه بضرورة تحقيق وحدته القومية، ومن ثم تلقيه هذا الواقع المشوّه تلقياً قدرياً كما لو كان هو أصل الأشياء.
- تعطيل القابلية الفكرية والعقلية الكوردية، وشلّ إمكانية خلق ثقافة وطنية قومية كوردية تفتح أمام الكورد فرص الاطلاع على واقعهم المتخلف واستنباط الوسائل والحلول الحاسمة للخلاص منه، وتتيح إفراز صفوة قيادية تتولى استنهاض القدرات الكامنة لهذا الشعب الكوردي وقيادة خطاه إلى الأحسن.
ويلاحظ أن السيطرة العثمانية على المناطق الكوردية كانت غير مستقرة، ففي منطقتي العمادية والجزيرة الكوردية لم يتمكن العثمانيون من فرض سيطرتهم الكلية، وبقيت المنطقتان محافظتين على استقلال غير تام.
أما القرن السابع عشر فقد شهد رسوخ الحكم العثماني في كوردستان تارة وضعفه تارة أخرى. ومنذ القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر كانت الإمارات الكوردية قد اتسعت كثيراً، وشمل نفوذها مناطق شاسعة من كوردستان.
وفي منتصف القرن التاسع عشر شرعت الحكومة العثمانية في اتباع سياسة جديدة لبسط نفوذها على كوردستان، فقد وجدت أن مصادر القلق والانفصال تكمن في قوة رؤساء العشائر الذين يجمعون إلى سلطتهم الكبيرة وفرة في السلاح، وكان لهؤلاء الرؤساء الكورد نفوذ كبير على قبائلهم. ومن هنا بدأ الحكام العثمانيون يتبعون مع هؤلاء الرؤساء سياسة جديدة، وهي استخدام أحدهم لإضعاف الآخر، ووضع الآخر في قبضتهم، وشراء الثالث بالمال حتى يلين.
وبهذه السياسة (فرّق تسد) تمكن العثمانيون من إضعاف العصبيات الكوردية الكبيرة، مثل آل بابان في السليمانية والبهدينانيين في العمادية، وبسطوا نفوذهم على كوردستان بعد أن عجز الجيش العثماني عن تحقيق ذلك، لأن انتصاره كان يبقى مؤقتاً في المناطق الجبلية الوعرة القاسية المناخ. واتبع العثمانيون أسلوباً آخر لتوطيد حكمهم في كوردستان، ألا وهو تشجيع الزعامات الدينية على حساب رؤساء العشائر الكوردية، فأمدّوهم بالمال والنفوذ. وقد بدأ البرزنجيون في السليمانية ينافسون آل بابان، وتمكنوا من شراء الأراضي والقرى ونشر نفوذهم الديني، وكان أبرزهم الشيخ سعيد البرزنجي الذي استكثر من شراء الأراضي الواسعة حول المدينة، وكسب مودة الشعب الكوردي في السليمانية.
ولجأ الولاة العثمانيون الذين جاؤوا بعد ذلك (1869–1914م) إلى أساليب جديدة لتشجيع العشائر الكوردية في كوردستان على الاستقرار والزراعة، فقد عرض مدحت باشا والي بغداد اقتراحاً بتفويض الأراضي الأميرية، ووضع لكل صنف منها أثماناً مناسبة تُدفع على أقساط سهلة ولمدة طويلة، وكان الهدف من ذلك تشجيع القبائل الكوردية على الاستقرار. كما كان للإصلاحات التي أراد السلطان العثماني محمود الثاني إدخالها على الإدارة، وفرض المركزية على كوردستان، أثر كبير في الأمراء والأغوات الكورد الذين رفضوا دفع الضرائب وأرادوا أن يحكموا مناطقهم في كوردستان بأنفسهم.
وعلى الرغم من محاولات الدولة العثمانية فرض سيطرتها على الكورد، فإنها لم تتمكن من ذلك، مما دفعها إلى اتباع سياسة تهجير القبائل الكوردية. ومن الأماكن التي وقع عليها الاختيار لتنفيذ هذه السياسة ليبيا، حيث نُفي إليها زعماء قبيلة الهماوند الكوردية بسبب الثورات الدائمة التي كانت تقوم بها تلك القبيلة في كوردستان في وجه العثمانيين. إلا أن مشروع توطين الكورد في ليبيا فشل بسبب عدم اندماج زعماء الهماوند الكورد في المجتمع الجديد، وتعلق الكورد الشديد بوطنهم كوردستان.
لم تنقطع انتفاضات الكورد ضد الدولة العثمانية طوال القرن التاسع عشر. وقد حاول السلطان العثماني عبد الحميد الثاني القضاء على الثورات الكوردية وعلى ثورات الأرمن، فلجأ إلى تشكيل قوات عسكرية من الكورد عُرفت بـ«الألايات الحميدية». وكانت هذه الفكرة قد طُبقت بنجاح من قبل في فارس، حيث تأثر الفرس بالروس في إنشاء فرق غير نظامية تسمى «فرسان القوقاز». وفي سنة 1891م أخذ العثمانيون الفكرة نفسها وأنشؤوا فرقاً غير نظامية من الكورد هي الألايات الحميدية، وكان الهدف من تلك القوة العسكرية إحكام سيطرة العثمانيين على الكورد أولاً، وضرب التجمعات الأرمنية والآثورية إذا ما فكرت في العصيان ثانياً.
وقد شهدت الفترة التي كان الكورد فيها عماد الفرق الحميدية زيادة ضغط العثمانيين على الكورد أنفسهم، فكُبتت كل حركة وطنية كوردية بينهم ودُمّرت، وصارت قوات الألايات الحميدية الكوردية سوط عذاب على كل خارج على النظام العثماني وعلى حكم الدولة العثمانية.
وعندما أُعلنت المشروطية العثمانية (الدستور) عبّر الكورد عن سعادتهم، معتقدين أنها تجعلهم أحراراً في دفع الضرائب، وأنها ستحقق لهم المساواة مع بقية عناصر الدولة العثمانية. إلا أن الاضطرابات الكوردية في العراق العجمي بدأت تزداد بسبب أعمال الاتحاديين (جمعية الاتحاد والترقي التركية) الجائرة، الذين بدؤوا يطبقون المركزية في الحكم على المناطق الكوردية، ويلجؤون إلى سياسة التتريك ودمج الكورد في العنصر التركي. ومما زاد الموقف سوءاً ضعف القوة العسكرية التركية في بغداد ونقصها، إضافة إلى القلاقل على الحدود الفارسية بسبب حركات وانتفاضات كوردية امتدت من عام 1911 إلى عام 1913م، ومن أشهر هذه الثورات ثورة سالار الدولة على الأسرة الحاكمة الفارسية. وقد شاركت في هذه الثورة بعض القبائل الكوردية القاطنة على جانبي الحدود العراقية–الفارسية. ولم يكن سالار الدولة كوردياً، بل كان ابن عم شاه فارس أو زوج أخته، ولكنه قام بتحركه في كوردستان، وحاول كسب العشائر الكوردية إلى جانبه ضد الحكومة المركزية الفارسية، فسانده بعض الكورد نكاية بحكم الشاه، لا اقتناعاً بحركة سالار الدولة الذي كان يهدف إلى الوصول إلى حكم بلاد فارس.
وهناك حادثان كان لهما تأثير كبير في الكورد في تلك الفترة، أولهما مقتل الشيخ سعيد البرزنجي، والثاني إعدام الشيخ عبد السلام البارزاني. أما الأول، الشيخ سعيد البرزنجي، فهو الزعيم الديني والسياسي لأكراد السليمانية، ولمقتله في الموصل أهمية كبيرة بسبب مكانته، إذ انشغل الناس والحكومة العثمانية بهذا الحادث لما أحاط به من ملابسات سياسية وقومية، ولا أدلّ على تلك الأهمية من أن الناس في الموصل أرّخوا بذلك الحدث الأحداث والولادات التي تلته. وقد أدى مقتل الشيخ سعيد البرزنجي في مدينة الموصل إلى انقطاع الصلات التجارية والسفر بين الموصل والسليمانية مدة طويلة، نتيجة لما تولد من العداوة والبغضاء بين سكان المدينتين.
ويبدو أن السبب الرئيس في مقتله هو رغبة رجال الاتحاد والترقي في التخلص من هذا الشيخ، لما له من نفوذ كبير بين الكورد في كوردستان، ولعلاقته الوطيدة بالسلطان العثماني عبد الحميد الثاني، الذي بقي الشيخ سعيد البرزنجي على اتصال دائم به بعد عزله. وبعد مقتله ثارت العشائر الكوردية في السليمانية، وبخاصة قبائل الهماوند، مما اضطر الحكومة العثمانية إلى التدخل بحزم لإيقاف الفوضى السائدة في مدينتي الموصل والسليمانية.
أما الحادث الثاني فهو إعدام الشيخ عبد السلام البارزاني، وهو شيخ عشيرة بارزان الكوردية وزعيمها في كوردستان (العراق العجمي)، وهي عشيرة تضم قبائل عديدة، من أهمها شيرواني ومزوري وهركي وبرواري. وقد لعب البارزانيون في هذه الفترة دوراً كبيراً في مهاجمة القوات العثمانية التي كانت تُرسل ضدهم، وبقيت الحال على هذا الوضع حتى وصل إلى الموصل الوالي سليمان نظيف عام 1912م، فكان شغله الشاغل القضاء على ثورة البارزانيين، واستطاع الانتصار عليهم واحتلال القرى البارزانية.
وعندما حدث ذلك لجأ الشيخ عبد السلام البارزاني إلى فارس، ولكنه وقع بعد ذلك في الأسر، وأُرسل إلى الموصل حيث حوكم وحُكم عليه بالإعدام شنقاً هو وثلاثة من أعوانه، ونُفذ الحكم في كانون الأول (ديسمبر) سنة 1914م.
وفي عام 1914م قامت الحرب العالمية الأولى، واشترك فيها الكورد ولم تكن لهم فيها مصلحة، إذ لم تكن لهم دولة خاصة يدافعون عنها، ولا مصالح قومية تحتم عليهم الدخول طرفاً في النزاع. وبالرغم من ذلك وجد الكورد أنفسهم وقد جرفتهم أحداث الحرب العالمية الأولى إلى الاشتراك في القتال على الجبهتين القوقازية والعراقية، فقد انضموا إلى جانب العثمانيين (تركيا) في الحرب، وتمكن الأتراك من توجيههم لقتال الآثوريين والأرمن الذين تحالفوا مع الحلفاء ضد العثمانيين. وقد أصيب الكورد بخسائر فادحة، شأنهم في ذلك شأن الشعوب الأخرى التي اشتركت في الحرب وتورطت فيها، ولكنهم أثبتوا أنهم مفيدون للأتراك في أداء المهمات التي كُلفوا بها.
أجزاء «جغرافية كوردستان وحدودها منذ القدم» (3 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث